Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:137–141
7:137Page 166
وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ ١٣٧
And We caused the people who had been oppressed to inherit the eastern regions of the land and the western ones, which We had blessed. And the good word [i.e., decree] of your Lord was fulfilled for the Children of Israel because of what they had patiently endured. And We destroyed [all] that Pharaoh and his people were producing and what they had been building.
﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ بِالِاسْتِعْبادِ وذَبْحِ الأبْناءِ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الِاسْتِضْعافِ وتَجَدُّدِهِ، والمُرادُ بِهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ، وذُكِرُوا بِهَذا العُنْوانِ إظْهارًا لِكَمالِ اللُّطْفِ بِهِمْ وعِظَمِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ؛ حَيْثُ رُفِعُوا مِن حَضِيضِ المَذَلَّةِ إلى أوْجِ العِزَّةِ، ولَعَلَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ عِنْدَ القُلُوبِ المُنْكَسِرَةِ. ونُصِبَ القَوْمُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِأوْرَثْنا والمَفْعُولُ الثّانِي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ أيْ: جَمِيعَ جِهاتِها ونَواحِيها، والمُرادُ بِها عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أرْضُ الشّامِ، وذَكَرَ مُحْيِي السُّنَّةِ البَغَوِيُّ أنَّها أرْضُ الشّامِ ومِصْرُ، وفي رِوايَةٍ أنَّها أرْضُ مِصْرَ الَّتِي كانَتْ بِأيْدِي المُسْتَضْعَفِينَ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، أيْ: أوْرَثْنا المُسْتَضْعَفِينَ أرْضَ مُسْتَضْعِفِيهِمْ ومُلْكَهُمْ، ومَعْنى تَوْرِيثِهِمْ إيّاها عَلى القَوْلِ بِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدَ أنْ خَرَجُوا مِنها مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، إدْخالُها تَحْتَ مِلْكِهِمْ وعَدَمُ وُجُودِ مانِعٍ لَهم عَنِ التَّصَرُّفِ فِيها أوْ تَمْكِينُ أوْلادِهِمْ فِيها؛ وذَلِكَ في زَمَنِ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ المُتَبادَرِ كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، عَلى أنَّ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ أنْ فُتِحَتْ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ تَمَكُّنٌ فِيها واسْتِقْرارٌ، وإنَّما كانَ مِلْكٌ وتَصَرُّفٌ، وكانَ التَّمَكُّنُ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، والسَّوْقُ عَلى ما قِيلَ يَقْتَضِي ذِكْرَ ما تَمَكَّنُوا فِيهِ لا ما مَلَكُوهُ، وأقُولُ: قَدْ يُقالُ: المُرادُ بِالأرْضِ هُنا وفِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾ الأرْضُ المُقَدَّسَةُ الَّتِي طَلَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن فِرْعَوْنَ بَنِي إسْرائِيلَ لِيَذْهَبَ بِهِمْ إلَيْها؛ فَإنَّها مَوْطِنُ آبائِهِمْ فَيَكُونُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ وعَدَهم هَلاكَ عَدُوِّهِمُ المانِعَ لَهم مِنَ الذَّهابِ إلَيْها، وجَعَلَ اللَّهُ تَعالى إيّاهم خُلَفاءَ فِيها بَعْدَ آبائِهِمْ وأسْلافِهِمْ أوْ بَعْدَ مَن هي في يَدِهِ إذْ ذاكَ مِنَ العَمالِقَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ هُنا أنَّ الوَعْدَ قَدْ نُجِزَ، وقَدْ أهْلَكْنا أعْداءَ أُولَئِكَ المَوْعُودِينَ وأوْرَثْناهُمُ الأرْضَ الَّتِي مَنَعُوهم عَنْها ومَكَّنّاهم فِيها، وفي حُصُولِ بُغْيَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وما ألْطَفَ تَوْرِيثَ الأبْناءِ مَساكِنَ الآباءِ ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ بِالخِصْبِ وسِعَةِ الأرْزاقِ أوْ بِذَلِكَ وبِكَوْنِها مَساكِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والصّالِحِينَ، وذَلِكَ ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِمَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها الشّامُ ونَواحِيها، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: لَيُهاجِرَنَّ الرَّعْدُ والبَرْقُ والبَرَكاتُ إلى الشّامِ.
صفحة 38
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: سَمِعْتُ أنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا مِنَ الشّامِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مِنها أُسْرِيَ بِهِ إلَيْها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حِوالَةَ الأزْدِيِّ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، خِرْ لِي بَلَدًا أكُونُ فِيهِ. قالَ: «عَلَيْكَ بِالشّامِ؛ فَإنَّهُ خِيرَةُ اللَّهِ تَعالى مِن أرْضِهِ، يَجْتَبِي إلَيْهِ خِيرَتَهُ مِن عِبادِهِ»».
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««عَلَيْكم بِالشّامِ؛ فَإنَّها صَفْوَةُ بِلادِ اللَّهِ تَعالى يَسْكُنُها خِيَرَتُهُ مِن عِبادِهِ»».
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا يَبْقى فِيهِ مُؤْمِنٌ إلّا لَحِقَ بِالشّامِ».
وجاءَ مِن حَدِيثِ أحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ والطَّبَرانِيِّ وابْنِ حِبّانَ والحاكِمِ أيْضًا وصَحَّحَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««طُوبى لِلشّامِ». فَقِيلَ لَهُ: ولِمَ؟ قالَ: «إنَّ مَلائِكَةَ الرَّحْمَنِ باسِطَةٌ أجْنِحَتَها عَلَيْها»».
والأحادِيثُ في فَضْلِ الشّامِ كَثِيرَةٌ، وقَدْ جَمَعَها غَيْرُ واحِدٍ إلّا أنَّ في الكَثِيرِ مِنها مَقالًا، وسَبَبُ الوَضْعِ كانَ قَوِيًّا، وهو اسْمٌ لِأحَدِ الأقالِيمِ العُرْفِيَّةِ، وفي القامُوسِ أنَّها بِلادٌ عَنْ مَشْأمَةِ القِبْلَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْمًا مِن بَنِي كَنْعانَ تَشاءَمُوا إلَيْها، أيْ: تَياسَرُوا أوْ سُمِّيَ بِسامَ بْنِ نُوحٍ فَإنَّهُ بِالشِّينِ بِالسُّرْيانِيَّةِ، أوْ لِأنَّ أرْضَها شاماتٌ بِيضٌ وحُمْرٌ وسُودٌ وعَلى هَذا لا تُهْمَزُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الأغْبَشِ، وكانَ قَدْ أدْرَكَ أصْحابَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ سُئِلَ عَمّا بُورِكَ مِنَ الشّامِ أيْنَ مَبْلَغُ حَدِّهِ؟ فَقالَ: أوَّلُ حُدُودِهِ عَرِيشُ مِصْرَ، والحَدُّ الآخَرُ طَرَفُ الثَّنِيَّةِ، والحَدُّ الآخَرُ الفُراتُ، والحَدُّ الآخَرُ جُعِلَ فِيهِ قَبْرُ هُودٍ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَيْسَ المُرادُ بِها ما هو مُتَعارَفُ النّاسِ اليَوْمَ، أعْنِي دِمَشْقَ. نَعَمْ هي داخِلَةٌ فِيها، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى حُدُودِها بِأبْسَطَ مِن هَذا في حَواشِينا عَلى شَرْحِ مُخْتَصَرِ السَّمَرْقَنْدِيَّةِ لِابْنِ عِصامٍ، وقَدْ ولِعَ النّاسُ في دِمَشْقَ مَدْحًا وذَمًّا فَقالَ بَعْضُهُمْ:
تَجَنَّبْ دِمَشْقَ ولا تَأْتِها وإنْ شاقَكَ الجامِعُ الجامِعُ
فَسُوقُ الفُسُوقِ بِها نافِقٌ ∗∗∗ وفَجْرُ الفُجُورِ بِها طالِعُ
وقالَ آخَرُ:
دِمَشْقُ غَدَتْ جَنَّةً لِلْوَرى زَها ∗∗∗ وصَفا العَيْشُ في ظِلِّها
وفِيها لَدى النَّفْسِ ما تَشْتَهِي ∗∗∗ ولا عَيْبَ فِيها سِوى أهْلِها
وقالَ آخَرُ في الشّامِ ولَعَلَّهُ عَنى مُتَعارَفَ النّاسِ:
قِيلَ لِي ما يَقُولُ في الشّامِ ∗∗∗ حَبْرُ شامٍ مِن بارِقِ الهَنا ما شامَهْ
قُلْتُ ماذا أقُولُ في وصْفِ أرْضٍ ∗∗∗ هي في وجْنَةِ المَحاسِنِ شامَهْ
وأنا أقُولُ: إذا صَحَّ الحَدِيثُ فَهو مَذْهَبِي، ونَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ اتِّباعِ الهَوى، والمَوْصُولُ صِفَةُ المَشارِقِ والمَغارِبِ، وقِيلَ: صِفَةُ الأرْضِ، وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ فِيهِ العَطْفَ عَلى المَوْصُوفِ قَبْلَ الصِّفَةِ وهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: قامَ أُمُّ هِنْدٍ وأبُوها العاقِلَةُ، وجُوِّزَ أنَّ يَكُونَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِأوْرَثْنا أيِ: الأرْضَ الَّتِي؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ نَصْبُ المَشارِقِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِ يُسْتَضْعَفُونَ عَلى مَعْنى يُسْتَضْعَفُونَ فِيها، وأنْ يَكُونَ المَشارِقُ مَنصُوبَةً بِ يُسْتَضْعَفُونَ والَّتِي صِفَةٌ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِأوْرَثْنا مَحْذُوفٌ؛ أيِ: الأرْضَ أوِ المُلْكَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وأنَّ المُتَبادَرَ هو الأوَّلُ.
﴿وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: مَضَتْ عَلَيْهِمْ واسْتَمَرَّتْ مِن قَوْلِهِمْ: مَضى عَلى الأمْرِ إذا اسْتَمَرَّ، والمُرادُ مِنَ الكَلِمَةِ وعْدُهُ تَعالى لَهم بِالنَّصْرِ والتَّمْكِينِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُهُ السّابِقُ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ إلَخْ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّهُ الوَعْدُ الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهم الوارِثِينَ﴾
صفحة 39
وقِيلَ: المُرادُ بِها عِلْمُهُ تَعالى الأزَلِيُّ، والمَعْنى: مَضى واسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ ما كانَ مُقَدَّرًا مِن إهْلاكِ عَدُوِّهِمْ وتَوْرِيثِهِمُ الأرْضَ، و(الحُسْنى) تَأْنِيثُ الأحْسَنِ صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ، ووُصِفَتْ بِذَلِكَ لِما فِيها مِنَ الوَعْدِ بِما يُحِبُّونَ ويَسْتَحْسِنُونَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أُرِيدَ بِالكَلِمَةِ عِدَتُهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهم بِالجَنَّةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَأْباهُ السِّباقُ والسِّياقُ، والتَفَتَ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الخِطابِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( رَبِّكَ ) عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِنَ القَصَصِ كانَ غَيْرَ مَعْلُومٍ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأمّا كَوْنُهُ جَلَّ شَأْنُهُ مُنْجِزًا لِما وعَدَ ومُجْرِيًا لِما قَضى وقَدَّرَ فَهو مَعْلُومٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذُكِرَ في الكَشْفِ أنَّهُ أدْمَجَ في هَذا الِالتِفاتِ أنَّهُ سَتَتِمُّ كَلِمَةُ رَبِّكَ في شَأْنِكَ أيْضًا. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ. (كَلِماتُ) بِالجَمْعِ لِأنَّها مَواعِيدُ، والوَصْفُ بِالحُسْنى لِتَأْوِيلِهِ بِالجَماعَةِ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّهُ يَجُوزُ وصْفُ كُلِّ جَمْعٍ بِمُفْرِدٍ مُؤَنَّثٍ إلّا أنَّ الشّائِعَ في مِثْلِهِ التَّأْنِيثُ بِالتّاءِ، وقَدْ يُؤَنَّثُ بِالألْفِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أيْ: بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى الشَّدائِدِ الَّتِي كابَدُوها مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وحَسْبُكَ بِهَذا حاثًّا عَلى الصَّبْرِ ودالًّا عَلى أنَّ مَن قابَلَ البَلاءَ بِالجَزَعِ وكَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، ومَن قابَلَهُ بِالصَّبْرِ ضَمِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ الفَرَجَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَوْ أنَّ النّاسَ إذا ابْتُلُوا مِن قِبَلِ سُلْطانِهِمْ بِشَيْءٍ صَبَرُوا ودَعَوُا اللَّهَ تَعالى لَمْ يَلْبَثُوا أنْ يَرْفَعَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَنْهُمْ،ولَكِنَّهم يَفْزَعُونَ إلى السَّيْفِ فَيُوكَلُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ قالَ: ما أُوتِيَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ما أُوتِيَتْ إلّا بِصَبْرِهِمْ، وما فَزِعَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ إلى السَّيْفِ قَطُّ فَجاءَتْ بِخَيْرٍ، وأقُولُ: قَدْ شاهَدْنا النّاسَ سَنَةَ الألْفِ والمِائَتَيْنِ والثَّمانِي والأرْبَعِينَ قَدْ فَزِعُوا إلى السَّيْفِ فَما أغْناهم شَيْئًا، ولا تَمَّ لَهم مُرادٌ ولا حُمِدَ مِنهم أمْرٌ، بَلْ وقَعُوا في حَرَّةِ رَحِيلَةَ، ووادِي خِدْباتٍ، وأُمِّ حُبُوكَرَ، ورُمُوا لَعَمْرِ اللَّهِ بِثالِثَةِ الأثافِيِّ، وقُصَّ مِن جَناحِ عَزِّهِمُ القُدامى والخَوافِي، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ عَيْشَ المُضَرِّ حُلْوُهُ مُرٌّ مُقَرٌّ، وأنَّ الفَرَجَ إنَّما يُصْطادُ بِشِباكِ الصَّبْرِ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الحَسَنِ: عَجِبْتُ مِمَّنْ خَفَّ كَيْفَ خَفَّ وقَدْ سَمِعَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَلا الآيَةَ، ويُعْلَمُ مِنها أنَّ التَّحَزُّنَ لا يُنافِي الصَّبْرَ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وصَفَ بَنِي إسْرائِيلَ بِهِ مَعَ قَوْلِهِمُ السّابِقِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾، ﴿ودَمَّرْنا﴾ أيْ: خَرَّبْنا وأهْلَكْنا: ﴿ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ﴾ في أرْضِ مِصْرَ مِنَ العِماراتِ والقُصُورِ. أيْ: دَمَّرْنا الَّذِي كانَ هو يَصْنَعُهُ فِرْعَوْنُ عَلى أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ، واسْمُ كانَ ضَمِيرٌ راجِعٌ إلَيْها وجُمْلَةُ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ مِنَ الفِعْلِ والفاعِلِ خَبَرُ كانَ والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ، والعائِدُ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ اسْمَ كانَ، ويَصْنَعُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والجُمْلَةُ الكَوْنِيَّةُ صِلَةُ ما، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْضًا. وتَعَقَّبَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ يَصْنَعُ يَصْلُحُ أنْ يَعْمَلَ في فِرْعَوْنَ فَلا يُقَدَّرُ تَأْخِيرُهُ، كَما لا يُقَدَّرُ تَأْخِيرُ الفِعْلِ في قَوْلِكَ: قامَ زَيْدٌ. وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ المِثالِ وما نَحْنُ فِيهِ وهو مِثْلُ الصُّبْحِ ظاهِرٌ، وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ وكانَ سَيْفُ خَطِيبٍ، والتَّقْدِيرُ ما يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ إلَخْ، وقِيلَ: كانَ كَما ذُكِرَ وما مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ودَمَّرْنا الَّذِي يَصْنَعُهُ فِرْعَوْنُ إلَخْ. أيْ: صَنَعَهُ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.
﴿وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ مِنَ الجَنّاتِ أوْ ما كانُوا يَرْضَوْنَهُ مِنَ البُنْيانِ كَصَرْحِ هامانَ، وإلى الأوَّلِ يُشِيرُ كَلامُ الحَسَنِ وإلى الثّانِي كَلامُ مُجاهِدٍ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ هُنا وفي النَّحْلِ (يِعْرُشُونَ) بِضَمِّ الرّاءِ، والباقُونَ بِالكَسْرِ، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، والكَسْرُ
صفحة 40
عَلى ما ذَكَرَ اليَزِيدِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ أفْصَحُ، وقُرِئَ في الشَّواذِّ: (يَغْرِسُونَ) مِن غَرْسِ الأشْجارِ، وفي الكَشّافِ: أنَّها تَصْحِيفٌ ولَيْسَ بِهِ.
* * *
(وهَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) ما وجَدْتُهُ لِبَعْضِ أرْبابِ التَّأْوِيلِ مِنَ العارِفِينَ أنَّ العَصا إشارَةٌ إلى نَفْسِهِ الَّتِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْها. أيْ: يَعْتَمِدُ في الحَرَكاتِ والأفْعالِ الحَيَوانِيَّةِ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِ القُوَّةِ البَهِيمِيَّةِ السَّلِيمَةِ ورِقِّ المَلَكاتِ الفاضِلَةِ والعاداتِ الحَمِيدَةِ مِن شَجَرَةِ الفِكْرِ، وكانَتْ لِتَقَدُّسِها مُنْقادَةً لِأوامِرِهِ مُرْتَدِعَةً عَنْ أفْعالِها الحَيَوانِيَّةِ إلّا بِإذْنِهِ كالعَصا، وإذا أرْسَلَها عِنْدَ الِاحْتِجاجِ عَلى الخُصُومِ صارَتْ كالثُّعْبانِ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ مِنَ الأكاذِيبِ ويُظْهِرُونَ مِن حِبالِ الشُّبَهاتِ وعَصا المُغالَطاتِ فَيَغْلِبُهم ويَقْهَرُهم. وأنَّ نَزْعَ اليَدِ إشارَةٌ إلى إظْهارِ القُدْرَةِ الباهِرَةِ السّاطِعَةِ مِنها أنْوارُ الحَقِّ. وجَعَلَ بَعْضُهم فِرْعَوْنَ إشارَةً إلى النَّفْسِ الأمّارَةِ، وقَوْمَهُ إشارَةً إلى صِفاتِها، وكَذا السَّحَرَةُ ومُوسى إشارَةً إلى الرُّوحِ، وقَوْمُهُ بَنُو إسْرائِيلَ العَقْلُ والقَلْبُ والسِّرُّ وعَلى هَذا القِياسِ. وأوَّلَ النَّيْسابُورِيُّ الطُّوفانَ بِالعِلْمِ الكَثِيرِ، والجَرادَ بِالوارِداتِ والقُمَّلَ بِالإلْهاماتِ، والضَّفادِعَ بِالخَواطِرِ، والدَّمَ بِأصْنافِ المُجاهَداتِ والرِّياضاتِ وهو كَما تَرى.
وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ السِّحْرَ كانَ غالِبًا في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَلِهَذا كانَتْ مُعْجِزَتُهُ ما كانَتْ، والطِّبَّ ما كانَ غالِبًا في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَلِهَذا كانَتْ مُعْجِزَتُهُ مِن جِنْسِ الطِّبِّ، والفَصاحَةَ كانَتْ غالِبًا في زَمَنِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتَّفاخُرُ بِها أشْهَرُ مِن (قِفا نَبْكِ) فَلِهَذا كانَتْ مُعْجِزَتُهُ القُرْآنَ، وإنَّما كانَتْ مُعْجِزَةُ كُلِّ نَبِيٍّ مِن جِنْسِ ما غَلَبَ عَلى زَمانِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى إلى إجابَةِ دَعْواهُ.
7:138Page 167
وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتَوۡاْ عَلَىٰ قَوۡمٖ يَعۡكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصۡنَامٖ لَّهُمۡۚ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ ١٣٨
And We took the Children of Israel across the sea; then they came upon a people intent in devotion to [some] idols of theirs. They [the Children of Israel] said, "O Moses, make for us a god just as they have gods." He said, "Indeed, you are a people behaving ignorantly.
﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ شُرُوعٌ بَعْدَ انْتِهاءِ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ في قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وشَرْحِ ما أحْدَثُوهُ بَعْدَ أنْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِما مَنَّ وأراهم مِنَ الآياتِ ما أراهم تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا رَآهُ مِنَ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ؛ فَإنَّهم جَرَوْا مَعَهُ عَلى دَأْبِ أسْلافِهِمْ مَعَ أخِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإيقاظًا لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ لا يَغْفُلُوا عَنْ مُحاسَبَةِ أنْفُسِهِمْ ومُراقَبَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ وقَعُوا فِيما وقَعُوا لِغَفْلَتِهِمْ عَمّا مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ، وجاوَزَ بِمَعْنى جازَ وقُرِئَ: (جَوَّزْنا) بِالتَّشْدِيدِ وهو أيْضًا بِمَعْنى جازَ فَعُدِّيَ بِالباءِ، أيْ: قَطَعْنا البَحْرَ بِهِمْ، والمُرادُ بِالبَحْرِ بَحْرُ القُلْزُمِ.
وفِي مَجْمَعِ البَيانِ: أنَّهُ نِيلُ مِصْرَ وهو كَما في البَحْرِ خَطَأٌ، وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَبَرَ بِهِمْ يَوْمَ عاشُوراءَ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فَصامُوهُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى ﴿فَأتَوْا﴾ أيْ: مَرُّوا بَعْدَ المُجاوَزَةِ.
﴿عَلى قَوْمٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: كانُوا مِن لَخْمٍ اسْمِ قَبِيلَةٍ يُنْسَبُونَ كَما صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ إلى لَخْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَبَأٍ، وقِيلَ: كانُوا مِنَ العَمالِقَةِ الكَنْعانِيِّينَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقِتالِهِمْ.
﴿يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ أيْ: يُواظِبُونَ عَلى عِبادَتِها ويُلازِمُونَها، وكانَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ تَماثِيلَ بَقَرٍ مِن نُحاسٍ، وهو أوَّلُ شَأْنِ العِجْلِ، وقِيلَ: كانَتْ مِن حِجارَةٍ، وقِيلَ: كانَتْ بَقَرًا حَقِيقَةً. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يَعْكِفُونَ) بِكَسْرِ الكافِ، قالُوا عِنْدَ ما شاهَدُوا ذَلِكَ: ﴿يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ مِثالًا نَعْبُدُهُ ﴿كَما لَهم آلِهَةٌ﴾، الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَ (إلَهًا) و(ما) مَوْصُولَةٌ، و(لَهُمْ) صِلَتُها، و(آلِهَةٌ) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ، والتَّقْدِيرُ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كائِنًا كالَّذِي اسْتَقَرَّ هو لَهم.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ ما كافَّةً لِلْكافِ، ولِذا وقَعَ بَعْدَها الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً،
صفحة 41
ولَهم مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ، أيْ: كَما ثَبَتَ لَهم.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ تَعَجَّبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِمْ هَذا بَعْدَ ما شاهَدُوهُ مِنَ الآيَةِ الكُبْرى والبَيِّنَةِ العُظْمى، فَوَصَفَهم بِالجَهْلِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُتَعَلِّقًا ومَفْعُولًا لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أوْ لِأنَّ حَذْفَهُ يَدُلُّ عَلى عُمُومِهِ. أيْ: تَجْهَلُونَ كُلَّ شَيْءٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ الجَهْلُ بِالرُّبُوبِيَّةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وأكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ، وتَوْسِيطِ قَوْمٍ وجَعْلِ ما هو المَقْصُودُ بِالأخْبارِ وصْفًا لَهُ لِيَكُونَ كَما قالَ العَلّامَةُ كالمُتَحَقِّقِ المَعْلُومِ، وهَذِهِ كَما ذَكَرَ الشِّهابُ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ في الخَبَرِ المُوَطِّئِ لِادِّعاءِ أنَّ الخَبَرَ لِظُهُورِ أمْرِهِ وقِيامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ كَأنَّهُ مَعْلُومٌ مُتَحَقِّقٌ فَيُفِيدُ تَأْكِيدَهُ وتَقْرِيرَهُ، ولَوْلاهُ لَمْ يَكُنْ لِتَوْسِيطِ المَوْصُوفِ وجْهٌ مِنَ البَلاغَةِ.
7:139Page 167
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٞ مَّا هُمۡ فِيهِ وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٩
Indeed, those [worshippers] - destroyed is that in which they are [engaged], and worthless is whatever they were doing."
﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ أيِ: القَوْمَ الَّذِينَ يَعْكُفُونَ عَلى هَذِهِ الأصْنامِ.
﴿مُتَبَّرٌ﴾ أيْ: مُدَمَّرٌ مُهْلَكٌ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ما هم فِيهِ﴾ مِنَ الدِّينِ، يَعْنِي يُدَمِّرُ اللَّهُ تَعالى دِينَهُمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ عَلى يَدَيَّ ويُهْلِكُ أصْنامَهم ويَجْعَلُها فُتاتًا.
﴿وباطِلٌ﴾ أيْ: مُضْمَحِلٌّ بِالكُلِّيَّةِ، وهو أبْلَغُ مِن حَمْلِهِ عَلى خِلافِ الحَقِّ.
﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: ما اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِهِ مِن عِبادَتِها، وإنْ قَصَدُوا بِذَلِكَ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ تَعالى وأنَّ المُرادَ أنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم أصْلًا، وحَمْلُ ( ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) عَلى الأصْنامِ؛ لِأنَّها مَعْمُولَةٌ لَهم خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِإثْباتِ الجَهْلِ المُؤَكَّدِ لِلْقَوْمِ، وفي إيقاعِ اسْمِ الإشارَةِ كَما في الكَشّافِ اسْمًا لِأنَّ، وتَقْدِيمِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لَها وسْمٌ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ بِأنَّهم هُمُ المُعَرَّضُونَ لِلتَّبارِ، وأنَّهُ لا يَعْدُوهُمُ البَتَّةَ، وأنَّهُ لَهم ضَرْبَةُ لازِبٍ لِيُحَذِّرَهم عاقِبَةَ ما طَلَبُوا، ويُبَغِّضَ إلَيْهِمْ ما أحَبُّوا، ووَجْهُ ذَلِكَ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ بَعْدَ إفادَةِ الإحْضارِ وأكْمَلِ التَّمْيِيزِ يُفِيدُ أنَّهم أحِقّاءُ بِما أخْبَرَ عَنْهُ بِهِ بِواسِطَةِ ما تَقَدَّمَ مِنَ العُكُوفِ، والتَّقْدِيمُ يُؤْذِنُ بِأنَّ حالَ ما هم فِيهِ لَيْسَتْ غَيْرَ التَّبارِ، وحالَ عَمَلِهِمْ لَيْسَتْ إلّا البُطْلانَ، فَهم لا يَعْدُونَهُما فَهُما لَهم ضَرْبَةُ لازِبٍ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ( ما هم فِيهِ ) فاعِلُ (مُتَبَّرٌ) لِاعْتِمادِهِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو في نَفْسِهِ مُساوٍ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ ما هم فِيهِ مُبْتَدَأً، ومُتَبَّرٌ خَبَرٌ لَهُ أوْ أرْجَحُ مِنهُ إلّا أنَّ المَقامَ كَما قالَ القُطْبُ وغَيْرُهُ اقْتَضى ذَلِكَ. فَلْيُفْهَمْ.
7:140Page 167
قَالَ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِيكُمۡ إِلَٰهٗا وَهُوَ فَضَّلَكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٤٠
He said, "Is it other than Allāh I should desire for you as a god1 while He has preferred you over the worlds?"
﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا﴾ قِيلَ: هَذا هو الجَوابُ وما تَقَدَّمَ مُقَدِّمَةٌ وتَمْهِيدٌ لَهُ، ولَعَلَّهُ لِذَلِكَ أُعِيدَ لَفْظُ قالَ.
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: هو شُرُوعٌ في بَيانِ شُؤُونِ اللَّهِ تَعالى المُوجِبَةِ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ بَيانِ أنَّ ما طَلَبُوا عِبادَتَهُ مِمّا لا يُمْكِنُ طَلَبُهُ أصْلًا؛ لِكَوْنِهِ هالِكًا باطِلًا أصْلًا؛ ولِذَلِكَ وُسِّطَ بَيْنَهُما قالَ. مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما كَلامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ الشِّهابُ: أُعِيدَ لَفْظُ قالَ مَعَ اتِّحادِ ما بَيْنَ القائِلِينَ؛ لِأنَّ هَذا دَلِيلٌ خِطابِيٌّ بِتَفْضِيلِهِمْ عَلى العالَمِينَ، ولَمْ يُسْتَدَلَّ بِالتَّمانُعِ العَقْلِيِّ لِأنَّهم عَوامُّ. انْتَهى.
وفِي إقامَةِ بُرْهانِ التَّمانُعِ عَلى الوَثَنِيَّةِ القائِلِينَ: ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى والمُجِيبِينَ إذا سُئِلُوا: مَن خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضِ بِخَلْقِهِنَّ اللَّهُ خَفاءٌ، والظّاهِرُ إقامَتُهُ عَلى التَّنْوِيهِ كَما لا يَخْفى، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وانْتِصابُ (غَيْرَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ أبْغِيكُمْ، وهو عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، والأصْلُ أبْغِي لَكُمْ، وعَلى ذَلِكَ يُخَرَّجُ كَلامُ الجَوْهَرِيِّ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ أنَّ الفِعْلَ مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولَيْنِ والهاءَ تَمْيِيزٌ، وجُوِّزَ أنَّ البَقاءَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِأبْغِي و(غَيْرَ) صِفَةٌ لَهُ قُدِّمَتْ فَصارَتْ حالًا، وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ هُنا اخْتِصاصُ الإنْكارِ بِغَيْرِهِ تَعالى دُونَ إنْكارِ الِاخْتِصاصِ، والمَعْنى: أغَيْرَ المُسْتَحِقِّ لِلْعِبادَةِ أطْلُبُ لَكم مَعْبُودًا.
﴿وهُوَ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ: عالَمِي زَمانِكم أوْ جَمِيعِ العالَمِينَ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ تَفْضِيلَهم بِتِلْكَ الآياتِ لا مُطْلَقًا حَتّى يَلْزَمَ تَفْضِيلُهم عَلى
صفحة 42
أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأمّا الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلا يَدْخُلُونَ في المُفَضَّلِ عَلَيْهِمْ بِوَجْهٍ، بَلْ هم خارِجُونَ عَنْ ذَلِكَ بِقَرِينَةٍ عَقْلِيَّةٍ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِوَجْهِ الإنْكارِ، أيْ: والحالُ أنَّهُ تَعالى خَصَّ التَّفْضِيلَ بِكم فَأعْطاكم نِعَمًا لَمْ يُعْطِها غَيْرَكُمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى ما صَنَعُوا مِن سُوءِ المُعامَلَةِ حَيْثُ قابَلُوا التَّفَضُّلَ بِالتَّفْضِيلِ والِاخْتِصاصَ بِأنْ قَصَدُوا أنْ يُشْرِكُوا بِهِ أخَسَّ مَخْلُوقاتِهِ، وهَذا الِاخْتِصاصُ مَأْخُوذٌ مِن مَعْنى الكَلامِ، وإلّا فَلَيْسَ فِيهِ ما يُفِيدُ ذَلِكَ، وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ عَلى الخَبَرِ لا يُفِيدُهُ وإنْ كانَ اخْتِصاصًا آخَرَ عَلى ما قِيلَ، أيْ: هو المَخْصُوصُ بِأنَّهُ فَضَّلَكم عَلى مَن سِواكُمْ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجُمْلَةِ مُسْتَأْنَفَةً.
7:141Page 167
وَإِذۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ١٤١
And [recall, O Children of Israel], when We saved you from the people of Pharaoh, [who were] afflicting you with the worst torment - killing your sons and keeping your women alive. And in that was a great trial from your Lord.
﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ بِإهْلاكِهِمْ وتَخْلِيصِكم مِنهُمْ، وإذْ إمّا مَفْعُولٌ بِهِ لِ (اذْكُرُوا) مَحْذُوفًا بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّها تَخْرُجُ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، أيِ اذْكُرُوا ذَلِكَ الوَقْتَ ويَكُونُ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ ذِكْرِ ما فِيهِ، وإمّا ظَرْفٌ لِمَفْعُولِ اذْكُرُوا المَحْذُوفِ، أيِ اذْكُرُوا صَنِيعَنا مَعَكم في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهو تَذْكِيرٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِنِعْمَتِهِ العَظِيمَةِ، وقُرِئَ (نَجَّيْناكُمْ) مِنَ التَّنْجِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (أنْجاكُمْ) فَيَكُونُ مِن مَقُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أيْضًا كَذَلِكَ، عَلى أنَّ ضَمِيرَ أنْجَيْنا لِمُوسى وأخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ أوْ لَهُما ولِمَن مَعَهُما، أوْ لَهُ وحْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُشِيرًا بِالتَّعْظِيمِ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ الإنْجاءِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَتْمِيمًا لِكَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ وهو كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ فَضَّلَكُمْ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ أيْ: يُوَلُّونَكم ذَلِكَ ويُكَلِّفُونَكم إيّاهُ، إمّا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما فُعِلَ بِهِمْ أوْ مِمَّ أُنْجُوا؟ فَأُجِيبَ بِما ذُكِرَ، وإمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ أوْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أوْ مِنهُما مَعًا لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرِهِما.
وقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن يَسُومُونَكم. مُبَيِّنٌ لَهُ، ويَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ أيْضًا، ﴿وفِي ذَلِكُمْ﴾ الإنْجاءِ أوْ سُوءِ العَذابِ ﴿بَلاءٌ﴾ نِعْمَةٌ أوْ مِحْنَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يَشْمَلُهُما.
﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مالِكِ أُمُورِكم ﴿عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وفي الآيَةِ التِفاتٌ عَلى بَعْضِ ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ إنَّ هَذا الطَّلَبَ لَمْ يَكُنْ كَما قالَ مُحْيِي السُّنَّةِ البَغَوِيُّ عَنْ شَكٍّ مِنهم بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما كانَ غَرَضُهم إلَهًا يُعَظِّمُونَهُ ويَتَقَرَّبُونَ بِتَعْظِيمِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ بِالدِّيانَةِ، وكانَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ جَهْلِهِمْ كَما أذِنَتْ بِهِ الآياتُ، وقِيلَ: إنَّ غَرَضَهم عِبادَةُ الصَّنَمِ حَقِيقَةً، فَيَكُونُ ذَلِكَ رِدَّةً مِنهُمْ، وأيًّا ما كانَ فالقائِلُ بَعْضُهم لا كُلُّهُمْ، وقَدِ اتَّفَقَ في هَذِهِ الأُمَّةِ نَحْوُ ذَلِكَ؛ فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي واقِدٍ اللِّيثِيِّ: ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَرَجَ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ فَمَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ كانُوا يُعَلِّقُونَ عَلَيْها أسْلِحَتَهم ويَعْكُفُونَ حَوْلَها يُقالُ لَها ذاتُ أنْواطٍ. فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنا ذاتَ أنْواطٍ كَما لَهم ذاتُ أنْواطٍ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «سُبْحانَ اللَّهِ» وفي رِوايَةٍ: «اللَّهُ أكْبَرُ»» هَذا كَما قالَ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةً، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ».
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: ««غَزْوَنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عامَ الفَتْحِ ونَحْنُ ألْفٌ ونَيِّفٌ، فَفَتَحَ اللَّهُ تَعالى مَكَّةَ وحُنَيْنًا حَتّى إذا كُنّا بَيْنَ حُنَيْنٍ والطّائِفِ في أرْضٍ فِيها سِدْرَةٌ عَظِيمَةٌ كانَ يُناطُ بِها السِّلاحُ فَسُمِّيَتْ ذاتَ أنْواطٍ، فَكانَتْ تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، فَلَمّا رَآها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَرَفَ
صفحة 43
عَنْها في يَوْمٍ صائِفٍ إلى ظِلٍّ هو أدْنى مِنها. فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنا ذاتَ أنْواطٍ كَما لَهم ذاتُ أنْواطٍ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّها السُّنَنُ قُلْتُمْ - والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ - كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ»».
وفِي هَذا الخَبَرِ تَصْرِيحٌ بِأنَّ القائِلَ رَجُلٌ واحِدٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ عَنْ جَهْلٍ يُعْذَرُ بِهِ ولا يَكُونُ بِهِ كافِرًا وإلّا لَأمَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَجْدِيدِ الإسْلامِ، ولَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ فِيما وقَفْتُ عَلَيْهِ، والنّاسُ اليَوْمَ قَدِ اتَّخَذُوا مِن قَبِيلِ ذاتِ الأنْواطِ شَيْئًا كَثِيرًا لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ الحَصْرِ، والآمِرُ بِالمَعْرُوفِ أعَزُّ مِن بَيْضِ الأنُوقِ، والِامْتِثالُ بِفَرْضِ الأمْرِ مَنُوطٌ بِالعَيُّوقِ، والأمْرُ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences