Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:21–27
7:21Page 152
وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢١
And he swore [by Allāh] to them, "Indeed, I am to you from among the sincere advisors."
﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ (21) أقْسَمَ لَهُما وإنَّما عَبَّرَ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّ مَن يُبارِي أحَدًا في فِعْلٍ يَجِدُّ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ في لازِمِهِ وقِيلَ: المُفاعَلَةُ عَلى بابِها والقَسَمُ وقَعَ مِنَ الجانِبَيْنِ لَكِنَّهُ اخْتَلَفَ مُتَعَلِّقُهُ فَهو أقْسَمَ لَهُما عَلى النُّصْحِ وهُما أقْسَما لَهُ عَلى القَبُولِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَتِمُّ لِوُجُودِ المُقاسَمَةِ عَنْ ذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ وهو النَّصِيحَةُ أمّا حَيْثُ ذُكِرَ فَلا يَتِمُّ إلّا أنْ يُقالَ: سُمِّيَ قَبُولُ النَّصِيحَةِ نَصِيحَةٌ لِلْمُشاكَلَةِ والمُقابَلَةِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وواعَدْنا مُوسى﴾ أنَّهُ سَمّى التِزامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الوَفاءَ والحُضُورَ لِلْمِيعادِ مِيعادًا فَأسْنَدَ التَّعْبِيرُ بِالمُفاعَلَةِ وقِيلَ: قالا لَهُ أتُقْسِمُ بِاللَّهِ تَعالى إنَّكَ لَمِنَ النّاصِحِينَ وأقْسَمَ لَهُما فَجَعَلَ ذَلِكَ مُقاسَمَةً وعَلى هَذا فَيَكُونُ كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ في الكَلامِ لَفٌّ لِأنَّ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ لا يُقْسِمانِ بِلَفْظِ التَّكَلُّمِ بَلْ بِلَفْظِ الخِطابِ وقِيلَ: إنَّهُ إلى التَّغْلِيبِ أقْرَبُ وقِيلَ: إنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى حَلِفًا عَلَيْهِ بِأنْ يَقُولَ لَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ ﴿فَدَلاهُما﴾ أيْ حَطَّهُما عَلى دَرَجَتِهِما وأنْزَلَهُما عَنْ رُتْبَةِ الطّاعَةِ إلى رُتْبَةِ المَعْصِيَةِ فَهو مِن دَلّى الدَّلْوَ في البِئْرِ كَما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ وعَنِ الأزْهَرِيِّ أنَّ مَعْناهُ أطْمَعَهُما وأصْلُهُ مِن تَدْلِيَةِ العَطْشانِ شَيْئًا في البِئْرِ فَلا يَجِدُ ما يَشْفِي غَلِيلَهُ وقِيلَ هو مِنَ الدّالَّةِ وهي الجُرْأةُ في فَجَرَّأهُما كَما قالَ.
أظُنُّ الحِلْمَ دَلَّ عَلى قَوْمِي وقَدْ يُسْتَجْهَلُ الرَّجُلُ الحَلِيمُ
فَأبْدَلَ أحَدَ حَرْفَيِ التَّضْعِيفِ ياءً ﴿بِغُرُورٍ﴾ أيْ بِما غَرَّهُما بِهِ مِنَ القَسَمِ أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِهِ فالباءُ لِلْمُصاحَبَةِ أوِ المُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الغُرُورَ مَجازًا عَنِ القَسَمِ لِأنَّهُ سَبَبٌ لَهُ ولا حاجَةَ إلَيْهِ وسَبَبُ غُرُورِهِما عَلى ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُما ظَنّا أنَّ أحَدًا لا يُقْسِمُ بِاللَّهِ تَعالى كاذِبًا ورَوَوْا في ذَلِكَ خَبَرًا وظاهِرُ هَذا أنَّهُما صَدَّقا ما قالَهُ فَأقْدَما عَلى ما نُهِيا عَنْهُ.
وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ أنَّ التَّصْدِيقَ لَمْ يُوجَدْ مِنهُما لا قَطْعًا ولا ظَنًّا وإنَّما أقْدَما عَلى المَنهِيِّ عَنْهُ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ كَما نَجِدُ مِن أنْفُسِنا أنْ نُقْدِمَ عَلى الفِعْلِ إذا زَيَّنَ لَنا الغَيْرُ ما نَشْتَهِيهِ وإنْ لَمْ نَعْتَقِدْ أنَّ الأمْرَ كَما قالَ ولَعَلَّ كَلامَ اللَّعِينِ عَلى هَذا مِن قَبِيلِ المُقَدِّماتِ الشِّعْرِيَّةِ أثارَ الشَّهْوَةَ حَتّى غَلَبَتْ ونَسِيَ مَعَها النَّهْيَ فَوَقَعَ الإقْدامُ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ وقالَ القُطْبُ: يُمْكِنُ أنْ يُقالُ إنَّ اللَّعِينَ لَمّا وسْوَسَ لَهُما بِقَوْلِهِ ﴿ما نَهاكُما﴾ .. إلَخْ. فَلَمْ يَقْبَلا مِنهُ عَدَلَ إلى اليَمِينِ عَلى ما قالَهُ سُبْحانَهُ ﴿وقاسَمَهُما﴾ فَلَمْ يُصَدِّقاهُ أيْضًا فَعَدَلَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى شَيْءٍ آخَرَ وكَأنَّهُ أشارَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى:
7:22Page 152
فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٢
So he made them fall, through deception. And when they tasted of the tree, their private parts became apparent to them, and they began to fasten together over themselves from the leaves of Paradise. And their Lord called to them, "Did I not forbid you from that tree and tell you that Satan is to you a clear enemy?"
﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ﴾ وهو أنَّهُ شَغَلَهُما بِاسْتِيفاءِ اللَّذّاتِ حَتّى صارا مُسْتَغْرِقَيْنِ بِها فَنَسِيَ النَّهْيَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ
صفحة 101
تَعالى ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ وجَعَلَ العِتابَ الآتِيَ عَلى تَرْكِ التَّحَفُّظِ فَتَدَبَّرْ ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ أيْ أكَلا مِنها أكْلًا يَسِيرًا ﴿بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: تَهافَتَ عَنْهُما لِباسُهُما فَأبْصَرَ كُلٌّ مِنهُما عَوْرَةَ صاحِبِهِ فاسْتَحْيا ﴿وطَفِقا﴾ أخَذا وجَعَلا فَهو مِن أفْعالِ الشُّرُوعِ وكَسْرُ الفاءِ فِيهِ أفْصَحُ مِن فَتْحِها وبِهِ قَرَأ أبُو السَّمالِ ( يَخْصِفانِ ) أيْ يُرَقِّعانِ ويَلْزِقانِ ورَقَةً فَوْقَ ورَقَةٍ وأصْلُ مَعْنى الخَصْفِ الخَرْزُ في طاقاتِ النِّعالِ ونَحْوِها بِإلْصاقِ بَعْضِها بِبَعْضٍ وقِيلَ أصْلُهُ الضَّمُّ والجَمْعُ ﴿عَلَيْهِما﴾ أيْ عَلى سَوْآتِهِما أوْ عَلى بَدَنِهِما فَفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى سَوْآتِهِما.
﴿مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ وكانَ ذَلِكَ بَعْضُ ورَقِ التِّينِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وقِيلَ: المَوْزُ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ ( يَخْصِفانِ ) مِن أخْصَفَ وأصْلُهُ خَصَفَ إلّا أنَّهُ كَما قالَ الجارَبَرْدِيُّ نُقِلَ إلى أخْصَفَ لِلتَّعْدِيَةِ وضُمِّنَ الفِعْلُ لِذَلِكَ مَعْنى التَّصْيِيرِ فَصارَ الفاعِلُ في المَعْنى مَفْعُولًا لِلتَّصْيِيرِ عُلًا لِأصْلِ الفِعْلِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ يَخْصِفانِ أنْفُسَهُما أيْ يَجْعَلانِ أنْفُسَهُما خاصِفِينَ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ فَحُذِفَ مَفْعُولُ التَّصْيِيرِ وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ خَصَفَ وأخْصَفَ بِمَعْنًى وقَرَأ الحَسَنُ يَخْصِفانِ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ مِنَ الِافْتِعالِ وأصْلُهُ يَخْتَصِفانِ سُكِّنَتِ التّاءُ وأُدْغِمَتْ ثُمَّ كُسِرَتِ الخاءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وقَرَأ يَعْقُوبُ بِفَتْحِها وقُرِئَ ( يُخَصِّفانِ ) مِن خَصَّفَ المُشَدَّدِ بِفَتْحِ الخاءِ وقَدْ ضُمَّتْ إتْباعًا لِلْياءِ وهي قِراءَةٌ عَسِرَةُ النُّطْقِ ﴿وناداهُما رَبُّهُما﴾ بِطَرِيقِ العِتابِ والتَّوْبِيخِ ﴿ألَمْ أنْهَكُما﴾ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مَنِ الإعْرابِ أوْ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ وقالَ أوْ قائِلًا: ألَمْ أنْهَكُما ﴿عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ إشارَةٌ إلى الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيا عَنْ قُرْبانِها والتَّثْنِيَةُ لِتَثْنِيَةِ المُخاطَبِ.
﴿وأقُلْ لَكُما﴾ عَطْفٌ عَلى ( أنْهَكُما ) أيْ ألَمْ أقُلْ لَكُما ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (22) أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ وهَذا عَلى ما قِيلَ: عِتابٌ وتَوْبِيخٌ عَلى الِاغْتِرارِ بِقَوْلِ العَدُوِّ كَما أنَّ الأوَّلَ عِتابٌ عَلى مُخالَفَةِ النَّهْيِ ولَمْ يُحْكَ هَذا القَوْلُ ها هُنا وقَدْ حُكِيَ في سُورَةِ طَهَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ الآيَةَ و( لَكُما ) مُتَعَلِّقٌ بِعَدُوٍّ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنهُ.
واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ مُطْلَقَ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ لِما فِيها مِنَ اللَّوْمِ الشَّدِيدِ مَعَ النَّدَمِ والِاسْتِغْفارِ المَفْهُومِ مِمّا يَأْتِي والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ النَّهْيَ هُنا لِلتَّنْزِيهِ ونَدَمُهُما واسْتِغْفارُهُما عَلى تَرْكِ الأوْلى وهو في نَظَرِهِما عَظِيمٌ وقَدْ يُلامُ عَلَيْهِ أشَدُّ اللَّوْمِ إذا كانَ فاعِلُهُ مِنَ المُقَرَّبِينَ.
7:23Page 153
قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣
They said, "Our Lord, we have wronged ourselves, and if You do not forgive us and have mercy upon us, we will surely be among the losers."
﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ أيْ ضُرِرْنا بِالمَعْصِيَةِ وقِيلَ: نَقَصْناها حَظَّها بِالتَّعَرُّضِ لِلْإخْراجِ مِنَ الجَنَّةِ وحُذِفا حَرْفُ النِّداءِ مُبالَغَةً في التَّعْظِيمِ لِما أنَّ فِيهِ طَرَفًا مِن مَعْنى الأمْرِ.
﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا﴾ ذَلِكَ بِعَدَمِ العِقابِ عَلَيْهِ ﴿وتَرْحَمْنا﴾ بِالرِّضا عَلَيْنا وقِيلَ: المُرادُ وإنْ لَمْ تَسْتُرْ عَلَيْنا بِالحِفْظِ عَمّا يَتَسَبَّبُ نُقْصانَ الحَظِّ وتَرَحَمْنا بِالتَّفَضُّلِ عَلَيْنا بِما يَكُونُ عِوَضًا عَمّا فاتَنا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ (23) جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ السّابِقِ عَلى ما قِيلَ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الصَّغائِرَ يُعاقَبُ عَلَيْها مَعَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ إنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ تَعالى وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّ اجْتِنابَ الكَبائِرِ يُوجِبُ تَكْفِيرَ الصَّغائِرِ وإنْ لَمْ يَتُبِ العَبْدُ مِنها وجَعَلُوا لِذَلِكَ ما ذُكِرَ هُنا جارِيًا عَلى عادَةِ الأوْلِياءِ والصّالِحِينَ في تَعْظِيمِهِمُ الصَّغِيرَ مِنَ
صفحة 102
السَّيِّئاتِ وتَصْغِيرِهِمُ العَظِيمَ مِنَ الحَسَناتِ فَلا يُنافِي كَوْنَهُما مَغْفُورًا لَهُما والكَثِيرُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ جَعَلُوهُ مِن بابِ هَضْمٍ النَّفْسِ بِناءً عَلى ما وقَعَ كانَ عَنْ نِسْيانٍ ولا كَبِيرَةَ ولا صَغِيرَةَ مَعَهُ وادَّعى الإمامُ أنَّ ذَلِكَ الإقْدامَ كانَ صَغِيرَةً وكانَ قَبْلَ نُبُوَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ كَبِيرَةٌ ولا صَغِيرَةٌ والكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَشْهُورٌ
7:24Page 153
قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٢٤
[Allāh] said, "Descend, being to one another enemies. And for you on the earth is a place of settlement and enjoyment [i.e., provision] for a time."
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ مِرارًا ﴿اهْبِطُوا﴾ المَأْثُورُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُ خِطابٌ لِآدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ وإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وكَرَّرَ الأمْرَ لَهُ تَبَعًا لَهُما إشارَةً إلى عَدَمِ انْفِكاكِهِ عَنْ جِنْسِهِما في الدُّنْيا أوْ أنَّ الأمْرَ وقَعَ مُفَرَّقًا وهَذا نُقِلَ لَهُ بِالمَعْنى وإجْمالٌ لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ وقِيلَ: إنَّ الأمْرَ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّعِينِ غَيْرُ ما تَقَدَّمَ فَإنَّهُ أمْرٌ لَهُ بِالهُبُوطِ مِن حَيْثُ وسْوَسَ.
واخْتارَ الفَرّاءُ كَوْنَهُ خِطابًا لَهُما ولِذَرِّيَّتِهِما وفِيهِ خِطابُ المَعْدُومِ وقِيلَ: إنَّهُ لَهُما فَقَطْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ والقِصَّةُ واحِدَةٌ وضَمِيرُ الجَمْعِ لِكَوْنِهِما أصْلَ البَشَرِ فَكَأنَّهم هم ومَنِ النّاسِ مَن قالَ أنَّ مُخْتارَ الفَرّاءِ هو هَذا وقِيلَ: إنَّهُ لَهُما ولِإبْلِيسَ والحَيَّةِ واعْتُرِضَ وأُجِيبَ بِما مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ والظّاهِرُ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عاجَلَهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ بِالعِتابِ والتَّوْبِيخِ عَلى فِعْلِهِ ولَمْ يَتَخَلَّلْ هُناكَ شَيْءٌ ونَقَلَ الأجْهُورِيُّ عَنْ حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ تَحَرَّكَتْ مَعِدَتُهُ لِخُرُوجِ الفَضْلَةِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَجْعُولًا في الجَنَّةِ في شَيْءٍ مِن أطْعِمَتِها إلّا في تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَلِذَلِكَ نُهِيَ عَنْ أكْلِها فَجَعَلَ يَدُورُ في الجَنَّةِ فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى مَلَكًا يُخاطِبُهُ فَقالَ لَهُ: أيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ يا آدَمُ قالَ: أُرِيدُ أنْ أضَعَ ما في بَطْنِي مِنَ الأذى فَقالَ لَهُ في أيِّ مَكانٍ تَضَعُهُ أعَلى الفُرُشِ أمْ عَلى السُّرُرِ أمْ في الأنْهارِ أمْ تَحْتَ ظِلالِ الأشْجارِ هَلْ تَرى ها هُنا مَكانًا يَصْلُحُ لِذَلِكَ ثُمَّ أمَرَهُ بِالهُبُوطِ وأنا لا أرى لِهَذا الخَبَرِ صِحَّةً ومِثْلُهُ ما رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ ناداهُ رَبُّهُ يا آدَمُ لِمَ أكَلْتَ مِنها وقَدْ نَهَيْتُكَ قالَ أطْعَمَتْنِي حَوّاءُ فَقالَ سُبْحانَهُ: يا حَوّاءُ لِمَ أطِعَمْتِيهِ قالَتْ أمَرَتْنِي الحَيَّةُ فَقالَ لِلْحَيَّةِ لِمَ أمَرْتِها قالَتْ أمَرَنِي إبْلِيسُ فَقالَ اللَّهُ تَعالى أمّا أنْتِ يا حَوّاءُ فَلَأُدْمِينَكِ كُلَّ شَهْرٍ كَما أدْمَيْتُ الشَّجَرَةَ وأمّا أنْتِ يا حَيَّةُ فَأقْطَعُ رِجْلَيْكَ فَتَمْشِينَ عَلى وجْهِكِ وسَيَشْدَخُ وجْهَكَ كُلُّ مَن لَقِيَكِ وأمّا أنْتَ يا إبْلِيسُ فَمَلْعُونٌ.
﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ﴿اهْبِطُوا﴾ وهي حالٌ مُقارِنَةٌ أوْ مَقَدَّرَةٌ واخْتارَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ كَوْنَ الجُمْلَةِ اسْتِئْنافِيَّةً كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالهُبُوطِ سَألُوا كَيْفَ يَكُونُ حالُنا فَأجِيبُوا بِأنَّ بَعْضَكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وأمْرُ العَداوَةِ عَلى تَقْدِيرِ دُخُولِ الشَّيْطانِ في الخِطابِ ظاهِرٌ وأمّا عَلى تَقْدِيرِ التَّخْصِيصِ بِآدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ بِاعْتِبارِ أنْ يُرادَ بِهِما ذَرِّيَّتُهُما إمّا بِالتَّجَوُّزِ كَإطْلاقِ تَمِيمٍ عَلى أوْلادِهِ كُلِّهِمْ أوْ يَكْتَفِي بِذِكْرِهِما عَنْهم واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ العَداوَةِ هُنا بِمَعْنى الظُّلْمِ أيْ يَظْلِمُ بَعْضُكم بَعْضًا بِسَبَبِ تَضْلِيلِ الشَّيْطانِ فَلْيُفْهَمْ.
﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ أيِ اسْتِقْرارٌ أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ فَهو إمّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوِ اسْمُ مَكانٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ بِمَعْنى اسْتَقَرَّ مُلْكُكم عَلَيْهِ وجازَ تَصَرُّفُكم فِيهِ ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ ومُحْتاجٌ إلى الحَذْفِ والإيصالِ واللَّفْظُ في نَفْسِهِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ زَمانٍ إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ هُنا لِأنَّهُ يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَتاعٌ﴾ أيْ بُلْغَةٌ ﴿إلى حِينٍ﴾ (24) يُرِيدُ بِهِ وقْتَ المَوْتِ وقِيلَ القِيامَةَ وتَجْعَلُ السُّكْنى في القَبْرِ تَمَتُّعًا في الأرْضِ أوْ يُقالُ مَعْنًى ( لَكم ) لِجِنْسِكم ولِمَجْمُوعِكم والظَّرْفُ قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِمَتاعٍ أوْ بِهِ وبِمُسْتَقِرٍّ عَلى التَّنازُعِ إنْ كانَ
صفحة 103
مَصْدَرًا وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَتاعٍ.
7:25Page 153
قَالَ فِيهَا تَحۡيَوۡنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنۡهَا تُخۡرَجُونَ ٢٥
He said, "Therein you will live, and therein you will die, and from it you will be brought forth."
﴿قالَ﴾ أُعِيدَ لِلِاسْتِئْنافِ إمّا لِلْإيذانِ بِعَدَمِ اتِّصالِ ما بَعْدَهُ بِما قَبْلَهُ وإمّا لِإظْهارِ العِنايَةِ بِما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ (25) عِنْدَ البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ غَيْرَ عاصِمٍ ( تَخْرُجُونَ ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الرّاءِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ.
7:26Page 153
يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٢٦
O children of Adam, We have bestowed upon you clothing to conceal your private parts and as adornment. But the clothing of righteousness - that is best. That is from the signs of Allāh that perhaps they will remember.
﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ خِطابٌ لِلنّاسِ كافَّةً واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى دُخُولِ أوْلادِ الأوْلادِ في الوَقْفِ عَلى الأوْلادِ ولا يَخْفى سِرُّ هَذا العُنْوانِ في هَذا المَقامِ.
﴿قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ أيْ خَلَقْنا لَكم ذَلِكَ بِأسْبابٍ نازِلَةٍ مِنَ السَّماءِ كالمَطَرِ الَّذِي يَنْبُتُ بِهِ القُطْنُ الَّذِي يُجْعَلُ لِباسًا قالَهُ الحَسَنُ وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المَعْنى أعْطَيْناكم ذَلِكَ ووَهَبْناهُ لَكم وكُلُّ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لِعَبْدِهِ فَقَدْ أنْزَلَهُ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ عُلُوٌّ أوْ سُفْلٌ بَلْ هو جارٍ مَجْرى التَّعْظِيمِ كَما تَقُولُ: رَفَعْتُ حاجَتِي إلى فُلانٍ وقِصَّتِي إلى الأمِيرِ ولَيْسَ هُناكَ نَقْلٌ مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ وقِيلَ المُرادُ قَضَيْنا لَكم وقَسَّمْناهُ وقَضاياهُ تَعالى وقَسْمُهُ تُوصَفُ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ حَيْثُ كُتِبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وعَلى كُلٍّ فالكَلامُ لا يَخْلُو عَنْ مَجازٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في المُسْنَدِ وهو الظّاهِرُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في اللِّباسِ أوِ الإسْنادِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُوارِي﴾ أيْ يَسْتُرُ تَرْشِيحٌ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ الكَلامَ عَلى حَقِيقَتِهِ مُدَّعِيًا نُزُولَ ذَلِكَ مَعَ آدَمَ وحَوّاءَ مِنَ الجَنَّةِ حِينَ أُمِرا بِالهُبُوطِ إلى الأرْضِ ولَمْ نَقِفْ في ذَلِكَ عَلى خَبَرٍ كَسَتْهُ الصِّحَّةُ لِباسًا نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُهْبِطَ آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ عُرْيانَيْنِ جَمِيعًا عَلَيْهِما ورَقُ الجَنَّةِ فَأصابَ آدَمَ الحَرُّ حَتّى قَعَدَ يَبْكِي ويَقُولُ لَها: يا حَوّاءُ قَدْ آذانِي الحَرُّ فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقُطْنٍ وأمَرَها أنْ تَغْزِلَهُ وعَلَّمَها وعَلَّمَ آدَمَ وأمَرَهُ بِالحِياكَةِ وعَلَّمَهُ».
وجاءَ في خَبَرٍ آخَرَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُهْبِطَ ومَعَهُ البُذُورُ فَوَضَعَ إبْلِيسُ عَلَيْها يَدَهُ فَما أصابَ يَدَهُ ذَهَبَ مَنفَعَتَهُ.
وفِي آخَرَ رَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُهْبِطَ مَعَهُ ثَمانِيَةُ أزْواجٍ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والضَّأْنِ والمَعْزِ وبِأسَنَةٍ والعَلاةِ والكَلْبَتانِ وغَرِيسَةُ عِنَبٍ ورَيْحانٌ وكُلُّ ذَلِكَ عَلى ما فِيهِ لا يَدُلُّ عَلى المُدَّعِي وإنْ صَلَحَ بَعْضُ ما فِيهِ لِأنْ يَكُونَ مَبْدَأً لِما يُوارِي ﴿سَوْآتِكُمْ﴾ أيِ الَّتِي قَصَدَ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ إبْداءَها مِن أبَوَيْكم حَتّى اضْطَرّا إلى خَصْفِ الأوْراقِ وأنْتُمْ مُسْتَغْنُونَ عَنْ ذَلِكَ رَوى غَيْرُ واحِدٍ أنَّ العَرَبَ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عَرايا ويَقُولُونَ نَطُوفُ بِثِيابٍ عَصَيْنا اللَّهَ تَعالى فِيها فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ كَذَلِكَ تَفاؤُلًا بِالتَّعَرِّي عَنِ الذُّنُوبِ والآثامِ ولَعَلَّ ذِكْرَ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ لِلْإيذانِ بِأنَّ انْكِشافَ العَوْرَةِ أوَّلُ سُوءٍ أصابَ الإنْسانَ مِن قِبَلِ الشَّيْطانِ وأنَّهُ أغْواهم في ذَلِكَ كَما فَعَلَ بِأبَوَيْهِمْ.
وفِي الكَشّافِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وارِدَةٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ عَقِيبَ ذَكْرِ بَدْءِ السَّوْآتِ وخَصْفِ الوَرَقِ عَلَيْها إظْهارًا لِلْمِنَّةِ فِيما خُلِقَ مِنَ اللِّباسِ ولِما في العُرْيِ وكَشْفِ العَوْرَةِ مِنَ المَهانَةِ والفَضِيحَةِ وإشْعارًا بِأنَّ التَّسَتُّرَ بابٌ عَظِيمٌ مِن أبْوابِ التَّقْوى ﴿ورِيشًا﴾ أيْ زِينَةً أخْذًا مِن رِيشِ الطَّيْرِ لِأنَّهُ زِينَةٌ لَهُ وعَطْفُهُ عَلى هَذا مِن عَطْفِ الصِّفاتِ فَيَكُونُ اللِّباسُ مَوْصُوفًا بِشَيْئَيْنِ مُواراةِ السَّوْأةِ والزِّينَةِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى غَيْرِهِ أنْزَلْنا لِباسَيْنِ لِباسَ مُواراةٍ ولِباسَ زِينَةٍ فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ فِيهِ المَوْصُوفُ أيْ لِباسًا رِيشًا أيْ ذا رِيشٍ
صفحة 104
وتَفْسِيرُ الرِّيشِ بِالزِّينَةِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الِاسْمِ والمَصْدَرِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ أنَّ المُرادَ بِهِ المالُ ومِنهُ تَرَيَّشَ الرَّجُلُ أيْ تَمَوَّلَ وعَنِ الأخْفَشِ أنَّهُ الخِصْبُ والمَعاشُ وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: إنَّهُ جَمِيعُ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ.
وقَرَأ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ( ورِياشًا ) وهو إمّا مَصْدَرٌ كاللِّباسِ أوْ جَمْعُ رِيشٍ كَشِعْبٍ وشِعابٍ ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ أيِ العَمَلُ الصّالِحُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ خَشْيَةُ اللَّهِ تَعالى كَما رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
أوِ الحَياءُ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أوِ الإيمانُ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ أوْ ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ وهو اللِّباسُ الأوَّلُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أوْ لِباسُ الحَرْبِ الدِّرْعُ والمِغْفَرُ والآلاتُ الَّتِي يَتَّقِي بِها مِنَ العَدُوِّ كَما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم واخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ أوْ ثِيابُ النُّسُكِ والتَّواضُعِ كَلِباسِ الصُّوفِ والخَشِنِ مِنَ الثِّيابِ كَما اخْتارَهُ الجُبّائِيُّ فاللَّفْظُ إمّا مُشاكَلَةٌ وإمّا مَجازٌ وإمّا حَقِيقَةٌ ورَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ والرّابِطُ اسْمُ الإشارَةِ لِأنَّهُ يَكُونُ رابِطًا كالضَّمِيرِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿خَيْرٌ﴾ و﴿ذَلِكَ﴾ صِفَةَ لِباسٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ وغَيْرُهُما واعْتُرِضَ بِأنَّ الأسْماءَ المُبْهَمَةَ أعْرَفُ مِنَ المُعَرَّفِ بِاللّامِ ومِمّا أُضِيفَ إلَيْهِ والنَّعْتُ لا بُدَّ أنْ يُساوِيَ المَنعُوتَ في رُتْبَةِ التَّعْرِيفِ أوْ يَكُونَ أقَلَّ مِنهُ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أعْرَفَ مِنهُ فَلِذا قِيلَ إنَّ ﴿ذَلِكَ﴾ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ لا نَعْتٌ وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ فَإنَّ تَعْرِيفَ اسْمِ الإشارَةِ لِكَوْنِهِ بِالإشارَةِ الحِسِّيَّةِ الخارِجَةِ عَنِ الوَضْعِ قِيلَ: إنَّهُ أنْقَصُ مِن ذِي اللّامِ وقِيلَ: إنَّهُما في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ وعَنِ أبِي عَلِيٍّ وهو غَرِيبٌ أنَّ ذَلِكَ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ وهو فَصْلٌ كالضَّمِيرِ وقُرِئَ ( ولِباسَ التَّقْوى ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ( لِباسًا ) قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: وحِينَئِذٍ يَكُونُ اللِّباسُ المُنَزَّلُ ثَلاثَةً أوْ يُفَسَّرُ ( لِباسُ التَّقْوى ) بِلِباسِ الحَرْبِ أوْ يُجْعَلُ الإنْزالُ مُشاكَلَةً وذُكِرَ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ أنَّ ذَلِكَ إنْ كانَ إشارَةً لِلِّباسِ المُوارِي فَلِباسُ التَّقْوى حَقِيقَةٌ والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ وإنْ كانَ لِلِباسِ التَّقْوى فَهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ أوْ مِن قَبِيلِ لُجَيْنِ الماءِ وعَلى كُلٍّ تَكُونُ الإشارَةُ بِالبَعِيدِ لِلتَّعْظِيمِ بِتَنْزِيلِ البُعْدِ الرُّتْبِيِّ مَنزِلَةَ البُعْدِ الحِسِّيِّ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ إنْزالُ اللِّباسِ المُتَقَدِّمِ كُلِّهِ أوِ الأخِيرِ ﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ الدّالَّةِ عَلى عَظِيمِ فَضْلِهِ وعَمِيمِ رَحْمَتِهِ ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ (26) فَيَعْرِفُونَ نِعْمَتَهُ أوْ يَتَّعِظُونَ فَيَتَوَرَّعُونَ عَنِ القَبائِحِ.
7:27Page 153
يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٧
O children of Adam, let not Satan tempt you as he removed your parents from Paradise, stripping them of their clothing1 to show them their private parts. Indeed, he sees you, he and his tribe, from where you do not see them. Indeed, We have made the devils allies to those who do not believe.
﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ تَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ ما صَدَرَ بِهِ ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ لا يُوقِعَنَّكم في الفِتْنَةِ والمِحْنَةِ بِأنْ يُوَسْوِسَ لَكم بِما يَمْنَعُكم بِهِ عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ فَتُطِيعُوهُ وقُرِئَ ( يُفْتِنَنَّكم ) بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ مِن أفْتَنَهُ حَمَلَهُ عَلى الفِتْنَةِ وقُرِئَ ( يَفْتِنُكم ) بِغَيْرِ تَوْكِيدٍ وهَذا نَهْيٌ لِلشَّيْطانِ في الصُّورَةِ والمُرادُ نَهْيُ المُخاطَبِينَ عَنْ مُتابَعَةِ وفِعْلِ ما يَقُودُ إلى الفِتْنَةِ ﴿كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ أيْ كَما فَتَنَ أبَوَيْكم ومَحَنَهُما بِأنْ أخْرَجَهُما مِنها فَوُضِعَ السَّبَبُ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لا يَفْتِنَنَّكم فِتْنَةً مِثْلَ فِتْنَةِ إخْراجِ أبَوَيْكم أوْ لا يُخْرِجَنَّكم بِفِتْنَتِهِ إخْراجًا مِثْلَ إخْراجِهِ أبَوَيْكم ونِسْبَةُ الإخْراجِ إلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ بِسَبَبِ إغْوائِهِ وكَذا نِسْبَةُ النَّزْعِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ( أبَوَيْكم ) أوْ مِن فاعِلِ ( أخْرَجَ ) ولَفْظُ المُضارِعِ عَلى
صفحة 105
ما قالَهُ القُطْبُ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِأنَّ النَّزْعَ السَّلْبُ وهو ماضٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الإخْراجِ وإنْ كانَ العُرْيُ باقِيًا.
وقَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ كَما هو مَعْرُوفٌ في الجُمْلَةِ المَصَدَّرَةِ بِإنَّ في أمْثالِهِ وتَأْكِيدٌ لِلتَّحْذِيرِ لِأنَّ العَدُوَّ إذا أتى مِن حَيْثُ لا يُرى كانَ أشَدَّ وأخْوَفَ والضَّمِيرُ في ( إنَّهُ ) لِلشَّيْطانِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلشَّأْنِ وهو تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( يَراكم ) وقَبِيلُهُ عَطْفٌ عَلَيْهِ لا عَلى البارِزِ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلتَّأْكِيدِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ و( حَيْثُ ) ظَرْفٌ لِمَكانِ انْتِفاءِ الرُّؤْيَةِ وجُمْلَةُ ( لا تَرَوْنَهم ) في مَحَلِّ جَرٍّ بِالإضافَةِ: وعَنْ أبِي إسْحاقَ أنَّ حَيْثُ مَوْصُولَةٌ وما بَعْدُ صِلَةٌ لَها ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ ذَلِكَ كالمَوْصُولِ وإلّا فَلا قائِلَ بِهِ غَيْرُهُ كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ والقَبِيلُ الجَماعَةُ فَإنْ كانُوا مِن أبٍ واحِدٍ فَهم قَبِيلَةٌ والمُرادُ بِهِمْ هُنا جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وقَرَأ اليَزِيدِيُّ ( وقَبِيلَهُ ) بِالنَّصْبِ وهو عَطْفٌ عَلى اسْمِ إنَّ ويَتَعَيَّنُ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلشَّيْطانِ ولا يَصِحُّ كَوْنُهُ لِلشَّأْنِ خِلافًا لِمَن وهِمَ فِيهِ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ العَطْفُ عَلَيْهِ ولا يُتْبَعُ بِتابِعٍ.
والقَضِيَّةُ مُطْلَقَةٌ لا دائِمَةٌ فَلا تَدُلُّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّ الجِنَّ لا يُرَوْنَ ولا يَظْهَرُونَ لِلْإنْسِ أصْلًا ولا يَتَمَثَّلُونَ.
ويَشْهَدُ لِما قُلْنا ما صَحَّ مِن رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَقْدَمِهِمْ حِينَ رامَ أنْ يَشْغَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ صَلاتِهِ فَأمْكَنَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ وأرادَ أنْ يَرْبُطَهُ إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ يَلْعَبُ بِهِ صِبْيانُ المَدِينَةِ فَذَكَرَ دَعْوَةَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَتَرَكَهُ ورُؤْيَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ لِجِنِّ نُصَيْبِينَ وما نُقِلَ عَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أنَّ مَن زَعَمَ أنَّهُ رَآهم رُدَّتْ شَهادَتُهُ وعُزِّرَ لِمُخالَفَتِهِ القُرْآنَ مَحْمُولًا كَما قالَ البَعْضُ عَلى زاعِمِ رُؤْيَةِ صُوَرِهِمُ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْها إذْ رُؤْيَتُهم بَعْدَ التَّشَكُّلِ الَّذِي أقْدَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ وهو رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن ساداتِهِمْ وما نُوزِعَ بِهِ القَوْلُ بِقُدْرَتِهِمْ عَلى التَّشَكُّلِ مِنَ اسْتِلْزامِهِ رَفْعُ الثِّقَةِ بِشَيْءٍ فَإنَّ مَن رَأى ولَوْ ولَدَهُ يُحْتَمَلُ إنَّهُ رَأى جِنِّيًّا تَشَكَّلَ بِهِ مَرْدُودٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى تَكَفَّلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِعِصْمَتِها عَنْ أنْ يَقَعَ فِيها ما يُؤَدِّي لِمِثْلِ ذَلِكَ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ الرِّيبَةُ في الدِّينِ ورَفْعُ الثِّقَةِ بِعالِمٍ وغَيْرِهِ فاسْتَحالَ شَرْعًا الِاسْتِلْزامُ المَذْكُورُ وقَوْلُ العَلّامَةِ البَيْضاوِيُّ بَعْدَ تَعْرِيفِ الجِنِّ في سُورَتِهِمْ بِما عُرِّفَ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ ﷺ ما رَآهم ولَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ وإنَّما اتَّفَقَ حُضُورُهم في بَعْضِ أوْقاتِ قِراءَتِهِ فَسَمِعُوها فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ ناشِئٌ مِن عَدَمِ الاطِّلاعِ عَلى الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الكَثِيرَةِ المُصَرِّحَةِ بِرُؤْيَتِهِ ﷺ لَهم وقِراءَتُهُ عَلَيْهِمْ وسُؤالُهم مِنهُ الزّادَ لَهم ولِدَوابِّهِمْ عَلى كَيْفِيّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وعِنْدِي أنَّهُ لا مانِعَ مِن رُؤْيَتِهِ ﷺ لِلْجِنِّ عَلى صُوَرِهِمُ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْها فَقَدْ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِصُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ مَرَّتَيْنِ ولَيْسَتْ رُؤْيَتُهم بِأبْعَدَ مِن رُؤْيَتِهِ ورُؤْيَةُ كُلِّ مَوْجُودٍ عِنْدَنا في حَيِّزِ الإمْكانِ واللَّطافَةِ المانِعَةِ مِن رُؤْيَتِهِمْ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لا تُوجِبُ الِاسْتِحالَةَ ولا تَمْنَعُ الوُقُوعَ خَرْقًا لِلْعادَةِ وكَذا تَعْلِيلُ الأشاعِرَةِ عَدَمَ الرُّؤْيَةِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ في عُيُونِ الإنْسِ قُوَّةَ الإدْراكِ لا يَقْتَضِي الِاسْتِحالَةَ أيْضًا لِجَوازِ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في عَيْنِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرّائِيَ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ عَلى الأصَحِّ لَيْلَةَ المِعْراجِ تِلْكَ القُوَّةَ فَيَراهم بَلْ لا يَبْعُدُ القَوْلُ بِرُؤْيَةِ الأوْلِياءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَهم كَذَلِكَ لَكِنْ لَمْ أجِدْ صَرِيحًا ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ وأمّا رُؤْيَةُ الأوْلِياءِ بَلْ سائِرِ النّاسِ لَهم مُتَشَكِّلِينَ فَكُتُبُ القَوْمِ مَشْحُونَةٌ بِها ودَفاتِرُ المُؤَرِّخِينَ والقُصّاصِ مَلْأى مِنها وعَلى هَذا لا يُفَسَّقُ
صفحة 106
مُدَّعِي رُؤْيَتِهِمْ في صُوَرِهِمُ الأصْلِيَّةِ إذا كانَتْ مَظِنَّةً لِلْكَرامَةِ ولَيْسَ في الآيَةِ أكْثَرُ مِن نَفْيِ رُؤْيَتِهِمْ كَذَلِكَ بِحَسَبِ العادَةِ عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ خارِجَةً مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ لِدَقِيقِ مَكْرِهِمْ وخَفِيِّ حِيَلِهِمْ ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنها نَفْيَ الرُّؤْيَةِ حَقِيقَةً ومِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِكُفْرِ مُدَّعِي تِلْكَ الرُّؤْيَةِ خارِجٌ عَنِ الإنْصافِ فَتَدَبَّرْ.
﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (27) أيْ قُرَناءَ لَهم مُسَلَّطِينَ عَلَيْهِمْ مُتَمَكِّنِينَ مِن إغْوائِهِمْ بِما أوْجَدْنا بَيْنَهم مِنَ المُناسَبَةِ أوْ بِإرْسالِهِمْ عَلَيْهِمْ وتَمْكِينِهِمْ مِنهم والجُمْلَةُ إمّا تَعْلِيلٌ آخَرُ لِلنَّهْيِ وتَأْكِيدٌ لِلتَّحْذِيرِ إثْرَ تَأْكِيدٍ وإمّا فَذْلَكَةٌ لِلْحِكايَةِ السّابِقَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences