Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:195–203
7:195Page 175
أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ١٩٥
Do they have feet by which they walk? Or do they have hands by which they strike? Or do they have eyes by which they see? Or do they have ears by which they hear? Say, [O Muḥammad], "Call your 'partners' and then conspire against me and give me no respite.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ إلَخْ تَبْكِيتٌ أثَرَ مُؤَكِّدٍ لِما يُفِيدُهُ الأمْرُ التَّعْجِيزِيُّ مِن عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ بِبَيانِ فِقْدانِ آلاتِها بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ في المُماثَلَةِ كَرٌّ عَلى المِثْلِيَّةِ بِالنَّقْضِ لِأنَّهم أدْوَنُ مِنهُمْ، وعِبادَةُ الشَّخْصِ مَن هو مِثْلُهُ لا تَلِيقُ فَكَيْفَ مَن هو دُونَهُ، وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي فِيها عَوْدٌ عَلى الفَرْضِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ المِثْلِيَّةُ بِالإبْطالِ، وعَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ وإرادَةِ النَّفْيِ تَقْرِيرٌ لِنَفْيِ المُماثَلَةِ بِإثْباتِ القُصُورِ والنُّقْصانِ، ووُجِّهَ الإنْكارُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الآلاتِ الأرْبَعِ عَلى حِدَةٍ تَكْرِيرًا لِلتَّبْكِيتِ وتَثْنِيَةً لِلتَّقْرِيعِ وإشْعارًا بِأنَّ انْتِقاءَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها بِحِيالِها كافٍ في الدَّلالَةِ عَلى اسْتِحالَةِ الِاسْتِجابَةِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذِهِ لا يَسْتَحِقُّ الأُلُوهِيَّةَ وإنَّما يَسْتَحِقُّها مَن كانَتْ لَهُ لِيَلْزَمَ إمّا نَفْيُ اسْتِحْقاقِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى لَها أوْ إثْباتُ ذَلِكَ لَهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُجَسِّمَةِ واسْتَبْدَلَ بِالآيَةِ عَلَيْهِ بَلْ مُجَرَّدُ إثْباتِ العَجْزِ، ومِن ذَلِكَ يُعْلَمُ نَفْيُ الِاسْتِحْقاقِ. ووَصْفُهُ الأرْجُلَ بِالمَشْيِ بِها لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ الإنْكارِ هو الوَصْفُ وإنَّما وُجِّهَ إلى الأرْجُلِ لا إلى الوَصْفِ بِأنْ يُقالَ: أيَمْشُونَ بِأرْجُلِهِمْ لِتَحْقِيقِ أنَّها حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ مِنها ما يَظْهَرُ مِن سائِرِ الأرْجُلِ فَهي لَيْسَتْ بِأرْجُلٍ في الحَقِيقَةِ، وكَذا
صفحة 145
الكَلامُ فِيما بَعْدُ مِنَ الجَوارِحِ الثَّلاثَةِ الباقِيَةِ، وكَلِمَةُ (أمْ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِنَ الهَمْزَةِ لِما مَرَّ مِنَ التَّبْكِيتِ، وبَلْ لِلْإضْرابِ المُفِيدِ لِلِانْتِقالِ مِن فَنٍّ مِنهُ بَعْدَ تَمامِهِ إلى آخَرَ مِنهُ مِمّا تَقَدَّمَ، والبَطْشُ الأخْذُ بِقُوَّةٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (يَبْطُشُونَ) بِضَمِّ الطّاءِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، والمَعْنى: بَلْ ألَهم أيْدٍ يَأْخُذُونَ بِها ما يُرِيدُونَ أوْ يَدْفَعُونَ بِها عَنْكُمْ، وتَأْخِيرُ هَذا عَمّا قَبْلَهُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِما أنَّ المَشْيَ حالُهم في أنْفُسِهِمْ والبَطْشَ حالُهم بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْرِ، وأمّا تَقْدِيمُ ذَلِكَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ مَعَ أنَّ الكُلَّ سَواءٌ في أنَّها مِن أحْوالِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْرِ فَلِمُراعاةِ المُقابَلَةِ بَيْنَ الأيْدِي والأرْجُلِ، ولِأنَّ انْتِفاءَ المَشْيِ والبَطْشِ أظْهَرُ والتَّبْكِيتَ بِهِ أقْوى، وأمّا تَقْدِيمُ الأعْيُنِ عَلى الآذانِ فَلِأنَّها أشْهَرُ مِنها وأظْهَرُ عَيْنًا وأثَرًا، وكَوْنُ الإبْصارِ بِالعَيْنِ والسَّماعِ بِالأُذُنِ جارٍ عَلى الظّاهِرِ المُتَعارَفِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ في بَعْضِ الأشْياءِ قُوَّةً بِها تُؤَثِّرُ إذا أذِنَ اللَّهُ تَعالى لَها خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّ التَّأْثِيرَ عِنْدَها لا بِها. وزَعَمَ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ قَرِيبٌ إلى الكُفْرِ ولَيْسَ كَما زُعِمَ بَلْ هو الحَقُّ الحَقِيقُ بِالقَبُولِ.
﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يُناصِبَهُمُ المَحاجَّةَ ويُكَرِّرَ عَلَيْهِمُ التَّبْكِيتَ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ شُرَكاءَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ أصْلًا، أيِ ادْعُوا شُرَكاءَكم واسْتَعِينُوا بِهِمْ عَلَيَّ ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ جَمِيعًا أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم وبالِغُوا في تَرْتِيبِ ما تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ المَكْرِ والكَيْدِ.
﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ فَلا تُمْهِلُونِي ساعَةً بَعْدَ تَرْتِيبِ مُقَدِّماتِ الكَيْدِ فَإنِّي لا أُبالِي بِكم أصْلًا، وياءُ المُتَكَلِّمِ في الفِعْلَيْنِ مِمّا لَمْ يُثْبِتُوها خَطًّا، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وبِإثْباتِ ياءِ كِيدُونِ وصْلًا وحَذْفِها وقْفًا، وهِشامٌ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ، والباقُونَ بِحَذْفِها فِيهِما. وفي هُودٍ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ بِإثْباتِ الياءِ مُطْلَقًا عِنْدَ الجَمِيعِ، وأمّا ياءُ ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ فَقَدْ قالَ الأجْهُورِيُّ: إنَّهم حَذَفُوها لا غَيْرُ.
7:196Page 176
إِنَّ وَلِـِّۧيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ ١٩٦
Indeed, my protector is Allāh, who has sent down the Book; and He is an ally to the righteous.
﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ المُنْفَهِمِ مِنَ السَّوْقِ انْفِهامًا جَلِيًّا، وألْ في الكِتابِ لِلْعَهْدِ والمُرادُ مِنهُ القُرْآنُ، ووَصَفَهُ سُبْحانَهُ بِتَنْزِيلِ الكِتابِ لِلْإشْعارِ بِدَلِيلِ الوِلايَةِ، وكَأنَّهُ وضَعَ (نَزَّلَ الكِتابَ) مَوْضِعَ (أرْسَلَنِي رَسُولًا)، ولا شَكَّ أنَّ الإرْسالَ يَقْتَضِي الوِلايَةَ والنُّصْرَةَ، وقِيلَ: إنَّ في ذَلِكَ إشارَةً إلى عِلَّةٍ أُخْرى لِعَدَمِ المُبالاةِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا أُبالِي بِكم وبِشُرَكائِكم لِأنَّ ولِيِّي هو اللَّهُ تَعالى الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ النّاطِقَ بِأنَّهُ ولِيِّي وناصِرِي وبِأنَّ شُرَكاءَكم لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ نَصْرِكُمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، أيْ: ومِن عادَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ أنْ يَنْصُرَ الصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ ولا يَخْذُلَهم وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّما خُصَّ اسْمُ الذّاتِ بِتَنْزِيلِ الكِتابِ وجُعِلَتِ الآيَةُ تَعْلِيلًا لِلدَّلالَةِ عَلى تَفْخِيمِ أمْرِ المُنْزِلِ وأنَّهُ الفارِقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وأنَّهُ المُجَلِّي لِظُلُماتِ الشِّرْكِ والمُفْحِمُ لِألْسُنِ أرْبابِ البَيانِ والمُعْجِزُ الباقِي في كُلِّ أوانٍ، وهو النُّورُ المُبِينُ والحَبْلُ المَتِينُ، وبِهِ أصْلَحَ اللَّهُ تَعالى شُؤُونَ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ كَمَّلَ بِهِ خُلُقَهُ وأقامَ بِهِ أوْدَهُ وأفْسَدَ بِهِ الأباطِيلَ المُعَطِّلَةَ، ومِن ثَمَّ جِيءَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ( وهو ) إلَخْ كالتَّذْيِيلِ والتَّقْرِيرِ لِما سَبَقَ والتَّعْرِيضِ بِمَن فَقَدَ الصَّلاحَ بِالخِذْلانِ والمَحْقِ. والمَعْنى: إنَّ ولِيِّيَ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ المَشْهُورَ الَّذِي تَعْرِفُونَ حَقِيقَتَهُ ومُثُلَهُ
صفحة 146
يَتَوَلّى الصّالِحِينَ ويَخْذُلُ غَيْرَهُمْ، ولا يَخْفى أنَّ ما ذُكِرَ أوَّلًا في أمْرِ الوَصْفِيَّةِ أنْسَبُ بِالمَقامِ وأمْرُ التَّذْيِيلِ مِمّا لا مِرْيَةَ فِيهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مِمّا جَرَّبْتُ المُداوَمَةَ عَلَيْها لِلْحِفْظِ مِنَ الأعْداءِ وكانَتْ وِرْدَ الوالِدِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في الأسْحارِ، وقَدْ أمَرَهُ بِذَلِكَ بَعْضُ الأكابِرِ في المَنامِ، والجُمْهُورُ عَلى تَشْدِيدِ الياءِ الأُولى مِن (ولِيِّيَ) وفَتْحِ الثّانِيَةِ ويُقْرَأُ بِحَذْفِها في اللَّفْظِ لِسُكُونِها وسُكُونِ ما بَعْدَها، وبِفَتْحِ الأُولى ولا ياءَ بَعْدَها وحَذْفِ الثّانِيَةِ مِنَ اللَّفْظِ تَخْفِيفًا.
7:197Page 176
وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَكُمۡ وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٧
And those you call upon besides Him are unable to help you, nor can they help themselves."
﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ أيْ: تَعْبُدُونَهم أوْ تَدْعُونَهم مِن دُونِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلِاسْتِعانَةِ بِهِمْ عَلى حَسْبَما أمَرْتُكم بِهِ.
﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الأمْرُ المَذْكُورُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وجُوِّزَ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ إذا أُصِيبُوا بِحادِثَةٍ
7:198Page 176
وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَسۡمَعُواْۖ وَتَرَىٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ١٩٨
And if you invite them to guidance, they do not hear; and you see them looking at you while they do not see.
﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى﴾ أيْ: إلى أنْ يَهْدُوكم إلى ما تُحَصِّلُونَ بِهِ مَقاصِدَكم مُطْلَقًا أوْ في خُصُوصِ الكَيْدِ المَعْهُودِ ﴿لا يَسْمَعُوا﴾ أيْ: دُعاءَكم فَضْلًا عَنِ المُساعَدَةِ والإمْدادِ، وهَذا أبْلَغُ مِن نَفْيِ الِاتِّباعِ، وحَمْلُ السَّماعِ عَلى القَبُولِ كَما في سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ كَما زَعَمَهُ بَعْضُهم لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ بَيانٌ لِعَجْزِهِمْ عَنِ الإبْصارِ بَعْدَ بَيانِ عَجْزِهِمْ عَنِ السَّمْعِ، وبِهَذا عَلى ما قِيلَ تَمَّ التَّعْلِيلُ لِعَدَمِ المُبالاةِ فَلا تَكْرارَ أصْلًا، وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّ ما مَرَّ لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَن تَجُوزُ عِبادَتُهُ وغَيْرِهِ، وهَذا جَوابٌ ورَدَ لِتَخْوِيفِهِمْ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِآلِهَتِهِمْ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، وجُمْلَةُ (يَنْظُرُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ الرّاجِعِ لِلْأصْنامِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ حالٌ مِن فاعِلِ يَنْظُرُونَ، والخِطابُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى: وتَرى الأصْنامَ رَأْيَ العَيْنِ يُشْبِهُونَ النّاظِرَ إلَيْكَ ويُخَيَّلُ لَكَ أنَّهم يُبْصِرُونَ لِما أنَّهم صُنِعَ لَهم أعْيُنٌ مُرَكَّبَةٌ بِالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ وصُوِّرَتْ بِصُورَةٍ مِن قَلْبِ حَدَقَتِهِ إلى الشَّيْءِ يَنْظُرُ إلَيْهِ، والحالُ أنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى الإبْصارِ، وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ دُونَ الكُلِّ مِن حَيْثُ هو كُلٌّ كالخِطاباتِ السّابِقَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ رُؤْيَةَ الأصْنامِ عَلى الهَيْئَةِ المَذْكُورَةِ لا يَتَسَنّى لِلْكُلِّ مَعًا بَلْ لِكُلِّ مَن يُواجِهُها.
وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ الخِطابَ في (تَراهُمْ) لِكُلِّ واقِفٍ عَلَيْهِ، وقِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وضَمِيرُ الغَيْبَةِ عَلى حالِهِ أوْ لِلْمُشْرِكِينَ عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُوا﴾ أيْ: وتَرى المُشْرِكِينَ ناظِرِينَ إلَيْكَ والحالُ أنَّهم لا يُبْصِرُونَكَ كَما أنْتَ عَلَيْهِ أوْ لا يُبْصِرُونَ الحُجَّةَ كَما قالَ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ، ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الخِطابَ في ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ( يُنْصَرُونَ ) أيْ: وإنْ تَدْعُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ المُشْرِكِينَ إلى الإسْلامِ لا يَلْتَفِتُوا إلَيْكم ولا يَقْبَلُوا مِنكُمْ، وعَلى هَذا يَحْسُنُ تَفْسِيرُ السَّماعِ بِالقَبُولِ، وجُعِلَ (وتَراهُمْ) خِطابًا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ بِطَرِيقِ التَّجْرِيدِ، وفي الكَلامِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن شَواهِدِ النُّبُوَّةِ ودَلائِلِ الرِّسالَةِ مِنَ الجَلاءِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْفى عَلى النّاظِرِينَ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةً وما كانَ في مَوْضِعِ الحالِ يَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي والأوَّلُ أوْلى.
7:199Page 176
خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ ١٩٩
Take what is given freely,1 enjoin what is good, and turn away from the ignorant.
﴿خُذِ العَفْوَ﴾ أيْ: ما عَفا وسَهُلَ وتَيَسَّرَ مِن أخْلاقِ النّاسِ، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُّبَيْرِ وعائِشَةُ ومُجاهِدٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وغَيْرُهُمْ، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ آدَمَ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
والأخْذُ مَجازٌ عَنِ القَبُولِ والرِّضا، أيِ ارْضَ مِنَ النّاسِ بِما تَيَسَّرَ مِن أعْمالِهِمْ وما أتى مِنهم وتَسَهَّلَ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ ولا تَطْلُبْ مِنهُمُ الجُهْدَ وما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ حَتّى لا يَنْفِرُوا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:
صفحة 147
خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعَفْوِ ظاهِرُهُ أيْ: خُذِ العَفْوَ عَنِ المُذْنِبِينَ والمُرادُ اعْفُ عَنْهُمْ، وفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ إذْ شَبَّهَ العَفْوَ بِأمْرٍ مَحْسُوسٍ يُطْلَبُ فَيُؤْخَذُ، وإلى هَذا جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ إلى آخِرِهِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ؟ قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ العالِمَ. فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَكَ أنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَن قَطَعَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَ ذَلِكَ، ولَعَلَّ زُبْدَةَ الحَدِيثِ مُفَسِّرَةٌ لِزُبْدَةِ الآيَةِ، وإلّا فالتَّطْبِيقُ مُشْكِلٌ كَما لا يَخْفى. وتَكَلَّفَ القُطْبُ لِتَطْبِيقِ ألْفاظِهِ عَلى ألْفاظِها وفِيهِ خَفاءٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالعَفْوِ ما عُفِيَ مِن أمْوالِ النّاسِ، أيْ: خُذْ أيَّ شَيْءٍ أتَوْكَ بِهِ وكانَ هَذا قَبْلَ فَرْضِ الزَّكاةِ، وقِيلَ: العَفْوُ ما فَضَلَ عَنِ النَّفَقَةِ مِنَ المالِ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ الجَوْهَرِيُّ وإلَيْهِ ذَهَبَ السُّدِّيُّ. فَقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَكانَ الرَّجُلُ يُمْسِكُ مِن مالِهِ ما يَكْفِيهِ ويَتَصَدَّقُ بِالفَضْلِ، فَنَسَخَها اللَّهُ تَعالى بِالزَّكاةِ ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ أيْ: بِالمَعْرُوفِ المُسْتَحْسَنِ مِنَ الأفْعالِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى قَبُولِ النّاسِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، وفي لُبابِ التَّأْوِيلِ أنَّ المُرادَ وأْمُرْ بِكُلِّ ما أمَرَكَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وعَرَفْتَهُ بِالوَحْيِ. وقالَ عَطاءٌ: المُرادُ بِالعُرْفِ كَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو تَخْصِيصٌ مِن غَيْرِ داعٍ.
﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ أيْ: ولا تُكافِئِ السُّفَهاءَ بِمِثْلِ سَفَهِهِمْ ولا تُمارِهِمْ واحُلْمْ عَلَيْهِمْ وأغُضَّ بِما يَسُوؤُكَ مِنهم. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ هَذا أمْرٌ بِالكَفِّ عَنِ القِتالِ ثُمَّ نُسِخَ بِآيَتِهِ، ولا ضَرُورَةَ إلى دَعْوى النَّسْخِ في الآيَةِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ أجْمَعُ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
وزُبْدَتُها كَما قالُوا: تَحَرِّي حُسْنِ المُعاشَرَةِ مَعَ النّاسِ وتَوَخِّي بَذْلِ المَجْهُودِ في الإحْسانِ إلَيْهِمْ والمُداراةِ مِنهم والإغْضاءِ عَنْ مُساوِيهِمْ، وجَعَلُوا نَحْوَ ذَلِكَ زُبْدَةَ الخَبَرِ إلّا أنَّ القُرْآنَ مادَّتُهُ عامَّةٌ ومادَّتُهُ خاصَّةٌ، وقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ، ولا يَخْفى حُسْنُ مَوْقِعِ هَذا الأمْرِ بَعْدَ ما عُدَّ مِن أباطِيلِ المُشْرِكِينَ وقَبائِحِهِمْ ما لا يُطاقُ حَمْلُهُ، وإذا قِيلَ: بِأنَّ الجاهِلِينَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ ضَمِيرِ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ حَيْثُ إنَّ الكَلامَ فِيهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ الِارْعِواءِ وإقْناطًا كُلِّيًّا مِنهُمُ التَأمَتْ أطْرافُ الكَلامِ غايَةَ الِالتِئامِ، هَذا وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾
7:200Page 176
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٠٠
And if an evil suggestion comes to you from Satan, then seek refuge in Allāh. Indeed, He is Hearing and Knowing.
«قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: كَيْفَ يا رَبِّ والغَضَبُ؟ فَنَزَلَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾» النَّزْغُ والنَّسْغُ والنَّخْسُ بِمَعْنًى. وهو إدْخالُ الإبْرَةِ أوْ طَرَفِ العَصا أوْ ما يُشْبِهُ ذَلِكَ في الجِلْدِ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ يُقالُ: نَزَغْتُ ما بَيْنَ القَوْمِ إذا أفْسَدْتُ ما بَيْنَهُمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو أدْنى حَرَكَةٍ تَكُونُ، ومِنَ الشَّيْطانِ وسْوَسَتُهُ، والمَعْنى الأوَّلُ هو المَشْهُورُ.
وإطْلاقُهُ عَلى وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ مَجازٌ حَيْثُ شَبَّهَ وسْوَسَتَهُ إغْراءً لِلنّاسِ عَلى المَعاصِي وإزْعاجًا بِغَرْزِ السّائِقِ ما يَسُوقُهُ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى المَصْدَرِ مَجازِيٌّ كَما في جَدَّ جِدُّهُ، وقِيلَ: النَّزْغُ بِمَعْنى النّازِغِ فالتَّجَوُّزُ في الطَّرَفِ، والأوَّلُ أبْلَغُ وأوْلى، أيْ: إمّا يَحْمِلَنَّكَ مِن جِهَةِ الشَّيْطانِ وسْوَسَةٌ ما عَلى خِلافِ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ اعْتِراءِ غَضَبٍ أوْ نَحْوِهِ ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ فاسْتَجِرْ بِهِ والتَجِئْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في دَفْعِهِ عَنْكَ.
﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ يَسْمَعُ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ اسْتِعاذَتَكَ قَوْلًا.
﴿عَلِيمٌ﴾ يَعْلَمُ كَذَلِكَ تَضَرُّعَكَ
صفحة 148
إلَيْهِ قَلْبًا في ضِمْنِ القَوْلِ أوْ بِدُونِهِ فَيَعْصِمُكَ مِن شَرِّهِ، أوْ سَمِيعٌ أيْ: مُجِيبٌ دُعاءَكَ بِالِاسْتِعاذَةِ، عَلِيمٌ بِما فِيهِ صَلاحُ أمْرِكَ فَيَحْمِلُكَ عَلَيْهِ، أوْ سَمِيعٌ بِأقْوالِ مَن آذاكَ، عَلِيمٌ بِأفْعالِهِ فَيُجازِيهِ عَلَيْها. والآيَةُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن بابِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ فَلا حُجَّةَ فِيها لِمَن زَعَمَ عَدَمَ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ وارْتِكابِ المَعاصِي.
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ وقَرِينُهُ مِنَ المَلائِكَةِ. قالُوا: وإيّاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: وإيّايَ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أعانَنِي عَلَيْهِ فَأسْلَمَ؛ فَلا يَأْمُرُنِي إلّا بِخَيْرٍ»».
وقالَ آخَرُونَ: إنَّ نَزْغَ الشَّيْطانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَجازٌ عَنِ اعْتِراءِ الغَضَبِ المُقْلِقِ لِلنَّفْسِ، وفي الآيَةِ حِينَئِذٍ زِيادَةُ تَنْفِيرٍ عَنِ الغَضَبِ، وفَرْطُ تَحْذِيرٍ عَنِ العَمَلِ بِمُوجِبِهِ، ولِذا كَرَّرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ النَّهْيَ عَنْهُ كَما جاءَ في الحَدِيثِ، وفي الأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ تَعالى تَهْوِيلٌ لِذَلِكَ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مِنَ الغَوائِلِ الَّتِي لا يُتَخَلَّصُ مِن مَضَرَّتِها إلّا بِالِالتِجاءِ إلى حَرَمِ عِصْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ.
7:201Page 176
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ إِذَا مَسَّهُمۡ طَٰٓئِفٞ مِّنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ ٢٠١
Indeed, those who fear Allāh - when an impulse touches them from Satan, they remember [Him] and at once they have insight.
﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرِ بِبَيانِ أنَّ الِاسْتِعاذَةَ سُنَّةٌ مَسْلُوكَةٌ لِلْمُتَّقِينَ والإخْلالَ بِها شَنْشَنَةُ الغاوِينَ، أيْ: إنَّ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: لَمَّةٌ مِنهُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّحْقِيرِ، والمُرادُ وسْوَسَةٌ ما، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن طافَ بِالشَّيْءِ إذا دارَ حَوْلَهُ، وجَعَلَ الوَسْوَسَةَ طائِفًا لِلْإيذانِ بِأنَّها وإنْ مَسَّتْ لا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ فَكَأنَّها طافَتْ حَوْلَهم ولَمْ تَصِلْ إلَيْهِمْ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن طافَ طَيْفُ الخَيالِ إذا ألَمَّ في المَنامِ فالمُرادُ بِهِ الخاطِرُ. وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ المُرادَ بِالطّائِفِ الغَضَبُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: (طَيْفٌ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أوْ تَخْفِيفٌ مِن (طَيِّفٌ) مِنَ الواوِيِّ أوِ اليائِيِّ كَهَيِّنٍ ولَيِّنٍ، والمُرادُ بِالشَّيْطانِ الجِنْسُ لا إبْلِيسُ فَقَطْ؛ ولِذا جُمِعَ ضَمِيرُهُ فِيما سَيَأْتِي.
﴿تَذَكَّرُوا﴾ أيْ: ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ونَهى عَنْهُ، أوِ الِاسْتِعاذَةَ بِهِ تَعالى والِالتِجاءَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، أوْ عَداوَةَ الشَّيْطانِ وكَيْدَهُ.
﴿فَإذا هُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّذَكُّرِ ﴿مُبْصِرُونَ﴾ مَواقِعَ الخَطَأِ ومَناهِجَ الرَّشَدِ فَيَحْتَرِزُونَ عَمّا يُخالِفُ أمْرَ اللَّهِ تَعالى ويَنْجُونَ عَمّا لا يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْصُولِ مَنِ اتَّصَفَ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ مُطْلَقًا، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ إلَخْ إمّا أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما هو الظّاهِرُ فالمُناسِبُ أنْ يُرادَ بِالمُتَّقِينَ المُرْسَلُونَ مِن أُولِي العَزْمِ، أوْ يَكُونَ عامًّا عَلى طَرِيقَةِ: ««بَشِّرِ المَشّائِينَ إلى المَساجِدِ بِالنُّورِ التّامِّ يَوْمَ القِيامَةِ»،» أوْ خاصًّا يُرادُ بِهِ العامُّ نَحْوَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ فالمُتَّقُونَ حِينَئِذٍ الصّالِحُونَ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ المُلازَمَةَ في الشَّرْطِيَّةِ الأُولى في حَيِّزِ المَنعِ، والعُمُومُ هو المُتَبادِرُ عَلى كُلِّ حالٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالمُتَّقِينَ المَنسُوبُ إلَيْهِمُ المَسُّ غَيْرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وجُعِلَ الخِطابُ فِيما سَبَقَ خاصًّا بِالسَّيِّدِ الأعْظَمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وادُّعِيَ أنَّ النَّزْغَ أوَّلُ الوَسْوَسَةِ، والمَسُّ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ التَّمَكُّنِ، ثُمَّ قالَ: ولِذا فَصَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيْنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِهِ مِن سائِرِ المُتَّقِينَ فَعَبَّرَ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّزْغِ وفي حَقِّهِمْ بِالمَسِّ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ اهْتِمامَ الشَّيْطانِ في الوَسْوَسَةِ لِلْكامِلِ أكْمَلُ مِنَ اهْتِمامِهِ في الوَسْوَسَةِ لِمَن دُونَهُ؛ فَلِذا عَبَّرَ أوَّلًا بِالنَّزْغِ وثانِيًا بِالمَسِّ.
7:202Page 176
وَإِخۡوَٰنُهُمۡ يَمُدُّونَهُمۡ فِي ٱلۡغَيِّ ثُمَّ لَا يُقۡصِرُونَ ٢٠٢
But their brothers1 - they [i.e., the devils] increase them in error; then they do not stop short.
﴿وإخْوانُهُمْ﴾ أيْ: إخْوانُ الشَّياطِينِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّقُوا. وذَلِكَ مَعْنى الأُخُوَّةِ بَيْنَهُمْ، وهو مُبْتَدَأٌ
صفحة 149
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ خَبَرُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلشَّياطِينِ والمَنصُوبُ لِلْمُبْتَدَأِ، أيْ: تُعاوِنُهم الشَّياطِينُ في الضَّلالِ؛ وذَلِكَ بِأنْ يُزَيِّنُوهُ لَهم ويَحْمِلُوهم عَلَيْهِ، والخَبَرُ عَلى هَذا جارٍ عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ وفي أنَّهُ: هَلْ يَجِبُ إبْرازُ الضَّمِيرِ أوَّلًا يَجِبُ في مِثْلِ ذَلِكَ خِلافٌ بَيْنِ أهْلِ القَرْيَتَيْنِ كالصِّفَةِ المُخْتَلَفِ فِيها بَيْنَهُمْ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ لِلْإخْوانِ والثّانِيَ لِلشَّياطِينِ، والمَعْنى: وإخْوانُ الشَّياطِينِ يَمُدُّونَ الشَّياطِينَ بِالِاتِّباعِ والِامْتِثالِ، وعَلى هَذا يَكُونُ الخَبَرُ جارِيًا عَلى مَن هو لَهُ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوْ مِنَ المَفْعُولِ.
وقَرَأ نافِعٌ: (يُمِدُّونَهُمْ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ مَنِ الإمْدادِ، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِ الياءِ وضَمِّ المِيمِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ بَعْدَ نَقْلِ ذِكْرِ ذَلِكَ: وعامَّةُ ما جاءَ في التَّنْزِيلِ مِمّا يُحْمَدُ ويُسْتَحَبُّ أمْدَدْتُ عَلى أفْعَلْتُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ﴾ و﴿أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ وما كانَ بِخِلافِهِ عَلى مَدَدْتُ قالَ تَعالى: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وهَكَذا يَتَكَلَّمُونَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَجْهَ فَتْحُ الياءِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ أنَّهُ مِثْلُ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ و﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (يُمادُّونَهُمْ) مِن بابِ المُفاعَلَةِ وهي هُنا مَجازِيَّةٌ كَأنَّهم كانَ الشَّياطِينُ يُعِينُونَهم بِالإغْراءِ وتَهْوِينِ المَعاصِي عَلَيْهِمْ وهَؤُلاءِ يُعِينُونَ الشَّياطِينَ بِالِاتِّباعِ والِامْتِثالِ ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ أيْ: لا يُمْسِكُونَ ولا يَكُفُّونَ عَنْ إغْوائِهِمْ حَتّى يَرُدُّوهم بِالكُلِّيَّةِ فَهو مِن أقْصَرَ إذا أقْلَعَ وأمْسَكَ كَما في قَوْلِهِ:
سَما لَكَ شَوْقٌ بَعْدَ ما كانَ أقْصَرا
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْإخْوانِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، أيْ: ثُمَّ لا يَكُفُّ هَؤُلاءِ عَنِ الغَيِّ ولا يُقْصِرُونَ كالمُتَّقِينَ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالإخْوانِ الشَّياطِينُ وضَمِيرُ الجَمْعِ المُضافُ إلَيْهِ أوَّلًا والمَفْعُولُ ثانِيًا والفاعِلُ ثالِثًا يَعُودُ إلى الجاهِلِينَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ أيْ: وإخْوانُ الجاهِلِينَ وهُمُ الشَّياطِينُ يَمُدُّونَ الجاهِلِينَ في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُ الجاهِلُونَ عَنْ ذَلِكَ، والخَبَرُ عَلى هَذا أيْضًا جارٍ عَلى ما هو لَهُ كَما في بَعْضِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ، والأوَّلُ أوْلى رِعايَةً لِلْمُقابَلَةِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: (يَقْصُرُونَ) بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الصّادِّ مِن قَصَرَ وهو مَجازٌ عَنِ الإمْساكِ أيْضًا.
7:203Page 176
وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم بِـَٔايَةٖ قَالُواْ لَوۡلَا ٱجۡتَبَيۡتَهَاۚ قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّيۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٠٣
And when you, [O Muḥammad], do not bring them a sign [i.e., miracle], they say, "Why have you not contrived it?" Say, "I only follow what is revealed to me from my Lord. This [Qur’ān] is enlightenment from your Lord and guidance and mercy for a people who believe."
﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ مِنَ القُرْآنِ عِنْدَ تَراخِي الوَحْيِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والزَّجّاجِ، أوْ بِآيَةٍ مُقْتَرَحَةٍ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والجُبّائِيِّ، وأبِي مُسْلِمٍ ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ أيْ: هَلّا جَمَعْتَها ولَفَّقْتَها مِن عِنْدِ نَفْسِكَ افْتِراءً، أوْ هَلّا أخَذْتَها مِنَ اللَّهِ تَعالى بِطَلَبٍ مِنهُ، وهو تَهَكُّمٌ مِنهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ أنَّ لِ (اجْتَبى) مَعْنَيَيْنِ: جَمَعَ وأخَذَ، ويَخْتَلِفُ المُرادُ حَسْبَ الِاخْتِلافِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وعَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسى أنَّ الِاجْتِباءَ في الأصْلِ الِاسْتِخْراجُ ومِنهُ جِبايَةُ الخَراجِ، وقِيلَ: أصْلُهُ الجَمْعُ مِن جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ جَمَعْتُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحَوْضِ جابِيَةٌ لِجَمْعِهِ الماءَ، وإلى هَذا ذَهَبَ الرّاغِبُ، وفي الدُّرِّ المَصُونِ: جَبى الشَّيْءَ جَمَعَهُ مُخْتارًا. ولِذا غَلَبَ اجْتَبَيْتُهُ بِمَعْنى اخْتَرْتُهُ.
وقالَ الفَرّاءُ يُقالُ: اجْتَبَيْتُ الكَلامَ واخْتَلَقْتُهُ وارْتَجَلْتُهُ إذا افْتَعَلْتَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ وكَذا اخْتَرَعْتُهُ عِنْدَ أبِي عُبَيْدَةَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الأحْرُفُ تَقُولُها العَرَبُ لِلْكَلامِ يَبْتَدِيهِ الرَّجُلُ لَمْ يَكُنْ أعَدَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، ومَن جَعَلَ الأصْلَ شَيْئًا لا يُنْكِرُ الِاسْتِعْمالَ في الآخَرِ مُجارًا لا يَخْفى ﴿قُلْ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي دَخْلٌ ما في ذَلِكَ أصْلًا عَلى مَعْنى تَخْصِيصِ حالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاتِّباعِ ما يُوحى إلَيْهِ
صفحة 150
بِتَوْجِيهِ القَصْرِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُقابِلِهِ الَّذِي كَلَّفُوهُ إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا عَلى مَعْنى تَخْصِيصِ اتِّباعِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما يُوحى إلَيْهِ بِتَوْجِيهِ القَصْرِ بِالقِياسِ إلى مَفْعُولٍ آخَرَ كَما هو الشّائِعُ في مَوارِدِ الِاسْتِعْمالِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ مِنهُ تَعالى دُونَ الِاخْتِلافِ والِاقْتِراحِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى.
﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ الجَلِيلِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما يُوحى إلَيَّ ﴿بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: بِمَنزِلَةِ البَصائِرِ لِلْقُلُوبِ بِها تُبْصِرُ الحَقَّ وتُدْرِكُ الصَّوابَ، أوْ حُجَجٌ بَيِّنَةٌ وبَراهِينُ نَيِّرَةٌ تُغْنِي عَنْ غَيْرِها، فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، وقَدْ حَقَّقْتُ ما فِيهِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ في الطِّرازِ المُذَهَّبِ، أوْ فِيهِ مَجازٌ مُرْسَلٌ حَيْثُ أطْلَقَ المُسَبِّبَ عَلى السَّبَبِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ البَصائِرُ مُسْتَعارَةً لِإرْشادِ القُرْآنِ الخَلْقَ إلى إدْراكِ الحَقائِقِ، وهَذا مُبْتَدَأٌ، وبَصائِرُ خَبَرُهُ، وجُمِعَ خَبَرُ المُفْرَدِ لِاشْتِمالِهِ عَلى آياتٍ وسُورٍ جُعِلَ كُلٌّ مِنها بَصِيرَةً، و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِبَصائِرَ مُفِيدَةً لِفَخامَتِها أيْ: بَصائِرُ كائِنَةٌ مِنهُ تَعالى، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الإيمانِ بِها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ عُطِفَ عَلى بَصائِرَ، وتَنْوِينُهُما لِلتَّفْخِيمِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلَيْهِما وتَعْقِيبُهُما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كَوْنَ القُرْآنِ بَصائِرَ مُتَحَقِّقٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، وبِهِ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلى الجَمِيعِ، وأمّا كَوْنُهُ هُدًى ورَحْمَةً فَمُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ إذْ هُمُ المُقْتَبِسُونَ مِن أنْوارِهِ والمُقْتَطِفُونَ مِن أنْوارِهِ، وهَذا مُخالِفٌ لِما يُفْهِمُهُ كَلامُ البَعْضِ مِن أنَّ الثَّلاثَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ قالَ النَّيْسابُورِيُّ في التَّفْسِيرِ: إنَّ البَصائِرَ لِأصْحابِ عَيْنِ اليَقِينِ والهُدى لِأرْبابِ عِلْمِ اليَقِينِ والرَّحْمَةَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الصّالِحِينَ المُقَلِّدِينَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ والجَمِيعَ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، وذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ الخازِنُ وادَّعى أنَّهُ مِنَ اللَّطائِفِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ بَلْ لا يَكادُ يُسَلَّمُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى ما يَظْهَرُ مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ.
واحْتَجَّ بِالآيَةِ مَن لَمْ يُجَوِّزِ الِاجْتِهادَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفِيهِ نَظَرٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences