Al-AlusiAl‑A'raf · 7:168–171

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:168–171

7:168Page 172

وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٦٨

And We divided them throughout the earth into nations. Of them some were righteous, and of them some were otherwise. And We tested them with good [times] and bad that perhaps they would return [to obedience].

﴿وقَطَّعْناهُمْ﴾ أيْ: فَرَّقْنا بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ صَيَّرْناهم ﴿فِي الأرْضِ﴾، وجَعَلْنا كُلَّ فِرْقَةٍ مِنهم في قُطْرٍ مِن أقْطارِها بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْلُو قُطْرٌ مِنهم تَكْمِلَةً لِأدْبارِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ لَهم شَوْكَةٌ، وهَذا مِن مُغَيَّباتِ القُرْآنِ؛ كالَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ قَبْلُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أُمَمًا﴾ إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَطَّعْنا وإمّا حالٌ مِن مَفْعُولِهِ.

﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ وهم كَما قالَ الطَّبَرِيُّ: مَن آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ وثَبَتَ عَلى دِينِهِ قَبْلَ بَعْثِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ أدْرَكُوا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وآمَنُوا بِهِ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ وراءَ الصِّينِ، وهو عِنْدِي وراءَ الصِّينِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والصّالِحُونَ مُبْتَدَأٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِلظَّرْفِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ صِفَةٌ لِأُمَمٍ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ وهي بَدَلٌ مِن أُمَمٍ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي، وأنْ تَكُونَ صِفَةَ مَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ هو البَدَلُ عَلى الأوَّلِ، أيْ: قَوْمًا مِنهُمُ الصّالِحُونَ ﴿ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ: مُنْحَطُّونَ عَنْ أُولَئِكَ الصّالِحِينَ غَيْرُ بالِغِينَ مَنزِلَتَهم في الصَّلاحِ وهُمُ الَّذِينَ امْتَثَلُوا بَعْضَ الأوامِرِ وخالَفُوا بَعْضًا مَعَ كَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هُمُ الكَفَرَةُ مِنهم بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّلاحِ الإيمانُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ ما يَشْمَلُ الكَفَرَةَ والفَسَقَةَ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و(دُونَ) عَلى ما ذَكَرَهُ الطَّبَرْسِيُّ مُبْتَدَأٌ إلّا أنَّهُ بَقِيَ مَفْتُوحًا لِتَمَكُّنِهِ في الظَّرْفِيَّةِ مَعَ إضافَتِهِ إلى المَبْنِيِّ، ومِثْلُهُ عَلى قَوْلِ أبِي الحَسَنِ (بَيْنَكُمْ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ أوِ المُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ والظَّرْفُ صِفَتُهُ؛ أيْ: ومِنهم أُناسٌ أوْ فِرْقَةٌ دُونَ ذَلِكَ، ومِنَ المَشْهُورِ عِنْدَ النُّحاةِ أنَّ المَوْصُوفَ بِظَرْفٍ أوْ جُمْلَةٍ يَطَّرِدُ حَذْفُهُ إذا كانَ بَعْضَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِمِن أوْ في مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ كَما فِي: مِنّا أقامَ ومِنّا ظَعَنَ، ومَحَطُّ الفائِدَةِ الِانْقِسامُ إلى أنَّ هَؤُلاءِ مُنْقَسِمُونَ إلى قِسْمَيْنِ، ومِنَ النّاسِ مَن تَكَلَّفَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِجَعْلِ الظَّرْفِ الأوَّلِ صِفَةَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وجَعَلَ الظَّرْفَ الثّانِيَ خَبَرًا لِما ظَنَّهُ داعِيًا لِذَلِكَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والإشارَةُ لِلصّالِحِينَ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ اسْمَ الإشارَةِ المُفْرَدَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُثَنّى والمَجْمُوعِ، وقَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، وقِيلَ: أُشِيرَ بِهِ إلى الصَّلاحِ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الأفْرادِ ويُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مُضافٌ وهو أهْلٌ مَثَلًا.

﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ﴾ الخِصْبِ والعافِيَةِ، ﴿والسَّيِّئاتِ﴾ الجَدْبِ والشِّدَّةِ.

﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: يَتُوبُونَ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِمّا نُهُوا عَنْهُ.

7:169Page 172

فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦٩

And there followed them successors who inherited the Scripture [while] taking the commodities1 of this lower life and saying, "It will be forgiven for us." And if an offer like it2 comes to them, they will [again] take it. Was not the covenant of the Scripture [i.e., the Torah] taken from them that they would not say about Allāh except the truth, and they studied what was in it? And the home of the Hereafter is better for those who fear Allāh, so will you not use reason?

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيِ: المَذْكُورِينَ، وقِيلَ:

صفحة 96

الصّالِحِينَ.

﴿خَلْفٌ﴾ أيْ: بَدَلُ سُوءٍ، مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ. ولِذَلِكَ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، وقِيلَ: هو اسْمُ جَمْعٍ وهو مُرادُ مَن قالَ: إنَّهُ جَمْعٌ وهو شائِعٌ في الشَّرِّ، ومِنهُ سَكَتَ ألْفًا ونَطَقَ خَلْفًا، والخَلَفَ بِفَتْحِ اللّامِ في الخَيْرِ، وادَّعى بَعْضُهُمُ الوَضْعَ لِذَلِكَ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى، وهُوَ: مَن يَخْلُفُ غَيْرَهُ صالِحًا كانَ أوْ طالِحًا، ومِن مَجِيءِ السّاكِنِ في المَدْحِ قَوْلُ حَسّانَ:

لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفَنا لَأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ

ومِن مَجِيءِ المُتَحَرِّكِ في الذَّمِّ قَوْلُ لَبِيدٍ:

ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ ∗∗∗ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ

وعَنِ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ يَجُوزُ التَّحْرِيكُ والسُّكُونُ في الرَّدِيِّ، وأمّا الجَيِّدُ فَبِالتَّحْرِيكِ فَقَطْ، ووافَقَهم أهْلُ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ وأبا عُبَيْدَةَ، واشْتِقاقُهُ إمّا مِنَ الخِلافَةِ أوْ مِنَ الخُلُوفِ وهو الفَسادُ والتَّغَيُّرُ، ومِنهُ خُلُوفُ فَمِ الصّائِمِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: الخَلْفُ بِالسُّكُونِ الأوْلادُ الواحِدُ والجَمْعُ فِيهِ سَواءٌ، والخَلَفُ بِالفَتْحِ البَدَلُ ولَدًا كانَ أوْ غَرِيبًا، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَؤُلاءِ الخَلْفِ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحِينَئِذٍ لا يَصِحُّ تَفْسِيرُ الصّالِحِينَ بِمَن آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والظّاهِرُ أنَّهم مِنَ اليَهُودِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُمُ النَّصارى ولَيْسَ بِذاكَ.

﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ، والوِراثَةُ مَجازٌ عَنْ كَوْنِها في أيْدِيهِمْ، وكَوْنِهِمْ واقِفِينَ عَلى ما فِيها بَعْدَ أسْلافِهِمْ.

وقَرَأ الحَسَنُ: (وُرِّثُوا) بِالضَّمِّ والتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والجُمْلَةُ عَلى القِراءَتَيْنِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِخَلْفٍ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما يَصْنَعُونَ بِالكِتابِ بَعْدَ وِراثَتِهِمْ إيّاهُ، وقالَ أبُو البَقاءِ:

حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ورَثُوا، واسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ، ويَكْفِي مُقارَنَتُهُ لِبَعْضِ زَمانِ الوِراثَةِ لِامْتِدادِهِ، والعَرَضُ ما لا ثَباتَ لَهُ، ومِنهُ اسْتَعارَ المُتَكَلِّمُونَ العَرَضَ لِمُقابِلِ الجَوْهَرِ. وفي النِّهايَةِ: العَرَضُ بِالفَتْحِ مَتاعُ الدُّنْيا وحُطامُها، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو غَيْرُ النَّقْدَيْنِ مِن مَتاعِها وبِالسُّكُونِ المالُ والقَيِّمُ، و(الأدْنى) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أيِ: الشَّيْءُ الأدْنى، والمُرادُ بِهِ الدُّنْيا وهو مِنَ الدُّنُوِّ لِلْقُرْبِ بِالنِّسْبَةِ إلى الآخِرَةِ، وكَوْنُها مِنَ الدَّناءَةِ خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ ظاهِرًا فِيها لِأنَّهُ مَهْمُوزٌ، والمُرادُ بِهَذا العَرَضِ ما يَأْخُذُونَهُ مِنَ الرِّشا في الحُكُوماتِ وعَلى تَحْرِيفِ الكَلامِ.

﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ ولا يُؤاخِذُنا اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ ويَتَجاوَزُ عَنّا، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها، واحْتِمالُ الحالِيَّةِ يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مِن غَيْرِ حاجَةٍ ظاهِرَةٍ، والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ يَأْخُذُونَ.

﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، قِيلَ: مِن ضَمِيرِ يَقُولُونَ، والقَوْلُ بِمَعْنى الِاعْتِقادِ، أيْ: يَرْجُونَ المَغْفِرَةَ وهم مُصِرُّونَ عَلى الذَّنْبِ عائِدُونَ إلى مِثْلِهِ غَيْرُ تائِبِينَ عَنْهُ، وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ لَنا، والمَعْنى عَلى ذَلِكَ، والأوَّلُ أظْهَرُ، والقَوْلُ بِأنَّ تَقْيِيدَ القَوْلِ بِذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ تَقْيِيدَ المَغْفِرَةِ بِهِ والمَطْلُوبُ الثّانِي، والثّانِي مُتَكَفِّلٌ بِهِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.

واخْتارَ الحَلَبِيُّ والسَّفاقِسِيُّ أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ لا لِأنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تَقَعُ حالًا إذْ وُقُوعُها مِمّا لا شَكَّ في صِحَّتِهِ، بَلْ لِأنَّ في القَوْلِ بِالحالِيَّةِ نَزْغَةً اعْتِزالِيَّةً، ولا يَخْفى أنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ كَذَلِكَ إلّا أنَّ الحالِيَّةَ أبْلَغُ لِأنَّ رَجاءَهُمُ المَغْفِرَةَ في حالٍ يُضادُّها أوْفَقُ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ فافْهَمْ.

﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أيِ: المِيثاقُ المَذْكُورُ

صفحة 97

فِي التَّوْراةِ: فالإضافَةُ عَلى مَعْنى في. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اخْتِصاصِيَّةً عَلى مَعْنى اللّامِ، ويَؤُولُ المَعْنى إلى ما ذَكَرَهُ، و(ال) في الكِتابِ لِلْعَهْدِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلْمِيثاقِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمِيثاقٍ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: بِأنْ لا يَقُولُوا، وجُوِّزَ في (أنْ) أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِمِيثاقٍ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى القَوْلِ، وفي (لا) أنْ تَكُونَ ناهِيَةً، وأنْ تَكُونَ نافِيَةً، واعْتِبارُ كُلٍّ مَعَ ما يَصِحُّ مَعَهُ مُفَوَّضٌ إلى ذِهْنِكَ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ تَوْبِيخُ أُولَئِكَ الوَرَثَةِ عَلى بَتِّهِمُ القَوْلَ بِالمَغْفِرَةِ مَعَ إصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم وُبِّخُّوا عَلى إيجابِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى غُفْرانَ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي لا يَزالُونَ يَعُودُونَ إلَيْها ولا يَتُوبُونَ مِنها، وجاءَ البَتُّ مِنَ السِّينِ؛ فَإنَّها لِلتَّأْكِيدِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ، وقَدْ عَرَّضَ الزَّمَخْشَرِيُّ -عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ- في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِأهْلِ السُّنَّةِ، وزَعَمَ أنَّ مَذْهَبَهم هو مَذْهَبُ اليَهُودِ بِعَيْنِهِ حَيْثُ جَوَّزُوا غُفْرانَ الذَّنْبِ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، ونَقَلَ عَنِ التَّوْراةِ: مَنِ ارْتَكَبَ ذَنْبًا عَظِيمًا فَإنَّهُ لا يُغْفَرُ لَهُ بِالتَّوْبَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اليَهُودَ أكَّدُوا القَوْلَ بِالغُفْرانِ، وأهْلُ السُّنَّةِ لا يَجْزِمُونَ في المُطِيعِ بِالغُفْرانِ فَضْلًا عَنِ العاصِي بِما هو حَقُّ اللَّهِ تَعالى فَضْلًا عَمَّنْ عَصاهُ سُبْحانَهُ فِيما هو مِن حُقُوقِ العِبادِ، فالمُوجِبُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى وإنْ كانَ بِالنِّسْبَةِ إلى التّائِبِ أقْرَبُ إلَيْهِمْ فَهَلْ ما ادَّعاهُ إلّا مِن قَبِيلِ ما جاءَ في المَثَلِ: رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ. وما نَقَلَهُ عَنِ التَّوْراةِ إنْ كانَ اسْتِنْباطًا مِنَ الآيَةِ فَلا تَدُلُّ عَلى ما في الكَشْفِ إلّا عَلى تَحْرِيفِهِمْ ما في التَّوْراةِ مِن نَعْتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وآيَةُ الرَّجْمِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِن تَسْهِيلاتِهِمْ عَلى الخاصَّةِ، وتَخْفِيفاتُهم عَلى العامَّةِ يَأْخُذُونَ الرِّشا بِذَلِكَ، والتَّقَوُّلُ عَلى اللَّهِ عَظِيمَةٌ وإنْ كانَ قَدْ قَرَأ التَّوْراةَ الَّتِي لَمْ تُحَرَّفْ وأنَّها هي تُعِينُ الحَمْلَ عَلى الشِّرْكِ بِقَواطِعَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى الكَرِيمِ أوْ يَكُونُ ذَلِكَ لَهم وهَذا لِهَذِهِ الأُمَّةِ المَرْحُومَةِ خاصَّةً، وقَدْ سَلَّمَ هو نَحْوًا مِنهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ وقَدْ أطْبَقَ أهْلُ السُّنَّةِ عَلى ذَمِّ المُتَمَنِّي عَلى اللَّهِ.

ورَوَوْا عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ»».

ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ القَوْمَ ذُمُّوا بِأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ واتِّباعِ أنْفُسِهِمْ هَواها وتَمَنِّيهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، ووُبِّخُوا عَلى افْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ في الأحْكامِ الَّتِي غَيَّرُوها وأخَذُوا عَرَضَ هَذا الأدْنى عَلى تَغْيِيرِها فَكَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ المَذْكُورُ في كِتابِهِمْ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ تَعالى في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا الحَقَّ الَّذِي تَضَمَّنُهُ الكِتابُ فَلِمَ حَكَمُوا بِخِلافِهِ وقالُوا: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا؟ وفِيهِ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ مُخالَفَةٌ لِلظّاهِرِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (أنْ لا تَقُولُوا) بِالخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ.

﴿ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ أيْ: قَرَؤُوهُ فَهم ذاكِرُونَ لِذَلِكَ، وهو عَطْفٌ عَلى: ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ﴾ مِن حَيْثُ المَعْنى وإنِ اخْتَلَفا خَبَرًا وإنْشاءً؛ إذِ المَعْنى: أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ ودَرَسُوا ... إلَخْ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ عَطْفًا عَلى: (لَمْ يُؤْخَذْ)، والِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ داخِلٌ عَلَيْهِما وهو خِلافُ الظّاهِرِ أوْ عَلى: ورِثُوا، وتَكُونُ جُمْلَةُ: (ألَمْ يُؤْخَذْ) مُعْتَرِضَةً وما قَبْلَها حالِيَّةً أوْ يَكُونُ المَجْمُوعُ اعْتِراضًا كَما قِيلَ، ولا مانِعَ مِنهُ خَلا أنَّ الطَّبَرْسِيَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ تَفْسِيرَ دَرَسُوا عَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ العَطْفِ بِ تَرَكُوا وضَيَّعُوا وفِيهِ بُعْدٌ.

وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَقُولُوا بِإضْمارِ قَدْ أيْ: أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ بِأنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ كِتابُهم في حالِ دِراسَتِهِمْ ما فِيهِ وتَذَكُّرِهِمْ لَهُ وهو كَما تَرى. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (ادّارَسُوا) بِتَشْدِيدِ الدّالِ وألِفٍ بَعْدَها، وأصْلُهُ تَدارَسُوا، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ، واجْتُلِبَتْ لَها هَمْزَةُ الوَصْلِ.

صفحة 98

﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ اللَّهَ تَعالى ويَخافُونَ عِقابَهُ فَلا يَفْعَلُونَ ما فَعَلَ هَؤُلاءِ.

﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعَلَّمُوا ذَلِكَ ولا تَسْتَبْدِلُوا الأدْنى المُؤَدِّيَ إلى العَذابِ بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ، وهو خِطابٌ لِأُولَئِكَ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ الآخِذِينَ لِعَرَضِ هَذا الأدْنى، وفي الِالتِفاتِ تَشْدِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا التِفاتَ فِيهِ.

وقَرَأ جَمْعٌ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ وبِالتّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ ذَكْوانَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وسَهْلٌ، ويَعْقُوبُ، وحَفْصٌ. وهَذِهِ الآيَةُ ظاهِرَةٌ في التَّوْبِيخِ عَلى الأخْذِ، وجَعَلَ بَعْضُهم قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخْ تَوْبِيخًا عَلى ذَلِكَ القَوْلِ في الآيَةِ ما هو مِن قَبِيلِ ما فِيهِ اللَّفُّ والنَّشْرُ.

7:170Page 172

وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٧٠

But those who hold fast to the Book [i.e., the Qur’ān] and establish prayer - indeed, We will not allow to be lost the reward of the reformers.

﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ﴾ أيْ: يَتَمَسَّكُونَ بِهِ في أُمُورِ دِينِهِمْ يُقالُ:

مَسَّكَ بِالشَّيْءِ وتَمَسَّكَ بِهِ بِمَعْنًى، قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ تَمَسَّكُوا بِالكِتابِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يُحَرِّفُوهُ ولَمْ يَكْتُمُوهُ ولَمْ يَتَّخِذُوهُ مَأْكَلَةً، وقالَ عَطاءٌ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ مِنَ الكِتابِ القُرْآنُ الجَلِيلُ الشَّأْنِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ: (يُمْسِكُونَ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإمْساكِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: (اسْتَمْسَكُوا)، وأُبَيٌّ: (مَسَكُوا) وفي ذَلِكَ مُوافَقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ ولَعَلَّ التَّغْيِيرَ في المَشْهُورِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّمَسُّكَ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ بِخِلافِ الإقامَةِ فَإنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالأوْقاتِ المَخْصُوصَةِ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ العِباداتِ مَعَ دُخُولِها بِالتَّمَسُّكِ بِالكِتابِ لِإنافَتِها عَلَيْها؛ لِأنَّها عِمادُ الدِّينِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ إمّا الجَرُّ عَطْفًا عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، والِاعْتِراضُ قَدْ يُقْرَنُ بِالفاءِ كَقَوْلِهِ:

فاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قُدِرا

وإمّا الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ والرّابِطُ إمّا الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ كَما هو رَأْيُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ أيْ: أجْرَ المُصْلِحِينَ مِنهُمْ، وإمّا الألِفُ واللّامُ كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ فَإنَّها كالعِوَضِ عَنِ الضَّمِيرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُصْلِحِيهِمْ، وأمّا العُمُومُ في المُصْلِحِينَ فَإنَّهُ عَلى المَشْهُورِ مِنَ الرَّوابِطِ، ومِنهُ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ عَلى أحَدِ الأوْجُهِ، أوْ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بِناءً عَلى أنَّ الأصْلَ: لا نُضِيعُ أجْرَهُمْ، إلّا أنَّهُ غُيِّرَ لِما ذُكِرَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الصَّلاحَ كالمانِعِ مِنَ التَّضْيِيعِ؛ لِأنَّ التَّعْلِيقَ بِالمُشْتَقِّ يُفِيدُ عِلِّيَّةَ مَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا نُضِيعُ أجْرَهم لِصَلاحِهِمْ.

وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ مَأْجُورُونَ أوْ مُثابُونَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ﴾ إلَخْ حِينَئِذٍ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.

7:171Page 173

۞ وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُۥ وَاقِعُۢ بِهِمۡ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧١

And [mention] when We raised the mountain above them as if it was a dark cloud and they were certain that it would fall upon them,1 [and Allāh said], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that you might fear Allāh."

﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ عُطِفَ عَلى ما قَبْلُ بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ، والنَّتْقُ الرَّفْعُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الأعْرابِيِّ، وعَنْ مُسْلِمٍ أنَّهُ الجَذْبُ، ومِنهُ نَتَقْتُ الغَرْبَ مِنَ البِئْرِ، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ القَلْعُ، وما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ وعَلى القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ يُضَمَّنُ مَعْنى الرَّفْعِ لِيَتَطابَقَ الآيَتانِ، والمُرادُ بِالجَبَلِ الطَّوْرُ أوْ جَبَلٌ غَيْرُهُ، وكانَ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ كَمُعَسْكَرِ القَوْمِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَوَقَّفُوا عَنْ أخْذِ التَّوْراةِ وقَبُولِها إذْ جاءَتْهم جُمْلَةً مُشْتَمِلَةً عَلى ما يَسْتَثْقِلُونَهُ فَقَلَعَهُ مِن أصْلِهِ ورَفَعَهُ عَلَيْهِمْ ﴿كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ أيْ: غَمامَةٌ أوْ سَقِيفَةٌ، وفُسِّرَتْ بِذَلِكَ مَعَ أنَّها كُلُّ ما عَلا وأظَلَّ لِأجْلِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ؛ إذْ لَوْلاهُ لَمْ يَكُنْ لِدُخُولِهِ وجْهٌ و(فَوْقَ) ظَرْفٌ لِ نَتَقْنا أوْ حالٌ

صفحة 99

مِنَ الجَبَلِ مُخَصِّصَةٌ عَلى ما قِيلَ لِلرَّفْعِ بِبَعْضِ جِهاتِ العُلُوِّ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ بَعْدُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا، أيْ: مُشابِهًا ذَلِكَ، ﴿وظَنُّوا﴾ أيْ: تَيَقَّنُوا ﴿أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ أيْ: ساقِطٌ عَلَيْهِمْ إنْ لَمْ يَقْبَلُوا فَإنَّهم كانُوا يُوعَدُونَ بِذَلِكَ بِهَذا الشَّرْطِ، والصّادِقُ لا يَتَخَلَّفُ ما أخْبَرَ بِهِ، لَكِنْ لَمّا لَمْ يَكُنِ المَفْعُولُ واقِعًا لِعَدَمِ شَرْطِهِ أشْبَهَ المَظْنُونَ الَّذِي قَدْ يَتَخَلَّفُ فَلِهَذا سُمِّيَ ذَلِكَ ظَنًّا.

وقِيلَ: تَيَقَّنُوا ذَلِكَ لِأنَّ الجَبَلَ لا يَثْبُتُ في الجَوِّ، واعْتُرِضَ بِأنَّ عَدَمَ ثُبُوتِهِ فِيهِ لا يَقْتَضِي التَّيَقُّنَ؛ لِأنَّهُ عَلى جَرْيِ العادَةِ، وأمّا عَلى خَرْقِها فالثّابِتُ الثُّبُوتُ، والواقِعُ عَدَمُ الوُقُوعِ، ويَكُونُ ذَلِكَ كَرَفْعِهِ فَوْقَهم ووُقُوفِهِ هُناكَ حَتّى كانَ ما كانَ مِنهُمْ، والحَقُّ أنَّ المُتَيَقَّنَ لَهُمُ الوُقُوعُ إنْ لَمْ يَقْبَلُوا لِكَوْنِهِ المُعَلَّقَ عَلَيْهِ، فَفي الأثَرِ «أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أبَوْا أنْ يَقْبَلُوا التَّوْراةَ فَرُفِعَ الجَبَلُ فَوْقَهُمْ، وقِيلَ: إنْ قَبِلْتُمْ وإلّا لَيَقَعَنَّ عَلَيْكُمْ، فَوَقَعَ كُلٌّ مِنهم ساجِدًا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ وهو يَنْظُرُ بِعَيْنِهِ اليُمْنى إلى الجَبَلِ فَرَقًا مِن سُقُوطِهِ؛ فَلِذَلِكَ لا تَرى يَهُودِيًّا يَسْجُدُ إلّا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ ويَقُولُونَ: هي السَّجْدَةُ الَّتِي رُفِعَتْ عَنّا بِها العُقُوبَةُ،» وامْتَثَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ احْتِمالُ الثُّبُوتِ عَلى خَرْقِ العادَةِ كَما لا يَقْدَحُ فِيهِ عَدَمُ الوُقُوعِ إذا قَبِلُوا، ألا تَرى إلى أنَّهُ يَتَيَقَّنُ احْتِراقُ ما وقَعَ في النّارِ مَعَ إمْكانِ عَدَمِهِ كَما في قِصَّةِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَهَبَ الرُّمّانِيُّ والجُبّائِيُّ إلى أنَّ الظَّنَّ عَلى بابِهِ، والمُرادُ: قَوِيَ في نُفُوسِهِمْ أنَّهُ واقِعٌ، واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى نَتَقْنا أوْ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ كَما قالَ أبُو البَقاءِ.

﴿خُذُوا﴾ أيْ: وقُلْنا: خُذُوا. أوْ قائِلِينَ: خُذُوا.

﴿ما آتَيْناكُمْ﴾ مِنَ الكِتابِ.

﴿بِقُوَّةٍ﴾ أيْ: بِجِدٍّ وعَزْمٍ عَلى تَحَمُّلِ مَشاقِّهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الواوِ، والمُرادُ خُذُوا ذَلِكَ مُجِدِّينَ: ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ أيِ اعْمَلُوا بِهِ ولا تَتْرُكُوهُ كالمَنسِيِّ وهو كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ أوْ مَجازٌ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (وتَذَكَّرُوا) وقُرِئَ: واذْكُرُوا بِمَعْنى وتَذَكَّرُوا ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ بِذَلِكَ قَبائِحَ الأعْمالِ ورَذائِلَ الأخْلاقِ أوْ راجِينَ أنْ تَنْتَظِمُوا في سِلْكِ المُتَّقِينَ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِما آتَيْناكُمُ الآيَةُ العَظِيمَةُ، أعْنِي نَتْقَ الجَبَلِ أيْ: خُذُوا ذَلِكَ إنْ كُنْتُمْ تُطِيقُونَهُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ واذْكُرُوا ما فِيهِ مِنَ القُدْرَةِ الباهِرَةِ والإنْذارِ، وعَلى هَذا فالمُرادُ مِن نَتْقِ الجَبَلِ إظْهارُ العَجْزِ لا غَيْرُ، والكَلامُ نَظِيرُ قَوْلِكَ لِمَن يَدَّعِي الصُّرَعَةَ والقُوَّةَ بَعْدَ ما غَلَبْتَهُ: خُذْهُ مِنِّي، وحاصِلُهُ: إنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ آيَةً قاهِرَةً وتَقْتَرِحُونَها فَخُذُوا ما آتَيْناكم إنْ كُنْتُمْ تُطِيقُونَهُ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ، والآثارُ عَلى خِلافِهِ،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском