Al-AlusiAl‑A'raf · 7:159–162

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:159–162

7:159Page 170

وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٥٩

And among the people of Moses is a community1 which guides by truth and by it establishes justice.

﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ؛ ﴿أُمَّةٌ﴾ جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ ﴿يَهْدُونَ﴾ النّاسَ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: مُحِقِّينَ عَلى أنَّ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ، والجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ بِكَلِمَةِ الحَقِّ عَلى أنَّ الباءَ لِلْآلَةِ والجارَّ لَغْوٌ، ﴿وبِهِ﴾ أيْ: بِالحَقِّ ﴿يَعْدِلُونَ﴾ في الأحْكامِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَهُمْ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في الفِعْلَيْنِ لِلْإيذانِ بِالِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، واخْتُلِفَ في المُرادِ مِنهم فَقِيلَ: أُناسٌ كانُوا كَذَلِكَ عَلى عَهْدِ مُوسى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِدَفْعِ ما عَسى يُوهِمُهُ تَخْصِيصُ

صفحة 84

كَتْبِ الرَّحْمَةِ والتَّقْوى والإيمانِ بِالآياتِ بِمُتَّبِعِي رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن حِرْمانِ أسْلافِ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كُلِّ خَيْرٍ وبَيانِ أنَّ كُلَّهم لَيْسُوا كَما حُكِيَتْ أحْوالُهُمْ، بَلْ مِنهُمُ المَوْصُوفُونَ بِكَيْتَ وكَيْتَ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ.

واخْتارَ هَذا شَيْخُ الإسْلامِ ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيانًا لِقِسْمٍ آخَرَ مِنَ القَوْمِ مُقابِلٍ لِما ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ فِيهِ تَنْصِيصٌ عَلى أنَّ مِنَ القَوْمِ مَن لَمْ يَفْعَلْ، وقِيلَ: أُناسٌ وُجِدُوا عَلى عَهْدِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، ورَجَّحَهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّهُ أقْرَبُ الوُجُوهِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ دُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَأكْتُبُها﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ إلَخْ. ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَصْدَعَ بِما فِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْيَهُودِ وتَنْبِيهٌ عَلى افْتِرائِهِمْ فِيما يَزْعُمُونَهُ في شَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ إظْهارِ النَّصَفَةِ؛ وذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ﴾ إلَخْ. وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فَآمِنُوا ) إلَخْ. عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ إلَخْ. والمَعْنى أنَّ بَعْضَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَكَيْنا عَنْهم ما حَكَيْنا آمَنُوا وأنْصَفُوا مِن أنْفُسِهِمْ. يَهْدُونَ النّاسَ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرَّسُولُ المَوْعُودُ ويَقُولُونَ لَهُمْ: هَذا الرَّسُولُ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ الَّذِي نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ويَعْدِلُونَ في الحُكْمِ لا يَجُورُونَ، ولَكِنَّ أكْثَرَهم ما أنْصَفُوا ولَبَّسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وكَتَمُوهُ وجارُوا في الأحْكامِ فَيَكُونُ ذِكْرُ هَذِهِ الفِرْقَةِ تَعْرِيضًا بِالأكْثَرِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مِن قَوْمِ مُوسى عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانُوا قَلِيلِينَ، ولَفْظُ أُمَّتِهِ يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وأيْضًا إنَّ هَؤُلاءِ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهم فِيما سَلَفَ، وأُجِيبَ بِأنَّ لَفْظَ الأُمَّةِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ لا سِيَّما إذا كانَ لَهُ شَأْنٌ، بَلْ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ إذا كانَ كَذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ وبِأنَّ ذِكْرَهم هُنا لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ النُّكْتَةِ لا يَأْبى ذِكْرَهم فِيما سَلَفَ لِغَيْرِ تِلْكَ النُّكْتَةِ، وتَكْرارُ الشَّيْءِ الواحِدِ لِاخْتِلافِ الأغْراضِ سُنَّةٌ مَشْهُورَةٌ في الكِتابِ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّهم فِيما تَقَدَّمَ قَدْ وُصِفُوا بِما هو ظاهِرٌ في أنَّهم مُهْتَدُونَ، وهُنا قَدْ وُصِفُوا بِما هو ظاهِرٌ في أنَّهم هادُونَ، فَيَحْصُلُ مِنَ الذِّكْرَيْنِ أنَّهم مَوْصُوفُونَ بِالوَصْفَيْنِ. نَعَمْ يَبْقى الكَلامُ في نُكْتَةِ الفَصْلِ ولَعَلَّها لا تَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وُجِدُوا بَيْنَ مُوسى ونَبِيِّنا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وهُمُ الآنَ مَوْجُودُونَ أيْضًا؛ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا قَتَلُوا أنْبِياءَهم وكَفَرُوا وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا تَبَرَّأ سِبْطٌ مِنهم مِمّا صَنَعُوا واعْتَذَرُوا وسَألُوا اللَّهَ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهم وبَيْنَهُمْ، فَفَتَحَ اللَّهُ تَعالى لَهم نَفَقًا في الأرْضِ فَسارُوا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِن وراءِ الصِّينِ، فَهم هُنالِكَ حُنَفاءُ يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنا، وإلَيْهِمُ الإشارَةُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ وفُسِّرَ وعْدُ الآخِرَةِ بِنُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: إنَّهم سارُوا في السِّرْبِ سَنَةً ونِصْفًا.

وذَكَرَ مُقاتِلٌ كَما رَوى أبُو الشَّيْخِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى مَعَهم نَهْرًا وجَعَلَ لَهم مِصْباحًا مِن نُورٍ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وأنَّ أرْضَهُمُ الَّتِي خَرَجُوا إلَيْها تَجْتَمِعُ فِيها الهَوامُّ والبَهائِمُ والسِّباعُ مُخْتَلِطِينَ، وأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتاهم لَيْلَةَ المِعْراجِ ومَعَهُ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَآمَنُوا بِهِ وعَلَّمَهُمُ الصَّلاةَ.

وعَنِ الكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ والرَّبِيعِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَّمَهُمُ الزَّكاةَ وعَشْرَ سُوَرٍ مِنَ القُرْآنِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأمَرَهم أنْ يُجْمِعُوا ويَتْرُكُوا السَّبْتَ، وأقْرَأهُ سَلامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَرَدَّ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ السَّلامَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: بَيْنَكم وبَيْنَهم نَهْرٌ مِن رَمْلٍ

صفحة 85

يَجْرِي، وضَعَّفَ هَذِهِ الحِكايَةَ ابْنُ الخازِنِ، وأنا لا أراها شَيْئًا، ولا أظُنُّكَ تَجِدُ لَها سَنَدًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ولَوِ ابْتَغَيْتَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ.

* * *

(هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ): ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ دُونَ رُؤْيَتِي عَلى ما يَقُولُهُ نُفاةُ الرُّؤْيَةِ.

﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ بِالتَّمْكِينِ.

﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ بِالِاسْتِقامَةِ في القِيامِ بِحَقِّ العُبُودِيَّةِ الَّتِي لا مَقامَ أعْلى مِنها:

لا تَدْعُنِي إلّا بِيا عَبْدَها فَإنَّهُ أشْرَفُ أسْمائِي

وبِالشُّكْرِ تَزْدادُ النِّعَمُ كَما نَطَقَ بِذَلِكَ الكِتابُ.

﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾ أيْ: أظْهَرْنا نُقُوشَ اسْتِعْدادِهِ في ألْواحِ تَفاصِيلِ وُجُودِهِ مِنَ الرُّوحِ والقَلْبِ والعَقْلِ والفِكْرِ والخَيالِ، فَظَهَرَ فِيها ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ أيْ: بِعَزْمٍ لِتَكُونَ مِن ذَوِيهِ.

﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ أيْ: أكْثَرِها نَفْعًا، وهي العَزائِمُ.

﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ الَّذِينَ لا يَأْخُذُونَ بِذَلِكَ.

﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ وهُمُ الَّذِينَ في مَقامِ النَّفْسِ، فَيَكُونُ تَكَبُّرُهم حِجابًا لَهم عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا المُتَكَبِّرُونَ بِالحَقِّ وهُمُ الَّذِينَ فَنِيَتْ صِفاتُهم وظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ صِفاتُ مَوْلاهم فَلَيْسُوا بِمَحْجُوبِينَ ولا يُعَدُّ تَكُبُّرُهم مَذْمُومًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ تَكَبُّرُهم حَقِيقَةً، وإنَّما حَظُّهم مِنهُ كَوْنُهم مَظْهَرًا لَهُ.

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ حَيْثُ حُجِبُوا بِصِفاتِهِمْ وأفْعالِهِمْ. حَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا تُقَرِّبُهم شَيْئًا.

﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلا﴾ صَنَعَهُ لَهُمُ السّامِرِيُّ، وكانَ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ العِجْلَ، أوْ مِمَّنْ رَآهم فَوَقَعَ في قَلْبِهِ -لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ- حُبُّهُ، وأضْمَرَ عِبادَتَهُ، واخْتارَ صِياغَتَهُ مِن حُلِيِّهِمْ لِيَكُونَ مَيْلُهم إلَيْهِ أتَمَّ؛ لِأنَّ قَلْبَ الإنْسانِ يَمِيلُ حَيْثُ مالُهُ سِيَّما إذا كانَ ذَهَبًا أوْ فِضَّةً، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ اليَوْمَ عَبِيدُ الدِّرْهَمِ والدِّينارِ، وهُما العِجْلُ المَعْنَوِيُّ لَهُمْ، وإنْ لَمْ يَسْجُدُوا لَهُ، وأكْثَرُ الأقْوالِ أنَّ ذَلِكَ العِجْلَ صارَ ذا لَحْمٍ ودَمٍ إلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ وفي كَلامِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ صارَ ذا رُوحٍ بِواسِطَةِ التُّرابِ الَّذِي وطِئَهُ الرُّوحُ الأمِينُ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِكَوْنِهِ ذا لَحْمٍ ودَمٍ.

﴿وألْقى الألْواحَ﴾ أيْ: ذُهِلَ مِن شِدَّةِ الغَضَبِ عَنْها وتَجافى عَنْ حُكْمِ ما فِيها ونِسْيانِ ما يُسْتَحْسَنُ مِنَ الحِلْمِ مَثَلًا عِنْدَ الغَضَبِ مِمّا يَجِدُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن نَفْسِهِ.

﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ ظَنًّا أنَّهُ قَصَّرَ في كَفِّهِمْ.

﴿قالَ ابْنَ أُمَّ﴾ ناداهُ بِذَلِكَ لِغَلَبَةِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِ، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ في الأنْفُسِ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ المُؤَوِّلِينَ أنَّ سامِرِيَّ الهَوى بَعْدَ تَوَجُّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الرُّوحِ لِمِيقاتِ مُكالَمَةِ الحَقِّ اتَّخَذَ مِن حُلِيِّ زِينَةِ الدُّنْيا ورُعُوناتِ البَشَرِيَّةِ الَّتِي اسْتَعارَها بَنُو إسْرائِيلَ صِفاتِ القَلْبَ مِن قِبْطِ صِفاتِ النَّفْسِ مَعْبُودًا يَتَعَجَّلُونَ إلَيْهِ لَهُ خُوارٌ يَدْعُونَ الخَلْقَ بِهِ إلى نَفْسِهِ.

﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ بِما يَنْفَعُهم.

﴿ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾ إلى الحَقِّ.

﴿اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ حَيْثُ عَدَلُوا عَنْ عِبادَةِ الحَقِّ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ في نَظَرِهِمْ، ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: نَدِمُوا عِنْدَ رُجُوعِ مُوسى الرُّوحِ قالُوا: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ بِجَذَباتِ العِنايَةِ، ﴿ويَغْفِرْ لَنا﴾ بِأنْ يَسْتُرَ صِفاتِنا بِصِفاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ رَأْسَ مالِ هَذِهِ النَّشْأةِ وهو الِاسْتِعْدادُ.

﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ﴾ وهُمُ الأوْصافُ الإنْسانِيَّةُ: ﴿غَضْبانَ﴾ مِمّا عَبَدَتْ صِفاتُ القَلْبِ عِجْلَ الدُّنْيا ﴿أسِفًا﴾ عَلى ما فاتَ لَها مِن عِبادَةِ الحَقِّ.

﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي﴾ حَيْثُ لَمْ تَسِيرُوا سَيْرِي.

﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ بِالرُّجُوعِ إلى الفانِي مِن غَيْرِ أمْرِهِ تَعالى.

﴿وألْقى الألْواحَ﴾ أيْ: ما لاحَ لَهُ مِنَ اللَّوائِحِ الرَّبّانِيَّةِ عِنْدَ اسْتِيلاءِ الغَضَبِ الطَّبِيعِيِّ.

﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ﴾ وهو القَلْبُ. يَجُرُّهُ إلَيْهِ قَسْرًا، ﴿قالَ ابْنَ أُمَّ﴾ ناداهُ بِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ

صفحة 86

أخُوهُ مِن أبِيهِ؛ وهو عالَمُ الأمْرِ، وأُمِّهِ؛ وهو عالَمُ الخَلْقِ؛ لِأنَّهُما في عالَمِ الخَلْقِ؛ ﴿إنَّ القَوْمَ﴾ أيْ: أوْصافَ البَشَرِيَّةِ.

﴿اسْتَضْعَفُونِي﴾ عِنْدَ غَيْبَتِكَ.

﴿وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ يُزِيلُونَ مِنِّي حَياةَ اسْتِعْدادِي بِالكُلِّيَّةِ.

﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ﴾ وهم - هُمْ، وهَذا ما يَقْتَضِيهِ مَقامُ الفَرْقِ، ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأخِي﴾ اسْتُرْ صِفاتِنا.

﴿وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ﴾ بِإفاضَةِ الصِّفاتِ الحَقَّةِ عَلَيْنا.

﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ لِأنَّ كُلَّ رَحْمَةٍ فَهو شُعاعُ نُورِ رَحْمَتِكَ.

﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ أيْ: عِجْلَ الدُّنْيا إلَهًا.

﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ وهو عَذابُ الحِجابِ. وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا بِاسْتِعْبادِ هَذا الفانِي المُدْنِي لَهم.

﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى فَيُثْبِتُونَ وُجُودًا لِما سِواهُ.

﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا﴾ رَجَعُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ بِمُجاهَدَةِ نُفُوسِهِمْ وإفْنائِهِمْ. إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ فَيَسْتُرُ صِفاتِهِمْ. رَحِيمٌ فَيَفِيضُ عَلَيْهِمْ مِن صِفاتِهِمْ. ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ الرَّبّانِيَّةَ، ﴿وفِي نُسْخَتِها هُدًى﴾ إرْشادٌ إلى الحَقِّ، ﴿ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يَخافُونَ لِحُسْنِ اسْتِعْدادِهِمْ.

ويُقالُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا﴾ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اخْتارَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أشْرافِ قَوْمِهِ ونُجَبائِهِمْ أهْلِ الِاسْتِعْدادِ والصَّفاءِ والإرادَةِ والطَّلَبِ والسُّلُوكِ. فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أيْ: رَجْفَةُ البَدَنِ الَّتِي هي مِن مَبادِي صَعْقَةِ الفَناءِ عِنْدَ طَرَيانِ بِوارِقِ الأنْوارِ وظُهُورِ طَوالِعِ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ مِنَ اقْشِعْرارِ الجَسَدِ وارْتِعادِهِ، وكَثِيرًا ما تَعْرِضُ هَذِهِ الحَرَكَةُ لِلسّالِكِينَ عِنْدَ الذِّكْرِ أوْ سَماعِ القُرْآنِ أوْ ما يَتَأثَّرُونَ بِهِ حَتّى تَكادَ تَتَفَرَّقُ أعْضاؤُهُمْ، وقَدْ شاهَدْنا ذَلِكَ في الخالِدِينَ مِن أهْلِ الطَّرِيقَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ، ورُبَّما يَعْتَرِيهِمْ في صَلاتِهِمْ صِياحٌ مَعَهُ؛ فَمِنهم مَن يَسْتَأْنِفُ صَلاتَهُ لِذَلِكَ، ومِنهم مَن لا يَسْتَأْنِفُ، وقَدْ كَثُرَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ وسَمِعْتُ بَعْضَ المُنْكِرِينَ يَقُولُونَ: إنْ كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ مَعَ الشُّعُورِ والعُقَلِ فَهي سُوءُ أدَبٍ ومُبْطِلَةٌ لِلصَّلاةِ قَطْعًا، وإنْ كانَتْ مَعَ عَدَمِ شُعُورٍ وزَوالِ عَقْلٍ فَهي ناقِضَةٌ لِلْوُضُوءِ ونَراهم لا يَتَوَضَّئُونَ، وأُجِيبَ بِأنَّها غَيْرُ اخْتِيارِيَّةٍ مَعَ وُجُودِ العَقْلِ والشُّعُورِ، وهي كالعُطاسِ والسُّعالِ، ومِن هُنا لا يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ بَلْ ولا تَبْطُلُ الصَّلاةُ، وقَدْ نَصَّ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ أنَّ المُصَلِّيَ لَوْ غَلَبَهُ الضَّحِكُ في الصَّلاةِ لا تَبْطُلُ صَلاتُهُ ويُعْذَرُ بِذَلِكَ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَلْحَقَ ما يَحْصُلُ مِن آثارِ التَّجَلِّياتِ الغَيْرِ الِاخْتِيارِيَّةِ بِما ذُكِرَ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ غَيْرَ اخْتِيارِيٍّ كَوْنُهُ صادِرًا مِن غَيْرِ شُعُورٍ؛ فَإنَّ حَرَكَةَ المُرْتَعِشَ غَيْرُ اخْتِيارِيَّةٍ مَعَ الشُّعُورِ بِها، وهو ظاهِرٌ فَلا مَعْنًى لِلْإنْكارِ.

نَعَمْ، كانَ حَضْرَةُ مَوْلانا الشَّيْخِ خالِدٍ قُدِّسَ سِرُّهُ يَأْمُرُ مَن يَعْتَرِيهِ ذَلِكَ مِنَ المُرِيدِينَ بِالوُضُوءِ واسْتِئْنافِ الصَّلاةِ سَدًّا لِبابِ الإنْكارِ، والحَقُّ أنَّ ما يَعْتَرِي هَذِهِ الطّائِفَةَ غَيْرُ ناقِضٍ الوُضُوءَ لِعَدَمِ زَوالِ العَقْلِ مَعَهُ لَكِنَّهُ مُبْطِلٌ لِلصَّلاةِ لِما فِيهِ مِنَ الصِّياحِ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ حَرْفانِ مَعَ أُمُورٍ تَأْباها الصَّلاةُ، ولا عُذْرَ لِمَن يَعْتَرِيهِ ذَلِكَ إلّا إذا ابْتُلِيَ بِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَخْلُ زَمَنٌ مِنَ الوَقْتِ يَسَعُ الصَّلاةَ بِدُونِهِ؛ فَإنَّهُ يُعْذَرُ حِينَئِذٍ ولا قَضاءَ عَلَيْهِ إذا ذَهَبَ مِنهُ ذَلِكَ الحالُ كَمَن بِهِ حَكَّةٌ لا يَصْبِرُ مَعَها عَلى عَدَمِ الحَكِّ.

وقَدْ نَصَّ الجَدُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في حَواشِيهِ عَلى شَرْحِ الحَضْرَمِيَّةِ لِلْعَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ في صُورَةٍ ابْتُلِيَ بِسُعالٍ مُزْمِنٍ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: فَرْعٌ: لَوِ ابْتُلِيَ بِذَلِكَ وعَلِمَ مِن عادَتِهِ أنَّ الحَمّامَ يُسَكِّنُهُ عَنْهُ مُدَّةً تَسَعُ الصَّلاةَ وجَبَ عَلَيْهِ دُخُولُهُ، حَيْثُ وجَدَ أُجْرَةَ الحَمّامِ فاضِلَةً عَمّا يُعْتَبَرُ في الفِطْرَةِ، وإنْ فاتَتْهُ الجَماعَةُ وفَضِيلَةُ أوَّلِ الوَقْتِ. انْتَهى.

نَعَمْ، ذَكَرَ عَلَيْهِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى في الفِعْلِ الكَثِيرِ المُبْطِلِ لِلصَّلاةِ وهو ثَلاثَةُ أفْعالٍ؛ أنَّهُ لَوِ ابْتُلِيَ بِحَرَكَةٍ اضْطِرارِيَّةٍ نَشَأ عَنْها عَمَلٌ كَثِيرٌ فَمَعْذُورٌ، وقالَ أيْضًا: إنَّهُ لا يَضُرُّ الصَّوْتُ الغَيْرُ المُشْتَمِلِ عَلى النُّطْقِ بِحَرْفَيْنِ مُتَوالِيَيْنِ مِن أنْفٍ

صفحة 87

أوْ فَمٍ وإنِ اقْتَرَنَتْ بِهِ هَمْهَمَةُ شَفَتَيِ الأخْرَسِ ولَوْ لِغَيْرِ حاجَةٍ، وإنْ فَهِمَ الفَطِنُ كَلامًا أوْ قَصَدَ مُحاكاةَ بَعْضِ أصْواتِ الحَيَواناتِ إنْ لَمْ يَقْصِدِ التَّلاعُبَ وإلّا بَطَلَتْ، ويَنْبَغِي التَّحَرِّي في هَؤُلاءِ القَوْمِ؛ فَإنَّ حالَهم في ذَلِكَ مُتَفاوِتٌ، لَكِنَّ أكْثَرَ ما شاهَدْناهُ عَلى الطَّرْزِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِنَ الكُتُبِ الفِقْهِيَّةِ.

﴿قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ﴾ وذَلِكَ مِن شِدَّةِ غَلَبَةِ الشَّوْقِ، و(لَوْ) هَذِهِ لِلتَّمَنِّي. أتُهْلِكُنا بِعَذابِ الحِجابِ والحِرْمانِ؛ بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِن عِبادَةِ العِجْلِ. إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ لا مَدْخَلَ فِيها لِغَيْرِكَ، وهَذا مُقْتَضى مَقامِ تَجَلِّي الأفْعالِ، فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَ صِفاتِنا وذَواتِنا كَما غَفَرْتَ ذُنُوبَ أفْعالِنا، وارْحَمْنا بِإفاضَةِ أنْوارِ شُهُودِكَ ورَفْعِ حِجابِ الإنِّيَّةِ بِوُجُودِكَ، واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وهي حَسَنَةُ الِاسْتِقامَةِ بِالبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً المُشاهَدَةَ، والكَلامُ في بَقِيَّةِ الكَلامِ لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ.

خَلا أنَّ بَعْضَهم أوَّلَ العَذابَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ بِعَذابِ الشَّوْقِ المَخْصُوصِ الَّذِي يُصِيبُ أهْلَ العِنايَةِ مِنَ الخَواصِّ وهو الرَّحْمَةُ الَّتِي لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها ولا يُقَدَّرُ قَدْرُها، وإنَّها لَأعَزُّ مِنَ الكِبْرِيتِ الأحْمَرِ، وأهْلُ الظّاهِرِ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، والقَوْمُ يَقُولُونَ: نَراهُ قَرِيبًا، وقالُوا: الأُمِّيُّ نِسْبَةً إلى الأُمِّ لَكِنْ عَلى حَدِّ أحْمَرِيٍّ، وقِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أُمُّ المَوْجُوداتِ وأصْلُ المَكْنُوناتِ، واخْتِيرَ هَذا اللَّفْظُ لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى الرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ وهو الَّذِي جاءَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، وإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَأشْفَقُ عَلى الخَلْقِ مِنَ الأُمِّ بِوَلَدِها؛ إذْ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الحَظُّ الأوْفَرُ مِنَ التَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى، وهو سُبْحانُهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، وذَكَرُوا أنَّ أتْباعَهُ مِن حَيْثُ النُّبُوَّةُ الخَواصُّ، ومِن حَيْثُ الأُمِّيَّةُ خَواصُّ الخَواصِّ، ومِن حَيْثُ الرِّسالَةُ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ كُلُّهم والعَوامُّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لِاتِّباعِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سائِرِ شُؤُونِهِ.

7:160Page 171

وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗاۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡغَمَٰمَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١٦٠

And We divided them into twelve descendant tribes1 [as distinct] nations. And We inspired to Moses when his people implored him for water, "Strike with your staff the stone," and there gushed forth from it twelve springs. Every people [i.e., tribe] knew its watering place. And We shaded them with clouds and sent down upon them manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not, but they were [only] wronging themselves.

﴿وقَطَّعْناهُمُ﴾ أيْ: قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا الأُمَّةَ المَذْكُورَةَ كَما يُوهِمُهُ القُرْبُ (وقَطَّعَ) يُقْرَأُ مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا، والأوَّلُ هو المُتَواتِرُ، ويَتَعَدّى لِواحِدٍ، وقَدْ يُضَمَّنُ مَعْنى صَيَّرَ، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ حالٌ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ، أيْ: فَرَّقْناهم مَعْدُودِينَ بِهَذا العَدَدِ، أوْ صَيَّرْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً يَتَمَيَّزُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أسْباطًا﴾ كَما قالَ ابْنُ الحاجِبِ في شَرْحِ المُفَصَّلِ بَدَلٌ مِنَ العَدَدِ لا تَمْيِيزَ لَهُ، وإلّا لَكانُوا سِتَّةً وثَلاثِينَ، وعَلَيْهِ فالتَّمْيِيزُ مَحْذُوفٌ أيْ: فِرْقَةً أوْ نَحْوَهُ، قالَ الحُوفِيُّ: إنَّ صِفَةَ التَّمْيِيزِ أُقِيمَتْ مَقامَهُ، والأصْلُ: فِرْقَةً أسْباطًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا لِأنَّهُ مُفْرَدٌ تَأْوِيلًا، فَقَدْ ذَكَرُوا أنَّ السِّبْطَ مُفْرَدًا ولَدُ الوَلَدِ، أوْ ولَدُ البِنْتِ أوِ الوَلَدِ، أوِ القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، أقْوالٌ ذَكَرَها ابْنُ الأثِيرِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ جَماعَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كالقَبِيلَةِ في العَرَبِ، ولَعَلَّهُ تَسْمِيَةٌ لَهم بِاسْمِ أصْلِهِمْ كَتَمِيمٍ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنهم أسْباطٌ أيْضًا كَما غَلَبَ الأنْصارُ عَلى جَمْعٍ مَخْصُوصٍ فَهو حِينَئِذٍ بِمَعْنى الحَيِّ والقَبِيلَةِ، فَلِهَذا وقَعَ مَوْقِعَ المُفْرَدِ في التَّمْيِيزِ، وهَذا كَما ثَنّى الجَمْعَ في قَوْلِ أبِي النَّجْمِ يَصِفُ رَمْكَةً تَعَوَّدَتِ الحَرْبَ:

تَبَقَّلَتْ في أوَّلِ التَّبَقُّلِ بَيْنَ رِماحَيْ مالِكٍ ونَهْشَلِ

وتَأْنِيثُ اثْنَتَيْ مَعَ أنَّ المَعْدُودَ مُذَكَّرٌ وما قَبْلَ الثَّلاثَةِ يَجْرِي عَلى أصْلِ التَّأْنِيثِ والتَّذْكِيرِ لِتَأْوِيلِ ذَلِكَ بِمُؤَنَّثٍ وهو ظاهِرٌ مِمّا قَرَّرْنا، وقَرَأ الأعْمَشُ وغَيْرُهُ (عَشِرَةَ) بِكَسْرِ الشِّينِ ورُوِيَ عَنْهُ فَتْحُها أيْضًا، والكَسْرُ لُغَةُ تَمِيمٍ، والسُّكُونُ لُغَةُ الحِجازِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أُمَمًا﴾ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لا مِن أسْباطٍ عَلى تَقْدِيرِ أنْ

صفحة 88

يَكُونَ بَدَلًا؛ لِأنَّهُ لا يُبْدَلُ مِنَ البَدَلِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلًا مِنهُ إذا لَمْ يَكُنْ بَدَلًا ونَعْتًا إنْ كانَ كَذَلِكَ أوْ لَمْ يَكُنْ.

﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾ حِينَ اسْتَوْلى عَلَيْهِ العَطَشُ في التِّيهِ: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ الإيحاءِ (فَأنْ) بِمَعْنى أيْ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَها مَصْدَرِيَّةً.

﴿فانْبَجَسَتْ﴾ أيِ انْفَجَرَتْ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الِانْبِجاسَ خُرُوجُ الماءِ بِقِلَّةٍ، والِانْفِجارَ خُرُوجُهُ بِكَثْرَةٍ، والتَّعْبِيرُ بِهَذا تارَةً وبِالأُخْرى أُخْرى بِاعْتِبارِ أوَّلِ الخُرُوجِ وما انْتَهى إلَيْهِ، والعَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: فَضَرَبَ فانْبَجَسَتْ، وحُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الإلْباسِ، ولِلْإشارَةِ إلى سُرْعَةِ الِامْتِثالِ حَتّى كَأنَّ الإيحاءَ وضَرْبَهُ أمْرٌ واحِدٌ، وأنَّ الِانْبِجاسَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى حَتّى كَأنَّ فِعْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا دَخْلَ فِيهِ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ هَذِهِ الفاءَ عَلى ما قُرِّرَ فَصِيحَةٌ، وبَعْضُهم يُقَدِّرُ شَرْطًا في الكَلامِ فَإذا ضَرَبْتَ فَقَدِ انْبَجَسَتْ ﴿مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾، وهو غَيْرُ لائِقٍ بِالنَّظْمِ الجَلِيلِ.

﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾ أيْ: سِبْطٌ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِكَثْرَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأسْباطِ، وأُناسٌ إمّا جَمْعٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ، وذَكَرَ السَّعْدُ أنَّ أهْلَ اللُّغَةِ يُسَمُّونَ اسْمَ الجَمْعِ جَمْعًا، و(عَلِمَ) بِمَعْنى عَرَفَ، النّاصِبِ مَفْعُولًا واحِدًا أيْ: قَدْ عَرَفَ.

﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ أيْ: عَيْنَهُمُ الخاصَّةَ بِهِمْ، ووَجْهُ الجَمْعِ ظاهِرٌ.

﴿وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ بِحَيْثُ يُلْقِي عَلَيْهِمْ ظِلَّهُ لِيَقِيَهم مِن حَرِّ الشَّمْسِ، وكانَ يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ ويَسْكُنُ بِإقامَتِهِمْ.

﴿وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ أيِ التَّرَنْجَبِينَ والسُّمانى، فَكانَ الواحِدُ مِنهم يَأْخُذُ ما يَكْفِيهِ مِن ذَلِكَ.

﴿كُلُوا﴾ أيْ: قُلْنا، أوْ قائِلِينَ لَهُمْ: كُلُوا.

﴿مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ: مُسْتَلَذّاتِهُ، و(ما) مَوْصُولَةٌ كانَتْ أوْ مَوْصُوفَةً، عِبارَةٌ عَنِ المَنِّ والسَّلْوى.

﴿وما ظَلَمُونا﴾ عُطِفَ عَلى مَحْذُوفٍ لِلْإيجازِ والإشْعارِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ. أيْ: فَظَلَمُوا بِأنْ كَفَرُوا بِهَذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ.

﴿وما ظَلَمُونا﴾ بِذَلِكَ.

﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِالكُفْرِ إذْ لا يَتَخَطّاهم ضَرَرُهُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِإفادَةِ القَصْرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّفْيُ السّابِقُ، وفي الكَلامِ مِنَ التَّهَكُّمِ والإشارَةِ إلى تَمادِيهِمْ عَلى ما فِيهِمْ ما لا يَخْفى.

7:161Page 171

وَإِذۡ قِيلَ لَهُمُ ٱسۡكُنُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ وَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ وَقُولُواْ حِطَّةٞ وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطِيٓـَٰٔتِكُمۡۚ سَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٦١

And [mention, O Muḥammad], when it was said to them, "Dwell in this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins],' and enter the gate bowing humbly; We will [then] forgive you your sins. We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ مَعْمُولٌ لِ اذْكُرُوا، وإيرادُ الفِعْلِ هُنا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ مَعَ الإيذانِ بِأنَّ الفاعِلَ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ، أيِ اذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِنا لِأسْلافِهِمُ ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ القَرِيبَةَ مِنكم وهي بَيْتُ المَقْدِسِ أوْ أرِيحا، والنَّصْبُ مَبْنِيٌّ عَلى المَفْعُولِيَّةِ كَ سَكَنْتُ الدّارَ، أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ اتِّساعًا، والتَّعْبِيرُ بِالسُّكْنى هُنا لِلْإيذانِ بِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ في البَقَرَةِ الدُّخُولُ بِقَصْدِ الإقامَةِ، أيْ: أقِيمُوا في هَذِهِ القَرْيَةِ.

﴿وكُلُوا مِنها﴾ أيْ: مَطاعِمِها وثِمارِها أوْ مِنها نَفْسِها، عَلى أنَّ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ.

﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أيْ: مِن نَواحِيها مِن غَيْرِ أنْ يُزاحِمَكم أحَدٌ، وجِيءَ بِالواوِ هُنا وبِالفاءِ في البَقَرَةِ؛ لِأنَّهُ قِيلَ هُناكَ: ادْخُلُوا فَحَسُنَ ذِكْرُ التَّعْقِيبِ مَعَهُ، وهُنا: اسْكُنُوا والسُّكْنى أمْرٌ مُمْتَدٌّ، والأكْلُ مَعَهُ لا بَعْدَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ إذا تَفَرَّعَ المُسَبَّبُ عَنِ السَّبَبِ اجْتَمَعا في الوُجُودِ فَيَصِحُّ الإتْيانُ بِالواوِ والفاءِ، وفِيهِ أنَّ هَذا إنَّما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ العِبارَتَيْنِ ولَيْسَ السُّؤالُ عَنْ ذَلِكَ، وذَكَرَ ﴿رَغَدًا﴾ هُناكَ لِأنَّ الأكْلَ في أوَّلِ الدُّخُولِ يَكُونُ ألَذَّ وبَعْدَ السُّكْنى، واعْتِبارُهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ.

صفحة 89

وقِيلَ: إنَّهُ اكْتَفى بِالتَّعْبِيرِ بِ اسْكُنُوا عَنْ ذِكْرِهِ؛ لِأنَّ الأكْلَ المُسْتَمِرَّ مِن غَيْرِ مُزاحِمٍ لا يَكُونُ إلّا رَغَدًا واسِعًا، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ صاحِبُ اللُّبابِ، ويَرِدُ عَلى القَوْلَيْنِ أنَّهُ ذَكَرَ (رَغَدًا) مَعَ الأمْرِ بِالسُّكْنى في قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَعَلَّ الأمْرَ في ذَلِكَ سَهْلٌ.

﴿وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ في البَقَرَةِ غَيْرَ أنَّ ما فِيها عَكْسُ ما هُنا في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ هو الجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُما، وقالَ القُطْبُ: فائِدَةُ الِاخْتِلافِ التَّنْبِيهُ عَلى حُسْنِ تَقْدِيمِ كُلٍّ مِنَ المَذْكُورَيْنِ عَلى الآخَرِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنهُما تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعالى وإظْهارَ الخُشُوعِ والخُضُوعِ لَمْ يَتَفاوَتِ الحالُ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ.

﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ﴾ جُزِمَ في جَوابِ الأمْرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ: (تُغْفَرْ) بِالتّاءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، و(خَطِيئاتُكُمْ) بِالرَّفْعِ والجَمْعِ غَيْرَ ابْنِ عامِرٍ فَإنَّهُ وحَّدَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: (خَطاياكُمْ) كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ، وبَيَّنَ القُطْبُ فائِدَةَ الِاخْتِلافِ بَيْنَ ما هُناكَ وبَيْنَ ما هُنا عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ بِأنَّها الإشارَةُ إلى أنَّ هَذِهِ الذُّنُوبَ سَواءٌ كانَتْ قَلِيلَةً أوْ كَثِيرَةً فَهي مَغْفُورَةٌ بَعْدَ الإتْيانِ بِالمَأْمُورِ بِهِ، وطَرْحُ الواوِ هُنا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ تَفَضُّلٌ مَحْضٌ لَيْسَ في مُقابَلَةِ ما أُمِرُوا بِهِ كَما قِيلَ.

والمُرادُ أنَّ امْتِثالَهم جازاهُ اللَّهُ تَعالى بِالغُفْرانِ، وزادَ عَلَيْهِ، وتِلْكَ الزِّيادَةُ فَضْلٌ مَحْضٌ مِنهُ تَعالى؛ فَقَدْ يَدْخُلُ في الجَزاءِ صُورَةٌ لِتَرَتُّبِهِ عَلى فِعْلِهِمْ، وقَدْ يَخْرُجُ عَنْهُ لِأنَّهُ زِيادَةٌ عَلى ما اسْتَحَقُّوهُ، ولِذا قُرِنَ بِالسِّينِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ وعْدٌ وتَفَضُّلٌ، ومَفْعُولُ نَزِيدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ثَوابًا وزِيادَةً مِنهم في قَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ:

7:162Page 171

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٦٢

But those who wronged among them changed [the words] to a statement other than that which had been said to them. So We sent upon them a punishment from the sky for the wrong that they were doing.

﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ لِزِيادَةِ البَيانِ أيْ: بَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ بِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ حَيْثُ أعْرَضُوا عَنْهُ ووَضَعُوا مَوْضِعَهُ ﴿قَوْلا﴾ آخَرَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ؛ ﴿غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ وأُمِرُوا بِقَوْلِهِ، و(غَيْرَ) نَعْتٌ لِلْقَوْلِ وصَرَّحَ بِالمُغايَرَةِ مَعَ دَلالَةِ التَّبْدِيلِ عَلَيْها تَحْقِيقًا لِلْمُخالَفَةِ وتَنْصِيصًا عَلى المُغايَرَةِ مِن كُلِّ وجْهٍ.

﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ أثَرَ ما فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ.

﴿رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ عَذابًا كائِنًا مِنها وهو الطّاعُونُ في رِوايَةٍ.

﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ المُسْتَمِرِّ السّابِقِ واللّاحِقِ، وهَذا بِمَعْنى ما في البَقَرَةِ لِأنَّ ضَمِيرَ عَلَيْهِمْ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا والإرْسالُ مِن فَوْقٍ إنْزالٌ، والتَّصْرِيحُ بِهَذا التَّعْلِيلِ لِما أنَّ الحُكْمَ هاهُنا مُرَتَّبٌ عَلى المُضْمَرِ دُونَ المَوْصُولِ بِالظُّلْمِ كَما في البَقَرَةِ، وأمّا التَّعْلِيلُ بِالفِسْقِ بَعْدَ الإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الظُّلْمِ هُناكَ فَلِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ فِسْقٌ وخُرُوجٌ عَنِ الطّاعَةِ وغُلُوٌّ في الظُّلْمِ، وأنَّ تَعْذِيبَهم بِجَمِيعِ ما ارْتَكَبُوا مِنَ القَبائِحِ كَما قِيلَ.

وقالَ القُطْبُ في وجْهِ المُغايَرَةِ: إنَّ الإرْسالَ مُشْعِرٌ بِالكَثْرَةِ بِخِلافِ الإنْزالِ فَكَأنَّهُ أنْزَلَ العَذابَ القَلِيلَ ثُمَّ جُعِلَ كَثِيرًا، وإنَّ الفائِدَةَ في ذِكْرِ الظُّلْمِ والفِسْقِ في المَوْضِعَيْنِ الدَّلالَةُ عَلى حُصُولِهِما فِيهِمْ مَعًا، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ في وُجُوهِ المُغايَرَةِ بَيْنَ آيَةِ البَقَرَةِ وهَذِهِ الآيَةِ ما يَنْفَعُكَ تَذَكُّرُهُ فَتَذَكَّرْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском