Al-AlusiAl‑A'raf · 7:144–145

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:144–145

7:144Page 168

قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤

[Allāh] said, "O Moses, I have chosen you over the people with My messages and My words [to you]. So take what I have given you and be among the grateful."

﴿قالَ يا مُوسى﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عَدَمِ الإجابَةِ إلى سُؤالِهِ عَلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ مَنَعْتُكَ الرُّؤْيَةَ فَقَدْ أعْطَيْتُكَ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ ما أعْطَيْتُكَ فاغْتَنِمْهُ وثابِرْ عَلى شُكْرِهِ؛ ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ أيِ اخْتَرْتُكَ وهو افْتِعالٌ مِنَ الصَّفْوَةِ بِمَعْنى الخِيارِ، والتَّأْكِيدُ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ عَلى النّاسِ المَوْجُودِينَ في زَمانِكَ، وهَذا كَما فَضَّلَ قَوْمَهُ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿بِرِسالاتِي﴾ أيْ بِأسْفارِ التَّوْراةِ. وقَرَأ أهْلُ الحِجازِ ورُوحٌ: (بِرِسالَتِي).

﴿وبِكَلامِي﴾ أيْ: بِتَكْلِيمِي إيّاكَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ. أوِ الكَلامِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: بِإسْماعِ كَلامِي، والمُرادُ: فَضَّلْتُكَ بِمَجْمُوعِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، فَلا يَرِدُ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَلِيمًا عَلى أنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ تَبَعِيَّةً أيْضًا، وكانَ مَأْمُورًا بِاتِّباعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَذَلِكَ لا يَرِدُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المِيقاتِ في قَوْلٍ؛ لِأنَّهم وإنْ سَمِعُوا الخِطابَ إلّا أنَّهم لَيْسَ لَهم مِنَ الرِّسالَةِ شَيْءٌ، عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالتَّكْلِيمِ المُوَجَّهِ إلَيْهِ الخِطابُ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَهم وبِتَخْصِيصِ النّاسِ بِما عَلِمْتَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَلا يَرِدُ أنَّ مَجْمُوعَ الرِّسالَةِ والتَّكْلِيمِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ وُجِدَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا عَلى الصَّحِيحِ، عَلى أنّا لَوْ قُلْنا بِأنَّ التَّكْلِيمَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ مَخْصُوصٌ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَلْزَمُ مِنهُ تَفْضِيلُهُ مِن كُلِّ الوُجُوهِ عَلى غَيْرِهِ كَنَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقَدْ يُوجَدُ في الفاضِلِ ما لا يُوجَدُ في الأفْضَلِ، وإنَّما كانَ الكَلامُ بِلا واسِطَةٍ سَبَبًا لِلشَّرَفِ بِناءً عَلى العُرْفِ الظّاهِرِ، وقَدْ قالُوا: شَتّانَ بَيْنَ مَنِ اتَّخَذَهُ المَلِكُ لِنَفْسِهِ حَبِيبًا وقَرَّبَهُ إلَيْهِ بِلُطْفِهِ تَقْرِيبًا، وبَيْنَ مَن ضَرَبَ لَهُ الحِجابَ والحِجابَ وحالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَقْصُودِ بَوّابٌ ونُوّابٌ، عَلى أنَّ مَن ذاقَ طَعْمَ المَحَبَّةِ ولَوْ بِطَرَفِ اللِّسانِ يَعْلَمُ ما في تَكْلِيمِ المَحْبُوبِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ مِنَ اللُّطْفِ العَظِيمِ والبِرِّ الجَسِيمِ، وكَلامُهُ جَلَّ شَأْنُهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ المِيقاتِ كَثِيرٌ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثارُ، وقَدْ سَبَقَ لَكَ ما يَدُلُّ عَلى كَمِّيَّتِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.

وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ ناجى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمِائَةِ ألْفٍ وأرْبَعِينَ ألْفَ كَلِمَةٍ في ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَلَمّا سَمِعَ كَلامَ الآدَمِيِّينَ مَقَتَهم لِما وقَعَ في مَسامِعِهِ مِن كَلامِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ، فَكانَ فِيما ناجاهُ أنْ قالَ: يا مُوسى، إنَّهُ لَمْ يَتَصَنَّعِ المُتَصَنِّعُونَ بِمِثْلِ الزُّهْدِ في الدُّنْيا، ولَمْ يَتَقَرَّبْ إلَيَّ المُتَقَرِّبُونَ بِمِثْلِ الوَرَعِ عَمّا حَرَّمْتُ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَتَعَبَّدِ المُتَعَبِّدُونَ بِمِثْلِ البُكاءِ مِن خَشْيَتِي، فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ، وإلَهَ البَرِّيَّةِ كُلِّها ويا مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، ويا ذا الجَلالِ والإكْرامِ، ماذا أعْدَدْتَ لَهم وماذا جَزَيْتَهُمْ؟

صفحة 56

قالَ: أمّا الزّاهِدُونَ في الدُّنْيا فَإنِّي أُبِيحُهم جَنَّتِي حَتّى يَتَبَوَّءُوا فِيها حَيْثُ شاءُوا، وأمّا الوَرِعُونَ عَمّا حَرَّمْتْ عَلَيْهِمْ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ لَمْ يَبْقَ عَبْدٌ إلّا ناقَشْتُهُ الحِسابَ وفَتَّشْتُ عَمّا في يَدَيْهِ إلّا الوَرِعُونَ؛ فَإنِّي أُجِلُّهم وأُكْرِمُهم وأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وأمّا الباكُونَ مِن خَشْيَتِي فَأُولَئِكَ لَهُمُ الرَّفِيقُ الأعْلى لا يُشارِكُهم فِيهِ أحَدٌ»».

وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ في كِتابِ العِلْمِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا قَرَّبَ اللَّهُ تَعالى مُوسى نَجِيًّا أبْصَرَ في ظِلِّ العَرْشِ رَجُلًا فَغَبَطَهُ بِمَكانِهِ فَسَألَهُ عَنْهُ فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِاسْمِهِ، وأخْبَرَهُ بِعِلْمِهِ فَقالَ لَهُ: هَذا رَجُلٌ كانَ لا يَحْسُدُ النّاسَ عَلى ما أتاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن فَضْلِهِ، بَرًّا بِالوالِدَيْنِ، لا يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: يا مُوسى، ما جِئْتَ تَطْلُبُ؟ قالَ: جِئْتُ أطْلُبُ الهُدى يا رَبِّ. قالَ: قَدْ وجَدْتَ يا مُوسى. فَقالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ما مَضى مِن ذُنُوبِي وما غَبَرَ وما بَيْنَ ذَلِكَ وما أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، وأعُوذُ بِكَ مِن وسْوَسَةِ نَفْسِي وسُوءِ عَمَلِي. فَقِيلَ لَهُ: قَدْ كُفِيتَ يا مُوسى. قالَ: يا رَبِّ، أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلَيْكَ أنْ أعْمَلَهُ؟ قالَ: اذْكُرْنِي يا مُوسى. قالَ: رَبِّ، أيُّ عِبادِكَ أتْقى؟ قالَ: الَّذِي يَذْكُرُنِي ولا يَنْسانِي. قالَ: رَبِّ، أيُّ عِبادِكَ أغْنى؟ قالَ: الَّذِي يَقْنَعُ بِما يُؤْتى. قالَ: رَبِّ، أيُّ عِبادِكَ أفْضَلُ؟ قالَ: الَّذِي يَقْضِي بِالحَقِّ ولا يَتَّبِعُ الهَوى. قالَ: رَبِّ، أيُّ عِبادِكَ أعْلَمُ؟ قالَ: الَّذِي يَطْلُبُ عِلْمَ النّاسِ إلى عِلْمِهِ لَعَلَّهُ يَسْمَعُ كَلِمَةً تَدُلُّهُ عَلى هُدًى أوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى. قالَ: رَبِّ، أيُّ عِبادِكَ أحَبُّ إلَيْكَ عَمَلًا؟ قالَ: الَّذِي لا يَكْذِبُ لِسانُهُ، ولا يَزْنِي فَرْجُهُ، ولا يَفْجُرُ قَلْبُهُ. قالَ: رَبِّ، ثُمَّ أيُّ: عَلى أثَرِ هَذا؟ قالَ: قَلْبُ مُؤْمِنٍ في خُلُقٍ حَسَنٍ. قالَ: رَبِّ، أيُّ عِبادِكَ أبْغَضُ إلَيْكَ؟ قالَ: قَلْبُ كافِرٍ في خُلُقٍ سَيِّئٍ. قالَ: رَبِّ، ثُمَّ أيُّ عَلى أثَرِ هَذا؟ قالَ: جِيفَةٌ بِاللَّيْلِ بَطّالٌ بِالنَّهارِ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: قالَ مُوسى: يا رَبِّ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أذْكُرُكَ بِهِ وأدْعُوكَ بِهِ؟ قالَ: قُلْ يا مُوسى: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. قالَ: يا رَبِّ، كُلُّ عِبادِكَ يَقُولُ هَذا. قالَ: قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. قالَ: لا إلَهَ إلّا أنْتَ يا رَبِّ. إنَّما أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ. قالَ: يا مُوسى، لَوْ أنَّ السَّمَواتِ السَّبْعَ وعامِرَهُنَّ غَيْرِي والأرْضِينَ السَّبْعَ في كِفَّةٍ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ في كِفَّةٍ مالَتْ بِهِنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ».

وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَمّا ارْتَقى مُوسى طُورَ سِينا رَأى الجَبّارُ في أُصْبُعِهِ خاتَمًا فَقالَ: هَلْ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أسْمائِي أوْ كَلامِي؟ قالَ: لا. قالَ فاكْتُبْ عَلَيْهِ: لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ العَلاءِ بْنِ كَثِيرٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: يا مُوسى، أتَدْرِي لِمَ كَلَّمْتُكَ؟ قالَ: لا يا رَبِّ، قالَ: لِأنِّي لَمْ أخْلُقْ خَلْقًا تَواضَعَ لِي تَواضُعَكَ.

ولِلْقُصّاصِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ مَوْضُوعَةٌ في أسْئِلَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ وأجْوِبَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ لَهُ، لا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ التَّصْدِيقُ بِها، ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ أيْ: أعْطَيْتُكَ مِن شَرَفِ الِاصْطِفاءِ.

﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أيْ: مَعْدُودًا في عِدادِهِمْ بِأنْ يَكُونَ لَكَ مُساهَمَةٌ كامِلَةٌ فِيهِمْ، وحاصِلُهُ: كُنْ بَلِيغَ الشُّكْرِ؛ فَإنَّ ما أنْعَمْتُ بِهِ عَلَيْكَ مِن أجَلِّ النِّعَمِ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ، دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ إذا عَمِلْتُهُ كانَ شُكْرًا لَكَ فِيما اصْطَنَعْتَ إلَيَّ، قالَ: يا مُوسى، قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

قالَ: فَكَأنَّ مُوسى أرادَ مِنَ العَمَلِ ما هو أنْهَكُ لِجِسْمِهِ مِمّا أُمِرَ بِهِ فَقالَ لَهُ: يا مُوسى، لَوْ أنَّ السَّمَواتِ السَّبْعَ الخَبَرَ ... وهو في مَعْنى ما في خَبَرِ أبِي سَعِيدٍ.

7:145Page 168

وَكَتَبۡنَا لَهُۥ فِي ٱلۡأَلۡوَاحِ مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡعِظَةٗ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ فَخُذۡهَا بِقُوَّةٖ وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ سَأُوْرِيكُمۡ دَارَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٤٥

And We wrote for him on the tablets [something] of all things - instruction and explanation for all things, [saying], "Take them with determination and order your people to take the best of it. I will show you the home of the defiantly disobedient."1

﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، والمَحاسِنِ والقَبائِحِ عَلى ما قالَ الرّازِيُّ وغَيْرُهُ وما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الثَّقَفِيِّ قالَ: اصْطَحَبَ قَيْسُ بْنُ

صفحة 57

خَرَشَةَ وكَعْبُ الأحْبارِ حَتّى إذا بَلَغا صِفِّينَ وقَفَ كَعْبٌ ثُمَّ نَظَرَ ساعَةً ثُمَّ قالَ: لَيُهْراقَنَّ بِهَذِهِ البُقْعَةِ مِن دِماءِ المُسْلِمِينَ شَيْءٌ لا يُهْراقُ بِبُقْعَةٍ مِنَ الأرْضِ مِثْلُهُ. فَقالَ قَيْسٌ: ما يُدْرِيكَ؛ فَإنَّ هَذا مِنَ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ؟ فَقالَ كَعْبٌ: ما مِنَ الأرْضِ شِبْرٌ إلّا مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى مُوسى ما يَكُونُ عَلَيْهِ وما يَخْرُجُ مِنهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ظاهِرٌ في أنَّ كُلَّ شَيْءٍ أعَمُّ مِمّا ذُكِرَ، ولَعَلَّ ذِكْرَ ذَلِكَ مِن بابِ الرَّمْزِ كَما نَدَّعِيهِ في القُرْآنِ.

﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ، أيْ: كَتَبْنا لَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ المَواعِظِ وتَفْصِيلِ الأحْكامِ، وإلى هَذا ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُعْرِبِينَ، وهو مُشْعِرٌ بِأنَّ (مِن) مَزِيدَةٌ لا تَبْعِيضِيَّةٌ، وفي زِيادَتِها في الإثْباتِ كَلامٌ، قِيلَ: ولَمْ تُجْعَلِ ابْتِدائِيَّةً حالًا مِن (مَوْعِظَةً)، و(مَوْعِظَةً) مَفْعُولٌ بِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ مَعْنًى، ولَمْ تُجْعَلْ (مَوْعِظَةً) مَفْعُولًا لَهُ وإنِ اسْتَوْفى شَرائِطَهُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ عَطْفُ (تَفْصِيلًا) عَنْ (مَوْعِظَةً)، وظاهِرٌ أنَّهُ لا مَعْنى لِقَوْلِكَ: كَتَبْنا لَهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ لِتَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ، وأمّا جَعْلُهُ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ فَبَعِيدٌ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ والمَعْنى.

والطِّيبِيُّ اخْتارَ هَذا العَطْفَ، وأنَّ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، و(مَوْعِظَةً) وحْدَها بَدَلٌ، والمَعْنى: كَتَبْنا بَعْضَ كُلِّ شَيْءٍ في الألْواحِ مِن نَحْوِ السُّوَرِ والآياتِ وغَيْرِهِما مَوْعِظَةً وكَتَبْنا فِيها تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وفي ذَلِكَ اخْتِصاصُ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ بِالمَوْعِظَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الِاهْتِمامَ بِهَذا أشَدُّ والعِنايَةَ بِها أتَمُّ، ولِكَوْنِها كَذَلِكَ كَثُرَ مَدْحُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالبَشِيرِ النَّذِيرِ، وإشْعارٌ بِأنَّ المَوْعِظَةَ مِمّا يَجِبُ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في كُلِّ أمْرٍ يُذْكَرُ بِهِ، ألا يَرى إلى أنَّ أكْثَرَ الفَواصِلِ التَّنْزِيلِيَّةِ والرُّدُودِ عَلى هَذا النَّمَطِ نَحْوَ: (أفَلا تَتَّقُونَ - أفَلا تَتَذَكَّرُونَ)، وإلى سُورَةِ الرَّحْمَنِ كَيْفَ أُعِيدَ فِيها ما أُعِيدَ؛ وذَلِكَ لِيَسْتَأْنِفَ السّامِعُ بِهِ ادِّكارًا واتِّعاظًا ويُجَدَّدَ تَنْبِيهًا واسْتِيقاظًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ البُعْدَ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ باقٍ عَلى حالِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ كَما قالَ السَّمِينُ، وقَعَ صِفَةً لَهُ، واخْتُلِفَ في عَدَدِ الألْواحِ وفي جَوْهَرِها ومِقْدارِها وكاتِبِها، فَقِيلَ: كانَتْ عَشَرَةَ ألْواحٍ، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ، قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ في اللُّغَةِ لِلَوْحَيْنِ ألْواحٌ، وأنَّها كانَتْ مِن زُمُرُّدٍ أخْضَرَ، أمَرَ الرَّبُّ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجاءَ بِها مِن عَدَنٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أُخْبِرْتُ أنَّ الألْواحَ كانَتْ مِن زَبَرْجَدٍ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانُوا يَقُولُونَ: إنَّها كانَتْ مِن ياقُوتَةٍ، وأنا أقُولُ: إنَّها كانَتْ مِن زُمُرُّدٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««الألْواحُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى كانَتْ مِن سِدْرِ الجَنَّةِ، كانَ طُولُ اللَّوْحِ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا»».

وعَنِ الحَسَنِ أنَّها كانَتْ مِن خَشَبٍ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ، وأنَّ طُولَ كُلٍّ عَشَرَةُ أذْرُعٍ، وقِيلَ: أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَطْعِها مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيَّنَها لَهُ، فَقَطَعَها بِيَدِهِ وسَقَفَها بِأصابِعِهِ، ولا يَخْفى أنَّ أمْثالَ هَذا يَحْتاجُ إلى النَّقْلِ الصَّحِيحِ وإلّا فالسُّكُوتُ أوْلى؛ إذْ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُخْتارُ عِنْدِي أنَّها مِن خَشَبِ السِّدْرِ إنْ صَحَّ السَّنَدُ إلى سِلْسِلَةِ الذَّهَبِ، والمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّ كاتِبَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَتَبَها بِالقَلَمِ الَّذِي كَتَبَ بِهِ الذِّكْرَ.

والمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ، وخَلْقٍ كَثِيرٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَها بِيَدِهِ. وجاءَ أنَّها كُتِبَتْ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَسْمَعُ صَرِيفَ الأقْلامِ الَّتِي كُتِبَتْ بِها.

وهُوَ المَأْثُورُ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وجاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ بِيَدِهِ وخَلَقَ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ، ثُمَّ

صفحة 58

قالَ لِأشْياءَ كُونِي فَكانَتْ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ ورْدانَ بْنِ خالِدٍ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ بِيَدِهِ، وخَلَقَ جِبْرِيلَ بِيَدِهِ، وخَلَقَ القَلَمَ بِيَدِهِ، وخَلَقَ عَرْشَهُ بِيَدِهِ، وكَتَبَ الكِتابَ الَّذِي عِنْدَهُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بِيَدِهِ، وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ. وهَذا كُلُّهُ مِن قَبِيلِ المُتَشابِهِ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّها كُتِبَتْ قَبْلَ المِيقاتِ، وأُنْزِلَتْ عَلى ما قِيلَ وهي سَبْعُونَ وِقْرَ بِعِيرٍ، يُقْرَأُ الجُزْءُ مِنهُ في سَنَةٍ، لَمْ يَقْرَأْها إلّا أرْبَعَةُ نَفَرٍ؛ مُوسى ويُوشَعُ وعُزَيْرٌ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ومِمّا كُتِبَ فِيها كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ذِكْرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذِكْرُ أُمَّتِهِ وما ادَّخَرَ لَهم عِنْدَهُ، وما يَسَّرَ عَلَيْهِمْ في دِينِهِمْ، وما وسَّعَ عَلَيْهِمْ فِيما أحَلَّ لَهم حَتّى إنَّهُ جاءَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَجِبَ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأمَتَّهُ وتَمَنّى أنْ يَكُونَ مِنهم.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وغَيْرُهُما، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««كانَ فِيما أعْطى اللَّهُ تَعالى مُوسى في الألْواحِ: يا مُوسى، لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا؛ فَقَدْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَتَلْفَحَنَّ وُجُوهَ المُشْرِكِينَ النّارُ، واشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ أقِكَ المَتالِفَ، وأُنْسِئْكَ في عُمْرِكَ، وأُحْيِكَ حَياةً طَيِّبَةً، وأقْلِبْكَ إلى خَيْرٍ مِنها، ولا تَقْتُلِ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى إلّا بِالحَقِّ فَتَضِيقُ عَلَيْكَ الأرْضُ بِرَحْبِها، والسَّماءُ بِأقْطارِها، وتَبُوءُ بِسَخَطِي والنّارِ، ولا تَحْلِفْ بِاسْمِي كاذِبًا ولا آثِمًا؛ فَإنِّي لا أُطَهِّرُ ولا أُزَكِّي مَن لَمْ يُنَزِّهْنِي ويُعَظِّمْ أسْمائِي، ولا تَحْسُدِ النّاسَ عَلى ما أعْطَيْتُهم مِن فَضْلِي، ولا تَنْفَسْ عَلَيْهِ نِعْمَتِي ورِزْقِي؛ فَإنَّ الحاسِدَ عَدُوُّ نِعْمَتِي، رادٌّ لِقَضائِي، ساخِطٌ لِقِسْمَتِي الَّتِي أقْسِمُ بَيْنَ عِبادِي، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ فَلَسْتُ مِنهُ ولَيْسَ مِنِّي، ولا تَشْهَدْ بِما لَمْ يَعِ سَمْعُكَ، ويَحْفَظْ عَقْلُكَ، ويُعْقَدْ عَلَيْهِ قَلْبُكَ؛ فَإنِّي واقِفٌ أهْلَ الشَّهاداتِ عَلى شَهاداتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ سائِلُهم عَنْها سُؤالًا حَثِيثًا، ولا تَزْنِ ولا تَسْرِقْ، ولا تَزْنِ بِحَلِيلَةِ جارِكَ فَأحْجُبْ عَنْكَ وجْهِي وتُغْلَقْ عَنْكَ أبْوابُ السَّماءِ، وأحِبَّ لِلنّاسِ ما تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، ولا تَذْبَحَنَّ لِغَيْرِي؛ فَإنِّي لا أقْبَلُ مِنَ القُرْبانِ إلّا ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمِي وكانَ خالِصًا لِوَجْهِي، وتَفَرَّغْ لِي يَوْمَ السَّبْتِ وفَرِّغْ لِي نَفْسَكَ وجَمِيعَ أهْلِ بَيْتِكَ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ السَّبْتَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِيدًا، واخْتارَ لَنا الجُمُعَةَ فَجَعَلَها عِيدًا»».

﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ أيْ: بِجِدٍّ وحَزْمٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: والجُمْلَةُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَطْفًا عَلى: ( كَتَبْنا ) وحَذْفُ القَوْلِ كَثِيرٌ مُطَّرِدٌ، والدّاعِي لِهَذا التَّقْدِيرِ كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي رِعايَةُ المُناسَبَةِ لِ ( كَتَبْنا لَهُ ) لِأنَّهُ جاءَ عَلى الغَيْبَةِ، ولَوْ كانَ بَدَلُهُ كَتَبْنا لَكَ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرٍ، وأمّا حَدِيثُ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الأخْبارِ فَلا ضَيْرَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ إذا كانَ بِالفاءِ.

وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ وضُعِّفَ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بِأجْنَبِيٍّ وهو جُمْلَةُ كَتَبْنا المَعْطُوفَةُ عَلى جُمْلَةِ: (قالَ)، وهو تَفْكِيكٌ لِلنَّظْمِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلْألْواحِ أوْ لِكُلِّ شَيْءٍ فَإنَّهُ بِمَعْنى الأشْياءِ، والعُمُومُ لا يَكْفِي في عَوْدِ ضَمِيرِ الجَماعَةِ بِدُونِ تَأْوِيلِهِ بِالجَمْعِ، وجُوِّزَ عَوْدُهُ لِلتَّوْراةِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، والقائِلُ بِالبَدَلِيَّةِ جَعَلَهُ عائِدًا إلى الرِّسالاتِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُلْتَبِسًا بِقُوَّةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: مُلْتَبِسَةً بِقُوَّةِ بَراهِينِها، والأوَّلُ أوْضَحُ، وأنْ يَكُونَ صِفَةَ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ، أيْ: أخْذًا بِقُوَّةٍ.

﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ أيْ: أحْسَنِها، فالباءُ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ:

سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِالباءِ أصْلِيَّةً وهو الظّاهِرُ، وحِينَئِذٍ فَهي إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِ يَأْخُذُوا بِتَضْمِينِهِ مَعْنى يَعْمَلُوا، أوْ هو مِنَ الأخْذِ بِمَعْنى السِّيرَةِ، ومِنهُ أخَذَ أخْذَهَمْ أيْ: سارَ سَيْرَهم وتَخَلَّقَ

صفحة 59

بِخَلائِقِهِمْ كَما نَقُولُ، وإمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، ومَفْعُولُ يَأْخُذُوا مَحْذُوفٌ؛ أيْ: أنْفُسَهم كَما قِيلَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن أمْرِهِمْ أخْذُهُمْ، أيْ: إنْ تَأْمُرْهم ويُوَفِّقْهُمُ اللَّهُ تَعالى يَأْخُذُوا، وقِيلَ: بِتَقْدِيرِ لامِ الأمْرِ فِيهِ بِناءً عَلى جَوازِ ذَلِكَ بَعْدَ أمْرٍ مِنَ القَوْلِ أوْ ما هو بِمَعْناهُ كَما هُنا، وإضافَةُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ هُنا عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ كَإضافَتِهِ فِي: زَيْدٌ أحْسَنُ النّاسِ، وهي عَلى المَشْهُورِ مَحْضَةٌ عَلى مَعْنى اللّامِ، وقِيلَ: إنَّها لَفْظِيَّةٌ، ويُوهِمُ صَنِيعُ بَعْضِهِمْ أنَّها عَلى مَعْنى في ولَيْسَ بِهِ، والمَعْنى بِأحْسَنِ الأجْزاءِ الَّتِي فِيها، ومَعْنى أحْسَنِيَّتِها اشْتِمالُها عَلى الأحْسَنِ كالصَّبْرِ فَإنَّهُ أحْسَنُ بِالإضافَةِ إلى الِانْتِصارِ، أيْ: مُرْهم يَأْخُذُوا بِذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ النَّدْبِ والحَثِّ عَلى الأفْضَلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ أوِ المَعْنى بِأحْسَنِ أحْكامِها، والمُرادُ بِهِ الواجِباتُ؛ فَإنَّها أحْسَنُ مِنَ المَندُوباتِ والمُباحاتِ، أوْ هي والمَندُوباتُ عَلى ما قِيلَ فَإنَّها أحْسَنُ مِنَ المُباحاتِ.

وقِيلَ: إنَّ الأحْسَنَ بِمَعْنى البالِغِ في الحُسْنِ مُطْلَقًا لا بِالإضافَةِ وهو المَأْمُورُ بِهِ ومُقابِلُهُ المَنهِيُّ عَنْهُ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الزَّجّاجِ حَيْثُ قالَ: أمَرُوا بِالخَيْرِ ونَهَوْا عَنِ الشَّرِّ وعَرَفُوا ما لَهم وما عَلَيْهِمْ فَقِيلَ: ﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ﴾ إلَخْ. فافْعَلْ نَظِيرَهُ في قَوْلِهِمْ: الصَّيْفُ أحَرُّ مِنَ الشِّتاءِ. فَإنَّهُ بِمَعْنى: الصَّيْفُ في حَرِّهِ أبْلَغُ مِنَ الشِّتاءِ في بَرْدِهِ؛ إذْ تَفْضِيلُ حَرارَةِ الصَّيْفِ عَلى حَرارَةِ الشِّتاءِ غَيْرُ مُرادَةٍ بِلا شُبْهَةٍ. ويُقالُ هُنا: المَأْمُورُ بِهِ أبْلَغُ في الحُسْنِ مِنَ المَنهِيِّ عَنْهُ في القُبْحِ.

وتَفْصِيلُ ما في المَقامِ عَلى ما ذَكَرَهُ الدَّمامِينِيُّ في تَعْلِيقِهِ عَلى المَصابِيحِ ونَقَلَهُ عَنْهُ الشِّهابُ أنَّ لِأفْعَلَ أرْبَعُ حالاتٍ: إحْداها: وهي الحالَةُ الأصْلِيَّةُ: أنْ يَدُلَّ عَلى ثَلاثَةِ أُمُورٍ: الأوَّلُ اتِّصافُ مَن هو لَهُ بِالحَدَثِ الَّذِي اشْتُقَّ مِنهُ، وبِهَذا كانَ وصْفًا، الثّانِي: مُشارَكَةٌ مَصْحُوبَةٌ في تِلْكَ الصِّفَةِ، الثّالِثُ: مَزِيَّةٌ مَرْصُوفَةٌ عَلى مَصْحُوبَةٍ فِيها، وبِكُلٍّ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فارَقَ غَيْرَهُ مِنَ الصِّفاتِ، وثانِيَتُها: أنْ يَخْلَعَ عَنْهُ ما امْتازَ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ ويَتَجَرَّدَ لِلْمَعْنى الوَصْفِيِّ، وثالِثَتُها: أنْ تُبْقى عَلَيْهِ مَعانِيهِ الثَّلاثَةُ ولَكِنْ يُخْلَعُ عَنْهُ قَيْدُ المَعْنى الثّانِي، ويَخْلُفُهُ قَيْدٌ آخَرُ، وذَلِكَ أنَّ المَعْنى الثّانِيَ وهو الِاشْتِراكُ كانَ مُقَيَّدًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ الَّتِي هي المَعْنى الأوَّلُ، فَيَصِيرُ مُقَيَّدًا بِالزِّيادَةِ الَّتِي هي المَعْنى الثّالِثُ، ألا تَرى أنَّ المَعْنى في قَوْلِهِمْ: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ؛ أنَّ لِلْعَسَلِ حَلاوَةً وأنَّ تِلْكَ الحَلاوَةَ ذاتُ زِيادَةٍ، وأنَّ زِيادَةَ حَلاوَةِ العَسَلِ أكْثَرُ مِن زِيادَةِ حُمُوضَةِ الخَلِّ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ ابْنُ هِشامٍ في حَواشِي التَّسْهِيلِ وهو بَدِيعٌ جِدًّا، ورابِعَتُها: أنْ يُخْلَعَ عَنْهُ المَعْنى الثّانِي وهو المُشارَكَةُ، وقُيِّدَ المَعْنى الثّالِثُ وهو كَوْنُ الزِّيادَةِ عَلى مُصاحِبِهِ فَيَكُونُ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاتِّصافِ بِالحَدَثِ وعَلى زِيادَةٍ مُطْلَقَةٍ لا مُقَيَّدَةٍ؛ وذَلِكَ في نَحْوِ: يُوسُفُ أحْسَنُ إخْوَتِهِ. انْتَهى.

وعَدَمُ اشْتِراكِ المَأْمُورِ بِهِ والمَنهِيِّ عَنْهُ في الحُسْنِ المُرادِ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ وإنْ كانَ الحُسْنُ مُطْلَقًا كَما في البَحْرِ مُشْتَرَكًا فَإنَّ المَأْمُورَ بِهِ أحْسَنُ مِن حَيْثُ الِامْتِثالُ وتَرَتُّبُ الثَّوابِ عَلَيْهِ، والمَنهِيُّ عَنْهُ حَسَنٌ بِاعْتِبارِ المَلاذِ والشَّهْوَةِ. وقالَ قُطْرُبٌ كَما نَقَلَهُ عَنْهُ مُحْيِي السُّنَّةِ: المَعْنى: يَأْخُذُوا بِحَسَنِها وكُلُّها حَسَنٌ، وهو ظاهِرٌ في حَمْلِ أفْعَلَ عَلى الحالَةِ الثّانِيَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: يَأْخُذُوا بِها وأحْسَنَ صِلَةً. ولَيْسَ لَهُ مِنَ القَبُولِ عائِدٌ. وقالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ: يَأْخُذُوا بِالنّاسِخِ دُونَ المَنسُوخِ، وقِيلَ: الأخْذُ بِالأحْسَنِ هو أنْ تُحْمَلَ الكَلِمَةُ المُحْتَمِلَةُ لِمَعْنَيَيْنِ أوْ لِمَعانٍ عَلى أشْبَهِ مُحْتَمَلاتِها بِالحَقِّ وأقْرَبِها لِلصَّوابِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ الأخْذُ عَلى الشُّرُوعِ كَما في قَوْلِكَ: أخَذَ زَيْدٌ يَتَكَلَّمُ. أيْ: شَرَعَ في الكَلامِ، والأحْسَنُ عَلى العَقائِدِ فَيَكُونُ المُرادُ أمَرَهم لِيَشْرَعُوا بِالتَّحَلِّي بِالعَقائِدِ الحَقَّةِ، وهي -لِكَوْنِها أُصُولَ الدِّينِ ومَوْقُوفَةً عَلَيْها صِحَّةُ الأعْمالِ- أحْسَنُ مِن غَيْرِها مِنَ الفُرُوعِ وهو مُتَضَمِّنٌ لِأمْرِهِمْ بِجَمِيعِ ما فِيها كَما لا يَخْفى فَإنَّ أخَذَ

صفحة 60

بِالمَعْنى المَعْنِيِّ مِن أفْعالِ الشُّرُوعِ لَيْسَ هَذا اسْتِعْمالَها المَعْهُودَ في كَلامِهِمْ عَلى أنَّ فِيهِ بُعْدَ ما فِيهِ، ومِثْلُ هَذا كَوْنُ ضَمِيرِ أحْسَنِها عائِدًا إلى قُوَّةٍ عَلى مَعْنى مُرْهم يَأْخُذُوها بِأحْسَنِ قُوَّةٍ وعَزِيمَةٍ، فَيَكُونُ أمْرًا مِنهُ سُبْحانَهُ أنْ يَأْمُرَهم بِأخْذِها كَما أمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ سُبْحانَهُ إلّا أنَّهُ تَعالى اكْتَفى في أمْرِهِ عَنْ ذِكْرِ الأحْسَنِ بِما أشارَ إلَيْهِ التَّنْوِينُ؛ فَإنَّ ذَلِكَ خِلافُ المَأْثُورِ المُنْساقِ إلى الفَهْمِ مَعَ أنّا لَمْ نَجِدْ في كَلامِهِمْ أحْسَنَ قُوَّةً، ومَفْعُولُ يَأْخُذُوا عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ كَما في بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ السّابِقَةِ غَيْرَ أنَّهُ فَرْقٌ ظاهِرٌ بَيْنَ ما هُنا وما هُناكَ.

﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ تَوْكِيدٌ لِأمْرِ القَوْمِ بِالأخْذِ بِالأحْسَنِ وبَعَثَ عَلَيْهِ عَلى نَهْجِ الوَعِيدِ والتَّرْهِيبِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ مِن أنَّ المُرادَ بِدارِ الفاسِقِينَ دارُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِمِصْرَ، ورَأى بَصَرِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً والمَفْعُولُ الثّالِثُ مَحْذُوفٌ، أيْ: سَأُرِيكم إيّاها خاوِيَةً عَلى عُرُوشِها لِتَعْتَبِرُوا وتَجِدُّوا ولا تَهاوَنُوا في امْتِثالِ الأمْرِ ولا تَعْمَلُوا أعْمالَ أهْلِها لِيَحِلَّ بِكم ما حَلَّ بِهِمْ، وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، وحَسَّنَ مَوْقِعَهُ قَصْدُ المُبالِغَةِ في الحَثِّ وفي وضْعِ الإراءَةِ مَوْضِعَ الِاعْتِبارِ إقامَةُ السَّبَبِ مَقامَ المُسَبَّبِ مُبالَغَةً أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ وفي وضْعِ (دارَ الفاسِقِينَ) مَوْضِعَ أرْضِ مِصْرَ الإشْعارُ بِالعِلِّيَّةِ والتَّنْبِيهُ عَلى أنْ يَحْتَرِزُوا ولا يَسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِمْ مِنَ الفِسْقِ، والسِّينُ لِلِاسْتِقْبالِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَبْلَ الرُّجُوعِ إلى مِصْرَ كَما في الكَشْفِ.

وقالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِدارِ الفاسِقِينَ مَنازِلُ عادٍ وثَمُودَ والقُرُونِ الَّذِينَ هَلَكُوا، وعَنِ الحَسَنِ وعَطاءٍ أنَّ المُرادَ بِها جَهَنَّمُ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ عَلى النَّهْجِ الأوَّلِ أيْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى نَهْجِ الوَعْدِ والتَّرْغِيبِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، أيْضًا مِن أنَّ المُرادَ بِدارِ الفاسِقِينَ أرْضُ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ بِالشّامِ؛ فَإنَّها مِمّا أُبِيحَ لِبَنِي إسْرائِيلَ وكُتِبَ لَهم حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ومَعْنى الإراءَةِ الإدْخالُ بِطَرِيقِ الإيراثِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ بَعْضِهِمْ: (سَأُورِثُكُمْ) وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ يُرادَ بِالدّارِ مِصْرُ، وفي الكَلامِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ وإرادَةِ أرْضِ مِصْرَ مِنَ الدّارِ تَغْلِيبٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: سَأُورِثُكَ وقَوْمَكَ أرْضَ مِصْرَ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَلَيْها إذا أُرِيدَ مِنَ الدّارِ أرْضَ الجَبابِرَةِ بِناءً عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدْخُلْها، وإنَّما دَخَلَها مَعَ القَوْمِ بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَصِحُّ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَها ويُوشَعُ عَلى مُقَدِّمَتِهِ، وجُوِّزَ اعْتِبارُ التَّغْلِيبِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ أيْضًا، وقَرَأ الحَسَنُ: (سَأُورِيكُمْ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ وواوٍ ساكِنَةٍ وراءٍ خَفِيفَةٍ مَكْسُورَةٍ وهي لُغَةٌ فاشِيَةٌ في الحِجازِ، والمَعْنى: سَأُبَيِّنُ لَكم ذَلِكَ وأُنَوِّرُهُ عَلى أنَّهُ مِن أوْرَيْتُ الزَّنْدَ، واخْتارَ ابْنُ جِنِّيٍّ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ -ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ- أنَّها عَلى الإشْباعِ كَقَوْلِهِ:

مِن حَيْثُما سَلَكُوا ادْنُوا فانْظُرُوا

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском