Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:146–149
7:146Page 168
سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ ١٤٦
I will turn away from My signs those who are arrogant upon the earth without right; and if they should see every sign, they will not believe in it. And if they see the way of consciousness,1 they will not adopt it as a way; but if they see the way of error, they will adopt it as a way. That is because they have denied Our signs and they were heedless of them.
﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ عَلى ما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِتَحْذِيرِهِمْ عَنِ التَّكَبُّرِ المُوجِبِ لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ في الآياتِ الَّتِي كُتِبَتْ في ألْواحِ التَّوْراةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْمَواعِظِ والأحْكامِ أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما وُعِدُوا إراءَتَهُ مِن دارِ الفاسِقِينَ، ومَعْنى صَرْفِهِمْ عَنْها مَنعُهم بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يَكادُونَ يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا يَعْتَبِرُونَ بِها لِإصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ: سَأطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ يَعُدُّونَ أنْفُسَهم كُبَراءَ ويَرَوْنَ أنَّ لَهُمُ ارْتِفاعًا في العالَمِ السُّفْلِيِّ ومِزْيَةً عَلى الخَلْقِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِآياتِي ولا يَغْتَنِمُونَ مَغانِمَ آثارِها فَلا تَسْلُكُوا مَسْلَكَهم فَتَكُونُوا
صفحة 61
أمْثالَهم. وقِيلَ: هو جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ ناشِئٍ مِنَ الوَعْدِ بِإدْخالِ أرْضِ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالآياتِ ما تُلِيَ آنِفًا ونَظائِرُهُ وبِالصَّرْفِ عَنْها إزالَةُ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ مَقامِ مُعارَضَتِها ومُمانَعَتِها لِوُقُوعِ أخْبارِها وظُهُورِ أحْكامِها وآثارِها بِإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِ مُوسى أوْ يُوشَعَ عَلَيْهِما السَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تَرى دارَهم وهم فِيها؟ فَقِيلَ لَهُمْ: سَأُهْلِكُهُمْ، وإنَّما عُدِلَ إلى الصَّرْفِ لِيَزْدادُوا ثِقَةً بِالآياتِ واطْمِئْنانًا بِها، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ الكَلامُ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سَأُرِيكُمْ﴾ وإمّا بِما تَقَدَّمَهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا، وجَوَّزَ الطِّيبِيُّ كَوْنَها مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ( وأْمُرْ ) إلَخْ. عَلى مَعْنى الأمْرِ كَذَلِكَ، وأمّا الإرادَةُ فَإنِّي سَأصْرِفُ عَنِ الأخْذِ بِآياتِي أهْلَ الطَّبْعِ والشَّقاوَةِ، وقِيلَ: الكَلامُ مَعَ كافِرِي مَكَّةَ والآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ الآيَةَ، وإيرادُ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وفِرْعَوْنَ لِلِاعْتِبارِ، أيْ: سَأصْرِفُ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ إبْطالِ الآياتِ وإنِ اجْتَهَدُوا كَما فَعَلَ فِرْعَوْنُ فَعادَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ بِعَكْسِ ما أرادَ، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الكَلامِ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اعْتِراضٌ في خِلالِ ما سِيقَ لِلِاعْتِبارِ ومِن حَقِّ مَن ساقَ قِصَّةً لَهُ أنْ يُنَبِّهَ عَلى مَكانِهِ كُلَّما وجَدَ فُرْصَةَ التَّمَكُّنِ مِنهُ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ مَعَ أنَّ في المُؤَخَّرِ نَوْعَ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الجَلِيلِ، واحْتَجَّ بِالآيَةِ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَمْنَعُ عَنِ الإيمانِ ويَصُدُّ عَنْهُ وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالصَّرْفِ المَنعُ عَنِ الإيمانِ ولَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ كَما عَلِمْتَ، وقَدْ خاضَ المُعْتَزِلَةُ في تَأْوِيلِها فَأوَّلُوها بِوُجُوهٍ ذَكَرَها الطَّبَرْسِيُّ.
﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ إمّا صِلَةً لِلتَّكَبُّرِ عَلى مَعْنى يَتَكَبَّرُونَ ويَتَعَزَّزُونَ بِما لَيْسَ بِحَقٍّ وهو دِينُهُمُ الباطِلُ وظُلْمُهُمُ المُفْرِطُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: يَتَكَبَّرُونَ مُلْتَبِسِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ومَآلِهِ، يَتَكَبَّرُونَ غَيْرَ مُحِقِّينَ لِأنَّ التَّكَبُّرَ بِحَقٍّ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ تَعالى كَما في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ الَّذِي أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ««الكِبْرِياءُ رِدائِي والعَظَمَةُ إزارِي، فَمَن نازَعَنِي في واحِدٍ مِنهُما قَذَفْتُهُ في النّارِ»».
وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم يَتَكَبَّرُونَ عَلى مَن لا يَتَكَبَّرُ كالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَكُونُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وأمّا التَّكَبُّرُ عَلى المُتَكَبِّرِ صَدَقَةٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا صُورَةُ تَكَبُّرٍ لا تَكَبُّرٌ حَقِيقَةً فَلَعَلَّ مُرادَ هَذا القائِلِ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِما ذُكِرَ لِإظْهارِ أنَّهم يَتَكَبَّرُونَ حَقِيقَةً.
﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ عُطِفَ عَلى يَتَكَبَّرُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ، والمُرادُ بِالآيَةِ إمّا المَنزِلَةُ فالمُرادُ بِرُؤْيَتِها مُشاهَدَتُها والإحْساسُ بِها بِسَماعِها أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ المُعْجِزاتِ، فالمُرادُ بِرُؤْيَتِها مُطْلَقُ المُشاهَدَةِ المُنْتَظِمَةِ لِلسَّماعِ والإبْصارِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الآياتِ فِيما تَقَدَّمَ بِالمَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ، والآيَةُ هُنا بِالمَنزِلَةِ أوِ المُعْجِزَةِ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ الدَّوْرُ عَلى ما قِيلَ فَلْيُفْهَمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى: سَأصْرِفُ لِلتَّعْلِيلِ عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى رَأْيِ صاحِبِ المِفْتاحِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ عُمُومُ النَّفْيِ لا نَفْيُ العُمُومِ: أيْ: كَفَرُوا بِكُلِّ أيَّةِ آيَةٍ.
﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ أيْ: طَرِيقَ الهُدى والسَّدادِ.
﴿لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ أيْ: لا يَتَوَجَّهُونَ إلَيْهِ ولا يَسْلُكُونَهُ أصْلًا لِاسْتِيلاءِ الشَّيْطَنَةِ عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (الرَّشَدِ) بِفَتْحَتَيْنِ، وقُرِئَ: (الرَّشادِ) وثَلاثُها لُغاتٌ والسَّقَمِ والسُّقْمِ والسَّقامِ، وفَرَّقَ
صفحة 62
أبُو عَمْرٍو كَما قالَ الجُبّائِيُّ بَيْنَ الرُّشْدِ والرَّشَدِ بِأنَّ الرُّشْدَ بِالضَّمِّ الصَّلاحُ في الأمْرِ، والرَّشَدَ بِالفَتْحِ الِاسْتِقامَةُ في الدِّينِ، والمَشْهُورُ عَدَمُ الفَرْقِ.
﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ﴾ أيْ: طَرِيقَ الضَّلالِ.
﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ أيْ: يَخْتارُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ مَسْلَكًا مُسْتَمِرًّا لا يَكادُونَ يَعْدِلُونَ عَنْهُ لِمُوافَقَتِهِ لِأهْوائِهِمْ وإفْضائِهِ بِهِمْ إلى شَهَواتِهِمْ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: المَذْكُورُ مِنَ التَّكَبُّرِ وعَدَمِ الإيمانِ بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ وإعْراضِهِمْ عَنْ سَبِيلِ الهُدى وإقْبالِهِمِ التّامِّ إلى سَبِيلِ الضَّلالِ حاصِلٌ؛ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الدّالَّةِ عَلى بُطْلانِ ما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ القَبائِحِ وعَلى حَقِّيَّةِ أضْدادِها.
﴿وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ غَيْرَ مُعْتَدِّينَ بِها؛ فَلا يَتَكَفَّرُونَ فِيها وإلّا لَما فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الأباطِيلِ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى الصَّرْفِ، وما فِيهِ البَحْثُ يَدْفَعُ بِأدْنى عِنايَةٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن مَدَّتْ إلَيْهِ العِنايَةُ أسْبابَها، وأيًّا ما كانَ فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا عَنْهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.
وقِيلَ: مَحَلُّ اسْمِ الإشارَةِ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ أيْ: سَأصْرِفُهم ذَلِكَ الصَّرْفَ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِنا وغَفْلَتِهِمْ عَنْها، ولا مانِعَ مِن كَوْنِ العامِلِ أصْرِفُ المُقَدَّمَ لِأنَّ الفاصِلَ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ.
7:147Page 168
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡۚ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤٧
Those who denied Our signs and the meeting of the Hereafter - their deeds have become worthless. Are they recompensed except for what they used to do?
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أيْ: لِقائِهِمُ الدّارَ الآخِرَةَ عَلى أنَّهُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ وحَذْفِ الفاعِلِ أوْ لِقائِهِمْ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ مِنَ الجَزاءِ عَلى أنَّ الإضافَةَ إلى الظَّرْفِ عَلى التَّوَسُّعِ. والمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ كالفاعِلِ ومُحَلُّ المَوْصُولِ في الِاحْتِمالَيْنِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ خَبَرُهُ أيْ: ظَهَرَ بُطْلانُ أعْمالِهِمُ الَّتِي كانُوا عَمِلُوها مِن صِلَةِ الأرْحامِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ بَعْدَ ما كانَتْ مَرْجُوَّةَ النَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ إيمانِهِمْ بِها، وحاصِلُهُ أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِأعْمالِهِمْ وإلّا فَهي أعْراضٌ لا تَحْبَطُ حَقِيقَةً.
﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ أيْ: لا يُجْزَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ ما اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وتَقْدِيرُ هَذا المُضافِ لِظُهُورِ أنَّ المُجْزى لَيْسَ نَفْسَ العَمَلِ، وقِيلَ: إنَّ أعْمالَهم تَظْهَرُ في صُوَرِ ما يُجْزَوْنَ بِهِ فَلا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقِيلَ: هي الخَبَرُ. والجُمْلَةُ السّابِقَةُ في مَوْضِعِ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، واحْتَجَّتِ الأشاعِرَةُ عَلى ما قِيلَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ أبِي هاشِمٍ أنَّ تارِكَ الواجِبِ يَسْتَحِقُّ العِقابَ وإنْ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ فِعْلُ الضِّدِّ؛ لِأنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا جَزاءَ إلّا عَلى عَمَلٍ وتَرْكُ الواجِبِ لَيْسَ بِهِ.
وأجابَ أبُو هاشِمٍ بِأنِّي لا أُسَمِّي ذَلِكَ العِقابَ جَزاءً، ورُدَّ بِأنَّ الجَزاءَ ما يُجْزِي أيْ: يَكْفِي في المَنعِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ، والحَثُّ عَلى المَأْمُورِ بِهِ والعُقابُ عَلى تَرْكِ الواجِبِ كافٍ في الزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ التَّرْكِ فَكانَ جَزاءً.
7:148Page 168
وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ ١٤٨
And the people of Moses made, after [his departure], from their ornaments a calf - an image having a lowing sound. Did they not see that it could neither speak to them nor guide them to a way? They took it [for worship], and they were wrongdoers.
﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ذَهابِهِ إلى الجَبَلِ لِمُناجاةِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ جَمْعُ حَلْيٍ كَثَدْيٍ وثُدِيٍّ، وهو ما يُتَّخَذُ لِلزِّينَةِ ويُتَحَلّى بِهِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ اتَّخَذَ كَمِن بَعْدِهِ، مِن قَبْلِهِ ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ لِاخْتِلافِ مَعْنى الجارَّيْنِ فَإنَّ الأوَّلَ لِلِابْتِداءِ والثّانِيَ لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: لِلِابْتِداءِ أيْضًا، وتَعَلُّقُهُ بِالفِعْلِ بَعْدَ تَعَلُّقِ الأوَّلِ بِهِ واعْتِبارِهِ مَعَهُ، وقِيلَ: الجارُّ الثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِمّا بَعْدَهُ؛ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ، وإضافَةُ الحُلِيِّ إلى ضَمِيرِ القَوْمِ لَأدْنى مُلابَسَةٍ؛ لِأنَّها كانَتْ لِلْقِبْطِ فاسْتَعارُوها مِنهم قُبَيْلَ الغَرَقِ فَبَقِيَتْ في أيْدِيهِمْ
صفحة 63
وقِيلَ: إنَّها عَلى ما يُتَبادَرُ مِنها بِناءً عَلى أنَّ القَوْمَ مَلَكُوها بَعْدَ أنْ ألْقاها البَحْرُ عَلى السّاحِلِ بَعْدَ غَرَقِ القِبْطِ أوْ بَعْدَ أنِ اسْتَعارُوها مِنهم وهَلَكُوا. قالَ الإمامُ: رُوِيَ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ إغْراقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ أحَدٌ مِنهم أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسْتَعِيرُوا حُلِيَّ القِبْطِ لِيَخْرُجُوا خَلْفَهم لِأجْلِ المالِ أوْ لِتَبْقى أمْوالُهم في أيْدِيهِمْ.
واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ أمْرًا بِأخْذِ مالِ الغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وإنَّما يَكُونُ غَنِيمَةً بَعْدَ الهَلاكِ مَعَ أنَّ الغَنائِمَ لَمْ تَكُنْ حَلالًا لَهُمْ؛ لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي: أُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ»» الحَدِيثَ.
عَلى أنَّ ما نُقِلَ عَنِ القَوْمِ في سُورَةِ طه مِن قَوْلِهِمْ: ﴿حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ يَقْتَضِي عَدَمَ الحِلِّ أيْضًا.
وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ أنْ تَقُولَ: إنَّهم لَمّا اسْتَعْبَدُوهم بِغَيْرِ حَقٍّ واسْتَخْدَمُوهم وأخَذُوا أمْوالَهم وقَتَلُوا أوْلادَهم مَلَّكَهُمُ اللَّهُ تَعالى أرْضَهم وما فِيها، فالأرْضُ لِلَّهِ تَعالى يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وكانَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا عَلى طَرِيقِ الغَنِيمَةِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى خِلافِ القِياسِ، وكَمْ في الشَّرائِعِ مِثْلُهُ، والقَوْلُ المَحْكِيُّ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما فِيهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كَما قالَ الطِّيبِيُّ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وواعَدْنا مُوسى﴾ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (حِلِيِّهِمْ) بِكَسْرِ الحاءِ إتْباعًا لِكَسْرِ اللّامِ كَدِلِيٍّ، وبَعْضٌ: (حَلْيَهُمْ) عَلى الإفْرادِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عِجْلا﴾ مَفْعُولُ اتَّخَذَ بِمَعْنى صاغَ وعَمِلَ، أُخِّرَ عَنِ المَجْرُورِ لِما مَرَّ آنِفًا، وقِيلَ: إنَّ اتَّخَذَ مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ وهو بِمَعْنى صَيَّرَ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ: إلَهًا، والعِجْلُ ولَدُ البَقَرِ خاصَّةً، وهَذا كَما يُقالُ لِوَلَدِ النّاقَةِ حِوارٌ ولِوَلَدِ الفَرَسِ مُهْرٌ، ولِوَلَدِ الحِمارِ جَحْشٌ، ولِوَلَدِ الشّاةِ حَمَلٌ، ولِوَلَدِ العَنْزِ جَدْيٌ، ولِوَلَدِ الأسَدِ شِبْلٌ، ولِوَلَدِ الفِيلِ دَغْفَلٌ، ولِوَلَدِ الكَلْبِ جَرْوٌ، ولِوَلَدِ الظَّبْيِ خَشْفٌ، ولِوَلَدِ الأُرْوِيَّةِ غَفْرٌ، ولِوَلَدِ الضَّبْعِ فَرْغَلٌ، ولِوَلَدِ الدُّبِّ دَيْسَمٌ، ولِوَلَدِ الخِنْزِيرِ خِنَّوْصٌ، ولِوَلَدِ الحَيَّةِ حَرْبَشٌ، ولِوَلَدِ النَّعامِ رَأْلٌ، ولِوَلَدِ الدَّجاجَةِ فَرُّوجٌ، ولِوَلَدِ الفَأْرِ دَرْصٌ، ولِوَلَدِ الضَّبِّ حَسْلٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ هُنا ما هو عَلى صُورَةِ العِجْلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَسَدًا﴾ بَدَلٌ مِن عِجْلًا، أوْ عَطْفُ بَيانٍ أوْ نَعْتٌ لَهُ بِتَأْوِيلِ مُتَجَسِّدًا، وفُسِّرَ بِبَدَنٍ ذِي لَحْمٍ ودَمٍ، قالَ الرّاغِبُ: الجَسَدُ كالجِسْمِ لَكِنَّهُ أخَصُّ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّهُ يُقالُ لِغَيْرِ الإنْسانِ مِن خَلْقِ الأرْضِ ونَحْوِهِ، ويُقالُ أيْضًا لِما لَهُ لَوْنٌ والجِسْمُ لِما لا يَبِينُ لَهُ لَوْنٌ كالهَواءِ، ومِن هُنا عَلى ما قِيلَ قِيلَ لِلزَّعْفَرانِ الجَسّادُ، ولِما أُشْبِعَ صَبْغُهُ مِنَ الثِّيابِ مُجَسَّدٌ، وجاءَ المُجَسَّدُ أيْضًا بِمَعْنى الأحْمَرِ، وبَعْضٌ فَسَّرَ الجَسَدَ بِهِ هُنا فَقالَ: أيْ: أحْمَرُ مِن ذَهَبٍ.
﴿لَهُ خُوارٌ﴾ هو صَوْتُ البَقَرِ خاصَّةً كالثُّغاءِ لِلْغَنَمِ واليَعارِ لِلْمَعْزِ، والنَّبِيبِ لِلتَّيْسِ، والنُّباحِ لِلْكَلْبِ، والزَّئِيرِ لِلْأسَدِ، والعُواءِ والوَعْوَعَةِ لِلذِّئْبِ، والضِّباحِ لِلثَّعْلَبِ، والقُباعِ لِلْخِنْزِيرِ والمُواءِ لِلْهِرَّةِ، والنَّهِيقِ والسَّحِيلِ لِلْحِمارِ والصَّهِيلِ والضَّبْحِ والقَنْعِ والحَمْحَمَةِ لِلْفَرَسِ والرُّغاءِ لِلنّاقَةِ والصَّنى لِلْفِيلِ، والبَتْغَمِ لِلظَّبْيِ والضَّغِيبِ لِلْأرْنَبِ والعَرارِ لِلظَّلِيمِ، والصَّرْصَرَةِ لِلْبازِيِّ والعَقْعَقَةِ لِلصَّقْرِ والصَّفِيرِ لِلنَّسْرِ والهَدِيرِ لِلْحَمامِ والسَّجْعِ لِلْقُمْرِيِّ والسَّقْسَقَةِ لِلْعُصْفُورِ والنَّعِيقِ والنَّعِيبِ لِلْغُرابِ والصِّقاءِ والزُّقاءِ لِلدِّيكِ والقَوْقاءِ والنَّقِيقَةِ لِلدَّجاجَةِ والفَحِيحِ لِلْحَيَّةِ والنَّقِيقِ لِلضِّفْدَعِ والصَّئِيِّ لِلْعَقْرَبِ والفَأْرَةِ والصَّرِيرِ لِلْجَرادِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قَرَأ: (جُؤارٌ) بِجِيمٍ مَضْمُومَةٍ وهَمْزَةٍ، وهو الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، ومِثْلُهُ الصِّياحُ
صفحة 64
والصُّراخُ. والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا وخُوارٌ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِ عِجْلًا.
رُوِيَ أنَّ السّامِرِيَّ لَمّا صاغَ العِجْلَ ألْقى في فَمِهِ مِن تُرابِ أثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَصارَ حَيًّا.
وذَكَرَ بَعْضُهم في سِرِّ ذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ الرُّوحَ الأعْظَمَ سَرَتْ قُوَّةٌ مِنهُ إلى ذَلِكَ التُّرابِ أثَّرَتْ ذَلِكَ الأثَرَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لِأمْرٍ يُرِيدُهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَحْيا ما يَطَؤُهُ بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ الأمْرَ مَرْبُوطٌ بِالإذْنِ وهو إنَّما يَكُونُ بِحَسْبِ الحِكَمِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا الحَكِيمُ الخَبِيرُ فَتَدَبَّرْ. وإلى القَوْلِ بِالحَياةِ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وأُيِّدَ بِأنَّ الخُوارَ إنَّما يَكُونُ لِلْبَقَرِ لا لِصُورَتِهِ، وبِأنَّ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ طه كالصَّرِيحِ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ الخَبَرُ. وقالَ جَمْعٌ مِن مُفَسِّرِي المُعْتَزِلَةِ: إنَّ العِجْلَ كانَ بِلا رُوحٍ، وكانَ السّامِرِيُّ قَدْ صاغَهُ مُجَوَّفًا ووَضَعَ في جَوْفِهِ أنابِيبَ عَلى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ وجَعَلَهُ في مَهَبِّ الرِّيحِ فَكانَتْ تَدْخُلُ في تِلْكَ الأنابِيبِ فَيُسْمَعُ لَها صَوْتٌ يُشْبِهُ خُوارَ العِجْلِ؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَ خُوارًا. وما في طه سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ فِيهِ. واخْتُلِفَ في هَذا الخُوارِ فَقِيلَ: كانَ مَرَّةً واحِدَةً، وقِيلَ: كانَ مَرّاتٍ كَثِيرَةً، وكانُوا كُلَّما خارَ سَجَدُوا لَهُ، وإذا سَكَتَ رَفَعُوا رُؤُوسَهم. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ كانَ يَخُورُ ويَمْشِي. وعَنْ وهْبٍ نَفْيُ الحَرَكَةِ، والآيَةُ ساكِتَةٌ عَنْ إثْباتِها، ولَيْسَ في الأخْبارِ ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فالتَّوَقُّفُ عَنْ إثْباتِ المَشْيِ أوْلى، ولَيْسَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ مِنَ المُهِمّاتِ، وإنَّما نُسِبَ الِاتِّخاذُ إلى قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو فِعْلُ السّامِرِيِّ لِأنَّهم رَضُوا بِهِ وكَثِيرًا ما يُنْسَبُ الفِعْلُ إلى قَوْمٍ مَعَ وُقُوعِهِ مِن واحِدٍ مِنهم فَيُقالُ: قَتَلَ بَنُو فُلانٍ قَتِيلًا والقاتِلُ واحِدٌ مِنهُمْ، وقِيلَ: لِأنَّ المُرادَ اتِّخاذُهم إيّاهُ إلَهًا، فالمَعْنى صَيَّرُوهُ إلَهًا وعَبَدُوهُ، وحِينَئِذٍ لا تَجُوزُ في الكَلامِ لِأنَّ العِبادَةَ لَهُ وقَعَتْ مِنهم جَمِيعًا.
قالَ الحَسَنُ: كُلُّهم عَبَدُوا العِجْلَ إلّا هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْتَثْنى آخَرُونَ غَيْرَهُ مَعَهُ، وعَلى القَوْلِ قِيلَ: لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ فَعَبَدُوهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَصَبَّ الإنْكارِ؛ لِأنَّ حُرْمَةَ التَّصْوِيرِ حَدَثَتْ في شَرْعِنا عَلى المَشْهُورِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ إنْكارُ عِبادَتِهِ.
﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾ تَقْرِيعٌ لَهم وتَشْنِيعٌ عَلى فَرْطِ ضَلالِهِمْ وإخْلالِهِمْ بِالنَّظَرِ، أيْ: ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ آحادُ البَشَرِ مِنَ الكَلامِ وإرْشادِ السَّبِيلِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَكَيْفَ عَدَلُوهُ بِخالِقِ الأجْسامِ والقُوى والقَدَرِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم تَعْرِيضًا بِالإلَهِ الحَقِّ وكَلامِهُ الَّذِي لا يَنْفَدُ وهِدايَتِهِ الواضِحَةِ الَّتِي لا تُجْحَدُ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعْرِيضٌ بِاللَّهِ تَعالى وبِكَلامِهِ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهِدايَتِهِ لِقَوْمِهِ، ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ تَكْرارٌ لِجَمِيعِ ما سَلَفَ مِنَ الِاتِّخاذِ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ المُشْتَمِلِ عَلى الذَّمِّ، وهو مِن بابِ الكِنايَةِ عَلى أُسْلُوبِ: أنْ يَرى مُبْصِرٌ ويَسْمَعَ واعٍ، أيْ: أقْدَمُوا عَلى ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الأمْرِ المُنْكَرِ.
﴿وكانُوا ظالِمِينَ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ أيْ: إنَّ دَأْبَهم قَبْلَ ذَلِكَ الظُّلْمُ ووَضْعُ الأشْياءِ في غَيْرِ مَوْضِعِها فَلَيْسَ بِبِدْعٍ مِنهم هَذا المُنْكَرُ العَظِيمُ، وكَرَّرَ الفِعْلَ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيِ اتَّخَذُوهُ في هَذِهِ الحالَةِ المُسْتَمِرَّةِ لَهم.
7:149Page 168
وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ١٤٩
And when regret overcame them1 and they saw that they had gone astray, they said, "If our Lord does not have mercy upon us and forgive us, we will surely be among the losers."
﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: نَدِمُوا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وجَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ كِنايَةً عَنْ شَدَّةِ النَّدَمِ وغايَتِهِ؛ لِأنَّ النّادِمَ إذا اشْتَدَّ نَدَمُهُ عَضَّ يَدَهُ غَمًّا فَتَصِيرُ يَدُهُ مَسْقُوطًا فِيها، وأصْلُهُ سَقَطَ فُوهُ أوْ عَضَّهُ في يَدِهِ أيْ: وقَعَ ثُمَّ حُذِفَ الفاعِلُ وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ بِهِ فَصارَ سَقَطَ في يَدِهِ كَقَوْلِكَ: مُرَّ بِزَيْدٍ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: (سَقَطَ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى الأصْلِ، واليَدُ عَلى ما ذُكِرَ حَقِيقَةٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ سَقَطَ النَّدَمُ في أنْفُسِهِمْ وجَعَلَ
صفحة 65
القُطْبُ ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ؛ حَيْثُ شَبَّهَ حالَ النَّدَمِ في النَّفْسِ بِحالِ الشَّيْءِ في اليَدِ في التَّحْقِيقِ والظُّهُورِ، ثُمَّ عَبَّرَ عَنْهُ بِالسُّقُوطِ في اليَدِ، ولا لُطْفَ لِلِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ فِيهِ، وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ يُقالُ لِما يَحْصُلُ وإنْ لَمْ يَكُنْ في اليَدِ: وقَعَ في يَدِهِ، وحَصَلَ في يَدِهِ مَكْرُوهٌ، فَيُشَبَّهُ ما يَحْصُلُ في النَّفْسِ وفي القَلْبِ بِما يُرى بِالعَيْنِ، وخُصَّتِ اليَدُ لِأنَّ مُباشَرَةَ الأُمُورِ بِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ أوْ لِأنَّ النَّدَمَ يَظْهَرُ أثَرُهُ بَعْدَ حُصُولِهِ في القَلْبِ في اليَدِ لِعَضِّها والضَّرْبِ بِها عَلى أُخْتِها ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ في النّادِمِ: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ﴾ .
وقِيلَ: مِن عادَةِ النّادِمِ أنْ يُطَأْطِئَ رَأْسَهُ ويَضَعَ ذَقَنَهُ عَلى يَدِهِ بِحَيْثُ لَوْ أزالَها سَقَطَ عَلى وجْهِهِ، فَكَأنَّ اليَدَ مَسْقُوطٌ فِيها، و(فِي) بِمَعْنى عَلى، وقِيلَ: هو مِنَ السِّقاطِ وهو كَثْرَةُ الخَطَأِ، وقِيلَ: مِنَ السَّقِيطِ وهو ما يَغْشى الأرْضَ بِالغَدَواتِ شِبْهُ الثَّلْجِ لا ثَباتَ لَهُ، فَهو مَثَلٌ لِمَن خَسِرَ في عاقِبَتِهِ ولَمْ يَحْصُلْ عَلى طائِلٍ مِن سَعْيِهِ، وعَدَّ بَعْضُهم سَقَطَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ كَنِعْمَ وبِئْسَ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (أُسْقِطَ) عَلى أنَّهُ رُباعِيٌّ مَجْهُولٌ، وهي لُغَةٌ نَقَلَها الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لَمْ يُسْمَعْ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، ولَمْ تَعْرِفْهُ العَرَبُ، ولَمْ يُوجَدْ في أشْعارِهِمْ وكَلامِهِمْ؛ فَلِذا خَفِيَ عَلى الكَثِيرِ وأخْطَئُوا في اسْتِعْمالِهِ كَأبِي حاتِمٍ، وأبِي نُواسٍ، وهو العالِمُ النِّحْرِيرُ، ولَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ ولَوْ عَلِمُوهُ لَسُقِطَ في أيْدِيهِمْ.
﴿ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا﴾ أيْ: تَبَيَّنُوا ضَلالَهم بِاتِّخاذِ العِجْلِ وعِبادَتِهِ تَبَيُّنًا كَأنَّهم قَدْ أبْصَرُوهُ بِعُيُونِهِمْ. قِيلَ: وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَدَمِهِمْ عَلى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ مَعَ كَوْنِهِ مُتَأخِّرًا عَنْها لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِهِ والإشْعارِ بِغايَةِ سُرْعَتِهِ كَأنَّهُ سابِقٌ عَلى الرُّؤْيَةِ.
وقالَ القُطْبُ في بَيانِ تَأخُّرِ تَبَيُّنِ الضَّلالِ عَنِ النَّدَمِ مَعَ كَوْنِهِ سابِقًا عَلَيْهِ: إنَّ الِانْتِقالَ مِنَ الجَزْمِ بِالشَّيْءِ إلى تَبَيُّنِ الجَزْمِ بِالنَّقِيضِ لا يَكُونُ دَفْعِيًّا في الأغْلَبِ بَلْ إلى الشَّكِّ ثُمَّ الظَّنِّ بِالنَّقِيضِ ثُمَّ الجَزْمِ بِهِ ثُمَّ تَبَيُّنِهِ، والقَوْمُ كانُوا جازِمِينَ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ صَوابٌ، والنَّدَمُ عَلَيْهِ رُبَّما وقَعَ لَهم في حالِ الشَّكِّ فِيهِ؛ فَقَدْ تَأخَّرَ تَبَيُّنُ الضَّلالِ عَنْهُ. انْتَهى. فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ.
﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ بِإنْزالِ التَّوْبَةِ المُكَفِّرَةِ ﴿ويَغْفِرْ لَنا﴾ بِالتَّجاوُزِ عَنْ خَطِيئَتِنا، وتَقْدِيمُ الرَّحْمَةِ عَلى المَغْفِرَةِ مَعَ أنَّ التَّخْلِيَةَ حَقُّها أنْ تُقَدَّمَ عَلى التَّحْلِيَةِ قِيلَ: إمّا لِلْمُسارَعَةِ إلى ما هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالرَّحْمَةِ مُطْلَقُ إرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ، وهو مَبْدَأٌ لِإنْزالِ التَّوْبَةِ المُكَفِّرَةِ لِذُنُوبِهِمْ، واللّامُ في (لَئِنْ) مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ؛ أيْ: واللَّهِ لَئِنْ إلَخْ ... وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ لِجَوابِ القَسَمِ كَما هو المَشْهُورُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (تَرْحَمْنا وتَغْفِرْ لَنا) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ و(رَبَّنا) بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ، وما حُكِيَ عَنْهم مِنَ النَّدامَةِ والرُّؤْيَةِ والقَوْلِ كانَ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المِيقاتِ كَما يَنْطِقُ بِهِ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في طه، وقُدِّمَ لِيَتَّصِلَ ما قالُوهُ بِما فَعَلُوهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences