Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Haqqah 69:42–52
69:42Page 568
وَلَا بِقَوۡلِ كَاهِنٖۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٤٢
Nor the word of a soothsayer; little do you remember.
﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ كَما تَدَّعُونَ مَرَّةً أُخْرى ﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ تَذَكَّرُونَ تَذَكُّرًا قَلِيلًا فَلِذَلِكَ يَلْتَبِسُ الأمْرُ عَلَيْكم وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ إعْرابًا كالكَلامِ فِيما قَبْلَهُ وكَذا القِراءَةُ وذِكْرُ الإيمانِ مَعَ نَفْيِ الشّاعِرِيَّةِ والتَّذَكُّرِ مَعَ نَفْيِ الكاهِنِيَّةِ قِيلَ لِما أنَّ عَدَمَ مُشابَهَةِ القُرْآنِ الشِّعْرَ أمْرٌ بَيِّنٌ لا يُنْكِرُهُ إلّا مُعانِدٌ فَلا
صفحة 54
عُذْرَ لِمُدَّعِيها في تَرْكِ الإيمانِ وهو أكْفَرُ مِن حِمارٍ بِخِلافِ مُبايَنَتِهِ لِلْكِهانَةِ فَإنَّها تَتَوَقَّفُ عَلى تَذَكُّرِ أحْوالِهِ ﷺ ومَعانِي القُرْآنِ المُنافِيَةِ لِطَرِيقِ الكِهانَةِ ومَعانِي أقْوالِهِمْ وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ أيْضًا مِمّا يَتَوَقَّفُ عَلى تَأمُّلٍ قَطْعًا وأُجِيبُ بِأنَّهُ يَكْفِي في الغَرَضِ الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ تَوَقُّفَ الأوَّلِ دُونَ تَوَقُّفِ الثّانِي.
69:43–44Page 568
تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٣
[It is] a revelation from the Lord of the worlds.
وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ ٤٤
And if he [i.e., Muḥammad] had made up about Us some [false] sayings,
﴿تَنْزِيلٌ﴾ أيْ هو تَنْزِيلٌ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ نَزَّلَهُ سُبْحانَهُ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَأ أبُو =السَّمالِ «تَنْزِيلًا» بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ نَزَّلَهُ تَنْزِيلًا ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ التَّقَوُّلُ الِافْتِراءُ وسُمِّي تَقَوُّلًا لِأنَّهُ قَوْلٌ مُتَكَلِّفٌ والأقاوِيلُ الأقْوالُ المُفْتَراةُ وهي جَمْعُ قَوْلٍ عَلى غَيْرِ القِياسِ أوْ جَمْعُ أقْوالٍ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ كَأناعِيمَ جَمْعُ أنْعامٍ، وأبابِيتَ جَمْعُ أبْياتٍ.
وفِي الكَشّافِ سُمِّيَ الأقْوالُ المُتَقَوِّلَةُ أقاوِيلَ تَصْغِيرًا لَها وتَحْقِيرًا كَقَوْلِكَ الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ. وتَعَقَّبَهُ ابْنُ =المُنِيرِ بِأنَّ أُفْعُولَةً مِنَ القَوْلِ غَرِيبٌ عَنِ القِياسِ التَّصْرِيفِيِّ وأُجِيبُ بِأنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ مُرادَهُ أنَّهُ جَمْعٌ لِمُفْرَدٍ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ لِأنَّهُ لا وجْهَ لِاخْتِصاصِهِ بِالِافْتِراءِ غَيْرَ ما ذُكِرَ والأحْسَنُ أنْ يُقالَ بِمَنعِ اخْتِصاصِهِ وضْعًا وأنَّهُ جَمْعٌ عَلى ما سَمِعْتَ والتَّحْقِيرُ جاءَ مِنَ السِّياقِ والمُرادُ لَوِ ادَّعى عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ.
69:45–46Page 568
لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ ٤٥
We would have seized him by the right hand;1
ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ ٤٦
Then We would have cut from him the aorta.1
﴿لأخَذْنا مِنهُ﴾ أيْ لَأمْسَكْناهُ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿بِاليَمِينِ﴾ أيْ بَيانٌ بِيَمِينِهِ بَعْدَ الإبْهامِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشَّرْحِ: 1] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ أيْ وتِينَهُ وهو كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ نِياطُ القَلْبِ الَّذِي إذا انْقَطَعَ ماتَ صاحِبُهُ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الحَبْلُ الَّذِي في الظَّهْرِ وهو النُّخاعُ. وقالَ الكَلْبِيُّ هو عِرْقٌ بَيْنَ العِلْباءِ وهي عَصَبُ العُنُقِ والحُلْقُومِ وقِيلَ عِرْقٌ غَلِيظٌ تُصادِفُهُ شَفْرَةُ النّاحِرِ ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ بْنِ ضِرارٍ:
إذا بَلَّغَتْنِي وحَمَلَتْ رَحْلِي عَرّابَةٌ فاشْرُقِي بِدَمِ الوَتِينِ
وهَذا تَصْوِيرٌ لِلْإهْلاكِ بِأفْظَعِ ما يَفْعَلُهُ المُلُوكُ بِمَن يَغْضَبُونَ عَلَيْهِ وهو أنْ يَأْخُذَ القِتالَ بِيَمِينِهِ ويَكْفَحَهُ بِالسَّيْفِ ويَضْرِبَ عُنُقَهُ.
وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى لَقَطَعْنا يَمِينَهُ ثُمَّ لَقَطْعْنا وتِينَهُ عِبْرَةً ونَكالًا والباءُ عَلَيْهِ زائِدَةٌ وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اليَمِينَ بِمَعْنى القُوَّةِ والمُرادُ أُخِذَ بِعُنْفٍ وشِدَّةٍ وضَعُفَ بِأنَّ فِيهِ ارْتِكابَ مَجازٍ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ وأنَّهُ يَفُوتُ فِيهِ التَّصْوِيرُ والتَّفْصِيلُ والإجْمالُ ويَصِيرُ مِنهُ زائِدًا لا فائِدَةَ فِيهِ. وقَرَأ ذَكْوانُ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ «ولَوْ يُقَوَّلُ» مُضارِعٌ قالَ وقُرِئَ «ولَوْ ﴿تَقَوَّلَ﴾» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَنائِبُ الفاعِلِ ﴿بَعْضَ﴾ إنْ كانَ قَدْ قُرِئَ مَرْفُوعًا وإنْ كانَ قَدْ قُرِئَ مَنصُوبًا فَهو عَلَيْنا.
69:47Page 568
فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ ٤٧
And there is no one of you who could prevent [Us] from him.
﴿فَما مِنكُمْ﴾ أيُّها النّاسُ ﴿مِن أحَدٍ عَنْهُ﴾ أيْ عَنْ هَذا الفِعْلِ وهو القَتْلُ ﴿حاجِزِينَ﴾ أيْ مانِعِينَ يَعْنِي فَما يُمْنَعُ أحَدٌ عَنْ قَتْلِهِ واسْتَظْهَرَ عَوْدُ ضَمِيرِ ( عَنْهُ ) لِمَن عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ ( تَقَوَّلَ ) والمَعْنى فَما يَحُولُ أحَدٌ بَيْنَنا وبَيْنَهُ والظّاهِرُ في ﴿حاجِزِينَ﴾ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِما عَلى لُغَةِ الحِجازِيِّينَ لِأنَّهُ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ ( ومِن ) زائِدَةٌ ( وأحَدٍ ) اسْمُها ( ومِنكم ) قِيلَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ فَلَمّا تَقَدَّمَ أُعْرِبَ حالًا كَما هو الشّائِعُ في نَعْتِ النَّكِرَةِ إذا تَقَدَّمَ عَلَيْها ونُظِرَ في ذَلِكَ وقِيلَ لِلْبَيانِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِحاجِزِينَ كَما تَقُولُ ما فِيكَ زَيْدٌ راغِبًا.
ولا يَمْنَعُ هَذا الفَصْلُ مِنِ انْتِصابِ خَبَرِ (ما ) وقالَ الحَوْفِيُّ وغَيْرُهُ إنَّ ( حاجِزِينَ ) نَعْتٌ لِأحَدٍ وجَمْعٌ عَلى المَعْنى لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ يَقَعُ في النَّفْيِ العامِّ لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ ومِنهُ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البَقَرَةِ: 285] ( و﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ ) [الأحْزابِ: 32] فَأحَدٌ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ( مِنكم ) وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ النَّفْيَ يَتَسَلَّطُ عَلى الخَبَرِ وهو كَيْنُونَتُهُ مِنكم فَلا يَتَسَلَّطُ عَلى الحَجْزِ مَعَ أنَّهُ الحَقِيقُ بِتَسَلُّطِهِ عَلَيْهِ.
69:48–50Page 568
وَإِنَّهُۥ لَتَذۡكِرَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٨
And indeed, it [i.e., the Qur’ān] is a reminder for the righteous.
وَإِنَّا لَنَعۡلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ ٤٩
And indeed, We know that among you are deniers.
وَإِنَّهُۥ لَحَسۡرَةٌ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٠
And indeed, it will be [a cause of] regret upon the disbelievers.
﴿وإنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ فَنُجازِيهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ وقِيلَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ والمَعْنى أنَّ مِنهم ناسًا سَيَكْفُرُونَ بِالقُرْآنِ ﴿وإنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿لَحَسْرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ وقالَ مُقاتِلٌ وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لِحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ فَأعادا الضَّمِيرَ لِلْمَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿مُكَذِّبِينَ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ.
صفحة 55
69:51–52Page 568
وَإِنَّهُۥ لَحَقُّ ٱلۡيَقِينِ ٥١
And indeed, it is the truth of certainty.
فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ ٥٢
So exalt the name of your Lord, the Most Great.
﴿وإنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ أيْ لِلْيَقِينِ حَقُّ اليَقِينِ والمَعْنى لَعَيْنُ اليَقِينِ فَهو عَلى نَحْوِ عَيْنِ الشَّيْءِ ونَفْسِهِ والإضافَةُ بِمَعْنى اللّامِ عَلى ما صُرِّحَ بِهِ في الكَشْفِ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ فِيهِ عَلى مَعْنى مِن أيِ الحَقِّ الثّابِتِ مِنَ اليَقِينِ وقَدْ تَقَدَّمَ في الواقِعَةِ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَتَذَكَّرْهُ وذَكَرَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم أنَّ أعْلى مَراتِبِ العِلْمِ حَقُّ اليَقِينِ ودُونَهُ عَيْنُ اليَقِينِ ودُونَهُ عِلْمُ اليَقِينِ فالأوَّلُ كَعِلْمِ العاقِلِ بِالمَوْتِ إذا ذاقَهُ والثّانِي كَعِلْمِهِ بِهِ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلائِكَتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
والثّالِثُ كَعِلْمِهِ بِهِ في سائِرِ أوْقاتِهِ وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ يُطْلَبُ مِن كُتُبِهِمْ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ أيْ فَسَبَّحِ اللَّهَ تَعالى بِذِكْرِ اسْمِهِ العَظِيمِ تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الرِّضا بِالتَّقَوُّلِ عَلَيْهِ وشُكْرًا عَلى ما أوْحى إلَيْكَ مِن هَذا القُرْآنِ الجَلِيلِ الشَّأْنِ وقَدْ مَرَّ نَحْوُ هَذا في الواقِعَةِ أيْضًا فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ أرَدْتَ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences