Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:57–60
7:57Page 157
وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٥٧
And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall] until, when they have carried heavy rainclouds, We drive them to a dead land and We send down rain therein and bring forth thereby [some] of all the fruits. Thus will We bring forth the dead; perhaps you may be reminded.
﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أوْ عَلى حَدِيثِ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( الرِّيحَ ) عَلى الوَحْدَةِ وهو مُتَحَمِّلٌ لِمَعْنى الجِنْسِيَّةِ فَيُطْلَقُ عَلى الكَثِيرِ وخَبَرُ اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا مُخَرَّجٌ عَلى قِراءَةِ الأكْثَرِينَ ﴿بُشْرًا﴾ بِضَمِّ المُوَحَّدَةِ وسُكُونِ الشِّينِ مُخَفَّفُ ( بُشُرًا ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ بَشِيرٍ كَنُذُرٍ ونَذِيرٍ أيْ مُبَشِّراتٌ وهي قِراءَةُ عاصِمٍ ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا ( بُشُرًا ) عَلى الأصْلِ وقُرِئَ بِفَتْحِ الباءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ بَشَرَهُ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنى بَشَّرَهُ المُشَدَّدِ والمُرادُ باشِراتٌ أوْ لِلْبِشارَةِ وقُرِئَ ( بُشْرى ) كَحُبْلى وهو مَصْدَرٌ أيْضًا مِنَ البِشارَةِ وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والبَصْرَةِ ( نُشُرًا ) بِضَمِّ النُّونِ والشِّينِ جَمْعُ نَشُورٍ بِفَتْحِ النُّونِ بِمَعْنى ناشِرٍ وفَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ يَطَّرِدُ جَمْعُهُ كَصَبُورٍ وصُبُرٍ ولَمْ يُجْعَلْ جَمْعُ ناشِرٍ كَبازِلٍ وبَزْلٍ لِأنَّ جَمْعَ فاعِلٍ عَلى فَعْلٍ شاذٌّ
صفحة 145
واخْتُلِفَ في مَعْنى ناشِرٍ فَفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ قِيلَ: هو عَلى النَّسَبِ إمّا إلى النَّشْرِ ضِدَّ الطَّيِّ وإمّا إلى النُّشُورِ بِمَعْنى الإحْياءِ لِأنَّ الرِّيحَ تُوصَفُ بِالمَوْتِ والحَياةِ كَقَوْلِهِ.
إنِّي لَأرْجُو أنْ تَمُوتَ الرِّيحُ فَأقْعُدُ اليَوْمَ وأسْتَرِيحُ
كَما يَصِفُها المُتَأخِّرُونَ بِالعِلَّةِ والمَرَضِ ومِمّا يَحْكِي النَّسِيمُ مِن ذَلِكَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ في شِدَّةِ الحَرِّ.
أظُنُّ نَسِيمَ الرَّوْضِ ماتَ لِأنَّهُ ∗∗∗ لَهُ زَمَنٌ في الرَّوْضِ وهو عَلِيلُ
وقِيلَ: هو فاعِلٌ مِن نَشَرَ مُطاوِعُ أنْشَرَ اللَّهُ تَعالى المَيِّتَ فَنُشِرَ وهو ناشِرٌ كَقَوْلِهِ.
حَتّى يَقُولَ النّاسُ مِمّا رَأوْا ∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النّاشِرِ
قِيلَ: ناشِرٌ بِمَعْنى مُنْشِرٍ أيْ مُحْيِي وقِيلَ: فَعُولٌ هُنا بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَرَسُولٍ ورُسُلٍ وقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ إلّا أنَّهُ نادِرٌ مُفْرَدُهُ وجَمْعُهُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( نُشْرًا ) بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الشِّينِ حَيْثُ وقَعَ والتَّخْفِيفُ في فِعْلٍ مُطَّرِدٍ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( نَشْرًا ) بِفَتْحِ النُّونِ حَيْثُ وقَعَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ بِمَعْنى ناشِراتٍ أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ فَإنَّ الإرْسالَ والنَّشْرَ مُتَقارِبانِ ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أيْ قُدّامَ رَحْمَتِهِ وهو مِنَ المَجازِ كَما نُقِلَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الأنْبارِيِّ والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ غالِبُ المُفَسِّرِينَ المَطَرُ وسَمِّيَ رَحْمَةً لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ مِنَ المَنافِعِ ولا يَخْفى أنَّ الرَّحْمَةَ في المَشْهُورِ عامَّةٌ فَإطْلاقُها عَلى ذَلِكَ إنْ كانَ مِن حَيْثُ خُصُوصِهِ مَجازٌ لِكَوْنِهِ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ في غَيْرِ ما وُضِعَ لَهُ إذِ اللَّفْظُ لَمْ يُوضَعْ لِذَلِكَ الخاصِّ بِخُصُوصِهِ وإنْ كانَ إطْلاقُها عَلَيْهِ لا بِخُصُوصِهِ بَلْ بِاعْتِبارِ عُمُومِهِ وكَوْنِهِ فَرْدًا مِن أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ فَهو حَقِيقَةٌ لِأنَّهُ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ فِيما وُضِعَ لَهُ عَلى ما بُيِّنَ في شَرْحِ التَّلْخِيصِ وغَيْرِهِ.
وادَّعى الشِّهابُ إثْباتَ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ كَوْنَ المَطَرِ مِن مَعانِي الرَّحْمَةِ وقَوْلُ ابْنِ هِشامٍ في رِسالَتِهِ الَّتِي ألَّفَها في بَيانِ وجْهِ تَذْكِيرِ ( قَرِيبٌ ) المارُّ عَنْ قَرِيبٍ إنّا لا نَجِدُ أهْلَ اللُّغَةِ حَيْثُ يَتَكَلَّمُونَ عَلى الرَّحْمَةِ يَقُولُونَ: ومِن مَعانِيها المَطَرُ فَلَوْ كانَتْ مَوْضُوعَةً لَهُ لَذَكَرُوهُ قُصارى ما فِيهِ عَدَمُ الوِجْدانِ وهو لا يَسْتَدْعِي عَدَمَ الوُجُودِ ومِمّا اشْتُهِرَ أنَّ المُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي ومَن حَفِظَ حُجَّةً عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ والمَقامُ ظاهِرٌ في إرادَةِ هَذا المَعْنى وبَيانِ كَوْنِ الرِّياحِ مُرْسَلَةً أمامَ ذَلِكَ ما قِيلَ: إنَّ الصَّبا تُثِيرُ السَّحابَ والشَّمالَ تَجْمَعُهُ والجَنُوبَ تُدِرُّهُ والدَّبُّورَ تُفَرِّقُهُ وهَذِهِ أحَدُ أنْواعِ الرِّيحِ المَشْهُورَةِ عِنْدَ العَرَبِ وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الرِّياحَ ثَمانِيَةٌ أرْبَعٌ مِنها عَذابٌ وهي القاصِفُ والعاصِفُ والصَّرْصَرُ والعَقِيمُ وأرْبَعٌ مِنها رَحْمَةٌ وهي النّاشِراتُ والمُبَشِّراتُ والمُرْسَلاتُ والذّارِياتُ.
والرِّيحُ مِن أعْظَمِ مِنَنِ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ وعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ لَوْ حَبَسَ اللَّهُ تَعالى الرِّيحَ عَنْ عِبادِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ لَأنْتَنَ أكْثَرُ أهْلِ الأرْضِ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ العالَمَ ومَلَأهُ هَواءً ولَوْ أمْسَكَ الهَواءَ ساعَةً لَأنْتَنَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّهُ يُكْرَهُ سَبُّ الرِّيحِ فَقَدْ رَوى الشّافِعِيُّ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: أخَذَتِ النّاسَ رِيحٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حاجٌّ فاشْتَدَّتْ فَقالَ عُمَرُ لِمَن حَوْلَهُ: ما بَلَغَكم في الرِّيحِ فَلَمْ يُرْجِعُوا إلَيْهِ شَيْئًا وبَلَغَنِي الَّذِي سَألَ عُمَرُ عَنْهُ مِن أمْرِ الرِّيحِ فاسْتَحْثَثْتُ راحِلَتِي حَتّى أدْرَكْتُ عُمَرَ وكُنْتُ مُؤَخَّرَ النّاسِ فَقُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أُخْبِرْتُ أنَّكَ سَألْتَ عَنِ الرِّيحِ فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الرِّيحُ مِن رُوحِ اللَّهِ تَعالى تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وتَأْتِي بِالعَذابِ فَإذا رَأيْتُمُوها فَلا تَسُبُّوها واسْألُوا اللَّهَ
صفحة 146
تَعالى مِن خَيْرِها واسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن شَرِّها» ولا مُنافاةَ بَيْنَ الآيَةِ وهَذا الخَبَرِ إذْ لَيْسَ فِيها أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُرْسِلُها إلّا بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَةِ ولَئِنْ سُلِّمَ فَهو خارِجُ مَجْرى الغالِبِ فَإنَّ العَذابَ بِالرِّيحِ نادِرٌ وقِيلَ: ما في الخَبَرِ إنَّما هو الإيتاءُ بِالرَّحْمَةِ والإيتاءُ بِالعَذابِ لا الإرْسالُ بَيْنَ يَدَيْ كُلٍّ ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ﴾ غايَةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُرْسِلُ﴾ والإقْلالُ كَما في جَمْعِ البَيانِ حَمْلُ الشَّيْءِ بِأسْرِهِ واشْتِقاقُهُ مِنَ القِلَّةِ وحَقِيقَةُ أقَلَّهُ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ جَعَلَهُ قَلِيلًا أوْ وجَدَهُ قَلِيلًا والمُرادُ ظَنَّهُ كَذَلِكَ كَأكْذَبَهَ إذا جَعَلَهُ كاذِبًا في زَعْمِهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى حَمَلَهُ لِأنَّ الحامِلَ يَسْتَقِلُّ ما يَحْمِلُهُ أيْ يَعُدُّهُ قَلِيلًا ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: جُهْدُ المُقِلِّ أيِ الحامِلُ ﴿سَحابًا﴾ أيْ غَيْمًا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِانْسِحابِهِ في الهَواءِ وهو اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ واحِدِهِ بِالتّاءِ كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ ويُفْرَدُ وصْفُهُ ويُجْمَعُ.
وأهْلُ اللُّغَةِ كالجَوْهَرِيِّ وغَيْرِهِ تُسَمِّيهِ جَمْعًا فَلِذا رُوعِيَ فِيهِ الوَجْهانِ في وصْفِهِ وضَمِيرِهِ وجاءَ في الجَمْعِ سَحُبٌ وسَحائِبُ ﴿ثِقالا﴾ مِنَ الثِّقَلِ كَعِنَبٍ ضِدُّ الخِفَّةِ يُقالُ: ثَقُلَ كَكَرُمَ ثِقَلًا وثَقالَةً فَهو ثَقِيلٌ وثِقَلُ السَّحابِ بِما فِيهِ مِنَ الماءِ ﴿سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ أيْ لِأجْلِهِ ومَنفَعَتِهِ أوْ لِإحْيائِهِ أوْ لِسَقْيِهِ كَما قِيلَ.
وفِي البَحْرِ أنَّ اللّامَ لِلتَّبْلِيغِ كَما في قُلْتُ لَكَ وفُرِّقَ بَيْنَ سُقْتُ لَكَ مالًا وسُقْتُ لِأجْلِكَ مالًا بِأنَّ الأوَّلَ مَعْناهُ أوْصَلْتُ لَكَ ذَلِكَ وأبْلَغْتُكَهُ والثّانِيَ لا يَلْزَمُ مِنهُ وُصُولُهُ إلَيْهِ والبَلَدُ كَما قالَ اللَّيْثُ كُلُّ مَوْضِعٍ في الأرْضِ عامِرٌ أوْ غَيْرُ عامِرٍ خالٍ أوْ مَسْكُونٌ والطّائِفَةُ مِنهُ بَلْدَةٌ والجَمْعُ بِلادٌ وتُطْلَقُ البَلْدَةُ عَلى المَفازَةِ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى.
وبَلْدَةٌ مِثْلُ ظَهْرِ التُّرْسِ مُوحِشَةٌ ∗∗∗ لِلْجِنِّ بِاللَّيْلِ في حافاتِها زَجَلُ
﴿فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ﴾ أيْ بِالبَلَدِ أوِ السَّحابِ كَما قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ أوْ بِالسَّوْقِ أوِ الرِّياحِ كَما قِيلَ والتَّذْكِيرُ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى الماءِ وهو الظّاهِرُ لِقُرْبِهِ لَفْظًا ومَعْنًى ومُطابَقَةُ النَّظائِرِ وانْفِكاكُ الضَّمائِرِ لا بَأْسَ بِهِ إذا قامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وحُسْنُ المُلاءَمَةِ.
وإذا كانَ لِلْبَلَدِ فالباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ في الثّانِي ولِلْإلْصاقِ في الأوَّلِ لِأنَّ الإنْزالَ لَيْسَ في البَلَدِ بَلِ المُنَزَّلُ وجُوِّزَ الظَّرْفِيَّةُ أيْضًا كَما في رَمَيْتُ الصَّيْدَ في الحَرَمِ عَلى ما عَلِمْتَ فِيما مَرَّ وإذا كانَ لِغَيْرِهِ فَهي لِلسَّبَبِيَّةِ وتَشْمَلُ القَرِيبَةَ والبَعِيدَةَ.
﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أيْ مِن كُلِّ أنْواعِها لِأنَّ الِاسْتِغْراقَ غَيْرُ مُرادٍ ولا واقِعٌ وهَذا أبْلَغُ في إظْهارِ القُدْرَةِ المُرادِ وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِغْراقَ عُرْفِيٌّ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ لِلتَّكْثِيرِ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ ( مِن ) لِلتَّبْعِيضِ وأنْ تَكُونَ لِتَبْيِينِ الجِنْسِ ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى﴾ إشارَةٌ إلى إخْراجِ الثَّمَراتِ أوْ إلى إحْياءِ البَلَدِ المَيِّتِ أيْ كَما نُحْيِيهِ بِإحْداثِ القُوى النّامِيَةِ فِيهِ وتَطْرِيَتِها بِأنْواعِ النَّباتِ والثَّمَراتِ نُخْرِجُ المَوْتى مِنَ الأرْضِ ونُحْيِيها بِرَدِّ النُّفُوسِ إلى مَوادِّ أبْدانِها بَعْدَ جَمْعِها وتَطْرِيَتِها بِالقُوى والحَواسِّ كَذا قالُوا وهو إشارَةٌ كَما قِيلَ إلى طَرِيقَيِ القائِلِينَ بِالمَعادِ الجُسْمانِيِّ وهُما إيجادُ البَدَنِ بَعْدَ عَدَمِهِ ثُمَّ إحْياؤُهُ وضَمُّ بَعْضِ أجْزائِهِ إلى بَعْضٍ عَلى النَّمَطِ السّابِقِ بَعْدَ تَفَرُّقِها ثُمَّ إحْياؤُهُ.
واسْتُظْهِرَ الأوَّلُ بِأنَّ المُتَبادَرَ مِنَ الآيَةِ كَوْنُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ الإخْراجَيْنِ مِن كَتْمِ العَدَمِ والثّانِي يَحْتاجُ إلى تَمَحُّلِ تَقْدِيرِ الإحْياءِ واعْتِبارِ جَمْعِ الأجْزاءِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ وجُوِّزَ أنْ يَرْجِعَ ما في الشِّقِّ الثّانِي مِنَ الإحْياءِ بِرَدِّ النُّفُوسِ .. إلَخْ. إلى الأوَّلِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ الإخْراجِ مِن كَتْمِ العَدَمِ وأدِلَّةُ
صفحة 147
اسْتِحالَةِ ذَلِكَ مِمّا لا تَقُومُ عَلى ساقٍ وقَدَمٍ إلّا أنَّ الأدِلَّةَ النَّقْلِيَّةَ عَلى كُلٍّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ مُتَجاذِبَةٌ وإذا صَحَّ القَوْلُ بِالمَعادِ الجُسْمانِيِّ فَلا بَأْسَ بِالقَوْلِ بِأيٍّ كانَ مِنهُما وكَوْنُ إخْراجِ الثَّمَراتِ مِن كَتْمِ العَدَمِ قَدْ لا يُسَلَّمُ فَإنَّ لَها أصْلًا في الجُمْلَةِ عَلى أنَّ إخْراجَ المَوْتى عِنْدَ القائِلِينَ بِالطَّرِيقِ الأوَّلِ إعادَةٌ ولَيْسَ إخْراجُ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ إذْ لَمْ يَكُنْ لَها وُجُودٌ قَبْلُ نَعَمْ كَوْنُ الأظْهَرِ أنَّ التَّشْبِيهِ بَيْنَ الإخْراجَيْنِ مِمّا لا مِرْيَةَ فِيهِ وفي الخازِنِ اخْتَلَفُوا في وجْهِ التَّشْبِيهِ فَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى كَما يَخْلُقُ النَّباتَ بِواسِطَةِ إنْزالِ المَطَرِ كَذَلِكَ يُحْيِي المَوْتى بِواسِطَةِ إنْزالِ المَطَرِ أيْضًا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ النّاسَ إذا ماتُوا في النَّفْخَةِ الأُولى أُمْطِرَ عَلَيْهِمْ ماءٌ مِن تَحْتِ العَرْشِ يُدْعى ماءَ الحَياةِ أرْبَعِينَ سَنَةً فَيَنْبُتُونَ كَما يَنْبُتُ الزَّرْعُ مِنَ الماءِ وفي رِوايَةٍ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ نَباتَ الزَّرْعِ حَتّى إذا اسْتُكْمِلَتْ أجْسادُهم تُنْفَخُ فِيهِمُ الرُّوحُ ثُمَّ يُلْقى عَلَيْهِمُ النَّوْمُ فَيَنامُونَ في قُبُورِهِمْ فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ عاشُوا ثُمَّ يُحْشَرُونَ مِن قُبُورِهِمْ ويَجِدُونَ طَعْمَ النَّوْمِ في رُؤُوسِهِمْ وأعْيُنِهِمْ كَما يَجِدُ النّائِمُ حِينَ يَسْتَيْقِظُ مِن نَوْمِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُونَ يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا فَيُنادِيهِمُ المُنادِي ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ .
وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ إذا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُخْرِجَ المَوْتى أمْطَرَ السَّماءَ حَتّى تَشَقَّقَ عَنْهُمُ الأرْضُ ثُمَّ يُرْسِلُ سُبْحانَهُ الأرْواحَ فَتَعُودُ كُلُّ رُوحٍ إلى جَسَدِها فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ تَعالى المَوْتى بِالمَطَرِ كَإحْيائِهِ الأرْضَ.
وقِيلَ: إنَّما وقَعَ التَّشْبِيهُ بِأصْلِ الإحْياءِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ كَيْفِيَّةٍ فَيَجِبُ الإيمانُ بِهِ ولا يَلْزَمُنا البَحْثُ عَنِ الكَيْفِيَّةِ ويَفْعَلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما يَشاءُ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ (57) فَتَعْلَمُونَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ فَهو قادِرٌ عَلى هَذا مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ والأصْلُ تَتَذَكَّرُونَ فَطُرِحَتْ إحْدى التّاءَيْنِ والخِطابُ قِيلَ: لِلنُّظّارِ مُطْلَقًا وقِيلَ: لِمُنْكِرِي البَعْثِ
7:58Page 158
وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدٗاۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَشۡكُرُونَ ٥٨
And the good land - its vegetation emerges by permission of its Lord; but that which is bad - nothing emerges except sparsely, with difficulty. Thus do We diversify the signs for a people who are grateful.
﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ أيِ الأرْضُ الكَرِيمَةُ التُّرْبَةِ الَّتِي لا سَبِخَةَ ولا حَرَّةَ واسْتِعْمالُ البَلَدِ بِمَعْنى القَرْيَةِ عُرْفٌ طارَ ومِن قَبِيلِ ذَلِكَ إطْلاقُهُ عَلى مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ ﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ بِمَشِيئَتِهِ وتَيْسِيرِهِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ والمُرادُ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ حَسَنًا وافِيًا غَزِيرَ النَّفْعِ لِكَوْنِهِ واقِعًا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي خَبُثَ﴾ مِنَ البِلادِ كالسَّبِخَةِ والحَرَّةِ ﴿لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ أيْ قَلِيلًا لا خَيْرَ فِيهِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ.
لا تُنْجِزَ الوَعْدَ إنْ وعَدْتَ وإنْ أعْطَيْتَ أعْطَيْتَ تافِهًا نَكِدا
ونُصْبُهُ عَلى الحالِ أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وأصْلُ الكَلامِ لا يَخْرُجُ نَباتُهُ فَحُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ وأُقِيمَ المُضافُ مَقامَهُ فَصارَ مَرْفُوعًا مُسْتَتِرًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأصْلُ ونَباتُ الَّذِي خَبُثَ والتَّعْبِيرُ أوَّلًا بِالطَّيِّبِ وثانِيًا بِالَّذِي خَبُثَ دُونَ الخَبِيثِ لِلْإيذانِ بِأنَّ أصْلَ الأرْضِ أنْ تَكُونَ طَيِّبَةً مُنْبِتَةً وخِلافُهُ طارٍ عارِضٌ وقُرِئَ ( يُخْرَجُ نَباتُهُ ) بِبِناءِ ( يُخْرَجُ ) لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ورَفْعُ ( نَباتُ ) عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ و( يُخْرِجُ نَباتَهُ ) بِبِناءِ ( يُخْرِجُ ) لِلْفاعِلِ مِن بابِ الإخْراجِ ونَصْبُ ( نَباتَهُ ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ والفاعِلُ ضَمِيرُ البَلَدِ وقِيلَ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى أوِ الماءِ وكَذا قُرِئَ في ( يُخْرِجُ ) المَنفِيِّ ونُصِبَ ( نَكِدًا ) حِينَئِذٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( نَكَدًا ) بِفَتْحَتَيْنِ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ ذا نَكَدٍ أوْ خُرُوجًا نَكَدًا وقَرَأ ( نَكْدًا ) بِالإسْكانِ لِلتَّخْفِيفِ كَنَزْهٍ في قَوْلِهِ.
صفحة 148
فَقالَ لِي قَوْلَ ذِي رَأْيٍ ومَقْدِرَةٍ ∗∗∗ مُجَرِّبٍ عاقِلٍ نَزْهٍ عَنِ الرَّيْبِ
﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ البَدِيعِ ﴿نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ نُرَدِّدُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ ونُكَرِّرُها وأصْلُ التَّصْرِيفِ تَبْدِيلُ حالٍ بِحالٍ ومِنهُ تَصْرِيفُ الرِّياحِ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ (58) نِعَمَ اللَّهِ تَعالى ومِنها تَصْرِيفُ الآياتِ وشُكْرُ ذَلِكَ التَّفَكُّرُ فِيها والِاعْتِبارُ بِها وخَصَّ الشّاكِرِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.
وقالَ الطَّيِّبِيُّ: ذِكْرُ ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ بَعْدَ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ مِن بابِ التَّرَقِّي لِأنَّ مَن تَذَكَّرَ آلاءَ اللَّهِ تَعالى عَرَفَ حَقَّ النِّعْمَةِ فَشَكَرَ وهَذا كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مَثَلٌ لِمَن يَنْجَعُ فِيهِ الوَعْظُ والتَّنْبِيهُ مِنَ المُكَلَّفِينَ ولِمَن لا يُؤَثِّرُ فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ .. إلَخْ. مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ: هو طَيِّبٌ وعَمَلُهُ طَيِّبٌ والَّذِي خَبُثَ .. إلَخْ. مَثَلٌ لِلْكافِرِ يَقُولُ: هو خَبِيثٌ وعَمَلُهُ خَبِيثٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّتِهِ كُلِّهِمْ إنَّما خُلِقُوا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمِنهم مَن آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى وكِتابِهِ فَطابَ ومِنهم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ تَعالى وكِتابِهِ فَخَبُثَ.
أخْرَجَ أحْمَدُ والشَّيْخانِ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أصابَ أرْضًا فَكانَتْ مِنها طائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ وكانَ مِنها أجادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ اللَّهُ تَعالى بِها النّاسَ فَشَرِبُوا مِنها وسَقَوْا وزَرَعُوا وأصابَ مِنها أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقِهَ في دِينِ اللَّهِ تَعالى ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ تَعالى الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» وإيثارُ خُصُوصِ التَّمْثِيلِ بِالأرْضِ الطَّيِّبَةِ والخَبِيثَةِ اسْتِطْرادٌ عَقِيبَ ذِكْرِ المَطَرِ وإنْزالِهِ بِالبَلَدِ ومُوازَنَةٌ بَيْنَ الرَّحْمَتَيْنِ كَما في الكَشْفِ ولِقُرْبِهِ مِنَ الِاعْتِراضِ جِيءَ بِالواوِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَعْنى ما ورَدَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِياضٍ المُجاشَعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في خُطْبَتِهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: إنِّي خَلَقْتُ عِبادِيَ حُنَفاءَ كُلَّهم وإنَّهم أتَتْهُمُ الشَّياطِينُ فاجْتالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ».
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ ويَنَصِّرانِهِ» ووَجْهُ الإشارَةِ قَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ
7:59Page 158
لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥٩
We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. Indeed, I fear for you the punishment of a tremendous Day."
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَقَّبَ ذَلِكَ بِما يُحَقِّقُهُ ويُقَرِّرُهُ مِن قِصَصِ الأُمَمِ الخالِيَةِ والقُرُونِ الماضِيَةِ وفي ذَلِكَ أيْضًا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ واللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا .. إلَخْ. واطَّرَدَ اسْتِعْمالُ هَذِهِ اللّامِ مَعَ قَدْ في الماضِي عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وقَلَّ الِاكْتِفاءُ بِها وحْدَها نَحْوَ قَوْلِهِ.
حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا فَما أنْ مِن حَدِيثٍ ولا صالِي
والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ لا تُساقُ إلّا تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها الَّتِي هي جَوابُها فَكانَتْ مَظِنَّةً لِتَوَقُّعِ المُخاطَبِ حُصُولَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ لِأنَّ القَسَمَ دَلَّ عَلى الِاهْتِمامِ فَناسَبَ ذَلِكَ إدْخالَ قَدْ ونُقِلَ عَنِ النُّحاةِ أنَّهم قالُوا: إذا كانَ جَوابُ القَسَمِ ماضِيًا مُثْبَتًا مُتَصَرِّفًا فِإمّا أنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنَ الحالِ فَيُؤْتى بِقَدْ وإلّا أُثْبِتَ
صفحة 149
بِاللّامِ وحْدَها فَجَوَّزُوا الوَجْهَيْنِ بِاعْتِبارَيْنِ ولَمْ يُؤْتَ هُنا بِعاطِفٍ وأُتِيَ بِهِ في هُودٍ والمُؤْمِنِينَ عَلى ما قالَ الكَرْمانِيُّ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ نُوحٍ صَرِيحًا في هُودٍ وضِمْنًا في المُؤْمِنِينَ حَيْثُ ذَكَرَ فِيها قَبْلُ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ مَن صَنَعَها بِخِلافِ ما هُنا ونُوحُ بْنُ لَمَكَ بِفَتْحَتَيْنِ وقِيلَ: بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وقِيلَ: مَلْكانَ بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ ونُونٍ آخِرِهِ وقِيلَ: لامَكَ كَهاجَرَ بْنِ مُتَوَشْلِخَ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ والواوِ وسُكُونِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ عَلى وزْنِ المُفَعْوِلِ كَما ضَبَطَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقِيلَ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ المُشَدَّدَةِ وسُكُونِ الواوِ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ وخاءٍ مُعْجَمَةٍ ابْنِ أخْنُوخَ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ أوَّلَهُ وخاءٍ مُعْجَمَةٍ ساكِنَةٍ ونُونٍ مَضْمُومَةٍ وواوٍ ساكِنَةٍ وخاءٍ أيْضًا ومَعْناهُ في تِلْكَ اللُّغَةِ عَلى ما قِيلَ القُرّاءُ وقِيلَ: خُنُوخَ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ وهو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: بُعِثَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في الألْفِ الثّانِي وإنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَمُتْ حَتّى وُلِدَ لَهُ نُوحٌ في آخِرِ الألْفِ الأوَّلِ وأخْرَجا عَنْ مُقاتِلٍ وجُوَيْبِرٍ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ كَبُرَ ودَقَّ عَظْمُهُ قالَ: يا رَبِّ إلى مَتى أكِدُّ وأسْعى قالَ يا آدَمُ حَتّى يُولَدَ لَكَ ولَدٌ مَخْتُونٌ فَوُلِدَ لَهُ نُوحٌ بَعْدَ عَشْرَةِ أبْطُنٍ وهو يَوْمَئِذٍ ابْنُ ألْفِ سِنَةٍ إلّا سِتِّينَ عامًا وبُعِثَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى رَأْسِ أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ وقالَ مُقاتِلٌ: وهو ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وقِيلَ: وهو ابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً وقِيلَ: وهو ابْنُ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ سَنَةً ومَكَثَ يَدْعُو قَوْمَهُ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ فَكانَ عُمْرُهُ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً.
وبُعِثَ كَما رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ قَتادَةَ مِنَ الجَزِيرَةِ وهو أوَّلُ نَبِيٍّ عَذَّبَ اللَّهُ تَعالى قَوْمَهُ وقَدْ لَقِيَ مِنهم ما لَمْ يَلْقَهُ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
واخْتُلِفَ في عُمُومِ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتِداءً مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى عُمُومِها انْتِهاءً حَيْثُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِوى مَن كانَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ ولا يَقْدَحُ القَوْلُ بِالعُمُومِ في كَوْنِ ذَلِكَ مِن خَواصِّ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّ ما هو مِن خَواصِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عُمُومُ البَعْثَةِ لِكافَّةِ الثَّقَلَيْنِ الجِنِّ والإنْسِ وذَلِكَ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَكْفُرُ مُنْكِرُهُ بَلْ وكَذا المَلائِكَةُ كَما رَجَّحَهُ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ كالسُّبْكِيِّ ومَن تَبِعَهُ ورَدُّوا عَلى مَن خالَفَ ذَلِكَ وصَرِيحَ آيَةٍ ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ إذِ العالَمُ ما سِوى اللَّهِ تَعالى وخَبَرُ مُسْلِمٍ «وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كافَّةً» يُؤَيِّدُ ذَلِكَ بَلْ قالَ البارِزِيُّ: إنَّهُ ﷺ أُرْسِلَ حَتّى لِلْجَماداتِ بَعْدَ جَعْلِها مُدْرِكَةً.
وفائِدَةُ الإرْسالِ لِلْمَعْصُومِ وغَيْرِ المُكَلَّفِ طَلَبُ إذْعانِهِما لِشَرَفِهِ ودُخُولِهِما تَحْتَ دَعْوَتِهِ واتِّباعِهِ تَشْرِيفًا عَلى سائِرِ المُرْسَلِينَ ولا كَذَلِكَ بَعْثَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والفَرْقُ مِثْلُ الصُّبْحِ ظاهِرٌ وهو كَما قالَ القامُوسُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ صُرِفَ لِخِفَّتِهِ وجاءَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وجُوَيْبِرٌ ومُقاتِلٌ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما سُمِّيَ نُوحًا لِكَثْرَةِ ما ناحَ عَلى نَفْسِهِ واخْتُلِفَ في سَبَبِ ذَلِكَ فَقِيلَ: هو دَعْوَتُهُ عَلى قَوْمِهِ بِالهَلاكِ وقِيلَ مُراجَعَتُهُ رَبَّهُ في شَأْنِ ابْنِهِ كَنْعانَ وقِيلَ: إنَّهُ مَرَّ بِكَلْبٍ مَجْذُومٍ فَقالَ لَهُ اخْسَأْ يا قَبِيحُ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أعِبْتَنِي أمْ عِبْتَ الكَلْبَ وقِيلَ: هو إصْرارُ قَوْمِهِ عَلى الكُفْرِ فَكانَ كُلَّما دَعاهم وأعْرَضُوا بَكى وناحَ عَلَيْهِمْ قِيلَ: وكانَ اسْمُهُ قَبْلُ السَّكَنَ لِسُكُونِ النّاسِ إلَيْهِ بَعْدَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: عَبْدُ الجَبّارِ وأنا لا أُعَوِّلُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأخْبارِ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدِي ما هو الظّاهِرُ مِن أنَّهُ اسْمٌ وُضِعَ لَهُ حِينَ وُلِدَ ولَيْسَ مُشْتَقًّا مِنَ النِّياحَةِ وأنَّهُ كَما قالَ
صفحة 150
صاحِبُ القامُوسِ ﴿فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ وحْدَهُ وتَرَكَ التَّقْيِيدَ بِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّها العِبادَةُ حَقِيقَةً وأمّا العِبادَةُ مَعَ الإشْراكِ فَكَلا عِبادَةَ ولِدَلالَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ﴾ أيْ مُسْتَحِقٍّ لِلْعِبادَةِ ﴿غَيْرُهُ﴾ عَلَيْهِ وهو اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ العِبادَةِ المَذْكُورَةِ أوِ الأمْرِ بِها و( مِن ) صِلَةٌ و( غَيْرُ ) بِالرَّفْعِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ صِفَةُ ( إلَهٍ ) أوْ بَدَلٌ مِنهُ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ الَّذِي هو الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أوِ الفاعِلِيَّةِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالجَرِّ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وقُرِئَ شاذًّا بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ وحُكْمُ غَيْرُ كَما في المُفَصَّلِ حُكْمُ الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ إلّا وهو المَشْهُورُ أيْ ما لَكم إلَهٌ إلّا إيّاهُ كَقَوْلِكَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا زَيْدًا وغَيْرَ زَيْدٍ و( إلَهٍ ) إنْ جُعِلَ مُبْتَدَأً فَلَكم خَبَرُهُ أوْ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ و( لَكم ) لِلتَّخْصِيصِ والتَّبْيِينِ أيْ ما لَكم في الوُجُودِ أوْ في العالَمِ إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ إنْ لَمْ تَعْبُدُوا حَسْبَما أُمِرْتُ بِهِ وتَقْدِيرُ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِما أنَّ عِبادَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِهِ وهو أهَمُّ أنْواعِها وإنَّما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ( أخافُ ) ولَمْ يَقْطَعْ حُنُوًّا عَلَيْهِمْ واسْتِجْلابًا لَهم بِلُطْفٍ.
﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (59) هو يَوْمُ القِيامَةِ أوْ يَوْمُ الطُّوفانِ لِأنَّهُ أعْلَمُ بِوُقُوعِهِ إنْ لَمْ يَمْتَثِلُوا والجُمْلَةُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ تَعْلِيلٌ لِلْعِبادَةِ بِبَيانِ الصّارِفِ عَنْ تَرْكِها إثْرَ تَعْلِيلِها بِبَيانِ الدّاعِي إلَيْها ووَصْفُ اليَوْمِ بِالعِظَمِ لِبَيانِ عِظَمِ ما يَقَعُ فِيهِ وتَكْمِيلِ الإنْذارِ.
7:60Page 158
قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٦٠
Said the eminent among his people, "Indeed, we see you in clear error."
﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ونُصْحِهِ لِقَوْمِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ ما قِيلَ لَهم ذَلِكَ فَقِيلَ: قالَ .. إلَخْ. والمَلَأُ عَلى ما قالَ الفَرّاءُ الجَماعَةُ مِنَ الرِّجالِ خاصَّةً وفَسَّرَهُ غَيْرُ واحِدٍ بِالأشْرافِ الَّذِينَ يَمْلَؤُونَ القُلُوبَ بِجَلالِهِمْ والأبْصارَ بِجِمالِهِمْ والمَجالِسَ بِأتْباعِهِمْ وقِيلَ: سُمُّوا مَلَأً لِأنَّهم مَلِيُّونَ قادِرُونَ عَلى ما يُرادُ مِنهم مِن كِفايَةِ الأُمُورِ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ﴾ أيْ ذَهابٍ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ ومَفْعُولاها الضَّمِيرُ والظَّرْفُ وقِيلَ: بَصَرِيَّةٌ فَيَكُونُ الظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿مُبِينٍ﴾ (60) أيْ بَيِّنٍ كَوْنُهُ ضَلالًا ( قالَ ) اسْتِئْنافٌ عَلى طُرُزِ سابِقِهِ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences