Al-AlusiAl‑A'raf · 7:150–154

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:150–154

7:150Page 169

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا قَالَ بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِي مِنۢ بَعۡدِيٓۖ أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡۖ وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيۡهِۚ قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِي مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥٠

And when Moses returned to his people, angry and grieved, he said, "How wretched is that by which you have replaced me after [my departure]. Were you impatient over the matter of your Lord?" And he threw down the tablets and seized his brother by [the hair of] his head, pulling him toward him. [Aaron] said, "O son of my mother, indeed the people overpowered me and were about to kill me, so let not the enemies rejoice over me1 and do not place me among the wrongdoing people."

﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ﴾ مِمّا حَدَثَ مِنهم.

﴿أسِفًا﴾ أيْ: شَدِيدَ الغَضَبِ كَما قالَ أبُو الدَّرْداءِ ومُحَمَّدٌ القُرَظِيُّ وعَطاءٌ والزَّجّاجُ، أوْ حَزِينًا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الغَضَبُ والأسَفُ بِمَعْنًى، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.

صفحة 66

وقالَ الواحِدِيُّ: هُما مُتَقارِبانِ، فَإذا جاءَكَ ما تَكْرَهُ مِمَّنْ هو دُونَكَ غَضِبْتَ، وإذا جاءَكَ مِمَّنْ فَوْقَكَ حَزِنْتَ، فَعَلى هَذا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَضْبانَ عَلى قَوْمِهِ بِاتِّخاذِهِمُ العِجْلَ، حَزِينًا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَتَنَهُمْ، وقَدْ أخْبَرَهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ رُجُوعِهِ، ونَصَبَ الوَصْفَيْنِ عَلى أنَّهُما حالانِ مُتَرادِفانِ أوْ مُتَداخِلانِ بِأنْ يَكُونَ الثّانِي حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الأوَّلِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الحالِ الأُولى وهو بَدَلُ كُلٍّ لا بَعْضٍ كَما تُوُهِّمَ.

﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي﴾ خِطابٌ إمّا لِعَبَدَةِ العِجْلِ، وإمّا لِهارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ أيْ: بِئْسَما فَعَلْتُمْ بَعْدَ غَيْبَتِي حَيْثُ عَبَدْتُمُ العِجْلَ بَعْدَ ما رَأيْتُمْ مِنِّي مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ سُبْحانَهُ وإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ جَلَّ جَلالُهُ، أوْ: بِئْسَما قُمْتُمْ مَقامِي حَيْثُ لَمْ تُراعُوا عَهْدِي ولَمْ تَكُفُّوا العَبَدَةَ عَمّا فَعَلُوا بَعْدَ ما رَأيْتُمْ مِنِّي مِن حَمْلِهِمْ عَلى التَّوْحِيدِ وكَفِّهِمْ عَمّا طَمَحَتْ نَحْوَهُ أبْصارُهم مِن عِبادَةِ البَقَرِ حِينَ قالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ .

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى الخِطابِ لِلْفَرِيقَيْنِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالخِلافَةِ الخِلافَةُ فِيما يَعُمُّ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ أُشِيرَ إلَيْهِما، ولا تَكْرارَ في ذِكْرِ ﴿مِن بَعْدِي﴾ بَعْدَ ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾؛ لِأنَّ المُرادَ مِن بَعْدِ وِلايَتِي وقِيامِي بِما كُنْتُ أقُومُ؛ إذْ بَعْدِيَّتُهُ عَلى الحَقِيقَةِ إنَّما تَكُونُ عَلى ما قِيلَ بَعْدَ فِراقِهِ الدُّنْيا، وقِيلَ: إنَّ (مِن بَعْدِي) تَأْكِيدٌ مِن بابِ رَأيْتُهُ بِعَيْنِي، وفائِدَتُهُ تَصْوِيرُ نِيابَةِ المُسْتَخْلَفِ ومُزاوَلَةِ سِيرَتِهِ كَما أنَّ هُنالِكَ تَصْوِيرَ الرُّؤْيَةِ وما يَتَّصِلُ بِهِ، و(ما) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ بِئْسَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: بِئْسَ خِلافَةً خَلَفْتُمُونِيها مِن بَعْدِي خِلافَتُكُمْ، والذَّمُّ فِيما إذا كانَ الخِطابُ لِهارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ لِلْخِلافَةِ نَفْسِها بَلْ لِعَدَمِ الجَرْيِ عَلى مُقْتَضاها، وأمّا إذا كانَ لِلسّامِرِيِّ وأشْياعِهِ فالأمْرُ ظاهِرٌ.

﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: أعَجِلْتُمْ عَمّا أمَرَكم بِهِ رَبُّكم وهو انْتِظارُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ كَوْنِهِمْ حافِظِينَ لِعَهْدِهِ وما وصّاهم بِهِ فَبَنَيْتُمُ الأمْرَ عَلى أنَّ المِيعادَ قَدْ بَلَغَ آخِرَهُ ولَمْ أرْجِعْ إلَيْكم فَحَدَّثْتُمْ أنْفُسَكم بِمَوْتِي فَغَيَّرْتُمْ. رُوِيَ أنَّ السّامِرِيَّ قالَ لَهم حِينَ أخْرَجَ لَهُمُ العِجْلَ: وقالَ: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى إنَّ مُوسى لَنْ يَرْجِعَ، وإنَّهُ قَدْ ماتَ.

ورُوِيَ أنَّهم عَدُّوا عِشْرِينَ يَوْمًا بِلَيالِيها فَجَعَلُوها أرْبَعِينَ، ثُمَّ أحْدَثُوا ما أحْدَثُوا، والمَعْرُوفُ تَعَدِّي (عَجِلَ) بِعَنْ لا بِنَفْسِهِ فَيُقالُ: عَجِلَ عَنِ الأمْرِ إذا تَرَكَهُ غَيْرَ تامٍّ، ونَقِيضُهُ تَمَّ عَلَيْهِ، وأعْجَلَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ، وضَمَّنُوهُ هُنا مَعْنى السَّبْقِ وهو كِنايَةٌ عَنِ التَّرْكِ فَتَعَدّى تَعْدِيَتَهُ ولَمْ يُضَمَّنِ ابْتِداءً مَعْنى التَّرْكِ لِخَفاءِ المُناسَبَةِ بَيْنَهُما وعَدَمِ حُسْنِها، وذَهَبَ يَعْقُوبُ إلى أنَّ السَّبْقَ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لَهُ مِن غَيْرِ تَضْمِينٍ، والأمْرُ واحِدُ الأوامِرِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى: أعَجِلْتُمْ وعْدَ رَبِّكُمُ الَّذِي وعَدَكم مِنَ الأرْبَعِينَ؟ فالأمْرُ عَلَيْهِ واحِدُ الأُمُورِ والمُرادُ بِهَذِهِ الأرْبَعِينَ عَلى ما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ غَيْرُ الأرْبَعِينَ الَّتِي أشارَ اللَّهُ إلَيْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ وسَيَأْتِي تَتِمَّةُ الكَلامِ في ذَلِكَ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

﴿وألْقى الألْواحَ﴾ أيْ: وضَعَها عَلى الأرْضِ كالطّارِحِ لَها لِيَأْخُذَ بِرَأْسِ أخِيهِ مِمّا عَراهُ مِن فَرْطِ الغَيْرَةِ الدِّينِيَّةِ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَدِيدَ الغَضَبِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا غَضِبَ اشْتَعَلَتْ قَلَنْسُوَتُهُ نارًا. وقالَ القاضِي ناصِرُ الدِّينِ: أيْ: طَرَحَها مِن شِدَّةِ الغَضَبِ وفَرْطِ الضَّجْرَةِ حَمِيَّةً لِلدِّينِ، ثُمَّ نُقِلَ أنَّهُ انْكَسَرَ بَعْضُها حِينَ ألْقاها، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ أفْضَلُ المُتَأخِّرِينَ شَيْخُ مَشايِخِنا صِبْغَةُ اللَّهِ أفَنْدِي الحَيْدَرِيُّ بِأنَّ الحَمِيَّةَ لِلدِّينِ إنَّما تَقْتَضِي احْتِرامَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى وحِمايَتَهُ أنْ يَلْحَقَ بِهِ نَقْصٌ أوْ هَوانٌ بِحَيْثُ

صفحة 67

تَنْكَسِرُ ألْواحُهُ ثُمَّ قالَ: والصَّوابُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِفَرْطِ حَمِيَّتِهِ الدِّينِيَّةِ وشِدَّةِ غَضَبِهِ لِلَّهِ تَعالى لَمْ يَتَمالَكْ ولَمْ يَتَماسَكْ أنْ وقَعَتِ الألْواحُ مِن يَدِهِ بِدُونِ اخْتِيارٍ فَنُزِّلَ تَرْكُ التَّحَفُّظِ مَنزِلَةَ الإلْقاءِ الِاخْتِيارِيِّ، فَعُبِّرَ بِهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ. انْتَهى.

وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ صالِحُ أفَنْدِي المَوْصِلِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّ هَذا الإيرادَ إنَّما نَشَأ مِن جَعْلِ قَوْلِ القاضِي حَمِيَّةً لِلدِّينِ مَفْعُولًا لَهُ لِطِراحِها وهو غَيْرُ صَحِيحٍ، فَقَدْ صَرَّحَ في أوائِلِ تَفْسِيرِهِ لِسُورَةِ طه بِأنَّ الفِعْلَ الواحِدَ لا يَتَعَدّى لِعِلَّتَيْنِ وإنَّما هُوَ: مَفْعُولٌ لَهُ لِشِدَّةِ الغَضَبِ وفَرْطِ الضَّجْرَةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ، والتَّوْجِيهُ الَّذِي ذُكِرَ لِلْآيَةِ هو ما أرادَهُ القاضِي، وتَفْسِيرُهُ الإلْقاءَ بِالطَّرْحِ لا يُنافِي ذَلِكَ عَلى ما لا يَخْفى. اه. وأقُولُ: أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ هَذا التَّوْجِيهِ هو ما أرادَهُ القاضِي غَيْرُ بَيِّنٍ ولا مُبِينٍ عَلى أنَّ حَدِيثَ كَوْنِ التَّعْبِيرِ بِالإلْقاءِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ السَّلامُ مُنْحَطٌّ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ جِدًّا؛ إذْ لَيْسَ في السِّباقِ ولا في السِّياقِ ما يَقْضِي بِكَوْنِ المَقامِ عِتابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُفْتِيَ بِهَذا التَّغْلِيظِ نَظَرًا إلى مَقامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، بَلِ المَقامُ ظاهِرٌ في الحَطِّ عَلى قَوْمِهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى حَظٍّ مِن رَفِيعِ النَّظَرِ، والَّذِي يَراهُ هَذا الفَقِيرُ ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا. وحاصِلُهُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِن قَوْمِهِ ما رَأى غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا حَمِيَّةً لِلدِّينِ وغَيْرَةً مِنَ الشِّرْكِ بِرَبِّ العالَمِينَ، فَعَجِلَ في وضْعِ الألْواحِ لِتَفْرُغَ يَدُهُ فَيَأْخُذَ بِرَأْسِ أخِيهِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الوَضْعِ بِالإلْقاءِ تَفْظِيعًا لِفِعْلِ قَوْمِهِ حَيْثُ كانَتْ مُعايَنَتُهُ سَبَبًا لِذَلِكَ وداعِيًا إلَيْهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى شِدَّةِ غَيْرَتِهِ وفَرْطِ حَمِيَّتِهِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يُتَوَهَّمُ مِنهُ نَوْعُ إهانَةٍ لِكِتابِ اللَّهِ تَعالى بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وانْكِسارُ بَعْضِ الألْواحِ حَصَلَ مِن فِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ ولَمْ يَكُنْ غَرَضَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا مَرَّ بِبالِهِ ولا ظَنَّ تَرَتُّبَهُ عَلى ما فَعَلَ، ولَيْسَ هُناكَ إلّا العَجَلَةُ في الوَضْعِ النّاشِئَةُ مِنَ الغَيْرَةِ لِلَّهِ تَعالى، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن بابِ: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في مِقْدارِ ما تَكَسَّرَ ورُفِعَ، وبَعْضُهم أنْكَرَ ذَلِكَ حَيْثُ إنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ خِلافُهُ.

نَعَمْ أخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى مُوسى، لَيْسَ المُعايِنُ كالمُخْبَرِ، أخْبَرَهُ رَبُّهُ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ قَوْمَهُ فُتِنُوا بَعْدَهُ فَلَمْ يُلْقِ الألْواحَ، فَلَمّا رَآهم وعايَنَهم ألْقى الألْواحَ فَتَكَسَّرَ مِنها ما تَكَسَّرَ»».

فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ألْقى الألْواحَ رُفِعَ مِنها سِتَّةُ أسْباعٍ وبَقِيَ سُبْعٌ، وكَذا ما رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ نَحْوُهُ مُنافٍ لِما رُوِيَ فِيما تَقَدَّمَ مِن أنَّ التَّوْراةَ نَزَلَتْ سَبْعِينَ وِقْرًا، يُقْرَأُ الجُزْءُ مِنهُ في سَنَةٍ لَمْ يَقْرَأْها إلّا أرْبَعَةُ نَفَرٍ: مُوسى ويُوشَعُ وعُزَيْرٌ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

وكَذا لِما يُذْكَرُ بَعْدُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أخَذَ الألْواحَ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ مِنهُ العَهْدُ. والجَوابُ بِأنَّ الرَّفْعَ لِما فِيها مِنَ الخَطِّ دُونَ الألْواحِ خِلافُ الظّاهِرِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ﴾ أيْ: بِشَعَرِ رَأْسِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يُؤْخَذُ ويُمْسَكُ عادَةً ولا يُنافِي أخْذَهُ بِلِحْيَتِهِ كَما وقَعَ في سُورَةِ طه، أوْ أُدْخِلَ فِيهِ تَغْلِيبًا.

﴿يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ ظَنًّا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قَصَّرَ في كَفِّهِمْ ولَمْ يَتَمالَكْ لِشِدَّةِ غَضَبِهِ وفَرْطِ غَيْظِهِ أنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وكانَ هارُونُ أكْبَرَ مِن مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ بِثَلاثِ سِنِينَ، إلّا أنَّ مُوسى أكْبَرُ مِنهُ مَرْتَبَةً ولَهُ الرِّسالَةُ والرِّياسَةُ اسْتِقْلالًا، وكانَ هارُونُ وزِيرًا لَهُ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَمُولًا لَيِّنًا جِدًّا، ولَمْ يَقْصِدْ مُوسى بِهَذا الأخْذِ إهانَتَهُ والِاسْتِخْفافَ بِهِ، بَلِ اللَّوْمَ الفِعْلِيَّ عَلى التَّقْصِيرِ المَظْنُونِ بِحُكْمِ الرِّياسَةِ وفَرْطِ الحَمِيَّةِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أخَذَ رَأْسَ أخِيهِ لِيُسارَّهُ ويَسْتَشْكِفَ مِنهُ كَيْفِيَّةَ الواقِعَةِ مِمّا يَأْباهُ

صفحة 68

الذَّوْقُ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِيِهِ، ومِثْلُهُ القَوْلُ بِأنَّهُ إنَّما كانَ لِتَسْكِينِ هارُونَ لِما رَأى بِهِ مِنَ الجَزَعِ والقَلَقِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أجْرى أخاهُ مَجْرى نَفْسِهِ فَصَنَعَ بِهِ ما يَصْنَعُ الإنْسانُ بِهِ عِنْدَ شِدَّةِ الغَضَبِ، وقالَ الشَّيْخُ المُفِيدُ مِنَ الشِّيعَةِ: إنَّ ذَلِكَ لِلتَّألُّمِ مِن ضَلالِ قَوْمِهِ وإعْلامِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ عِظَمَ ما فَعَلُوهُ لِيَنْزَجِرُوا عَنْ مِثْلِهِ، ولا يَخْفى أنَّ الأمْرَ عَلى هَذا مِن قَبِيلِ:

غَيْرِي جَنى وأنا المُعاقَبُ فِيكُمُ فَكَأنَّنِي سَبّابَةُ المُتَنَدِّمِ

ولَعَلَّ ما أشَرْنا إلَيْهِ هو الأوْلى، وجُمْلَةُ (يَجُرُّهُ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ مُوسى، أوْ مِن (رَأْسِ) أوْ مِن أخِيهِ؛ لِأنَّ المُضافَ جُزْءٌ مِنهُ، وهو أحَدُ ما يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ ﴿قالَ﴾ أيْ: هارُونُ مُخاطِبًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إزاحَةً لِظَنِّهِ: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ لِضِيقِ المَقامِ، وتَخْصِيصُ الأُمِّ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِما شَقِيقَيْنِ عَلى الأصَحِّ لِلتَّرْقِيقِ، وقِيلَ: لِأنَّها قامَتْ بِتَرْبِيَتِهِ وقاسَتْ في تَخْلِيصِهِ المَخاوِفَ والشَّدائِدَ، وقِيلَ: إنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ آثارُ الجَمالِ والرَّحْمَةِ فِيهِ ظاهِرَةٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ وكانَ مَوْرِدُهُ ومَصْدَرُهُ ذَلِكَ؛ ولِذا كانَ يَلْهَجُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ، ألا تَرى كَيْفَ تَلَطَّفَ بِالقَوْمِ لَمّا قَدِمُوا عَلى ما قَدِمُوا فَقالَ: يا قَوْمِ ﴿إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ ومِن هُنا ذَكَرَ الأُمَّ ونَسَبَ إلَيْها؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ فِيها أتَمُّ، ولَوْلاها ما قَدَرَتْ عَلى تَرْبِيَةِ الوَلَدِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ فِيها، وهو مَنزَعٌ صُوفِيٌّ كَما لا يَخْفى، واخْتُلِفَ في اسْمِ أُمِّهِما عَلَيْهِما السَّلامُ فَقِيلَ: مِحْيانَةُ بِنْتُ يَصْهَرَ بْنِ لاوِي، وقِيلَ: يُوحانِذُ، وقِيلَ: يارْخا، وقِيلَ: يازْخِتُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ لِاسْمِها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها خاصِّيَّةً في فَتْحِ الأقْفالِ، ولَهُ رِياضَةٌ مَخْصُوصَةٌ عِنْدَ أرْبابِ الطَّلاسِمِ والحُرُوفِ، وما هي إلّا رَهْبانِيَّةٌ ابْتَدَعُوها ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِها مِن كِتابٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ هُنا وفي طه: (ابْنَ أُمِّ) بِالكَسْرِ وأصْلُهُ: ابْنَ أُمِّي فَحُذِفَتِ الياءُ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ تَخْفِيفًا كالمُنادى المُضافِ إلى الياءِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ زِيادَةً في التَّخْفِيفِ أوْ تَشْبِيهًا بِخَمْسَةَ عَشَرَ.

﴿إنَّ القَوْمَ﴾ الَّذِينَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا ﴿اسْتَضْعَفُونِي﴾ أيِ اسْتَذَلُّونِي وقَهَرُونِي ولَمْ يُبالُوا بِي لِقِلَّةِ أنْصارِي.

﴿وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ وقارَبُوا قَتْلِي حِينَ نَهَيْتُهم عَنْ ذَلِكَ. والمُرادُ أنِّي بَذَلْتُ وُسْعِي في كَفِّهِمْ ولَمْ آلُ جُهْدًا في مَنعِهِمْ.

﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ﴾ أيْ: فَلا تَفْعَلْ ما يَشْمَتُونَ بِي لِأجْلِهِ؛ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ سِرَّ فِعْلِكَ، والشَّماتَةُ: سُرُورُ العَدُوِّ بِما يُصِيبُ المَرْءَ مِن مَكْرُوهٍ.

وقُرِئَ: (فَلا تَشْمُتُ بِي الأعْداءُ) بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وضَمِّ المِيمِ ورَفْعِ الأعْداءِ - حَطَّهُمُ اللَّهُ تَعالى - وهو كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ المَعْنى أيْضًا عَلى حَدِّ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا. والمُرادُ مِنَ الأعْداءِ القَوْمُ المَذْكُورُونَ إلّا أنَّهُ أُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ ضَمِيرِهِمْ، ولا يَخْفى سِرُّهُ.

﴿ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: لا تَجْعَلْنِي مَعْدُودًا في عِدادِهِمْ، ولا تَسْلُكْ بِي سُلُوكَهم بِهِمْ في المُعاتَبَةِ، أوْ لا تَعْتَقِدْنِي واحِدًا مِنَ الظّالِمِينَ مَعَ بَراءَتِي مِنهم ومِن ظُلْمِهِمْ، فالجَعْلُ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾

7:151Page 169

قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِأَخِي وَأَدۡخِلۡنَا فِي رَحۡمَتِكَۖ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٥١

[Moses] said, "My Lord, forgive me and my brother and admit us into Your mercy, for You are the most merciful of the merciful."

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ الِاعْتِذارِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ اعْتِذارِ أخِيهِ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ما فَعَلْتُ بِأخِي قَبْلَ جَلِيَّةِ الحالِ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ.

﴿ولأخِي﴾ إنْ كانَ اتَّصَفَ بِما يُعَدُّ ذَنْبًا

صفحة 69

بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ في أمْرِ أُولَئِكَ الظّالِمِينَ، وفي هَذا الضَّمِّ تَرْضِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ورَفْعٌ لِلشَّماتَةِ عَنْهُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَغْفَرَ لِنَفْسِهِ لِيُرْضِيَ أخاهُ ويُظْهِرَ لِلشّامِتِينَ رِضاهُ لِئَلّا تَتِمَّ شَماتَتُهم بِهِ ولِأخِيهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلى الِاسْتِغْفارِ حَيْثُ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُقاتِلَهم لِي فِيهِ تَوَقُّفٌ لا يَخْفى وجْهُهُ.

﴿وأدْخِلْنا﴾ جَمِيعًا.

﴿فِي رَحْمَتِكَ﴾ الواسِعَةِ بِمَزِيدِ الإنْعامِ عَلَيْنا، وهَذا ما يَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ بِالمَغْفِرَةِ، والعُدُولُ عَنِ ارْحَمْنا إلى ما ذُكِرَ ﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فَلا غَرْوَ في انْتِظامِنا في سِلْكِ رَحْمَتِكَ الواسِعَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ اسْتَجابَ دُعاءَهُ وفِيهِ خَفاءٌ.

7:152Page 169

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ ١٥٢

Indeed, those who took the calf [for worship] will obtain anger from their Lord and humiliation in the life of this world, and thus do We recompense the inventors [of falsehood].

﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ أيْ: بَقُوا عَلى اتِّخاذِهِ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ كالسّامِرِيِّ وأشْياعِهِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ كَوْنُ المَوْصُولِ الثّانِي عِبارَةً عَنِ التّائِبِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّ المَوْصُولَ الأوَّلَ عِبارَةٌ عَنِ المُصِرِّينَ.

﴿سَيَنالُهُمْ﴾ أيْ: سَيَلْحَقُهم ويُصِيبُهم في الآخِرَةِ جَزاءَ ذَلِكَ ﴿غَضَبٌ﴾ عَظِيمٌ لا يُقادِرُ قَدْرَهُ مُسْتَتْبِعٌ لِفُنُونِ العُقُوباتِ لِعِظَمِ جَرِيمَتِهِمْ وقُبْحِ جَرِيرَتِهِمْ.

﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ أيْ: مالِكِهِمْ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ يَنالُهُمْ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا لِ غَضَبٌ، مُؤَكِّدًا لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أيْ: كائِنٌ مِن رَبِّهِمْ ﴿وذِلَّةٌ﴾ عَظِيمَةٌ.

﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهي عَلى ما أقُولُ: الذِّلَّةُ الَّتِي عَرَتْهم عِنْدَ تَحْرِيقِ إلَهِهِمْ ونَسْفِهِ في اليَمِّ نَسْفًا، مَعَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى دَفْعِ ذَلِكَ عَنْهُ، وقِيلَ: هي ذِلَّةُ الِاغْتِرابِ الَّتِي تُضْرَبُ بِها الأمْثالُ والمَسْكَنَةُ المُنْتَظِمَةُ لَهم ولِأوْلادِهِمْ جَمِيعًا، والذِّلَّةُ الَّتِي اخْتُصَّ بِها السّامِرِيُّ مِنَ الِانْفِرادِ عَنِ النّاسِ والِابْتِلاءِ بِلا مِساسٍ، ورُوِيَ أنَّ بَقاياهُمُ اليَوْمَ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وإذا مَسَّ أحَدَهم أحَدٌ غَيْرُهم حَما جَمِيعًا في الوَقْتِ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوْلى والرِّوايَةُ لَمْ نَرَ لَها أثَرًا، وإيرادُ ما نالَهم بِالسِّينِ لِلتَّغْلِيبِ، وقِيلَ: وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ أبِي العالِيَةِ المُرادُ بِهِمُ التّائِبُونَ، وبِالغَضَبِ ما أُمِرُوا بِهِ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، وبِالذِّلَّةِ إسْلامُهم أنْفُسَهم لِذَلِكَ واعْتِرافُهم بِالضَّلالِ، واعْتُذِرَ عَنِ السِّينِ بِأنَّ ذَلِكَ حِكايَةٌ عَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أخْبَرَهُ بِافْتِتانِ قَوْمِهِ واتِّخاذِهِمُ العِجْلَ فَإنَّهُ قالَ لَهُ: ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ﴾ إلَخْ. فَيَكُونُ سابِقًا عَلى الغَضَبِ، وجُعِلَ الكَلامُ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ؛ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ القَوْمَ نَدِمُوا عَلى عِبادَتِهِمُ العِجْلَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا﴾ والنَّدَمُ تَوْبَةٌ؛ ولِذَلِكَ عَقَّبُوهُ بِقَوْلِهِمْ: لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا، وذِكْرُ عِتابِ مُوسى لِأخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ ثُمَّ اسْتِغْفارِهِ اتَّجَهَ لِسائِلٍ أنْ يَقُولَ: يا رَبِّ، إلى ماذا يَصِيرُ أمْرُ القَوْمِ وتَوْبَتُهم واسْتِغْفارُ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى؟ وهَلْ قَبِلَ اللَّهُ تَعالى تَوْبَتَهُمْ؟ فَأجابَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ﴾ أيْ: نِقَمٌ قَبْلَ تَوْبَةِ مُوسى وأخِيهِ وغَفَرَ لَهُما خاصَّةً، وكانَ مِن تَمامِ تَوْبَةِ القَوْمِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ فَسَلَّمُوها لِلْقَتْلِ، فَوَضَعَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ مَوْضِعَ القَوْمِ إشْعارًا بِالعِلِّيَّةِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ سِياقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ وكَذا سِباقُهُ نابَ عَنْ ذَلِكَ نَبْوًا ظاهِرًا، كَيْفَ لا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ يُنادِي عَلى خِلافِهِ؛ فَإنَّهم شُهَداءُ تائِبُونَ فَكَيْفَ يُمْكِنُ وصْفُهم بَعْدَ ذَلِكَ بِالِافْتِراءِ؟ وأيْضًا لَيْسَ يَجْزِي اللَّهُ تَعالى كُلَّ المُفْتَرِينَ بِهَذا الجَزاءِ الَّذِي ظاهِرُهُ قَهْرٌ وباطِنُهُ لُطْفٌ ورَحْمَةٌ إلّا أنْ يُقالَ: يَكْفِي في صِحَّةِ التَّشْبِيهِ وُجُودُ وجْهِ الشَّبَهِ في الجُمْلَةِ ولا بُدَّ مِنَ التِزامِ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أيْضًا، وما ذُكِرَ في

صفحة 70

تَحْرِيرِ السُّؤالِ، والجَوابُ مِمّا تَمُجُّهُ أسْماعُ ذَوِي الألْبابِ.

وقالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: المُرادُ: سَيَنالُ أوْلادَ الَّذِينَ تَعَبَّدُوا العِجْلَ وهُمُ الَّذِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأُرِيدَ بِالغَضَبِ والذِّلَّةِ ما أصابَ بَنِي النَّضِيرِ وقُرَيْظَةَ مِنَ القَتْلِ والجَلاءِ، أوْ ما أصابَهم مِن ذَلِكَ، ومِن ضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، وفي الكَلامِ عَلى هَذا حَذْفُ مُضافٍ وهو الأوْلادُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ وهو مِن تَعْيِيرِ الأبْناءِ بِما فَعَلَ الآباءُ، ومُثُلُهُ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ المُتَّخِذُونَ حَقِيقَةً، وبِالضَّمِيرِ في يَنالُهم أخْلافُهُمْ، وبِالغَضَبِ الغَضَبُ الأُخْرَوِيُّ، وبِالذِّلَّةِ الجِزْيَةُ الَّتِي وضَعَها الإسْلامُ عَلَيْهِمْ أوِ الأعَمُّ مِنها لِيَشْمَلَ ما ضَرَبَهُ بُخْتَنَصَّرُ عَلَيْهِمْ. وتُعُقِّبَ ذَلِكَ أيْضًا بِأنَّهُ لا رَيْبَ في أنَّ تَوْسِيطَ حالِ هَؤُلاءِ في تَضاعِيفِ بَيانِ حالِ المُتَّخِذِينَ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ، والمُرادُ بِالمُفْتَرِينَ المُفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى، وافْتِراءُ أُولَئِكَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ قَوْلُ السّامِرِيِّ في العِجْلِ: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى ورِضاهم بِهِ، ولا أعْظَمَ مِن هَذِهِ الفِرْيَةِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَفْتَرِ مِثْلَها أحَدٌ قَبْلَهم ولا بَعْدَهُمْ، وعَنْ سُفْيانَ بْنَ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: كُلُّ صاحِبِ بِدْعَةٍ ذَلِيلٌ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.

7:153Page 169

وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٥٣

But those who committed misdeeds and then repented after them and believed - indeed your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.

﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ أيَّ سَيِّئَةٍ كانَتْ لِعُمُومِ المَغْفِرَةِ، ولِأنَّهُ لا داعِيَ لِلتَّخْصِيصِ، ﴿ثُمَّ تابُوا﴾ عَنْها ﴿مِن بَعْدِها﴾ أيْ: مِن بَعْدِ عَمَلِها وهو تَصْرِيحٌ بِما تَقْتَضِيهِ. ثُمَّ ﴿وآمَنُوا﴾ أيْ: واشْتَغَلُوا بِالإيمانِ وما هو مُقْتَضاهُ وبِهِ تَمامُهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا كالطّائِفَةِ الأُولى، وهو عَطْفٌ عَلى تابُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ، وأيًّا ما كانَ فَهو عَلى ما قِيلَ مِن ذِكْرِ الخاصِّ بِعَدَمِ العامِّ لِلِاعْتِناءِ بِهِ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ عَنِ الكُفْرِ هي الإيمانُ، فَلا يُقالُ: التَّوْبَةُ بَعْدَ الإيمانِ كَيْفَ جاءَتْ قَبْلَهُ؟

قِيلَ: حَيْثُ كانَ المُرادُ بِالإيمانِ ما تَدْخُلُ فِيهِ الأعْمالُ يَكُونُ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا التَّصْدِيقُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لِلتّائِبِ. أيْ: ثُمَّ تابُوا وصَدَّقُوا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لِمَن تابَ.

﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيْ: مِن بَعْدِ التَّوْبَةِ المَقْرُونَةِ بِما لا تُقْبَلُ بِدُونِهِ وهو الإيمانُ، ولَمْ يُجْعَلِ الضَّمِيرُ لِلسَّيِّئاتِ لِأنَّهُ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا حاجَةَ لَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها﴾ لا لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى حَذْفِ مُضافٍ ومَعْطُوفٍ مِن عَمَلِها والتَّوْبَةِ عَنْها؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِكَوْنِهِ بَعْدَها إلّا ذَلِكَ.

﴿لَغَفُورٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ وإنْ عَظُمَتْ وكَثُرَتْ.

﴿رَحِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في إفاضَةِ فُنُونِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ: ( إنَّ رَبَّكَ ) إلَخْ. خَبَرٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ - عِنْدَ أبِي البَقاءِ - لَغَفُورٌ لَهم رَحِيمٌ بِهِمْ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ لِضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلتَّشْرِيفِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلتّائِبِ، ولا يَخْفى لُطْفُ ذَلِكَ أيْضًا، وفي الآيَةِ إعْلامٌ بِأنَّ الذُّنُوبَ وإنْ جَلَّتْ وعَظُمَتْ فَإنَّ عَفْوَ اللَّهِ تَعالى وكَرَمَهُ أعْظَمُ وأجَلُّ، وما ألْطَفَ قَوْلَ أبِي نُواسٍ غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ:

يا رَبِّ إنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً

فَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأنَّ عَفْوَكَ أعْظَمُ

إنْ كانَ لا يَرْجُوكَ إلّا مُحْسِنٌ فَبِمَن يَلُوذُ ويَسْتَجِيرُ المُجْرِمُ

ومِمّا يُنْسَبُ لِلْإمامِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:

ولَمّا قَسا قَلْبِي وضاقَتْ مَذاهِبِي ∗∗∗ جَعَلْتُ الرَّجا رَبِّي لِعَفْوِكَ سُلَّما

تَعاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمّا قَرَنْتُهُ ∗∗∗ بِعَفْوِكَ رَبِّي كانَ عَفْوُكَ أعْظَما

صفحة 71

ويُعْجِبُنِي قَوْلُ بَعْضِهِمْ: وما أوْلى هَذا المُذْنِبَ بِهِ:

أنا مُذْنِبٌ أنا مُخْطِئٌ أنا عاصِي ∗∗∗ هو غافِرٌ هو راحِمٌ هو عافِي

قابَلْتُهُنَّ ثَلاثَةً بِثَلاثَةٍ ∗∗∗ وسَتَغْلِبَنْ أوْصافُهُ أوْصافِي

7:154Page 169

وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَۖ وَفِي نُسۡخَتِهَا هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ ١٥٤

And when the anger subsided in Moses, he took up the tablets; and in their inscription was guidance and mercy for those who are fearful of their Lord.

﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَقِيَّةِ الحِكايَةِ أثَرَ ما بَيْنَ تَحَزُّبِ القَوْمِ إلى مُصِرٍّ وتائِبٍ، والإشارَةُ إلى ما لِكُلٍّ مِنهُما إجْمالًا، أيْ: ولَمّا سَكَتَ عَنْهُ الغَضَبُ بِاعْتِذارِ أخِيهِ وتَوْبَةِ القَوْمِ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ ما حُكِيَ عَنْهُ مِنَ النَّدَمِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ كانَ بَعْدَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ: ولَمّا كُسِرَتْ سَوْرَةُ غَضَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَلَّ غَيْظُهُ بِاعْتِذارِ أخِيهِ فَقَطْ لِأنَّهُ زالَ غَضَبُهُ بِالكُلِّيَّةِ؛ لِأنَّ تَوْبَةَ القَوْمِ ما كانَتْ خالِصَةً بَعْدُ، وأصْلُ السُّكُوتِ قَطْعُ الكَلامِ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ حَيْثُ شَبَّهَ الغَضَبَ بِشَخْصٍ ناهٍ آمِرٍ، وأثْبَتَ لَهُ السُّكُوتَ عَلى طَرِيقِ التَّخْيِيلِ، وقالَ السُّكانِيُّ: إنَّ فِيهِ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً حَيْثُ شَبَّهَ سُكُونَ الغَضَبِ وذَهابَ حِدَّتِهِ بِسُكُونِ الآمِرِ النّاهِي، والغَضَبُ قَرِينَتُها، وقِيلَ: الغَضَبُ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ عَنِ الشَّخْصِ النّاطِقِ، والسُّكُوتُ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ لِسُكُونِ هَيَجانِهِ وغَلَيانِهِ، فَيَكُونُ في الكَلامِ مَكْنِيَّةٌ قَرِينَتُها تَصْرِيحِيَّةٌ لا تَخْيِيلِيَّةٌ، وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ مُبالَغَةٌ وبَلاغَةٌ لا يَخْفى عُلُوُّ شَأْنِهِما، وقالَ الزَّجّاجُ: مَصْدَرُ سَكَتَ الغَضَبُ السَّكْتَةُ، ومَصْدَرُ سَكَتَ الرَّجُلُ السُّكُوتُ، وهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ سَكَتَ الغَضَبُ فِعْلًا عَلى حِدَةٍ، وقِيلَ: ونُسِبَ إلى عِكْرِمَةَ: إنَّ هَذا مِنَ القَلْبِ؛ وتَقْدِيرُهُ: ولَمّا سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ، ولا يَخْفى أنَّ السُّكُوتَ كانَ أجْمَلَ بِهَذا القائِلِ؛ إذْ لا وجْهَ لِما ذَكَرَهُ.

وقَرَأ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: (سَكَنَ) والمَعْنى عَلى ذَلِكَ ظاهِرٌ إلّا أنَّهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أعْلى كَعْبًا عِنْدَ كُلِّ ذِي طَبْعٍ سَلِيمٍ وذَوْقٍ صَحِيحٍ، وقُرِئَ: (سُكِتَ) بِالبِناءِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ والتَّشْدِيدِ لِلتَّعْدِيَةِ. و(أُسْكِتَ) بِالبِناءِ لِذَلِكَ أيْضًا عَلى أنَّ المُسْكِتَ هو اللَّهُ تَعالى أوْ أخُوهُ أوِ التّائِبُونَ.

﴿أخَذَ الألْواحَ﴾ الَّتِي ألْقاها.

﴿وفِي نُسْخَتِها﴾ أيْ: فِيما نُسِخَ فِيها وكُتِبَ، فَفِعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُطْبَةِ، والنَّسْخُ الكِتابَةُ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ أوْ بِمَعْنى فِي، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُبّائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ وغَيْرُهُما، وقِيلَ: مَعْنى مَنسُوخَةٍ ما نُسِخَ فِيها مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: النَّسْخُ هُنا بِمَعْنى النَّقْلِ، والمَعْنى فِيما نُقِلَ مِنَ الألْواحِ المُنْكَسِرَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ألْقى الألْواحَ فَتَكَسَّرَ مِنها ما تَكَسَّرَ صامَ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَرُدَّ عَلَيْهِ ما ذَهَبَ في لَوْحَيْنِ، وفِيهِما ما في الأوَّلِ بِعَيْنِهِ، فَكَأنَّهُ نُسِخَ مِنَ الأوَّلِ.

﴿هُدًى﴾ أيْ: بَيانٌ لِلْحَقِّ عَظِيمٌ.

﴿ورَحْمَةٌ﴾ جَلِيلَةٌ بِالإرْشادِ إلى ما فِيهِ الخَيْرُ والصَّلاحُ.

﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أيْ: يَخافُونَ أشَدَّ الخَوْفِ، واللّامُ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِما قَبْلَهُ، أوْ هي لامُ الأجْلِ؛ أيْ: هُدًى ورَحْمَةٌ لِأجْلِهِمْ، والثّانِيَةُ لِتَقْوِيَةِ عَمَلِ الفِعْلِ المُؤَخَّرِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ أوْ هي لامُ العِلَّةِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَرْهَبُونَ المَعاصِيَ لِأجْلِ رَبِّهِمْ لا لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ، واحْتِمالُ تَعَلُّقِها بِمَحْذُوفٍ، أيْ: يَخْشَوْنَ لِرَبِّهِمْ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو البَقاءِ بِعِيدٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском