Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:61–68
7:61Page 158
قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي ضَلَٰلَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦١
[Noah] said, "O my people, there is not error in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds.
﴿يا قَوْمِ﴾ ناداهم بِإضافَتِهِمْ إلَيْهِ اسْتِمالَةً لَهم نَحْوَ الحَقِّ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ نَفْيٌ لِلضَّلالِ عَنْ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَإنَّ التّاءَ لِلْمَرَّةِ لِأنَّ مَقامَ المُبالَغَةِ في الجَوابِ لِقَوْلِهِمُ الأحْمَقِ يَقْتَضِي ذَلِكَ والوَحْدَةُ المُسْتَفادَةُ مِنهُ بِاعْتِبارِ أقَلِّ ما يَنْطَلِقُ فَيَرْجِعُ حاصِلُ المَعْنى لَيْسَ بِي أقَلُّ قَلِيلٍ مِنَ الضَّلالِ فَضْلًا عَنِ الضَّلالِ المُبِينِ وما يَتَخايَلُ مِن أنَّ نَفْيَ الماهِيَّةِ أبْلَغُ فَإنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ مَعَ قَيْدِ الوَحْدَةِ قَدْ يَكُونُ بِانْتِفاءِ الوَحْدَةِ إلى الكَثْرَةِ مُضْمَحِلٌّ بِما حَقَّقَ أنَّ الوَحْدَةَ لَيْسَتْ صِفَةً مُقَيَّدَةً بَلِ اللَّفْظُ مَوْضُوعٌ لِلْجُزْءِ الأقَلِّ وهو الواحِدُ المُتَحَقِّقُ مَعَ الكَثْرَةِ ودُونَها عَلى أنَّ مُلاحَظَةَ قَيْدِ الوَحْدَةِ في العامِّ في سِياقِ النَّفْيِ مَدْفُوعٌ وكَفاكَ لا رَجُلَ شاهِدًا فَإنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْواحِدِ مِنَ الجِنْسِ وبِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُسامَةَ فَإذا وقَعَ عامًّا لا يُلْحَظُ ذَلِكَ ولَوْ سُلِّمَ جَوازُ أنْ يُقالَ لَيْسَ بِهِ ضَلالَةٌ واحِدَةٌ بَلْ ضَلالاتٌ مُتَنَوِّعَةٌ ابْتِداءً لَكِنْ لا يَجُوزُ في مَقامِ المُقابَلَةِ كَما نَحْنُ فِيهِ قالَهُ في الكَشْفِ وبِهِ يَنْدَفِعُ ما أوْرَدَ عَلى الكَشّافِ في هَذا المَقامِ.
وفِي المَثَلِ السّائِرِ الأسْماءُ المُفْرَدَةُ الواقِعَةُ عَلى الجِنْسِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَها وبَيْنَ إحْداها تاءُ التَّأْنِيثِ مَتى أُرِيدَ النَّفْيُ كانَ اسْتِعْمالُ واحِدِها أبْلَغَ ومَتى أُرِيدَ الإثْباتُ كانَ اسْتِعْمالُها أبْلَغَ كَما في هَذِهِ الآيَةِ ولا يُظَنُّ أنَّهُ لَمّا كانَ الضَّلالُ والضَّلالَةُ مَصْدَرَيْنِ مِن قَوْلِكَ: ضَلَّ يَضِلُّ ضَلالًا وضَلالَةً كانَ القَوْلانِ سَواءً لِأنَّ الضَّلالَةَ هُنا لَيْسَتْ عِبارَةً عَنِ
صفحة 151
المَصْدَرِ بَلْ عَنِ المَرَّةِ والنَّفْيِ كَما عَلِمْتَ وإنَّما بالَغَ عَلَيْهِ السَّلامُ في النَّفْيِ لِمُبالَغَتِهِمْ في الإثْباتِ حَيْثُ جَعَلُوهُ وحاشاهُ مُسْتَقِرًّا في الضَّلالِ الواضِحِ كَوْنُهُ ضَلالًا وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ (61) اسْتِدْراكٌ عَلى ما قَبْلَهُ رافِعٌ لِما يُتَوَهَّمُ مِنهُ وذَلِكَ عَلى ما قِيلَ إنَّ القَوْمَ لَمّا أثْبَتُوا لَهُ الضَّلالَ أرادُوا بِهِ تَرْكَ دِينِ الآباءِ ودَعْوى الرِّسالَةِ فَحِينَ نَفى الضَّلالَةَ تُوُهِّمَ مِنهُ أنَّهُ عَلى دِينِ آبائِهِ وتَرَكَ دَعْوى الرِّسالَةِ فَوَقَعَ الإخْبارُ بِأنَّهُ رَسُولٌ وثابِتٌ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ اسْتِدْراكًا لِذَلِكَ وقِيلَ: هو اسْتِدْراكٌ مِمّا قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ ما يَسْتَلْزِمُهُ مِن كَوْنِهِ في أقْصى مَراتِبِ الهِدايَةِ فَإنَّ رِسالَتَهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ مُسْتَلْزِمَةٌ لَهُ لا مَحالَةَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ بِي شَيْءٌ مِنَ الضَّلالَةِ لَكِنِّي في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الهِدايَةِ وحاصِلُ ذَلِكَ عَلى ما قَرَّرَهُ الطَّيِّبِيُّ أنَّ لَكِنَّ حَقُّها أنْ تَتَوَسَّطَ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ نَفْيًا وإثْباتًا والتَّغايُرُ هُنا حاصِلٌ مِن حَيْثُ المَعْنى كَما في قَوْلِكَ جاءَنِي زَيْدٌ لَكِنَّ عَمْرًا غابَ وفائِدَةُ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ إرادَةُ المُبالَغَةِ في إثْباتِ الهِدايَةِ عَلى أقْصى ما يُمْكِنُ كَما نَفى الضَّلالَةَ كَذَلِكَ وسَلَكَ طَرِيقَ الإطْنابِ لِأنَّ هَذا الِاسْتِدْراكَ زِيادَةٌ عَلى الجَوابِ إذْ قَوْلُهُ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ كانَ كافِيًا فِيهِ فَيَكُونُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ الوارِدِ عَلى التَّخَلُّصِ إلى الدَّعْوَةِ عَلى وجْهِ التَّرْجِيعِ المَعْنَوِيِّ لِأنَّهُ بَدَأ بِالدَّعْوَةِ إلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ وإخْلاصِ العِبادَةِ لِلَّهِ تَعالى فَلَمّا أرادَ إثْباتَ الرِّسالَةِ لَمْ يَتَمَكَّنْ لَمّا اعْتَرَضُوا عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمُ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فانْتَهَزَ الفُرْصَةَ وأدْمَجَ مَقْصُودَهُ في الجَوابِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ حَيْثُ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ المُلاطَفَةِ والكَلامِ المُنْصِفِ يَعْنِي دَعُوا نِسْبَةَ الضَّلالِ إلَيَّ وانْظُرُوا ما هو أهَمُّ لَكم مِن مُتابَعَةِ ناصِحِكم وأمِينِكم ورَسُولِ رَبِّ العالَمِينَ ألا تَرى أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَعْتَرِضُوا عَلَيْهِ عَقَّبَ بِإثْباتِ الرِّسالَةِ إثْباتَ التَّوْحِيدِ فَفي هَذِهِ الآيَةِ خَمْسَةٌ مِن أنْواعِ البَدِيعِ فَإذا اقْتَضى المَقامُ هَذا الإطْنابَ كانَ الِاقْتِصارُ عَلى العِبارَةِ المُوجَزَةِ تَقْصِيرًا. انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ هَذا الِاسْتِدْراكَ غَيْرُ الِاسْتِدْراكِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ أنَّ الِاسْتِدْراكَ في لَكِنَّ أنْ تَنْسِبَ لِما بَعْدَها حُكْمًا مُخالِفًا لِما قَبْلَها سَواءً تَغايَرا إثْباتًا ونَفْيًا أوْ لا وفَسَّرَهُ صاحِبُ البَسِيطِ وجَماعَةٌ بِرَفْعِ ما تُوُهِّمَ ثُبُوتُهُ وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ في المُغْنِي واعْتِبارُ اللّازِمِ لِتَحْصِيلِ الِاسْتِدْراكِ بِالمَعْنى الثّانِي مِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ لِأنَّهُ لا يَذْهَبُ وهْمُ واهِمٍ مِن نَفْيِ الضَّلالَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَرُبَّما يَتَوَهَّمُ المُخاطَبُ انْتِفاءَ الرِّسالَةِ أيْضًا كَما انْتَفى الضَّلالَةُ فاسْتَدْرَكَهُ بِلَكِنَّ كَما في قَوْلِكَ زِيدٌ لَيْسَ بِفَقِيهٍ لَكِنَّهُ طَبِيبٌ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا إنْ لَمْ يَرْجِعْ إلى ما قَرَّرَ أوَّلًا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وقِيلَ: إنَّهُ إذا انْتَفى أحَدُ المُتَقابِلَيْنِ يَسْبِقُ الوَهْمُ إلى انْتِفاءِ المُقابِلِ الآخَرِ لا إلى انْتِفاءِ الأُمُورِ الَّتِي لا تَعَلُّقُ لَها بِهِ ولِهَذا يُؤَوَّلُ ما وقَعَ في مَعْرِضِ الِاسْتِدْراكِ بِما يُقابِلُ الضَّلالَ مَثَلًا يُقالُ زَيْدٌ لَيْسَ بِقائِمٍ لَكِنَّهُ قاعِدٌ ولا يُقالُ لَكِنَّهُ شارِبٌ إلّا بَعْدَ التَّأْوِيلِ بِأنَّ الشّارِبَ يَكُونُ قاعِدًا وقالَ بَعْضُ فُضَلاءِ الرُّومِ النَّظَرُ الصّائِبُ في هَذا الِاسْتِدْراكِ أنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِهِ.
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولُ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
وقَوْلِهِ.
هُوَ البَدْرُ إلّا أنَّهُ البَحْرُ زاخِرًا ∗∗∗ سِوى أنَّهُ الضِّرْغامُ لَكِنَّهُ الوَبِلُ
كَأنَّهُ قِيلَ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وعَيْبٌ سِوى أنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا النَّوْعَ يُقالُ لَهُ عِنْدَهم تَأْكِيدُ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ وهو قِسْمانِ ما يُسْتَثْنى فِيهِ مِن صِفَةِ ذَمٍّ مَنفِيَّةٍ عَنِ الشَّيْءِ صِفَةُ مَدْحٍ لِذَلِكَ
صفحة 152
الشَّيْءِ بِتَقْدِيرِ دُخُولِها في صِفَةِ الذَّمِّ المَنفِيَّةِ وما يَثْبُتُ فِيهِ لِشَيْءٍ صِفَةُ مَدْحٍ ويُتَعَقَّبُ ذَلِكَ بِأداةِ اسْتِثْناءٍ يَلِيها صِفَةُ مَدْحٍ أُخْرى لِذَلِكَ والظّاهِرُ أنَّ ما في الآيَةِ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ إلّا أنَّهُ غَيْرُ غَنِيٍّ عَنِ التَّأْوِيلِ فَتَأمَّلْ.
و( مِن ) فِيها لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرَسُولٍ مُؤَكِّدَةً ما يُفِيدُهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنِّي رَسُولٌ كائِنٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
7:62Page 158
أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمۡ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٢
I convey to you the messages of my Lord and advise you; and I know from Allāh what you do not know.
﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ رِسالَتِهِ وتَفْصِيلِ أحْكامِها وأحْوالِها وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِرَسُولٍ عَلى المَعْنى لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الضَّمِيرِ في ( إنِّي ) وهَذا كَقَوْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ بارَزَ مَرْحَبًا اليَهُودِيَّ يَوْمَ خَيْبَرَ.
أنا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ كَلَيْثِ غاباتٍ كَرِيهٍ مَنظَرَهْ
أُوَفِّيهِمْ بِالصّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ
حَيْثُ لَمْ يَقُلْ سَمَّتْهُ حَمْلًا لَهُ عَلى المَعْنى لِأمْنِ اللَّبْسِ وأوْجَبَ بَعْضُهُمُ الحَمْلَ عَلى الِاسْتِئْنافِ زَعْمًا مِنهُ أنَّ ما ذُكِرَ قَبِيحٌ حَتّى قالَ المازِنِيُّ: لَوْلا شُهْرَتُهُ لَرَدَدْتُهُ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشِّهابُ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ المازِنِيُّ في صِلَةِ المَوْصُولِ لا في وصْفِ النَّكِرَةِ فَإنَّهُ وارِدٌ في القُرْآنِ مِثْلَ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وقَدْ صُرِّحَ بِحُسْنِهِ في كُتُبِ النَّحْوِ والمَعانِي عَلى ما ذَكَرَهُ في الصِّلَةِ أيْضًا مَرْدُودٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ وإنْ تَبِعَهُ فِيهِ ابْنُ جِنِّيٍّ حَتّى اسْتَرْذَلَ قَوْلَ المُتَنَبِّي.
أنا الَّذِي نَظَرَ الأعْمى إلى أدَبِي
وفِي الِانْتِصافِ أنَّهُ حَسَنٌ في الِاسْتِعْمالِ وكَرَمُ أبِي الحَسَنِ أصْدَقُ شاهِدٍ عَلى ما قالَ وعَلى حُسْنِ كَلامِ ابْنِ الحُسَيْنِ وهَذا كَما قالَ الشِّهابُ إذا لَمْ يَكُنِ الضَّمِيرُ مُؤَخَّرًا نَحْوَ الَّذِي قَرى الضُّيُوفَ أنا أوْ كانَ لِلتَّشْبِيهِ نَحْوَ أنا في الشَّجاعَةِ الَّذِي قَتَلَ مَرْحَبا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( أبْلِغُكم ) بِتَسْكِينِ الباءِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مِنَ الإبِلاغِ وجَمْعُ الرِّسالاتِ مَعَ أنَّ رِسالَةَ كُلِّ نَبِيٍّ واحِدَةٌ وهو مَصْدَرٌ والأصْلُ فِيهِ أنْ لا يُجْمَعَ رِعايَةً لِاخْتِلافِ أوْقاتِها أوْ تَنَوُّعِ مَعانِي ما أُرْسِلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ أوْ أنَّهُ أرادَ رِسالَتَهُ ورِسالَةَ غَيْرِهِ مِمَّنْ قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ كَإدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ثَلاثُونَ صَحِيفَةً وشِيثٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ بَيانِ عُمُومِها لِلْعالِمِينَ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ الَّذِي هو تَبْلِيغُ رِسالَتِهِ تَعالى إلَيْهِمْ فَإنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى لَهُ مِن مُوجِباتِ امْتِثالِهِ بِأمْرِهِ تَعالى بِتَبْلِيغِ رِسالَتِهِ ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ أيْ أتَحَرّى ما فِيهِ صَلاحُكم بِناءً عَلى أنَّ النُّصْحَ تَحَرِّي ذَلِكَ قَوْلًا أوْ فِعْلًا وقِيلَ: هو تَعْرِيفُ وجْهِ المَصْلَحَةِ مَعَ خُلُوصِ النِّيَّةِ مِن شَوائِبِ المَكْرُوهِ والمَعْنى هُنا أُبَلِّغُكم أوامِرَ اللَّهِ تَعالى ونَواهِيَهُ وأُرَغِّبُكم في قَبُولِها وأُحَذِّرُكم عِقابَهُ إنْ عَصَيْتُمُوهُ وأصْلُ النُّصْحِ في اللُّغَةِ الخُلُوصُ يُقالُ: نَصَحْتُ العَسَلَ إذا خَلَّصْتُهُ مِنَ الشَّمْعِ ويُقالُ: هو مَأْخُوذٌ مِن نُصْحِ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ إذا خاطَهُ شَبَّهُوا فِعْلَ النّاصِحِ فِيما يَتَحَرّاهُ مِن صَلاحِ المَنصُوحِ لَهُ بِفِعْلِ الخَيّاطِ فِيما يَسُدُّ مِن خَلَلِ الثَّوْبِ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِخُلُوصِ المَحَبَّةِ لِلْمَنصُوحِ لَهُ والتَّحَرِّي فِيما يَسْتَدْعِيهِ حَقُّهُ وعَلى ذَلِكَ حُمِلَ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ قُلْنا: لِمَن يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: لِلَّهِ تَعالى ولِكِتابِهِ ولِرَسُولِهِ ولِأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ» ويُقالُ: نَصَحْتُهُ ونَصَحْتُ لَهُ كَما يُقالُ شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ قِيلَ: وجِيءَ بِاللّامِ هُنا لِيَدُلَّ الكَلامُ عَلى أنَّ الغَرَضَ لَيْسَ غَيْرَ النُّصْحِ ولَيْسَ النُّصْحُ لِغَيْرِهِمْ بِمَعْنى أنَّ نَفْعَهُ يَعُودُ عَلَيْهِمْ لا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَقَوْلِهِ: ( ما سَألْتُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ ) وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ اللّامَ لِلِاخْتِصاصِ لا زائِدَةً وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ يُشْعِرُ بِأنَّها مَعَ ذَلِكَ زائِدَةٌ وفِيهِ خَفاءٌ.
صفحة 153
وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ نُصْحِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا ونَهارًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (62) عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ وتَقْرِيرٌ لِرِسالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ أعْلَمُ مِن قِبَلِهِ تَعالى بِالوَحْيِ أشْياءَ لا عِلْمَ لَكم بِها مِنَ الأُمُورِ الآتِيَةِ فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا أوْ أعْلَمُ مِن شُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ وقُدْرَتِهِ القاهِرَةِ وبَطْشِهِ الشَّدِيدِ عَلى مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ ويُصَدِّقْ بِرُسُلِهِ ما لا تَعْلَمُونَهُ فَمِن إمّا لِلتَّبْعِيضِ أوْ بَيانِيَّةٌ لِما ولا بُدَّ في الوَجْهَيْنِ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ قِيلَ: كانُوا لَمْ يَسْمَعُوا بِقَوْمٍ حَلَّ بِهِمُ العَذابُ قَبْلَهم فَكانُوا آمِنِينَ غافِلِينَ لا يَعْلَمُونَ ما عَلِمَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهم أوَّلُ قَوْمٍ عُذِّبُوا عَلى كُفْرِهِمْ.
7:63Page 158
أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٦٣
Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you and that you may fear Allāh so you might receive mercy?"
﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ رَدٌّ لِما هو مَنشَأٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ لِمَ كانَ ذَلِكَ ولا داعِيَ لَهُ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ ويُقَدَّرُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ وأتْباعِهِ بَيْنَ الهَمْزَةِ وواوِ العَطْفِ كَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَبْعَدْتُمْ وعَجِبْتُمْ ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ أنَّ الهَمْزَةَ مِن جُمْلَةِ أجْزاءِ المَعْطُوفِ إلّا أنَّها قُدِّمَتْ عَلى العاطِفِ تَنْبِيهًا عَلى أصالَتِها في التَّصْدِيرِ وضُعِّفَ قَوْلُ الأوَّلِينَ بِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ لِدَعْوى حَذْفِ الجُمْلَةِ فَإنْ قُوبِلَ بِتَقْدِيمِ بَعْضِ المَعْطُوفِ فَقَدْ يُقالُ: إنَّهُ أسْهَلُ مِنهُ لِأنَّ المُتَجَوَّزَ فِيهِ أقَلُّ لَفْظًا وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أصالَةِ شَيْءٍ في شَيْءٍ وبِأنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ في نَحْوِ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ وتَحْقِيقُهُ في مَحَلِّهِ و﴿أنْ جاءَكُمْ﴾ بِتَقْدِيرِ بِأنْ لِأنَّ الفِعْلَ السّابِقَ يَتَعَدّى بِها والمُرادُ بِالذِّكْرِ ما أُرْسِلَ بِهِ كَما قِيلَ لِلْقُرْآنِ ذِكْرٌ ويُفَسَّرُ بِالمَوْعِظَةِ ومِن لِلِابْتِداءِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِذِكْرٍ أيْ ذِكْرٌ كائِنٌ مِن مالِكِ أُمُورِكم ومُرَبِّيكم.
﴿عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِكم تَعْرِفُونَ مَوْلِدَهُ ومَنشَأهُ أوْ مِن جِنْسِكم فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ كَما قِيلَ و( عَلى ) مُتَعَلِّقَةٌ بِجاءَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عَلى يَدِ أوْ لِسانِ رَجُلٍ مِنكم أيْ بِواسِطَتِهِ وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى مَعَ فَلا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ وقِيلَ: تَعَلُّقُهُ بِهِ لِأنَّ مَعْناهُ أُنْزِلَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ أبِي البَقاءِ أوْ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْناهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ذِكْرٍ أيْ نازِلًا عَلى رَجُلٍ مِنكم ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِلْمَجِيءِ أيْ لِيُحَذِّرَكُمُ العَذابَ والعِقابَ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿ولِتَتَّقُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ (63) عَلى ما هو الظّاهِرُ فالمَجِيءُ مُعَلَّلٌ بِثَلاثَةِ أشْياءَ ولَيْسَ مِن تَوارُدِ العِلَلِ عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ المَمْنُوعِ وبَيْنَها تَرَتُّبٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَإنَّ الإنْذارَ سَبَبٌ لِلتَّقْوى والتَّقْوى سَبَبٌ لِتَعَلُّقِ الرَّحْمَةِ بِهِمْ ولَيْسَ في الكَلامِ دَلالَةً عَلى سَبَبِيَّةِ كُلٍّ مِنَ الثَّلاثَةِ لِما بَعْدَهُ ولَوْ أُرِيدَتِ السَّبَبِيَّةُ لَجِيءَ بِالفاءِ وبَعْضُهُمُ اعْتَبَرَ عَطْفَ ( لِتَتَّقُوا ) عَلى ( لِيُنْذِرَكم ﴿ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ عَلى ( لِتَتَّقُوا ) مَعَ مُلاحَظَةِ التَّرَتُّبِ أيْ لِتَتَّقُوا بِسَبَبِ الإنْذارِ ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ بِسَبَبِ التَّقْوى فَلْيُتَأمَّلْ.
وجِيءَ بِحَرْفِ التَّرَجِّي عَلى عادَةِ العُظَماءِ في وعْدِهِمْ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عِزَّةِ المَطْلَبِ وأنَّ الرَّحْمَةَ مَنُوطَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى فَلا اعْتِمادَ إلّا عَلَيْهِ
7:64Page 158
فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمًا عَمِينَ ٦٤
But they denied him, so We saved him and those who were with him in the ship. And We drowned those who denied Our signs. Indeed, they were a blind people.1
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ وأصَرُّوا بَعْدَ أنْ قالَ لَهم ما قالَ ودَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى لَيْلًا ونَهارًا ﴿فَأنْجَيْناهُ﴾ مِنَ الغَرَقِ والإنْجاءُ في الشُّعَراءِ مِن قَصْدِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى وشُؤْمِ ما أضْمَرُوهُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وكانُوا عَلى ما قِيلَ: أرْبَعِينَ رَجُلًا وأرْبَعِينَ امْرَأةً وقِيلَ: كانُوا عَشَرَةً أبْناؤُهُ الثَّلاثَةُ وسِتَّةٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ بِاعْتِبارِ الإغْراقِ لا فَصِيحَةٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ
صفحة 154
وتَعالى: ﴿فِي الفُلْكِ﴾ أيِ السَّفِينَةِ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ الواقِعُ صِلَةً أيِ اسْتَقَرُّوا مَعَهُ في الفُلْكِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو الصِّلَةَ ومَعَهُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأنْجَيْناهُ وفي ظَرْفِيَّةً أوْ سَبَبِيَّةً وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ ( الَّذِينَ ) نَفْسِهِ أوْ مِن ضَمِيرِهِ ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِها والمُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ أُولَئِكَ المَلَأ وغَيْرَهم مِنَ المُكَذِّبِينَ المُصِرِّينَ وتَقْدِيمُ الإنْجاءِ عَلى الإغْراقِ لِلْمُسارَعَةِ إلى الإخْبارِ بِهِ والإيذانِ بِسَبْقِ الرَّحْمَةِ عَلى الغَضَبِ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ (64) أيْ عُمْيَ القُلُوبِ عَنْ مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ عَنْ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ كَما نُقِلَ عَنْ مُقاتِلٍ وقُرِئَ ( عامِينَ ) والأوَّلُ أبْلَغُ لِأنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ فَتَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ وأصْلُهُ عَمِيِّينَ فَخُفِّفَ وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ عَمٍ وعامٍ بِأنَّ الأوَّلَ لِعَمى البَصِيرَةِ والثّانِيَ لِعَمى البَصَرِ وأنْشَدُوا قَوْلَ زُهَيْرٍ.
وأعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِي
وقِيلَ: هُما سَواءٌ فِيهِما.
7:65Page 158
۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٦٥
And to the ʿAad [We sent] their brother Hūd. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. Then will you not fear Him?"
﴿وإلى عادٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿أرْسَلْنا﴾ فِيما سَبَقَ وهو النّاصِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أخاهُمْ﴾ أيْ وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم وقِيلَ: لا إضْمارَ والمَجْمُوعُ مَعْطُوفٌ عَلى المَجْمُوعِ السّابِقِ والعامِلُ الفِعْلُ المُتَقَدِّمُ وغُيِّرَ الأُسْلُوبَ لِأجْلِ ضَمِيرِ ﴿أخاهُمْ﴾ إذْ لَوْ أُتِيَ بِهِ عَلى سَنَنِ الأوَّلِ عادَ الضَّمِيرُ عَلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً وعادٌ في الأصْلِ اسْمٌ لِأبِي القَبِيلَةِ ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهِ القَبِيلَةُ أوِ الحَيُّ فَيَجُوزُ فِيهِ الصَّرْفُ وعَدَمُهُ كَما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُودًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿أخاهُمْ﴾ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ واشْتُهِرَ أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ وظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ أعْجَمِيٌّ وأُيِّدَ بِما قِيلَ إنَّ أوَّلَ العَرَبِ يَعْرُبُ وهو هُودُ بْنُ شالِخَ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ وعَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وبَعْضُ القائِلِينَ بِهَذا قالُوا إنَّ نُوحًا ابْنُ عَمِّ أبِي عادٍ وقِيلَ: ابْنُ عُوصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ وقِيلَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحِ بْنِ الخُلُودِ بْنِ عادِ بْنِ عُوصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ومَعْنى كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أخاهم أنَّهُ مِنهم نَسَبًا وهو قَوْلُ الكَثِيرِ مِنَ النَّسّابِينَ ومَن لا يَقُولُ بِهِ يَقُولُ: إنَّ المُرادَ صاحِبُهم وواحِدٌ في جُمْلَتِهِمْ وهو كَما يُقالُ يا أخا العَرَبِ وحِكْمَةُ كَوْنِ النَّبِيِّ يُبْعَثُ إلى القَوْمِ مِنهم أنَّهم أفْهَمُ لِقَوْلِهِ مِن قَوْلِ غَيْرِهِ وأعْرَفُ بِحالِهِ في صِدْقِهِ وأمانَتِهِ وشَرَفِ أصْلِهِ ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ فَماذا قالَ لَهم حِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ فَقِيلَ قالَ .. إلَخْ. ولَمْ يُؤْتَ بِالفاءِ كَما أُتِيَ بِها في قِصَّةِ نُوحٍ لِأنَّ نُوحًا كانَ مُواظِبًا عَلى دَعْوَةِ قَوْمِهِ غَيْرَ مُؤَخِّرٍ لِجَوابِ شُبْهَتِهِمْ لَحْظَةً واحِدَةً وهُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مُبالِغًا إلى هَذا الحَدِّ فَلِذا جاءَ التَّعْقِيبُ في كَلامِ نُوحٍ ولَمْ يَجِئْ هُنا وذَكَرَ صاحِبُ الفَرائِدِ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ أنَّ قِصَّةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتِداءُ كَلامٍ فالسُّؤالُ غَيْرُ مُقْتَضِي الحالِ وأمّا قِصَّةُ هُودٍ فَكانَتْ مَعْطُوفَةً عَلى قِصَّةِ نُوحٍ فَيُمْكِنُ أنْ يَقَعَ في خاطِرِ السّامِعِ أقالَ هُودٌ ما قالَ نُوحٌ أمْ قالَ غَيْرَهُ فَكانَ مَظِنَّةَ أنْ يُسْألَ ماذا قالَ لِقَوْمِهِ فَقِيلَ: قالَ .. إلَخْ.
وقِيلَ: اخْتِيرَ الفَصْلُ هُنا لِإرادَةِ اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الجُمَلِ في مَعْناهُ حَيْثُ أنَّ كُفْرَ هَؤُلاءِ أعْظَمُ مِن كُفْرِ قَوْمِ نُوحٍ مِن حَيْثُ أنَّهم عَلِمُوا ما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِالكافِرِينَ وأصَرُّوا وقَوْمُ نُوحٍ لَمْ يَعْلَمُوا ويَدُلُّ عَلى عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ ما سَيَأْتِي في ضِمْنِ الآياتِ وفِيهِ نَظَرٌ.
صفحة 155
﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحْدَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى البَيانِ لِلْعِبادَةِ المَأْمُورِ بِها والتَّعْلِيلِ لَها أوْ لِلْأمْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: خُصُّوهُ بِالعِبادَةِ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا إذْ لَيْسَ لَكم إلَهٌ سِواهُ.
وقُرِئَ ( غَيْرُ ) بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ كالَّذِي قَبْلُ ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ (65) إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِعَدَمِ اتِّقائِهِمْ عَذابَ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ ما عَلِمُوا ما حَلَّ بِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ خاطَبَهم بِكُلٍّ مِنهُما واكْتَفى بِحِكايَةِ كُلٍّ مِنهُما في مَوْطِنٍ عَنْ حِكايَتِهِ في مَوْطِنٍ آخَرَ كَما لَمْ يَذْكُرْ ها هُنا ما ذَكَرَ هُناكَ مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ وقِسْ عَلى ذَلِكَ حالَ بَقِيَّةِ ما ذُكِرُوا ما لَمْ يُذْكَرْ مِن أجْزاءِ القِصَّةِ بَلْ حالُ نَظائِرِهِ في سائِرِ القِصَصِ لا سِيَّما في المُحاوَراتِ الجارِيَةِ في الأوْقاتِ المُتَعَدِّدَةِ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّما قِيلَ ها هُنا: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ وفِيما تَقَدَّمَ مِن مُخاطَبَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْمَهُ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لِأنَّ هَؤُلاءِ قَدْ عَلِمُوا بِما حَلَّ بِغَيْرِهِمْ مِن نُظَرائِهِمْ ولَمْ يَكُنْ قَبْلَ واقِعَةِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واقِعَةٌ وقِيلَ: لِأنَّ هَؤُلاءِ كانُوا أقْرَبَ إلى الحَقِّ وإجابَةِ الدَّعْوَةِ مِن قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهَذا دُونَ ( إنِّي أخافُ عَلَيْكم ) .. إلَخْ. في التَّحْوِيفِ ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى:
7:66Page 158
قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي سَفَاهَةٖ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦٦
Said the eminent ones who disbelieved among his people, "Indeed, we see you in foolishness, and indeed, we think you are of the liars."
﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ حَيْثُ قُيِّدَ هُنا المَلَأُ المُعانِدُ بِمَن كَفَرَ وأُطْلِقَ هُناكَ وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ هَذا الوَصْفَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ كُلُّهم عَلى الكُفْرِ بَلْ مِن أشْرافِهِمْ مَن آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَمَرْثَدِ بْنِ سَعْدٍ الَّذِي كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ ولا كَذَلِكَ قَوْمُ نُوحٍ ومَن آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم لَمْ يَكُنْ مِنَ الأشْرافِ كَما هو الغالِبُ في اتِّباعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقِيلَ إنَّهُ وقْتَ مُخاطَبَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ لَمْ يَكُونُوا آمَنُوا بِخِلافِ قَوْمِ هُودٍ ومِثْلُهُ كَما قالَ الشِّهابُ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ واعْتَرَضَ المَوْلى بَهاءُ الدِّينِ عَلى تِلْكَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ القَوْمَيْنِ بِأنَّهُ قَدْ جاءَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ وصْفُ قَوْمِ نُوحٍ بِما وُصِفَ بِهِ قَوْمُ هُودٍ هُنا فَكَيْفَ لا تَتَأتّى هَذِهِ التَّفْرِقَةُ وأُجِيبَ بِأنَّ الوَصْفَ هُناكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ لِلذَّمِّ لا لِلتَّمْيِيزِ وإنَّما لَمْ يَذُمَّ ها هُنا لِلْإشارَةِ إلى التَّفْرِقَةِ وقالَ الطَّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الوَصْفَ هُنا لِلذَّمِّ أيْضًا ومُقْتَضى المَقامِ يَقْتَضِي ذَمَّهم لِشِدَّةِ عِنادِهِمْ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُهم بِما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ أيْ مُتَمَكِّنًا في خِفَّةِ عَقْلٍ راسِخًا فِيها حَيْثُ فارَقْتَ دِينَ آبائِكَ ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ (66) حَيْثُ ادَّعَيْتَ الرِّسالَةَ وهو أبْلَغُ مِن كاذِبًا كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ والظَّنُّ إمّا عَلى ظاهِرِهِ كَما قالَ الحَسَنُ والزَّجّاجُ وإمّا بِمَعْنى العِلْمِ كَما قِيلَ وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا ما قالُوا مَعَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعْرُوفًا بَيْنَهم بِضِدِّ ذَلِكَ ولا يَقْتَضِي ذَمَّ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وحَيْثُ اقْتَضى في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ذَمَّهم ذَمَّهم لِأنَّهم قالُوا كَما قَصَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هُناكَ ﴿ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الظّاهِرَ أنَّ ما نُقِلَ هُنا عَنْ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَقالَتُهم في مَجْلِسٍ أوْ مَقالَةُ بَعْضِهِمْ وما نُقِلَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ مَقالَتُهم في مَجْلِسٍ آخَرَ أوْ مَقالَةُ آخَرِينَ فَرُوعِيَ في المَقامَيْنِ مُقْتَضى كُلٍّ مِنَ المَقالَتَيْنِ.
7:67Page 158
قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي سَفَاهَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٧
[Hūd] said, "O my people, there is not foolishness in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds.
﴿قالَ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَعْطِفًا لَهم أوْ مُسْتَمِيلًا لِقُلُوبِهِمْ ﴿يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾ أيُّ شَيْءٍ مِنها فَضْلًا عَنْ تَمَكُّنِي فِيها كَما زَعَمْتُمْ
صفحة 156
﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
( 67 ) والرِّسالَةُ مِن قِبَلِهِ تَعالى تَقْتَضِي الِاتِّصافَ بِغايَةِ الرُّشْدِ والصِّدْقِ ولَمْ يُصَرِّحْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَفْيِ الكَذِبِ اكْتِفاءً بِما في حَيِّزِ الِاسْتِدْراكِ وقِيلَ: الكَذِبُ نَوْعٌ مِنَ السَّفاهَةِ فَيَلْزَمُ مِن نَفْيِها نَفْيُهُ و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرَسُولٍ مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ
7:68Page 159
أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنَا۠ لَكُمۡ نَاصِحٌ أَمِينٌ ٦٨
I convey to you the messages of my Lord, and I am to you a trustworthy adviser.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ عَلى طُرُزِ ما في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( أُبْلِغُكم ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإفْعالِ ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ (68) مَعْرُوفٌ بِالنُّصْحِ والأمانَةِ مَشْهُورٌ بَيْنَ النّاسِ بِذَلِكَ فَما حَقِّي أنْ أُتَّهَمَ بِشَيْءٍ مِمّا ذَكَرْتُمُوهُ وعَلى هَذا لا يُقَدَّرُ لِلْوَصْفَيْنِ مُتَعَلِّقٌ ويُحْتَمَلُ تَقْدِيرُهُما أيْ ناصِحٌ لَكم فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ أمِينٌ عَلى ما أقُولُ لَكم لا أكْذِبُ فِيهِ وعَلى الأوَّلِ كَما قالَ الطَّيِّبِيُّ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ وقَعَتْ مُعْتَرِضَةً وعَلى الثّانِي حالِيَّةٌ وفي العُدُولِ عَنِ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ ما لا يَخْفى ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِها هُنا وبِالفِعْلِيَّةِ فِيما تَقَدَّمَ لِتَجَدُّدِ النُّصْحِ مِن نُوحٍ دُونَ هُودٍ عَلَيْهِما السَّلامُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences