Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:132–136
7:132Page 166
وَقَالُواْ مَهۡمَا تَأۡتِنَا بِهِۦ مِنۡ ءَايَةٖ لِّتَسۡحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ ١٣٢
And they said, "No matter what sign you bring us with which to bewitch us, we will not be believers in you."
﴿وقالُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِمّا أُخِذُوا بِهِ مِن فُنُونِ العَذابِ الَّتِي هي في أنْفُسِها آياتٌ بَيِّناتٌ، وعَدَمُ ارْعِوائِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ، أيْ: قالُوا بَعْدَ ما رَأوْا ما رَأوْا مِنَ العَصا والسِّنِينَ ونَقْصِ الثَّمَراتِ.
﴿مَهْما تَأْتِنا بِهِ﴾ كَلِمَةُ مَهْما مِمّا اخْتُلِفَ فِيها فَقِيلَ هي كَلِمَةٌ بِرَأْسِها مَوْضُوعَةٌ لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ. وقِيلَ: هي مُرَكَّبَةٌ مِن مَهْ اسْمِ فِعْلٍ لِلْكَفِّ، إمّا باقٍ عَلى مَعْناهُ أوْ مُجَرَّدٌ عَنْهُ وما الشَّرْطِيَّةِ. وقالَ الخَلِيلُ: أصْلُها ما ما عَلى أنَّ الأُولى شَرْطِيَّةٌ، والثّانِيَةَ إبْهامِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ بِها لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ فَقُلِبَتْ ألْفُ ما الأُولى هاءً فِرارًا مِن بَشاعَةِ التَّكْرارِ، وأسْلَمُ الأقْوالِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ القَوْلُ بِالبَساطَةِ. وفي حاشِيَةِ التَّسْهِيلِ لِابْنِ هِشامٍ يَنْبَغِي لِمَن قالَ بِالبَساطَةِ أنْ يَكْتُبَ مَهْما بِالياءِ، ولِمَن قالَ: أصْلُها ما ما أنْ يَكْتُبَها بِالألْفِ، وفي الشَّرْحِ: وكَذا إذا قِيلَ أصْلُها مَهْ ما. وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشُّمُنِّيُّ بِأنَّ القائِلِينَ بِالأصْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ مَهْما أصْلٌ آخَرُ، فَما يَنْبَغِي في كَتْبِ آخِرِها عَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَنْبَغِي عَلى القَوْلِ الثّانِي، وفِيهِ نَظَرٌ.
وهِيَ اسْمُ شَرْطٍ لا حَرْفٌ عَلى الصَّحِيحِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ هُنا عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُها إمّا الشَّرْطُ أوِ الجَزاءُ أوْ هُما عَلى الخِلافِ أوِ النَّصْبُ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَ أيٍّ، أيُّ شَيْءٍ تُحْضِرُهُ لَدَيْنا تَأْتِنا بِهِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ مَجِيئَها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وشَدَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ الإنْكارَ عَلَيْهِ في الكَشّافِ، وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّهُ غَرَّ القائِلَ بِظَرْفِيَّتِها كَلامُ الخَلِيلِ أوْ شَبَهُها بِمَتى ما، وخالَفَ ابْنُ مالِكٍ في ذَلِكَ وقالَ: إنَّهُ مَسْمُوعٌ عَنِ العَرَبِ كَقَوْلِهِ:
وإنَّكَ مَهْما تُعْطِ بَطْنَكَ سُؤْلَهُ وفَرْجَكَ نالا مُنْتَهى الذَّمِّ أجْمَعا
ويُوافِقُهُ كَما قالَ الشِّهابُ اسْتِعْمالُ المَنطِقِيِّينَ لَها بِمَعْنى كُلَّما وجَعْلُها سُورَ الكُلِّيَّةِ فَإنَّها تُفِيدُ العُمُومَ كَما صَرَّحُوا بِهِ ولَيْسَ مِن مُخْتَرَعاتِهِمْ كَما تُوُهِّمَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَها هُنا ظَرْفًا مِمّا لا يَنْبَغِي الإقْدامُ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ لِإباءِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿مِن آيَةٍ﴾ عَنْهُ لِأنَّهُ بَيانٌ لِمَهْما ولَيْسَ بِزَمانٍ، وتَسْمِيَتُهم إيّاها آيَةً مِن بابِ المُجاراةِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والِاسْتِهْزاءِ بِها مَعَ الإشْعارِ بِأنَّ هَذا العُنْوانَ لا يُؤَثِّرُ فِيهِمْ وإلّا فَهم يُنْكِرُونَ كَوْنَها آيَةً في نَفْسِ الأمْرِ ويَزْعُمُونَ أنَّها سِحْرٌ كَما يُنْبِئُ قَوْلُهُمْ: ﴿لِتَسْحَرَنا بِها﴾ والضَّمِيرانِ المَجْرُورانِ راجِعانِ إلى مَهْما، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ لِرِعايَةِ جانِبِ اللَّفْظِ لِإبْهامِهِ، وتَأْنِيثُ الثّانِي لِلْمُحافَظَةِ عَلى جانِبِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ إنَّما رَجَعَ إلَيْهِ بَعْدَ ما بُيِّنَ بِآيَةٍ، وادَّعى ابْنُ هِشامٍ أنَّ الأوْلى عَوْدُ الضَّمِيرِ الثّانِي إلى آيَةٍ، ولَعَلَّهُ راعى القُرْبَ، والذّاهِبُ إلى الأوَّلِ راعى أنَّ (آيَةً) مَسُوقَةٌ لِلْبَيانِ فالأوْلى رُجُوعُ الضَّمِيرِ عَلى المُفَسِّرِ المَقْصُودِ بِالذّاتِ، وإنْ كانَ المَآلُ واحِدًا؛ أيْ: لِتَسْحَرَ بِتِلْكَ الآيَةِ أعْيُنَنا وتُشَبِّهَ عَلَيْنا: ﴿فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِمُصَدِّقِينَ لَكَ ومُؤْمِنِينَ بِنُبُوَّتِكَ أصْلًا،
7:133Page 166
فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلۡجَرَادَ وَٱلۡقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَٰتٖ مُّفَصَّلَٰتٖ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ ١٣٣
So We sent upon them the flood and locusts and lice and frogs and blood as distinct signs, but they were arrogant and were a criminal people.
﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ﴾ عُقُوبَةً لِجَرائِمِهِمْ لا سِيَّما قَوْلُهم هَذا؛ ﴿الطُّوفانَ﴾ أيْ: ما طافَ بِهِمْ وغَشى أماكِنَهم وحُرُوثَهم مِن مَطَرٍ أوْ سَيْلٍ فَهو اسْمُ جِنْسٍ مِنَ الطَّوافِ، وقِيلَ: إنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ كَنُقْصانٍ، وهو اسْمٌ لِكُلِّ شَيْءٍ حادِثٍ يُحِيطُ بِالجِهاتِ ويَعُمُّ كالماءِ الكَثِيرِ والقَتْلِ الذَّرِيعِ والمَوْتِ الجارِفِ، وقَدِ اشْتُهِرَ في طُوفانِ الماءِ، وجاءَ تَفْسِيرُهُ هُنا بِذَلِكَ في عِدَّةِ رِواياتٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجاءَ عَنْ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ بِالمَوْتِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مَرْفُوعًا، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ الطّاعُونُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، وعَنْ أبِي قِلابَةَ أنَّهُ الجُدَرِيُّ، وهم أوَّلُ
صفحة 34
مَن عُذِّبُوا بِهِ، وهَذانِ القَوْلانِ يَنْجَرّانِ إلى الخَبَرِ المَرْفُوعِ، ﴿والجَرادَ﴾ هو المَعْرُوفُ، واحِدُهُ جَرادَةٌ سُمِّيَ بِهِ لِجَرْدِهِ ما عَلى الأرْضِ، وهو جُنْدٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ تَعالى يُسَلِّطُهُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والطَّبَرانِيُّ، وغَيْرُهم عَنْ أبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ مَرْفُوعًا النَّهْيُ عَنْ مُقاتَلَتِهِ مُعَلَّلًا بِما ذُكِرَ، وذَكَرَ البَيْهَقِيُّ أنَّ ذَلِكَ إنْ صَحَّ مُرادٌ بِهِ إذا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإفْسادِ المَزارِعِ، فَإذا تَعَرَّضَ لَهُ جازَ دَفْعُهُ بِما يَقَعُ بِهِ الدَّفْعُ مِنَ القِتالِ والقَتْلِ أوْ أُرِيدَ بِهِ الإشارَةُ إلى تَعَذُّرِ مُقاوَمَتِهِ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ ومَن مَعَهُ عَنْ سَلْمانَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الجَرادِ فَقالَ: «أكْثَرُ جُنُودِ اللَّهِ تَعالى لا آكُلُهُ ولا أُحَرِّمُهُ»».
وزَعْمُ أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن ذُنُوبِ ابْنِ آدَمَ مُؤَوَّلٌ، ﴿والقُمَّلَ﴾ بِضَمِّ القافِ وتَشْدِيدِ المِيمِ قِيلَ: هو الدَّبى وهو الصِّغارُ مِنَ الجَرادِ، ولا يُسَمّى جَرادًا إلّا بَعْدَ نَباتِ أجْنِحَتِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وقِيلَ: هو القِرْدانُ جَمْعُ القُرادِ المَعْرُوفِ، وقِيلَ: صِغارُ الذَّرِّ، وعَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ أنَّها الجُعْلانُ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: زَعَمَ بَعْضُ النّاسِ أنَّها البَراغِيثُ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّها السُّوسُ وهي الدّابَّةُ الَّتِي تَكُونُ في الحِنْطَةِ وغَيْرِها، ويُسَمّى قَمْلًا بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وبِذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ، ﴿والضَّفادِعَ﴾ جَمْعُ ضِفْدِعٍ كَزِبْرِجٍ وجَعْفَرٍ وجُنْدَبٍ ودِرْهَمٍ وهَذا أقَلُّ أوْ مَرْدُودٌ، الدّابَّةُ المائِيَّةُ المَعْرُوفَةُ، ﴿والدَّمَ﴾ مَعْرُوفٌ وتَشْدِيدُ دالِهِ لُغَةٌ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ العِنادَ والإصْرارَ دَعا وقالَ: يا رَبِّ، إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ، وإنَّ قَوْمَهُ قَدْ نَقَضُوا العَهْدَ. رَبِّ فَخُذْهم بِعُقُوبَةٍ تَجْعَلُها عَلَيْهِمْ نِقْمَةً ولِقَوْمِي عِظَةً ولِمَن بَعْدَهم آيَةً وعِبْرَةً، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ المَطَرَ ثَمانِيَةَ أيّامٍ في ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ لَها أنْ يَخْرُجَ مِن بَيْتِهِ فَدَخَلَ الماءُ بُيُوتَهم حَتّى قامُوا فِيهِ إلى تَراقِيهِمْ ولَمْ يَدْخُلْ بُيُوتَ بَنِي إسْرائِيلَ مِنهُ قَطْرَةٌ، وكانَتْ مُشْتَبِكَةً في بُيُوتِهِمْ وفاضَ الماءُ عَلى أرْضِهِمْ ورَكَدَ فَمَنَعَهم مِنَ الحَرْثِ والتَّصَرُّفِ ودامَ ذَلِكَ الماءُ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ مِنَ السَّبْتِ إلى السَّبْتِ فَقالُوا: يا مُوسى، ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَكْشِفْ عَنّا ذَلِكَ ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَدَعا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهم فَنَبَتَ مِنَ العُشْبِ والكَلَأِ ما لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ قَبْلَهُ، فَقالُوا: ما كانَ هَذا الماءُ إلّا نِعْمَةً عَلَيْنا فَلَمْ يُؤْمِنُوا. فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الجَرادَ فَأكَلَ زُرُوعَهم وثِمارَهم وأبْوابَهم وسُقُوفَهم وثِيابَهم وأمْتِعَتَهم حَتّى أكَلَ مَسامِيرَ الحَدِيدِ الَّتِي في الأبْوابِ ولَمْ يُصِبُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَعَجُّوا وضَجُّوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالُوا لَهُ كَما قالُوا أوَّلًا، فَخَرَجَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الصَّحْراءِ فَأشارَ بِعَصاهُ نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَرَجَعَ إلى النَّواحِي الَّتِي جاءَ مِنها.
وقِيلَ: جاءَتْ رِيحٌ فَألْقَتْهُ في البَحْرِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ القُمَّلَ فَأكَلَ ما أبْقى الجَرادُ، وكانَ يَدْخُلُ بَيْنَ ثَوْبِ أحَدِهِمْ وجِلْدِهِمْ فَيَمُصُّهُ، وإذا أرادَ أنْ يَأْكُلَ طَعامًا امْتَلَأ قَمْلًا، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: ابْتُلُوا بِالسُّوسِ؛ فَكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَخْرُجُ بِعَشَرَةِ أجْرِبَةٍ إلى الرَّحى فَلا يَرِدُ إلّا بِثَلاثَةِ أقْفِزَةٍ مِنها، وأخَذَ حَواجِبَهم وأشْفارَ عُيُونِهِمْ وسائِرَ شُعُورِهِمْ، وفَعَلَ في جُلُودِهِمْ ما يَفْعَلُهُ الجُدَرِيُّ، ومَنَعَهُمُ النَّوْمَ والقَرارَ فَفَزِعُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَرُفِعَ عَنْهُمْ، فَقالُوا: قَدْ تَحَقَّقْنا الآنَ أنَّكَ ساحِرٌ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الضَّفادِعَ فامْتَلَأتْ بُيُوتُهم وأفْنَيْتُهم وأمْتِعَتُهم وآنِيَتُهم مِنها فَلا يَكْشِفُ أحَدٌ إناءً إلّا وجَدَها فِيهِ، وكانَ الرَّجُلُ يَجْلِسُ
صفحة 35
فِي الضَّفادِعِ فَتَبْلُغُ إلى حَلْقِهِ، فَإذا أرادَ أنْ يَتَكَلَّمَ يَشِبُّ الضِّفْدَعُ فَيَدْخُلُ في فِيهِ، وكانَتْ تَشِبُّ في قُدُورِهِمْ فَتُفْسِدُ عَلَيْهِمْ طَعامَهم وتُطْفِئُ نِيرانَهُمْ، وإذا اضْطَجَعَ أحَدُهم رَكِبَتْهُ حَتّى تَكُونَ عَلَيْهِ رُكامًا فَلا يَسْتَطِيعُ أنْ يَنْقَلِبَ، وإذا أرادَ أنْ يَأْكُلَ سَبَقَتْهُ إلى فِيهِ، ولا يَعْجِنُ عَجِينًا إلّا امْتَلَأ مِنها، فَفَزِعُوا إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَضَرَّعُوا فَأخَذَ عَلَيْهِمُ العُهُودَ والمَواثِيقَ ودَعا فَكَشَفَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَلِكَ، فَنَقَضُوا العَهْدَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الدَّمَ فَسالَ النِّيلُ عَلَيْهِمْ دَمًا عَبِيطًا وصارَتْ مِياهُهم دِماءً، فَكانَ فِرْعَوْنُ يَجْمَعُ بَيْنَ القِبْطِيِّ والإسْرائِيلِيِّ في إناءٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ ما يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً وما يَلِي القِبْطِيَّ دَمًا، ويَقُومانِ إلى الجَرَّةِ فِيها الماءُ فَيَخْرُجُ لِلْقِبْطِيِّ دَمٌ ولِلْإسْرائِيلِيِّ ماءٌ حَتّى إنَّ المَرْأةَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ تَأْتِي المَرْأةَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَتَقُولُ لَها: اسْقِينِي ماءً، فَتَصُبُّ لَها مِن قِرْبَتِها فَيَصِيرُ في الإناءِ دَمًا حَتّى كانَتْ تَقُولُ: اجْعَلِيهِ في فِيكِ ثُمَّ مُجِّيهِ في فِيَّ فَتَفْعَلُ ذَلِكَ فَيَصِيرُ دَمًا.
وقالَ ابْنُ أسْلَمَ: إنَّ الدَّمَ الَّذِي سُلِّطَ عَلَيْهِمْ كانَ الرُّعافَ.
﴿آياتٍ﴾ حالٌ مِنَ الأشْياءِ المُتَقَدِّمَةِ.
﴿مُفَصَّلاتٍ﴾ مُبَيَّناتٍ لا يَشُكُّ عاقِلٌ أنَّها آياتٌ إلَهِيَّةٌ لا سِحْرٌ كَما يَزْعُمُونَ، أوْ مُمَيَّزًا بَعْضُها مِن بَعْضٍ مُنْفَصِلَةٌ بِالزَّمانِ لِامْتِحانِ أحْوالِهِمْ، وكانَ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنها شَهْرٌ، وكانَ امْتِدادُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها شَهْرًا، كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: كانَتِ الآياتُ التِّسْعُ في تِسْعِ سِنِينَ في كُلِّ سَنَةٍ آيَةٌ، وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وغَيْرُهُ عَنْ نَوْفٍ الشّامِيِّ قالَ: مَكَثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في آلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ ما غَلَبَ السَّحَرَةَ عِشْرِينَ سَنَةً يُرِيهِمُ الآياتِ الجَرادَ والقُمَّلَ إلَخْ ... فَأبَوْا أنْ يُسْلِمُوا.
وفِي رِوايَةِ أبِي الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ مَكَثَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ غَلَبَ أرْبَعِينَ سَنَةً يُرِيهِمْ ما ذُكِرَ، ورَأيْتُ في مُسامَراتِ الشَّيْخِ ابْنِ العَرَبِيِّ -قُدِّسَ سِرُّهُ- أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَثَ يُنْذِرُ آلَ فِرْعَوْنَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا إلى أنْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِما رَأوْا مِنَ الآياتِ ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ الإيمانِ بِها.
﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
7:134Page 166
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيۡهِمُ ٱلرِّجۡزُ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَۖ لَئِن كَشَفۡتَ عَنَّا ٱلرِّجۡزَ لَنُؤۡمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرۡسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٣٤
And when the punishment descended upon them, they said, "O Moses, invoke for us your Lord by what He has promised you. If you [can] remove the punishment from us, we will surely believe you, and we will send with you the Children of Israel."
﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أيِ: العَذابُ المَذْكُورُ عَلى التَّفْصِيلِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ، و(لَمّا) لا تُنافِي التَّفْصِيلَ والتَّكْرِيرَ كَما لا يَخْفى.
وعَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ أصابَهم ثَلْجٌ أحْمَرُ لَمْ يَرَوْهُ قَبْلُ، فَهَلَكَ مِنهم كَثِيرٌ.
وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ الطّاعُونُ، وقَدْ ورَدَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ في حَدِيثِ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ المَرْفُوعِ «وهُوَ الطّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلى طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ عَلى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَإذا سَمِعْتُمْ بِهِ في أرْضٍ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وإذا وقَعَ بِأرْضٍ وأنْتُمْ بِها فَلا تَخْرُجُوا فِرارًا مِنهُ».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: لِيَذْبَحْ كُلٌّ مِنكم كَبْشًا ثُمَّ لِيَخْضِبْ كَفَّهُ في دَمِهِ ثُمَّ لِيَضْرِبْ عَلى بابِهِ فَفَعَلُوا، فَقالَ القِبْطُ لَهُمْ: لِمَ تَجْعَلُونَ هَذا الدَّمَ عَلى أبْوابِكُمْ؟ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُرِيدُ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم عَذابًا فَنَسْلَمُ وتَهْلَكُونَ، قالَ القِبْطُ: فَما يَعْرِفُكُمُ اللَّهُ تَعالى إلّا بِهَذِهِ العَلامَةِ؟ قالُوا: هَكَذا أمَرَنا نَبِيُّنا، فَأصْبَحُوا وقَدْ طُعِنَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ سَبْعُونَ ألْفًا. فَأمْسَوْا وهم لا يَتَدافَنُونَ، والمَعْنى عَلى الأوَّلِ أنَّهم كُلَّما وقَعَ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةٌ مِنَ العُقُوباتِ المَذْكُورَةِ ﴿قالُوا يا مُوسى﴾، في كُلِّ مَرَّةٍ، عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالرِّجْزِ غَيْرُ ما تَقَدَّمَ أنَّهُ لَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الثَّلْجُ المُهْلِكُ أوِ الطّاعُونُ الجارِفُ ﴿قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أيْ: بِعَهْدِهِ سُبْحانَهُ عِنْدَكَ وهو النُّبُوَّةُ كَما قالَ أبُو مُسْلِمٍ (فَما) مَصْدَرِيَّةٌ،
صفحة 36
وسُمِّيَتِ النُّبُوَّةُ عَهْدًا كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَهِدَ إكْرامَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِها وعَهِدُوا إلَيْهِ تَحَمُّلَ أعْبائِها، أوْ لِأنَّ لَها حُقُوقًا تُحْفَظُ كَما تُحْفَظُ العُهُودُ، أوْ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ عَهْدٍ ومَنشُورٍ مِنهُ جَلَّ وعَلا أوْ بِالَّذِي عُهِدَ إلَيْكَ أنْ تَدْعُوَهُ بِهِ فَيُجِيبَكَ كَما أجابَكَ في آياتِكَ، (فَما) مَوْصُولَةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ صِلَةٌ – لِ ادْعُ - أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ، يَعْنِي: ادْعُ اللَّهَ تَعالى مُتَوَسِّلًا بِما عَهِدَ عِنْدَكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْقَسَمِ الِاسْتِعْطافِيِّ كَما يُقالُ: بِحَياتِكَ افْعَلْ كَذا، فالمُرادُ اسْتِعْطافُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنْ يَدْعُوَ، وأنْ تَكُونَ لِلْقَسَمِ الحَقِيقِيِّ، وجَوابُهُ: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ﴾ الَّذِي وقَعَ عَلَيْنا ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: أقْسَمْنا بِعَهْدِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَكَ ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ﴾ إلَخْ، وخُلاصَةُ ما ذَكَرُوهُ في الباءِ هُنا أنَّها إمّا لِلْإلْصاقِ أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْقَسَمِ بِقِسْمَيْهِ.
7:135Page 166
فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلرِّجۡزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَٰلِغُوهُ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ ١٣٥
But when We removed the punishment from them until a term which they were to reach,1 then at once they broke their word.
﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ أيْ: إلى حَدٍّ مِنَ الزَّمانِ هم واصِلُونَ إلَيْهِ ولا بُدَّ فَمُعَذَّبُونَ فِيهِ أوْ مُهْلَكُونَ، وهو وقْتُ الغَرَقِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أوِ المَوْتُ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والمُرادُ أنْجَيْناهم مِنَ العَذابِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، ومِن هُنا صَحَّ تَعَلُّقُ الغايَةِ بِالكَشْفِ، ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ الجارِّ والمَجْرُورِ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الرِّجْزِ خِلافًا لِزاعِمِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأجَلِ ما عَيَّنُوهُ لِإيمانِهِمْ ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾، أيْ: يَنْقُضُونَ العَهْدَ، وأصْلُ النَّكْثِ فَلُّ طاقاتِ الصُّوفِ المَغْزُولِ لِيُغْزَلَ ثانِيًا، فاسْتُعِيرَ لِنَقْضِ العَهْدِ بَعْدَ إبْرامِهِ، وجَوابُ (لَمّا) فِعْلٌ مُقَدَّرٌ يُؤْذِنُ بِهِ إذا الفُجائِيَّةُ لا الجُمْلَةُ المُقْتَرِنَةُ بِها، وإنْ قِيلَ بِهِ فَتَساهُلٌ، أيْ: فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهم ذَلِكَ فاجَئُوا بِالنَّكْثِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ وتَأمُّلٍ كَذا قِيلَ، وعَلَيْهِ فَكِلا الِاسْمَيْنِ أعْنِي لِما وإذا مَعْمُولٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ عَلى أنَّ الأوَّلَ ظَرْفُهُ، والثّانِي مَفْعُولُهُ قالَهُ العَلّامَةُ، والدّاعِي لِذَلِكَ المُحافَظَةُ عَلى ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن أنَّ ما يَلِي كَلِمَةَ لَمّا مِنَ الفِعْلَيْنِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ماضِيًا لَفْظًا أوْ مَعْنًى، إلّا أنَّ مُقْتَضى ما ذَكَرُوا مِن أنَّ إذْ وإذا المُفاجَأةِ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ بِهِ لِلْفِعْلِ المُتَضَمِّنَيْنِ هُما إيّاهُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فاجَئُوا زَمانَ النَّكْثِ أوْ مَكانَهُ.
وقَدْ يُقالُ أيْضًا: تَقْدِيرُ الفِعْلِ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ؛ إذْ قَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ لَمّا تُجابُ بِإذا المُفاجَأةِ الدّاخِلَةِ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، نَعَمْ هم يَذْكُرُونَ ما يُوهِمُ التَّقْدِيرَ ولَيْسَ بِهِ بَلْ هو بَيانُ حاصِلِ المَعْنى وتَفْسِيرٌ لَهُ فَتَدَبَّرْ.
7:136Page 166
فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ ١٣٦
So We took retribution from them, and We drowned them in the sea because they denied Our signs and were heedless of them.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ أيْ: فَأرَدْنا الِانْتِقامَ مِنهُمْ، وأُوِّلُ بِذَلِكَ لِيَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأغْرَقْناهُمْ﴾ وإلّا فالإغْراقُ عَيْنُ الِانْتِقامِ فَلا يَصِحُّ تَفْرِيعُهُ عَلَيْهِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الفاءُ تَفْسِيرِيَّةً، وقَدْ أثْبَتَها البَعْضُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ﴾ إلَخْ. وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ ﴿فِي اليَمِّ﴾ أيِ: البَحْرِ. كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ويَقَعُ عَلى ما كانَ مُلِحًّا زُعافًا وعَلى النَّهْرِ الكَبِيرِ العَذْبِ الماءِ ولا يُكَسَّرُ ولا يُجْمَعُ جَمْعَ السَّلامَةِ، وقالَ اللَّيْثُ: هو البَحْرُ الَّذِي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وقِيلَ: هو لُجَّةُ البَحْرِ وهو عَرَبِيٌّ في المَشْهُورِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهُ سُرْيانِيٌّ وأصْلُهُ كَما قِيلَ: يَمًّا؛ فَعُرِّبَ إلى ما تَرى. والقَوْلُ بِأنَّهُ اسْمٌ لِلْبَحْرِ الَّذِي غَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ غَرِيقٌ في يَمِّ الضَّعْفِ.
﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإغْراقِ. يَعْنِي أنَّ سَبَبَ الإغْراقِ وما اسْتَوْجَبُوا بِهِ ذَلِكَ العِقابَ هو التَّكْذِيبُ بِالآياتِ العِظامِ، وهو الَّذِي اقْتَضى تَعَلُّقَ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى بِهِ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا، وهَذا لا يُنافِي تَفْرِيعَ الإرادَةِ عَلى النَّكْثِ؛ لِأنَّ التَّكْذِيبَ هو
صفحة 37
العِلَّةُ الأخِيرَةُ والسَّبَبُ القَرِيبُ، ولا مانِعَ مِن تَعَدُّدِ الأسْبابِ وتَرَتُّبِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، قالَهُ الشِّهابُ ونُورُ الحَقِّ ساطِعٌ مِنهُ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: الفاءُ وإنْ دَلَّتْ عَلى تَرَتُّبِ الإغْراقِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ النَّكْثِ لَكِنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّعْلِيلِ إيذانًا بِأنَّ مَدارَ جَمِيعِ ذَلِكَ تَكْذِيبُ آياتِ اللَّهِ تَعالى وما عُطِفَ عَلَيْهِ لِيَكُونَ مَزْجَرَةً لِلسّامِعِينَ عَنْ تَكْذِيبِ الآياتِ الظّاهِرَةِ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. انْتَهى، وفِيهِ مُناقَشَةٌ لا تَخْفى.
﴿وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْآياتِ والغَفْلَةُ مَجازٌ عَنْ عَدَمِ الذِّكْرِ والمُبالاةِ، أيْ: بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ وعَدَمِ مُبالاتِهِمْ بِها وتَفَكُّرِهِمْ فِيها بِحَيْثُ صارُوا كالغافِلِينَ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ وإلّا فالمُكَذِّبُ بِأمْرٍ لا يَكُونُ غافِلًا عَنْهُ لِلتَّنافِي بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن شاهَدَ مِثْلَها لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُكَذِّبَ بِها مَعَ عِلْمِهِ بِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الضَّمِيرَ لِلنِّقْمَةِ وأُرِيدَ بِها الغَرَقُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وعَلَيْهِ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالِيَّةً بِتَقْدِيرِ قَدْ، ولا مَجازَ في الغَفْلَةِ حِينَئِذٍ، والأوَّلُ أوْلى كَما لا يَخْفى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences