Al-AlusiAl‑A'raf · 7:111–122

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:111–122

7:111Page 164

قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَأَرۡسِلۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ١١١

They said,1 "Postpone [the matter of] him and his brother and send among the cities gatherers

﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ أيْ: أخِّرْ أمَرَهُما وأصْدِرْهُما عَنْكَ ولا تُعَجِّلْ في أمْرِهِما حَتّى تَرى رَأْيَكَ فِيهِما، وقِيلَ: احْبِسْهُما، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مِنهُ الحَبْسُ.

وأُجِيبَ بِأنَّ الأمْرَ بِهِ لا يُوجِبُ وُقُوعَهُ، وقِيلَ عَلَيْهِ أيْضًا: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى الحَبْسِ بَعْدَ أنْ رَأى ما رَأى، وقَوْلُهُ: ﴿لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ في الشُّعَراءِ كانَ قَبْلَ هَذا، وأُجِيبَ بِأنَّ القائِلِينَ لَعَلَّهم لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ مِنهُ، وقالَ أبُو مَنصُورٍ: الأمْرُ بِالتَّأْخِيرِ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَقَدَّمَ مِنهُ أمْرٌ آخَرُ، وهو الهَمُّ بِقَتْلِهِ، فَقالُوا: أخِّرْهُ لِيَتَبَيَّنَ حالُهُ لِلنّاسِ، ولَيْسَ بِلازِمٍ كَما لا يَخْفى، وأصْلُ أرْجِهْ أرْجِئْهُ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ وهاءٍ مَضْمُومَةٍ دُونَ واوٍ ثُمَّ

صفحة 22

حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وسُكِّنَتِ الهاءُ لِتَشْبِيهِ المُنْفَصِلِ بِالمُتَّصِلِ، وجُعِلَ أرْجِهْ كَإبْلٍ في إسْكانِ وسَطِهِ، وبِذَلِكَ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ، ويَعْقُوبُ عَلى أنَّهُ مِن أرْجاتُ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وهِشامٍ وابْنِ عامِرٍ: (أرْجِئْهُو) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ وهاءٍ مُتَّصِلَةٍ بِواوِ الإشْباعِ.

وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ وإسْماعِيلُ والكِسائِيُّ: (أرْجِهِي) بَهاءٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ مِن أرْجَيْتُ، وفي رِوايَةِ قالُونَ: (أنْ أرْجِهِ) بِحَذْفِ الياءِ لِلِاكْتِفاءِ عَنْها بِالكَسْرَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ (أرْجِئْهِ) بِالهَمْزَةِ وكَسْرِ الهاءِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ ضَمَّ الهاءِ وكَسْرَها والهَمْزَ وعَدَمَهُ لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ، وهَلْ هُما مادَّتانِ أوِ الياءُ بَدَلٌ مِنَ الهَمْزَةِ كَتَوَضَّأْتُ وتَوَضَّيْتُ؟ قَوْلانِ، وطُعِنَ في القِراءَةِ عَلى رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ، فَقالَ الحُوفِيُّ: إنَّها لَيْسَتْ بِجَيِّدَةٍ، وقالَ الفارِسِيُّ: إنَّ ضَمَّ الهاءِ مَعَ الهَمْزَةِ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ وكَسْرُها غَلَطٌ؛ لِأنَّ الهاءَ لا تُكْسَرُ إلّا بَعْدَ ياءٍ ساكِنَةٍ أوْ كَسْرَةٍ، وأُجِيبَ كَما قالَ الشِّهابُ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الهَمْزَةَ ساكِنَةٌ، والحَرْفُ السّاكِنُ حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ؛ فَكَأنَّ الهاءَ ولِيَتِ الجِيمَ المَكْسُورَةَ فَلِذا كُسِرَتْ، والثّانِي أنَّ الهَمْزَةَ عُرْضَةٌ لِلتَّغْيِيرِ كَثِيرًا بِالحَذْفِ وإبْدالِها ياءً إذا سَكَنَتْ بَعْدَ كَسْرَةٍ، فَكَأنَّها ولِيَتْ ياءً ساكِنَةً فَلِذا كُسِرَتْ. وأوْرَدَ عَلى ذَلِكَ أبُو شامَةَ أنَّ الهَمْزَةَ تُعَدُّ حاجِزًا، وأنَّ الهَمْزَةَ لَوْ كانَتْ ياءً كانَ المُخْتارُ الضَّمَّ نَظَرًا لِأصْلِها ولَيْسَ بِشَيْءٍ بَعْدَ أنْ قالُوا: إنَّ القِراءَةَ مُتَواتِرَةٌ وما ذُكِرَ لُغَةٌ ثابِتَةٌ عَنِ العَرَبِ، هَذا واسْتُشْكِلَ الجَمْعُ بَيْنَ ما هُنا وما في الشُّعَراءِ، فَإنَّ فِيها: ﴿قالَ لِلْمَلإ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ وهو صَرِيحٌ في أنَّ ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ﴾ إلى: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ كَلامُ فِرْعَوْنَ، وما هُنا صَرِيحٌ في نِسْبَةِ قَوْلِ ذَلِكَ لِلْمَلَأِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ فَكَيْفَ يَخْتَلِفُ القائِلُ في المَوْضِعَيْنِ؟ وهَلْ هَذا إلّا مُنافاةٌ؟ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا مُنافاةَ لِاحْتِمالَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ هَذا الكَلامَ قالَهُ فِرْعَوْنُ والمَلَأُ مِن قَوْمِهِ فَهو كَوَقْعِ الحافِرِ عَلى الحافِرِ، فَنُقِلَ في الشُّعَراءِ كَلامُهُ وهُنا كَلامُهُمْ، والثّانِي أنَّ هَذا الكَلامَ قالَهُ فِرْعَوْنُ ابْتِداءً، ثُمَّ قالَهُ المَلَأُ إمّا بِطْرِيقِ الحِكايَةِ لِأوْلادِهِمْ وغَيْرِهِمْ وإمّا بِطَرِيقِ التَّبْلِيغِ لِسائِرِ النّاسِ فَما في الشُّعَراءِ كَلامُ فِرْعَوْنَ ابْتِداءً، وما هُنا كَلامُ المَلَأِ نَقْلًا عَنْهُ.

واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ ما هُنا هو قَوْلُ المَلَأِ نَقْلًا عَنْ فِرْعَوْنَ بِطَرِيقِ التَّبْلِيغِ لا غَيْرُ؛ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا سَمِعُوهُ خاطَبُوا فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِمْ: أرْجِهْ إلَخْ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ كَلامَ المَلَأِ ابْتِداءً لَكانَ المُطابِقُ أنْ يُجِيبُوهم بِأرْجِئُوا، ولا سَبِيلَ إلى أنَّهُ كانَ نَقْلًا بِطَرِيقِ الحِكايَةِ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ مُؤامَرَةً ومُشاوَرَةً مَعَ القَوْمِ فَلَمْ يَتَّجِهْ جَوابُهم أصْلًا، فَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ التَّبْلِيغِ؛ فَلِذا خاطَبُوهُ بِالجَوابِ. بَقِيَ أنْ يُقالَ: هَذا الجَوابُ بِالتَّأْخِيرِ في الشُّعَراءِ كَلامُ المَلَأِ لِفِرْعَوْنَ، وهاهُنا كَلامُ سائِرِ القَوْمِ، لَكِنْ لا مُنافاةَ لِجَوازِ تَطابُقِ الجَوابَيْنِ. وقَوْلُ شَيْخِ الإسْلامِ: إنَّ كَوْنَ ذَلِكَ جَوابَ العامَّةِ يَأْباهُ أنَّ الخِطابَ لِفِرْعَوْنَ، وأنَّ المُشاوَرَةَ لَيْسَتْ مِن وظائِفِهِمْ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ الأمْرَ العَظِيمَ الَّذِي تُصِيبُ تَبِعَتُهُ أهْلَ البَلَدِ يُشاوِرُ فِيهِ المَلِكُ الحازِمُ عَوامَّهم وخَواصَّهُمْ، وقَدْ يَجْمَعُهم لِذَلِكَ ويَقُولُ لَهُمْ: ماذا تَرَوْنَ فَهَذا أمْرٌ لا يُصِيبُنِي وحْدِي ورُبَّ رَأْيٍ حَسَنٍ عِنْدَ مَن لَمْ يُظَنَّ بِهِ. عَلى أنَّ في ذَلِكَ جَمْعًا لِقُلُوبِهِمْ عَلَيْهِ وعَلى الِاحْتِفالِ بِشَأْنِهِ، وقَدْ شاهَدْنا أنَّ الحَوادِثَ العِظامَ يُلْتَفَتُ فِيها إلى العَوامِّ، وأمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن أعْظَمِ الحَوادِثِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أنْ شاهَدَ مِنهُ ما شاهَدَهُ، ثُمَّ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ المَلَأِ، واسْتَظْهَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ مَعَ كَلامِهِمْ مِن غَيْرِ فاصِلٍ، فالأنْسَبُ أنْ يَكُونَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِمْ، وقالَ الفَرّاءُ، والجُبّائِيُّ: إنَّ كَلامَ المَلَأِ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾

صفحة 23

ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ: فَماذا تَأْمُرُونَ؟ قالُوا: أرْجِهْ، وحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ كَما قالَ القُطْبُ أنْ يَكُونَ كَلامُ المَلَأِ مَعَ فِرْعَوْنَ وخِطابُ الجَمْعِ في يُخْرِجَكم إمّا لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ أوْ لِاعْتِبارِهِ مَعَ خَدَمِهِ وأعْوانِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ والمُشاوَرَةُ مِنهُ. ثُمَّ قالَ: وإنَّما التَزَمُوا هَذا التَّعَسُّفَ لِيَكُونَ مُطابِقًا لِما في الشُّعَراءِ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، وقَوْلَهُ: ﴿أرْجِهْ وأخاهُ﴾ كَلامُ المَلَأِ. لَكِنْ ما ارْتَفَعَتِ المُخالَفَةُ بِالمَرَّةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكُمْ﴾ كَلامُ فِرْعَوْنَ لِلْمَلَأِ. وفي هَذِهِ السُّورَةِ عَلى ما وجَّهُوهُ كَلامُ المَلَأِ لِفِرْعَوْنَ، ولَعَلَّهم يَحْمِلُونَ عَلى أنَّهُ قالَهُ لَهم مَرَّةً وقالُوهُ لَهُ أُخْرى انْتَهى.

ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ المَلَأ لَمّا رَأوْا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما رَأوْا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تُشِيرُونَ وما تَسْتَحْسِنُونَ في أمْرِهِ؟ ولَمّا رَآهم فِرْعَوْنُ أنَّهم مُهْتَمُّونَ مِن ذَلِكَ قالَ لَهم تَنْشِيطًا لَهم وتَصْوِيبًا لِما هم عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يُجِيبَ بَعْضُهم بَعْضًا بِما عِنْدَهُ مِثْلَ ما قالُوهُ فِيما بَيْنَهم فالتَفَتُوا إلَيْهِ وقالُوا: أرْجِهْ وأخاهُ، فَحَكى سُبْحانَهُ هُنا مُشاوَرَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وعَرْضَ ما عِنْدَهم عَلى فِرْعَوْنَ أوَّلَ وهْلَةٍ قَبْلَ ذِكْرِهِ فِيما بَيْنَهُمْ، وحَكى في الشُّعَراءِ كَلامَهُ لَهم ومُشاوَرَتَهُ إيّاهُمُ الَّتِي هي طِبْقُ مُشاوَرَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا المَحْكِيَّةِ هُنا وجَوابِهِمْ لَهُ بَعْدَ تِلْكَ المُشاوَرَةِ، وعَلى هَذا لا يَدْخُلُ العَوّامُ في الشُّورى، ويَكُونُ هاهُنا أبْلَغَ في ذَمِّ المَلَأِ فَلْيُتَدَبَّرْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.

﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ﴾ أيِ البِلادِ؛ جَمْعُ مَدِينَةٍ، وهي مِن مَدَنَ بِالمَكانِ كَنَصَرَ إذا أقامَ بِهِ، ولِكَوْنِ الياءِ زائِدَةً كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ تُقْلَبُ هَمْزَةً في الجَمْعِ، وأُرِيدَ بِها مُطْلَقُ المَدائِنِ، وقِيلَ: مَدائِنُ صَعِيدِ مِصْرَ.

﴿حاشِرِينَ﴾ أيْ: رِجالًا يَجْمَعُونَ السَّحَرَةَ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالشُّرَطِ وهم أعْوانُ الوُلاةِ؛ لِأنَّهم يَجْعَلُونَ لَهم عَلامَةً، ويُقالُ لِلْواحِدِ شُرْطِيٌّ بِسُكُونِ الرّاءِ نِسْبَةً لِلشُّرْطَةِ، وحَكى في القامُوسِ فَتْحَها أيْضًا، وفي الأساسِ أنَّهُ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ نِسْبَةٌ إلى الشُّرَطِ الَّذِي هو جَمْعٌ، ونُصِبَ الوَصْفُ عَلى أنَّهُ صِفَةُ المَحْذُوفِ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أيْضًا كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ الأجْهُورِيُّ

7:112Page 164

يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٖ ١١٢

Who will bring you every learned magician."

﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ: ماهِرٍ في السِّحْرِ، والفِعْلُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الطَّلَبِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (سَحّارٍ) وجاءَ فِيهِ الإمالَةُ وعَدَمُها وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ الَّذِي يُدِيمُ السِّحْرَ، والسّاحِرُ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ سَحَرَ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، وقِيلَ: السّاحِرُ هو المُبْتَدِئُ في صِناعَةِ السِّحْرِ، والسَّحّارُ هو المُنْتَهِي الَّذِي يُتَعَلَّمُ مِنهُ ذَلِكَ،

7:113Page 164

وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرۡعَوۡنَ قَالُوٓاْ إِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ١١٣

And the magicians came to Pharaoh. They said, "Indeed for us is a reward if we are the predominant."

﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ بَعْدَ ما أرْسَلَ إلَيْهِمُ الحاشِرِينَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِلْإيذانِ بِمُسارَعَةِ فِرْعَوْنَ بِالإرْسالِ ومُبادَرَةِ الحاشِرِينَ والسَّحَرَةِ إلى الِامْتِثالِ.

واخْتُلِفَ في عِدَّتِهِمْ. فَعَنْ كَعْبٍ أنَّهُمُ اثْنا عَشَرَ ألْفًا، وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وعَنْ أبِي ثُمامَةَ سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وفي رِوايَةٍ تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وعَنِ السُّدِّيِّ بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ ألْفًا، وعَنْ أبِي بَزَّةَ أنَّهم سَبْعُونَ ألْفًا، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ثَمانُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ قالَ: السَّحَرَةُ ثَلاثُمِائَةٍ مِن قَوْمِهِ وثَلاثُمِائَةٍ مِنَ العَرِيشِ، ويَشُكُّونَ في ثَلاثِمِائَةٍ مِنَ الإسْكَنْدَرِيَّةِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم كانُوا سَبْعِينَ ساحِرًا، وقَدْ أخَذُوا السِّحْرَ مِن رَجُلَيْنِ مَجُوسِيَّيْنِ مِن أهْلِ نِينَوى مَدِينَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، والظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّتِهِ؛ لِأنَّ المَجُوسِيَّةَ

صفحة 24

ظَهَرَتْ زَمَنَ زَرادِشْتَ عَلى المَشْهُورِ، وهو إنَّما جاءَ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْمُ رَئِيسِهِمْ كَما قالَ مُقاتِلٌ: شَمْعُونُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو يُوحَنّا، وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ نَقْلًا عَنْ عُلَماءِ السِّيَرِ: إنَّ رُؤَساءَهم سابُورُ وعازُورُ وحُطْحُطُ ومُصَفّى.

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ ولِذا لَمْ يُعْطَفُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لَهُ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ إيّاهُ؟ فَقِيلَ: قالُوا إلَخْ، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ إنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ جاءُوا أيْ: جاءُوا قائِلِينَ: ﴿إنَّ لَنا لأجْرًا﴾ أيْ: عِوَضًا وجَزاءً عَظِيمًا.

﴿إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ والمَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ إيجابُ الأجْرِ واشْتِراطُهُ كَأنَّهم قالُوا: بِشَرْطِ أنْ تَجْعَلَ لَنا أجْرًا إنْ غَلَبْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ أداةِ الِاسْتِفْهامِ وهو مُطَّرِدٌ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وغَيْرُهُ: (أئِنْ) بِإثْباتِ الهَمْزَةِ وتَوافُقُ القِراءَتَيْنِ أوْلى مِن تَخالُفِهِما، ومِن هُنا رَجَّحَ الواحِدِيُّ هَذا الِاحْتِمالَ، وذُكِرَ الشَّرْطُ لِمُجَرَّدِ تَعْيِينِ مَناطِ ثُبُوتِ الأجْرِ لا لِتَرَدُّدِهِمْ في الغَلَبَةِ، وقِيلَ: لَهُ، وتَوْسِيطُ الضَّمِيرِ وتَحْلِيَةُ الخَبَرِ بِاللّامِ لِلْقَصْرِ، أيْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ لا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

7:114Page 164

قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ لَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ١١٤

He said, "Yes, and, [moreover], you will be among those made near [to me]."

﴿قالَ نَعَمْ﴾ إنَّ لَكم لَأجْرًا.

﴿وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ هو عَيْنُ الكَلامِ السّابِقِ الدّالُّ عَلَيْهِ حَرْفُ الإيجابِ، ويُسَمّى مِثْلُ هَذا عَطْفَ التَّلْقِينِ، ومَن قالَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى السّابِقِ أرادَ ما ذَكَرْنا، والمَعْنى: إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ ذَلِكَ لَمِنَ المُقَرَّبِينَ، أيْ: إنِّي لا أقْتَصِرُ لَكم عَلى العَطاءِ وحْدَهُ، وإنَّ لَكم مَعَهُ ما هو أعْظَمُ مِنهُ وهو التَّقْرِيبُ والتَّعْظِيمُ؛ لِأنَّ مَن أُعْطِيَ شَيْئًا إنَّما يَتَهَنَّأُ بِهِ، ويَغْتَبِطُ إذا نالَ مَعَهُ الكَرامَةَ والرِّفْعَةَ، وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ والتَّحْرِيضِ ما لا يَخْفى، ورُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ قالَ لَهُمْ: تَكُونُونَ أوَّلَ مَن يَدْخُلُ مَجْلِسِي وآخِرَ مَن يَخْرُجُ عَنْهُ.

7:115Page 164

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحۡنُ ٱلۡمُلۡقِينَ ١١٥

They said, "O Moses, either you throw [your staff], or we will be the ones to throw [first]."

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَنَظِيرِهِ السّابِقِ، ﴿يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ ما تُلْقِي أوَّلًا، ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ لِما نُلْقِي أوَّلًا أوِ الفاعِلِينَ لِلْإلْقاءِ أوَّلًا، خَيَّرُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبَدْءِ بِالإلْقاءِ مُراعاةً لِلْأدَبِ؛ ولِذَلِكَ كَما قِيلَ: مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِما مَنَّ، أوْ إظْهارًا لِلْجَلادَةِ وأنَّهُ لا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِمُ الحالُ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، ولَكِنْ كانَتْ رَغْبَتُهم في التَّقْدِيمِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُهم لِلنَّظْمِ بِتَعْرِيفِ الخَبَرِ وتَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ وتَوْكِيدِ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ، والظّاهِرُ أنَّهُ وقَعَ في المَحْكِيِّ كَذَلِكَ بِما يُرادِفُهُ، وقَوْلُ الجَلالِ السُّيُوطِيِّ: إنَّ الضَّمِيرَ المُنْفَصِلَ إمّا أنْ يَكُونَ فَصْلًا أوْ تَأْكِيدًا ولا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهُما لِأنَّهُ عَلى الأوَّلِ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وعَلى الثّانِي لَهُ مَحَلٌّ كالمُؤَكِّدِ -وهْمٌ كَما لا يَخْفى.

وفَرَّقَ الطِّيبِيُّ بَيْنَ كَوْنِ الضَّمِيرِ فَصْلًا وبَيْنَ كَوْنِهِ تَوْكِيدًا بِأنَّ التَّوْكِيدَ يَرْفَعُ التَّجَوُّزَ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ فَيَلْزَمُ التَّخْصِيصُ مِن تَعْرِيفِ الخَبَرِ، أيْ: نَحْنُ نُلْقِي البَتَّةَ لا غَيْرُنا، والفَصْلُ يُخَصِّصُ الإلْقاءَ بِهِمْ لِتَخْصِيصِ المُسْنَدِ بِالمُسْنِدِ إلَيْهِ فَيَعْرى عَنِ التَّوْكِيدِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ.

7:116Page 164

قَالَ أَلۡقُواْۖ فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ سَحَرُوٓاْ أَعۡيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ وَجَآءُو بِسِحۡرٍ عَظِيمٖ ١١٦

He said, "Throw," and when they threw, they bewitched the eyes of the people and struck terror into them, and they presented a great [feat of] magic.1

﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ -وُثُوقًا بِشَأْنِهِ وتَحْقِيرًا لَهم وعَدَمِ مُبالاةٍ بِهِمْ-: ﴿ألْقُوا﴾ أنْتُمْ ما تُلْقُونَ أوَّلًا، وبِما ذَكَرْنا يُعْلَمُ جَوابُ ما يُقالُ: إنَّ إلْقاءَهم مُعارَضَةٌ لِلْمُعْجِزَةِ بِالسِّحْرِ وهي كُفْرٌ، والأمْرُ بِهِ مِثْلُهُ. فَكَيْفَ أمَرَهم وهو هُوَ؟ وحاصِلُ الجَوابِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وإنَّما وقَعَ التَّخْيِيرُ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿أوَّلَ مَن ألْقى﴾ فَجَوَّزَ لَهُمُ التَّقْدِيمَ لا لِإباحَةِ فِعْلِهِمْ بَلْ لِتَحْقِيرِهِمْ، ولَيْسَ هُناكَ دَلالَةٌ عَلى الرِّضا بِتِلْكَ المُعارَضَةِ، وقَدْ يُقالُ أيْضًا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أذِنَ لَهم لِيُبْطِلَ سِحْرَهُمْ، فَهو إبْطالٌ لِلْكُفْرِ بِالآخِرَةِ وتَحْقِيقٌ لِمُعْجِزَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى هَذا

صفحة 25

يُحْمَلُ ما جاءَ في بَعْضِ الآثارِ مِن أنَّهم لَمّا قالُوا سَمْعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُنادِيًا يَقُولُ: بَلْ ألْقُوا أنْتُمْ يا أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى، فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مِن ذَلِكَ حَتّى أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ ذَلِكَ، ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْا وكانَ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم حَبْلٌ وعَصًا ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ بِأنْ خَيَّلُوا إلَيْها ما الحَقِيقَةُ بِخِلافِهِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ سَحَرُوا النّاسَ. فالآيَةُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أيْ: أرْهَبُوهم إرْهابًا شَدِيدًا كَأنَّهم طَلَبُوا إرْهابَهم ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في بابِهِ.

يُرْوى أنَّهم ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا فَإذا حَيّاتٌ كَأمْثالِ الجِبالِ قَدْ مَلَأتِ الوادِيَ يَرْكَبُ بَعْضُها بَعْضًا.

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ الأرْضَ كانَ سِعَتُها مِيلًا في مِيلٍ وقَدِ امْتَلَأتْ مِنَ الحَيّاتِ والأفاعِي، ويُقالُ: إنَّهم طَلَوْا تِلْكَ الحِبالَ بِالزِّئْبَقِ ولَوَّنُوها وجَعَلُوا داخِلَ العِصِيِّ زِئْبَقًا أيْضًا وألْقَوْها عَلى الأرْضِ، فَلَمّا أثَّرَ حَرُّ الشَّمْسِ فِيها تَحَرَّكَتْ والتَوى بَعْضُها عَلى بَعْضٍ حَتّى تَخَيَّلَ لِلنّاسِ أنَّها حَيّاتٌ. واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ كالمُعْتَزِلَةِ إنَّ السِّحْرَ لا حَقِيقَةَ لَهُ وإنَّما هُوَ: مُجَرَّدُ تَخْيِيلٍ، وفِيهِ أنَّهم إنْ أرادُوا أنَّ ما وقَعَ في القِصَّةِ مِنَ السَّحَرِ كانَ كَذَلِكَ فَمُسَلَّمٌ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وإنْ أرادُوا أنَّ كُلَّ سِحْرٍ تَخْيِيلٌ فَمَمْنُوعٌ، والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ السِّحْرَ أقْسامٌ، وأنَّ مِنهُ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ ومِنهُ ما لَهُ حَقِيقَةٌ كَما يَشْهَدُ بِذَلِكَ سِحْرُ اللَّعِينِ لَبِيدِ بْنِ الأعْصَمِ اليَهُودِيِّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وسِحْرُ يَهُودِ خَيْبَرَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حِينَ ذَهَبَ لِيَخْرِصَ تَمْرَهم.

وذَكَرُوا أنَّهُ قَدْ يَصِلُ السِّحْرُ إلى حَدِّ المَشْيِ عَلى الماءِ والطَّيَرانِ في الهَواءِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وتَرَتُّبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَتَرَتُّبِ الشِّبَعِ عَلى الأكْلِ والرِّيِّ عَلى الشُّرْبِ والإحْراقِ عَلى النّارِ، والفاعِلُ الحَقِيقِيُّ في كُلِّ ذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى. نَعَمْ قالَ القُرْطُبِيُّ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ السِّحْرِ ما يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ إنْزالِ الجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ وفَلْقِ الحَجَرِ وقَلْبِ العَصا وإحْياءِ المَوْتى وإنْطاقِ العَجْماءِ، وأمْثالِ ذَلِكَ مِن آياتِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ومَن أنْكَرَ حَقِيقَتَهُ اسْتَدَلَّ بِلُزُومِ الِالتِباسِ بِالمُعْجِزَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الفَرْقَ مِثْلُ الصُّبْحِ ظاهِرٌ.

7:117Page 164

۞ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۖ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ ١١٧

And We inspired to Moses, "Throw your staff," and at once it devoured what they were falsifying.

﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى﴾ بِواسِطَةِ المَلَكِ كَما هو الظّاهِرُ ﴿أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ الَّتِي عَلِمْتَ مِن أمْرِها ما عَلِمْتَ، وأنْ تَفْسِيرِيَّةٌ لِتَقَدُّمِ ما فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فالمَصْدَرُ مَفْعُولُ الإيحاءِ، والفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ فَصَيْحَةٌ، أيْ: فَألْقاها فَصارَتْ حَيَّةً فَإذا هي إلَخْ، وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِمُسارَعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الإلْقاءِ وبِغايَةِ سُرْعَةِ الِانْقِلابِ كَأنَّ لَقْفَها لِما يَأْفِكُونَ قَدْ حَصَلَ مُتَّصِلًا بِالأمْرِ بِالإلْقاءِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الغَرِيبَةِ، واللَّقْفُ كاللَّقَفانِ التَّناوُلُ بِسُرْعَةٍ، وفَسَّرَهُ الحَسَنُ هُنا بِالسَّرْطِ والبَلْعِ، والإفْكُ صَرْفُ الشَّيْءِ وقَلْبُهُ عَنِ الوَجْهِ المُعْتادِ، ويُطْلَقُ عَلى الكَذِبِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ لِكَوْنِهِ مَقْلُوبًا عَنْ وجْهِهِ، واشْتُهِرَ ذَلِكَ فِيهِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً، و(ما) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. أيْ: ما يَأْفِكُونَهُ ويَكْذِبُونَهُ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ وهي مَعَ الفِعْلِ بِمَعْنى المَفْعُولِ أيِ المَأْفُوكِ لِأنَّهُ المُتَلَقَّفُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَلَقَّفُ) بِالتَّشْدِيدِ وحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ.

7:118Page 164

فَوَقَعَ ٱلۡحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١١٨

So the truth was established, and abolished was what they were doing.

﴿فَوَقَعَ﴾ أيْ: ظَهَرَ وتَبَيَّنَ كَما قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والفَرّاءُ.

﴿الحَقُّ﴾ وهو أمْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وفَسَّرَ بَعْضُهم وقَعَ بِثَبَتَ عَلى أنَّهُ قَدِ اسْتُعِيرَ الوَقْعُ لِلثُّبُوتِ والحُصُولِ أوْ لِلثَّباتِ والدَّوامِ لِأنَّهُ في مُقابِلِ

صفحة 26

بَطَلَ والباطِلُ زائِلٌ، وفائِدَةُ الِاسْتِعارَةِ كَما قِيلَ الدَّلالَةُ عَلى التَّأْثِيرِ؛ لِأنَّ الوَقْعَ يُسْتَعْمَلُ في الأجْسامِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن وقَعَ الحَقُّ صَيْرُورَةُ العَصا حَيَّةً في الحَقِيقَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: ظَهَرَ بُطْلانُ ما كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى عَمَلِهِ

7:119–120Page 164

فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَٰغِرِينَ ١١٩

And they [i.e., Pharaoh and his people] were overcome right there and became debased.

وَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ١٢٠

And the magicians fell down in prostration [to Allāh].

﴿فَغُلِبُوا﴾ أيْ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.

﴿هُنالِكَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَجْمَعِ العَظِيمِ.

﴿وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ أيْ: صارُوا أذِلّاءَ أوْ رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ كَذَلِكَ، فالِانْقِلابُ إمّا مَجازٌ عَنِ الصَّيْرُورَةِ والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ أوْ بِمَعْنى الرُّجُوعِ، فَصاغِرِينَ حالٌ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَحْضَرٍ مِن فِرْعَوْنَ قَطْعًا، وجُوِّزَ رُجُوعُ ضَمِيرِ غُلِبُوا وانْقَلَبُوا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ إلى السَّحَرَةِ أيْضًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهم لا ذِلَّةَ لَهُمْ، والحَمْلُ عَلى الخَوْفِ مِن فِرْعَوْنَ أوْ عَلى ما قَبْلَ الإيمانِ لا يَخْفى ما فِيهِ، والمُرادُ مِن ( أُلْقِيَ السَّحَرَةُ ) إلَخْ أنَّهم خَرُّوا ساجِدِينَ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ دُونَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَقَّ بَهَرَهم واضْطَرَّهم إلى السُّجُودِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهم تَمالُكٌ فَكَأنَّ أحَدًا دَفَعَهم وألْقاهُمْ، أوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْهَمَهم ذَلِكَ وحَمَلَهم عَلَيْهِ، فالمُلْقِي هو اللَّهُ تَعالى بِإلْهامِهِ لَهم حَتّى يَنْكَسِرَ فِرْعَوْنُ بِالَّذِينِ أرادَ بِهِمْ كَسْرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَنْقَلِبَ الأمْرُ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ جارِيًا مَجْرى التَّمْثِيلِ مُبالَغَةً في سُرْعَةِ خُرُورِهِمْ وشِدَّتِهِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الأخْفَشِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ مُشاكَلَةً لِما مَعَهُ مِنَ الإلْقاءِ إلّا أنَّهُ دُونَ ما تَقَدَّمَ، يُرْوى أنَّ اجْتِماعَ القَوْمِ كانَ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ، وأنَّهُ بَلَغَ ذَنَبُ الحَيَّةِ مِن وراءِ البَحْرِ، وأنَّها فَتَحَتْ فاهًا ثَمانِينَ ذِراعًا فابْتَلَعَتْ ما صَنَعُوا واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، وقَصَدَتِ النّاسَ فَفَزِعُوا ووَقَعَ الزِّحامُ فَماتَ مِنهم لِذَلِكَ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، ثُمَّ أخَذَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَعادَتْ في يَدِهِ عَصًا كَما كانَتْ، وأعْدَمَ اللَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ تِلْكَ الأجْرامَ العِظامَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ فَرَّقَها أجْزاءً لَطِيفَةً، فَلَمّا رَأى السَّحَرَةُ ذَلِكَ عَرَفُوا أنَّهُ مِن أمْرِ السَّماءِ ولَيْسَ مِنَ السِّحْرِ في شَيْءٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ: خَرُّوا سُجَّدًا، والمُتَبادَرُ مِنَ السُّجُودِ حَقِيقَتُهُ، ولا يَبْعُدُ أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِكَيْفِيَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ سَجَدا شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى ظُهُورِ الحَقِّ فاقْتَدَوْا بِهِما وسَجَدُوا مَعَهُما، وحُمِلَ السُّجُودُ عَلى الخُضُوعِ، أيْ أنَّهم خَضَعُوا لَمّا رَأوْا ما رَأوْا خِلافَ الظّاهِرِ الَّذِي نَطَقَتْ بِهِ الآثارُ مِن غَيْرِ داعٍ إلى ارْتِكابِهِ.

7:121–122Page 165

قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢١

They said, "We have believed in the Lord of the worlds,

رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١٢٢

The Lord of Moses and Aaron."

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا مِن ضَمِيرِ انْقَلَبُوا ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ السَّحَرَةِ أوْ مِن ضَمِيرِهِمِ المُسْتَتِرِ في ﴿ساجِدِينَ﴾ أيْ أنَّهم أُلْقُوا ساجِدِينَ حالَ كَوْنِهِمْ قائِلِينَ: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مالِكِ أمْرِهِمْ والمُتَصَرِّفِ فِيهِمْ.

﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ بَدَلٌ مِمّا قَبْلُ، وإنَّما أبْدَلُوا لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهم أرادُوا فِرْعَوْنَ ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، إذْ رُبَّما يَبْقى لِلتَّوَهُّمِ رائِحَةٌ؛ لِأنَّهُ كانَ رَبّى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في صِغَرِهِ، ولِذا قُدِّمَ هارُونُ في مَحَلٍّ آخَرَ لِأنَّهُ أدْخَلُ في دَفْعِ التَّوَهُّمِ أوْ لِأجْلِ الفاصِلَةِ، أوْ لِأنَّهُ أكْبَرُ سِنًّا مِنهُ، وقُدِّمَ مُوسى هُنا لِشَرَفِهِ أوْ لِلْفاصِلَةِ، وأمّا كَوْنُ الفَواصِلِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا في كَلامِهِمْ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لا يَضُرُّ، ورُوِيَ أنَّهم لَمّا قالُوا: آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ قالَ فِرْعَوْنُ: أنا رَبُّ العالَمِينَ. فَقالُوا رَدًّا عَلَيْهِ: رَبِّ مُوسى وهارُونَ، وإضافَةُ الرَّبِّ إلَيْهِما كَإضافَتِهِ إلى العالَمِينَ، وقِيلَ: إنَّ تِلْكَ الإضافَةَ عَلى مَعْنى الِاعْتِقادِ، أيِ: الرَّبِّ الَّذِي يَعْتَقِدُ رُبُوبِيَّتَهُ مُوسى وهارُونُ ويَكُونُ عَدَمُ صِدْقِهِ عَلى فِرْعَوْنَ بِزَعْمِهِ أيْضًا ظاهِرًا جِدًّا إلّا أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ مِنَ الإضافَةِ، ويُعْلَمُ مِمّا قَدَّمْنا سِرُّ

صفحة 27

تَقْدِيمِ السُّجُودِ عَلى هَذا القَوْلِ.

وقالَ الخازِنُ في ذَلِكَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ خَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ تَعالى عَلى ما هَداهم إلَيْهِ وألْهَمَهم مِنَ الإيمانِ، ثُمَّ أظْهَرُوا بِذَلِكَ إيمانَهُمْ، وقِيلَ: إنَّهم بادَرُوا إلى السُّجُودِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ تَعالى لِما رَأوْا مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ ثُمَّ إنَّهم أظْهَرُوا الإيمانَ، ومَن جَعَلَ الجُمْلَةَ حالًا قالَ بِالمُقارَنَةِ فافْهَمْ، وأوَّلُ مَن بادَرَ بِالإيمانِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ: الرُّؤَساءُ الأرْبَعَةُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ ابْنُ الجَوْزِيِّ ثُمَّ اتَّبَعَتْهُمُ السَّحَرَةُ جَمِيعًا،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском