Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:8–11
7:8Page 151
وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨
And the weighing [of deeds] that Day will be the truth. So those whose scales are heavy - it is they who will be the successful.
﴿والوَزْنُ﴾ أيْ وزْنُ الأعْمالِ والتَّمْيِيزُ بَيْنَ الرّاجِحِ مِنها والخَفِيفِ والجَيِّدِ والرَّدِيءِ وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرُهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ﴾ صِفَتُهُ أيْ والوَزْنُ الحَقُّ الثّابِتُ يَوْمَ إذْ يَكُونُ السُّؤالُ والقَصُّ واخْتارَ هَذا بَعْضٌ مِنَ المُعْرِبِينَ وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ ( الحَقُّ ) خَبَرٌ و( يَوْمَئِذٍ ) ظَرْفٌ لِلْوَزْنِ لِئَلّا يَقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ.
ولَعَلَّ وجْهَ عَدَمِ اخْتِيارِ هَذا أنَّ فِيهِ إعْمالَ المَصْدَرِ المُعَرَّفِ وهو قَلِيلٌ وفي الكَشْفِ لَيْسَ المَعْنى عَلى أنَّ الوَزْنَ هو الحَقُّ بَلْ أنَّ الوَزْنَ الحَقَّ يَكُونُ يَوْمَئِذٍ ألا يُرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ وذَكَرَ الأصْفَهانِيُّ في شَرْحِ اللُّمْعِ لِابْنِ جِنِّيٍّ أنَّ ( الحَقُّ ) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الظَّرْفِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ إلّا أنَّ الأوَّلَ رَجَّحَ جانِبَ المَعْنى ولَمْ يُبالِ بِالفَصْلِ بِالخَبَرِ لِاتِّحادِهِ مِن وجْهٍ بِالمُبْتَدَأِ لا سِيَّما والظَّرْفُ يَتَوَسَّعُ فِيهِ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ( الحَقُّ ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ما ذَلِكَ الوَزْنُ فَقِيلَ: هو الحَقُّ أيِ العَدْلُ السَّوِيُّ وأنْ يَكُونَ ( الوَزْنُ ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْضًا أيْ هَذا الوَزْنُ وهو كَما تَرى وقُرِئَ ( القِسْطَ ) والوَزْنُ كَما قالَ الرّاغِبُ مَعْرِفَةُ قَدْرِ الشَّيْءِ يُقالُ وزَنْتُهُ وزْنًا وزِنَةً والمُتَعارَفُ فِيهِ عِنْدَ العامَّةِ ما يُقَدَّرُ بِالقِسْطاسِ والقَبّانِ واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ والجُمْهُورُ كَما قالَ القاضِي عَلى أنَّ صَحائِفَ الأعْمالِ هي الَّتِي تُوزَنُ بِمِيزانٍ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ لِيَنْظُرَ إلَيْهِ الخَلائِقُ إظْهارًا لِلْمَعْدَلَةِ وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ كَما يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِهِمْ فَتَعْتَرِفُ بِها ألْسِنَتُهم وجَوارِحُهم ولا تُعْرَضُ لَهم لِماهِيَّةِ هاتِيكَ الصَّحائِفِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَتِها.
ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُصاحُ بِرَجُلٍ مِن أُمَّتِي عَلى رُؤُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِنها مَدُّ البَصَرِ فَيَقُولُ سُبْحانَهُ: أتُنْكِرُ مِن هَذا شَيْئًا أظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ فَيَقُولُ سُبْحانَهُ أفَلَكَ عُذْرٌ أوْ حَسَنَةٌ فَيَهابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ لا يا رَبِّ فَيَقُولُ جَلَّ شَأْنُهُ: بَلى إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً وإنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ فَتَخْرُجُ لَهُ بِطاقَةٌ فِيها أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ فَيَقُولُ: يا رَبِّ ما هَذِهِ البِطاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلّاتِ فَيُقالُ: إنَّكَ لا تُظْلَمُ فَتُوضَعُ السِّجِلّاتُ في كِفَّةٍ
صفحة 83
والبِطاقَةُ في كِفَّةٍ فَطاشَتِ السِّجِلّاتُ وثَقُلَتِ البِطاقَةُ ولا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ» وهَذِهِ الشَّهادَةُ عَلى ما قالَهُ القُرْطُبِيُّ نَقْلًا عَنِ الحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ لَيْسَتْ شَهادَةَ التَّوْحِيدِ لِأنَّ مِن شَأْنِ المِيزانِ أنْ يُوضَعَ في إحْدى كِفَّتَيْهِ شَيْءٌ وفي الأُخْرى ضِدُّهُ فَتُوضَعُ الحَسَناتُ في كِفَّةٍ والسَّيِّئاتُ في كِفَّةٍ ومِنَ المُسْتَحِيلِ أنْ يُؤْتى لِعَبْدٍ واحِدٍ بِكُفْرٍ وإيمانٍ مَعًا فَيَسْتَحِيلُ أنْ تُوضَعَ شَهادَةُ التَّوْحِيدِ في المِيزانِ أمّا بَعْدَ الإيمانِ فَإنَّ النُّطْقَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ حَسَنَةٌ فَتُوضَعُ في المِيزانِ كَسائِرِ الحَسَناتِ وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا في الحَدِيثِ «إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً» دُونَ أنْ يَقُولَ سُبْحانَهُ إيمانًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ هَذِهِ الكَلِمَةَ إذا كانَتْ آخِرَ كَلامِهِ في الدُّنْيا وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ ومُنِعَ لُزُومُ وضْعِ الضِّدِّ في الكِفَّةِ الأُخْرى لِيَلْزَمَ المُحالُ فَتَدَبَّرْ وجاءَ في خَبَرٍ آخَرَ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والنُّمَيْرِيُّ في كِتابِ الأعْلامِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أيْضًا قالَ «إنَّ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَوْقِفًا في فَسَحَ مِنَ العَرْشِ عَلَيْهِ ثَوْبانِ أخْضَرانِ كَأنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ يَنْظُرُ إلى مَن يَنْطَلِقُ بِهِ مِن ولَدِهِ إلى الجَنَّةِ ومَن يَنْطَلِقُ بِهِ إلى النّارِ فَبَيْنا آدَمُ عَلى ذَلِكَ إذْ يَنْظُرُ إلى رَجُلٍ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَنْطَلِقُ بِهِ إلى النّارِ فَيُنادِي آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يا أحْمَدُ يا أحْمَدُ فَيَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَبَّيْكَ يا أبا البَشَرِ فَيَقُولُ هَذا رَجُلٌ مِن أُمَّتِكَ يَنْطَلِقُ بِهِ إلى النّارِ قالَ ﷺ فَأشُدُّ المِئْزَرَ وأُسْرِعُ في أثَرِ المَلائِكَةِ فَأقُولُ: يا رُسُلَ رَبِّي قِفُوا فَيَقُولُونَ نَحْنُ الغِلاظُ الشِّدادُ الَّذِينَ لا نَعْصِي اللَّهَ تَعالى ما أمَرَنا ونَفْعَلُ ما نُؤْمَرُ فَإذا أيِسَ النَّبِيُّ ﷺ قَبَضَ عَلى لِحْيَتِهِ بِيَدِهِ اليُسْرى واسْتَقْبَلَ العَرْشَ بِوَجْهِهِ فَيَقُولُ يا رَبِّ قَدْ وعَدْتَنِي أنْ لا تُخْزِيَنِي في أُمَّتِي فَيَأْتِي النِّداءُ مِن قِبَلِ العَرْشِ أطِيعُوا مُحَمَّدًا ورُدُّوا هَذا العَبْدَ إلى المَقامِ فَيُخْرِجُ ﷺ بِطاقَةً بَيْضاءَ كالأُنْمُلَةِ فَيُلْقِيها في كِفَّةِ المِيزانِ اليُمْنى وهو يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ فَتَرْجُحُ الحَسَناتُ عَلى السَّيِّئاتِ فَيُنادِي المُنادِي سَعِدَ وسَعِدَ جَدُّهُ وثَقُلَتْ مَوازِينُهُ انْطَلِقُوا بِهِ إلى الجَنَّةِ فَيَقُولُ يا رُسُلَ رَبِّي قِفُوا حَتّى أسْألَ هَذا العَبْدَ الكَرِيمَ عَلى رَبِّهِ فَيَقُولُ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي ما أحْسَنَ وجْهَكَ وأحْسَنَ خُلُقَكَ مَن أنْتَ فَقَدَ أقَلْتَنِي عَثْرَتِي ورَحِمْتَ عَبْرَتِي فَيَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنا نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ وهَذِهِ صَلاتُكَ الَّتِي كُنْتَ تُصَلِّي عَلَيَّ وفَّيْتُكَها أحْوَجَ ما تَكُونُ إلَيْها». انْتَهى.
ولَعَلَّ فِعْلَ مِثْلِ هَذا إذا صَحَّ الخَبَرُ مُبالَغَةٌ في إظْهارِ كَرامَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ بَيْنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ.
وقِيلَ تُوزَنُ الأشْخاصُ واحْتَجُّوا لَهُ بِما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «إنَّهُ لَيُؤْتى العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جَناحَ بَعُوضَةٍ» ولا أدْرِي عَلى هَذا ما يُوضَعُ في الكِفَّةِ الأُخْرى في المِيزانِ إذا وُضِعَ المُذْنِبُ في إحْداهُما ووَضْعُ شَخْصٍ في مُقابَلَةِ شَخْصٍ لا أراهُ إلّا كَما تَرى والخَبَرُ لَيْسَ نَصًّا في الدَّعْوى كَما لا يَخْفى وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الأعْمالَ الظّاهِرَةَ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُورَةٍ عَرَضِيَّةٍ تَظْهَرُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ بِصُورَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ مُناسِبَةً لَها في الحُسْنِ والقُبْحِ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وصَحَّحَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقالَ: إنَّ عَلَيْهِ الِاعْتِقادَ وفي الآثارِ ما يُؤَيِّدُهُ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنِ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ يُجاءُ بِعَمَلِ الرَّجُلِ فَيُوضَعُ بِكِفَّةِ مِيزانِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَخِفُّ فَيُجاءُ بِشَيْءٍ أمْثالِ الغَمامِ فَيُوضَعُ في كِفَّةِ مِيزانِهِ فَيَرْجَحُهُ فَيُقالُ لَهُ أتَدْرِي ما هَذا فَيَقُولُ: لا فَيُقالُ لَهُ هَذا فَضْلُ العِلْمِ الَّذِي كُنْتَ تُعَلِّمُهُ النّاسَ وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ عَنْ حَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ بِمَعْناهُ.
وقِيلَ: الوَزْنُ عِبارَةٌ عَنِ القَضاءِ السَّوِيِّ والحُكْمِ العادِلِ واسْتِعْمالُ لَفْظِ الوَزْنِ في هَذا المَعْنى شائِعٌ في اللُّغَةِ والعُرْفِ بِطْرِيقِ الكِنايَةِ وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والأعْمَشُ والضَّحّاكُ وإلَيْهِ ذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلّا أنَّ مِنهم مَن جَوَّزَ
صفحة 84
الوَزْنَ بِالمَعْنى المُتَعارَفِ عَلَيْهِ عَقْلًا وإنْ لَمْ يَقْضِ بِثُبُوتِهِ كالعَلّافِ وبِشْرِ بْنِ المُعْتَمِرِ ومِنهم مَن أحالَهُ لِأنَّ الأعْمالَ أعْراضٌ وهي مِمّا لا تَبْقى ومِمّا لا يُمْكِنُ إعادَتُها لَكِنَّها أعْراضٌ والأعْراضُ يَمْتَنِعُ وزْنُها إذْ لا تُوصَفُ بِثِقَلٍ ولا خِفَّةٍ سَلَّمْنا إمْكانَ وزْنِها لَكِنْ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ إذِ المَقْصُودُ إنَّما هو العِلْمُ بِتَفاوُتِ الأعْمالِ واللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِذَلِكَ وما لا فائِدَةَ فِيهِ فَفِعْلُهُ قَبِيحٌ والرَّبُّ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ فِعْلِ القَبِيحِ وجَوابُهُ يُعْلَمُ مِمّا قَدَّمْنا.
وفَسَّرَ هَؤُلاءِ المِيزانَ بِالعَدْلِ والإنْصافِ واعْتَرَضَ الآمِدِيُّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ المِيزانَ مَوْصُوفٌ بِالثِّقَلِ والخِفَّةِ والعَدْلُ والإنْصافُ يُوصَفانِ بِذَلِكَ وفي الأخْبارِ ما هو صَرِيحٌ في أنَّ المِيزانَ جُسْمانِيٌّ فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَلْمانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يُوضَعُ المِيزانُ يَوْمَ القِيامَةِ فَلَوْ وُزِنَ فِيهِ السَّمَواتُ والأرْضُ لَوَسِعَ فَتَقُولُ المَلائِكَةُ يا رَبِّ مَن يَزِنُ هَذا فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: مَن شِئْتُ مِن خَلْقِي فَتَقُولُ المَلائِكَةُ سُبْحانَكَ ما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ» وفي رِوايَةِ ابْنِ المُبارَكِ واللّالَكائِيِّ عَنْهُ قالَ: «يُوضَعُ المِيزانُ ولَهُ كِفَّتانِ لَوْ وُضِعَ في إحْداهُما السَّمَواتُ والأرْضُ ومِن فِيهِنَّ لَوَسِعَهُ فَتَقُولُ المَلائِكَةُ مَن يَزِنُ هَذا». الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَلَقَ اللَّهُ تَعالى كِفَّتَيِ المِيزانِ مِثْلَ السَّمَواتِ والأرْضِ فَقالَتِ المَلائِكَةُ يا رَبَّنا مَن تَزِنُ بِهَذا فَقالَ أزِنُ بِهِ مَن شِئْتُ» وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَشَفَ عَنْ بَصَرِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَرَأى مِنَ المِيزانِ ما هالَهُ حَتّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَمّا أفاقَ قالَ: يا رَبِّ مَن يَمْلَأُ كِفَّةَ هَذا حَسَناتٍ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ يا داوُدُ إذا رَضِيتُ عَنْ عَبْدٍ مَلَأْتُها بِشِقِّ تَمْرَةٍ تَصَدَّقَ بِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً فالأوْلى كَما قالَ الزَّجّاجُ اتِّباعُ ما جاءَ في الأحادِيثِ ولا مُقْتَضى لِلْعُدُولِ عَنْ ذَلِكَ فَإنْ قِيلَ إنَّ المُكَلَّفَ يَوْمَ القِيامَةِ إمّا مُؤْمِنٌ بِأنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الجَوْرِ فَيَكْفِيهِ حُكْمُهُ تَعالى بِكَيْفِيّاتِ الأعْمالِ وكَمِّيّاتِها وإمّا مُنْكِرٌ لَهُ فَلا يُسَلِّمُ حِينَئِذٍ أنَّ رُجْحانَ بَعْضِ الأعْمالِ عَلى بَعْضٍ لِخُصُوصِيّاتٍ راجِعَةٍ إلى ذَواتِ تِلْكَ الأعْمالِ بَلْ يُسْنِدُهُ إلى إظْهارِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ فَما الفائِدَةُ في الوَزْنِ أُجِيبَ بِأنَّهُ يَنْكَشِفُ الحالُ يَوْمَئِذٍ وتَظْهَرُ جَمِيعُ الأشْياءِ بِحَقائِقِها عَلى ما هي عَلَيْهِ وبِأوْصافِها وأحْوالِها في أنْفُسِها مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ وغَيْرِ ذَلِكَ وتَنْخَلِعُ عَنِ الصُّوَرِ المُسْتَعارَةِ الَّتِي بِها ظَهَرَتْ في الدُّنْيا فَلا يَبْقى لِأحَدٍ مِمَّنْ يُشاهِدُها شُبْهَةٌ في أنَّها هي الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا بِعَيْنِها وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها قَدْ ظَهَرَ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ المُسْتَتَّبِعَةِ لِصِفاتِهِ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ خِلافُ ذَلِكَ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْأحْكامِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى الوَزْنِ والمَوازِينُ إمّا جَمْعُ مِيزانٍ وجَمْعُهُ مَعَ أنَّ المَشْهُورَ الصَّحِيحَ أنَّ المِيزانَ مُطْلَقًا واحِدٌ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الأوْزانِ أوِ المَوْزُوناتِ وكَذا إذا قُلْنا بِأنَّ مِيزانَ كُلِّ شَخْصٍ واحِدٌ وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ كِفَّةُ مَوازِينِهِ وإمّا جَمْعُ مَوْزُونٍ وإضافَتُهُ لِلْعَهْدِ لِتَرَتُّبِ الفَلاحِ عَلى ذَلِكَ فالمُرادُ الحَسَناتُ والجَمْعُ عَلى هَذا ظاهِرٌ وكَذا لَوْ قُلْنا إنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ مِيزانًا ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ والجَمْعِيَّةُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَما أنَّ إفْرادَ ضَمِيرِ ( مَوازِينُهُ ) العائِدِ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ وهو مُبْتَدَأٌ و( هم ) إمّا ضَمِيرُ فَصْلٍ يُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ الخَبَرِ والصِّفَةِ ويُؤَكِّدُ النِّسْبَةَ ويُفِيدُ اخْتِصاصَ المُسْنَدِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ و﴿المُفْلِحُونَ﴾ (8) أيِ الفائِزُونَ بِالنَّجاةِ والثَّوابِ
صفحة 85
خَبَرٌ وإمّا مُبْتَدَأٌ ثانٍ و( المُفْلِحُونَ ) خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ وتَعْرِيفُ المُفْلِحِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُمُ النّاسُ الَّذِينَ بَلَغَكَ أنَّهم مُفْلِحُونَ في الآخِرَةِ أوْ إشارَةٌ إلى ما يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن حَقِيقَةِ المُفْلِحِينَ وخَصائِصِهِمْ.
7:9Page 151
وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ ٩
And those whose scales are light - they are the ones who will lose themselves for what injustice they were doing toward Our verses.
﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَضْيِيعِ فِطْرَةِ الإسْلامِ الَّتِي ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلَيْها أوْ فِطْرَةِ الخَيْرِ الَّذِي هو أصْلُ الجِبِلَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ (9) مُتَعَلِّقٌ بِخَسِرُوا وما مَصْدَرِيَّةٌ و﴿بِآياتِنا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَظْلِمُونَ وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْفاصِلَةِ وعُدِّيَ الظُّلْمُ بِالباءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّكْذِيبِ أوِ الجُحُودِ والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الظُّلْمِ في الدُّنْيا وظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ الوَزْنَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالمُسْلِمِينَ بَلِ الكُفّارُ أيْضًا تُوزَنُ أعْمالُهُمُ الَّتِي لا تَوَقُّفَ لَها عَلى الإسْلامِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ البَعْضُ وادَّعى القُرْطُبِيُّ أنَّ الصَّحِيحَ أنَّهُ يُخَفَّفُ بِها عَذابُهم وإنْ لَمْ تَكُنْ راجِحَةً كَما ورَدَ في حَقِّ أبِي طالِبٍ وذَهَبَ الكَثِيرُ إلى أنَّ الوَزْنَ مُخْتَصٌّ بِالمُسْلِمِينَ وأمّا الكُفّارُ فَتُحْبَطُ أعْمالُهم كَيْفَما كانَتْ وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ ولا يُخَفَّفُ بِها عَنْهم مِنَ العَذابِ شَيْءٌ وما ورَدَ مِنَ التَّخْفِيفِ عَنِ أبِي طالِبٍ فَقَدْ قالَ السَّخاوِيُّ إنَّ المُعْتَمَدَ أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ وعَلى هَذا فَلا بُدَّ مِنَ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ في الآيَةِ وهي عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ساكِتَةٌ عَنْ بَيانِ حالِ مَن تَساوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ وهم أهْلُ الأعْرافِ عَلى قَوْلٍ ومِن هُنا اسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى عَدَمِ وُجُودِ هَذا القِسْمِ ورُدَّ بِأنَّهُ قَدْ يُدْرَجُ في القِسْمِ الأوَّلِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وعَسى مِنَ اللَّهِ تَعالى تَحْقِيقٌ كَما صَرَّحُوا بِهِ وفِيهِ نَظَرٌ
7:10Page 151
وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَۗ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ١٠
And We have certainly established you upon the earth and made for you therein ways of livelihood. Little are you grateful.
﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ تَرْغِيبٌ في قَبُولِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَذْكِيرِ النِّعَمِ إثْرَ تَرْغِيبٍ.
وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الإنْذارِ فَإنَّهُ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ عَلى تَقْدِيرِ قُلِ اتَّبِعُوا وقُلْ واللَّهِ لَقَدْ مَكَّنّاكم والمَعْنى جَعَلْنا لَكم في الأرْضِ مَكانًا وقَرارًا.
وقِيلَ: أقَدَرْناكم عَلى التَّصَرُّفِ فِيها فَهو حِينَئِذٍ كِنايَةٌ ورُجِّحَتْ هُنا الحَقِيقَةُ ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ أيْ ما تَعِيشُونَ بِهِ وتَحْيَوْنَ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ ونَحْوِها أوْ ما تَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى ذَلِكَ وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ عاشَ يَعِيشُ وعِيشَةً ومَعاشًا ومَعِيشَةً بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ والجُمْهُورُ عَلى التَّصْرِيحِ بِالياءِ فِيها ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ مَعائِشَ بِالهَمْزَةِ وغَلَّطَهُ النَّحْوِيُّونَ ومِنهم سِيبَوَيْهِ في ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُهْمَزُ عِنْدَهم بَعْدَ ألِفِ الجَمْعِ إلّا الياءُ الزّائِدَةُ كَصَحِيفَةٍ وصَحائِفَ وأمّا مَعايِشُ فَياؤُهُ أصْلِيَّةٌ هي عَيْنُ الكَلِمَةِ لِأنَّها مِنَ العَيْشِ وبالَغَ أبُو عُثْمانَ فَقالَ إنَّ نافِعًا لَمْ يَكُنْ يَدْرِي بِالعَرَبِيَّةِ وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ وإنْ كانَتْ شاذَّةً غَيْرَ مُتَواتِرَةٍ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الفُصَحاءِ الثِّقاتِ والعَرَبُ قَدْ تُشَبِّهُ الأصْلِيَّ بِالزّائِدِ لِكَوْنِهِ عَلى صُورَتِهِ وقَدْ سُمِعَ هَذا عَنْهم فِيما ذُكِرَ وفي مَصائِبَ ومَنائِرَ أيْضًا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ إنَّها غَلَطٌ يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّها خارِجَةٌ عَنِ الجادَّةِ والقِياسِ وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ الغَلَطُ في كِتابَهِ بِهَذا المَعْنى والجَعْلُ بِمَعْنى الإنْشاءِ والإبْداعِ وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الظَّرْفَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ المُنَكَّرِ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ وتَقْدِيمُها عَلى المَفْعُولِ مَعَ أنَّ حَقَّهُما التَّأْخِيرُ عَنْهُ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ فَإنَّ النَّفْسَ عِنْدَ تَأْخِيرِ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ لا سِيَّما عِنْدَ كَوْنِ المُقَدَّمِ
صفحة 86
مُنْبِئًا عَنْ مَنفَعَةِ السّامِعِ تَبْقى مُتَرَقَّبَةً لِوُرُودِ المُؤَخَّرِ فَيَتَمَكَّنُ فِيها عِنْدَ الوُرُودِ فَضْلُ تَمَكُّنٍ وأمّا تَقْدِيمُ اللّامِ عَلى في فَلِما أنَّهُ المُنْبِئُ عَمّا ذَكَرَ مِنَ المَنفَعَةِ والِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ أتَمُّ والمُسارَعَةُ إلى ذِكْرِهِ أهَمُّ وقِيلَ: إنَّ الجَعْلَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ ثانِيهِما أحَدُ الظَّرْفَيْنِ عَلى أنَّهُ مُسْتَقِرُّ قُدِّمَ عَلى الأوَّلِ والظَّرْفُ إمّا لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِالجَعْلِ أوْ بِالمَحْذُوفِ الواقِعِ حالًا مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ كَما مَرَّ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ يُعْتَدُّ بِها في الإخْبارِ بِجَعْلِ المَعايِشِ حاصِلَةً لَهم أوْ حاصِلَةً في الأرْضِ ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ (10) تِلْكَ النِّعْمَةَ الجَسِيمَةَ وهو تَذْيِيلٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ سُوءِ المُخاطَبِينَ وتَحْذِيرِهِمْ قالَ الطَّيِّبِيُّ: والتَّذْيِيلُ بِذَلِكَ لِأنَّ الشُّكْرَ مُناسِبٌ لِتَمْكِينِهِمْ في البِلادِ والتَّصَرُّفِ فِيها كَما أنَّ التَّذَكُّرَ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مُوافِقٌ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ اتِّباعِ دِينِ الحَقِّ ودِينِ الباطِلِ وبَقِيَّةُ الكَلامِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى طُرُزِ ما مَرَّ في نَظِيرِها فَتَذَكَّرْ.
7:11Page 151
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ لَمۡ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ١١
And We have certainly created you, [O mankind], and given you [human] form. Then We said to the angels, "Prostrate to Adam"; so they prostrated, except for Iblees.1 He was not of those who prostrated.
﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى وتَأْخِيرُهُ عَنْ تَذْكِيرِ ما وقَعَ بَعْدَهُ مِن نِعْمَةِ التَّمَكُّنِ في الأرْضِ إمّا لِأنَّها فائِضَةٌ عَلى المُخاطَبِينَ بِالذّاتِ وهَذِهِ بِالواسِطَةُ وإمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما نِعْمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ والمُرادُ خَلْقُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَصْوِيرُهُ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ العَطْفِ الآتِي لَكِنْ لَمّا كانَ مَبْدَأٌ لِلْمُخاطَبِينَ جَعَلَ خَلْقَهُ خَلْقًا لَهم ونَزَلَ مُنْزِلَتَهُ فالتَّجَوُّزُ عَلى هَذا في ضَمِيرِ الجَمْعِ بِجَعْلِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَجَمِيعِ الخَلْقِ لِتَفَرُّعِهِمْ عَنْهُ أوْ في الإسْنادِ إذْ أُسْنِدَ ما لِآدَمَ الَّذِي هو الأصْلُ والسَّبَبُ إلى ما تَفَرَّعَ عَنْهُ وتَسَبَّبَ.
وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ وذَهَبَ الإمامُ إلى أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والمَعْنى خَلَقْنا أباكم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ طِينًا غَيْرَ مُصَوَّرٍ ثُمَّ صَوَّرْناهُ أبْدَعَ تَصْوِيرٍ وأحْسَنَ تَقْوِيمٍ سارَ ذَلِكَ إلَيْكم وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في الفِعْلِ والمُرادُ ابْتَدَأْنا خَلْقَكم ثُمَّ تَصْوِيرَكم بِأنْ خَلَقْنا آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْناهُ ويَعُودُ هَذا إلى ابْتِداءِ خَلْقِ الجِنْسِ وابْتِداءُ خَلْقِ كُلِّ جِنْسٍ بِإيجادِ أوَّلِ أفْرادِهِ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ وعَلى هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ يَظْهَرُ وجْهُ العَطْفِ بِثُمَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ وزَعَمَ الأخْفَشُ أنَّ ( ثُمَّ ) هُنا بِمَعْنى الواوِ وتَعَقَّبَهُ الزَّجّاجُ بِأنَّهُ خَطَأٌ لا يُجِيزُهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ولا مَن يُوثَقُ بِعِلْمِهِ لِأنَّ ثُمَّ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ لا غَيْرُهُ وإنَّما المَعْنى إنّا ابْتَدَأْنا خَلْقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تُرابٍ ثُمَّ صَوَّرْناهُ أيْ هَذا أصْلُ خَلْقِكم ثُمَّ بَعْدَ الفَراغِ مِن أصْلِكم قُلْنا .. إلَخْ. وقِيلَ: إنَّ ( ثُمَّ ) لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ لا لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ حَتّى يَحْتاجَ إلى تَوْجِيهٍ والمَعْنى خَلَقْناكم يا بَنِي آدَمَ مُضَغًا غَيْرَ مُصَوَّرَةٍ ثُمَّ صَوَّرْناكم بِشَقِّ السَّمْعِ والبَصَرِ وسائِرِ الأعْضاءِ كَما رُوِيَ عَنْ يَمانٍ أوْ خَلَقْناكم في أصْلابِ الرِّجالِ ثُمَّ صَوَّرْناكم في أرْحامِ النِّساءِ كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ثُمَّ نُخْبِرُكم أنّا قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ .. إلَخْ. وإلى هَذا ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مِنهم عَلِيُّ بْنُ عِيسى والقاضِي أبُو سَعِيدٍ السِّيرافِيُّ وغَيْرُهُما وقالَ الطَّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ تُحْمَلَ ( ثُمَّ ) عَلى التَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِأنَّ مَقامَ الِامْتِنانِ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: إنَّ كَوْنَ أبِيهِمْ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ أرْفَعُ دَرَجَةً مِن خَلْقِهِمْ وتَصْوِيرِهِمْ وفِيهِ تَلْوِيحٌ إلى شَرَفِ العِلْمِ وتَنْبِيهٌ لِلْمُخاطَبِينَ عَلى تَحْصِيلِ ما فازَ بِهِ أبُوهم مِن تِلْكَ الفَضِيلَةِ ومِن ثَمَّ عَقَّبَ في البَقَرَةِ الأمْرَ بِالسُّجُودِ مَسْألَةَ التَّحَدِّي بِالعِلْمِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والرَّبِيعِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ أنَّ المَعْنى خَلَقْنا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ صَوَّرْناكم في ظَهْرِهِ ثُمَّ قُلْنا .. إلَخْ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المُرادِ بِالمَلائِكَةِ المَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ وكَذا الكَلامُ في المُرادِ بِالسُّجُودِ.
صفحة 87
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يُقالَ: ثُمَّ أمَرْنا المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ كانَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ والواقِعُ بَعْدَ تَصْوِيرِهِ إنَّما هو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ وذَلِكَ لِتَعْيِينِ وقْتِ السَّجْدَةِ المَأْمُورِ بِها قَبْلُ والحاصِلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهم أوَّلًا أمْرًا مُعَلَّقًا ثُمَّ أمَرَهم ثانِيًا أمْرًا مُنَجَّزًا مُطابِقًا لِلْأمْرِ السّابِقِ فَلِذا جَعَلَهُ حِكايَةً لَهُ وفي ذَلِكَ ما لا يَخْفى مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَسَجَدُوا﴾ أيِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَ القَوْلِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ كُلُّهم أجْمَعُونَ ﴿إلا إبْلِيسَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ سَواءً قُلْنا إنَّ إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ حَقِيقَةً أمْ لا أمّا عَلى الأوَّلِ فَظاهِرٌ وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّهُ لَمّا كانَ جِنِّيًّا مُفْرَدًا مَغْمُورًا بِأُلُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُتَّصِفًا بِغالِبِ صِفاتِهِمْ غُلِّبُوا عَلَيْهِ في ﴿فَسَجَدُوا﴾ ثُمَّ اسْتَثْنِيَ اسْتِثْناءَ واحِدٍ مِنهم وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ بِناءً عَلى أنَّهُ مِنَ الجِنِّ وأنَّهم لَيْسُوا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ ولا تَغْلِيبَ والأوَّلُ هو المُخْتارُ.
وذِكْرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ (11) أيْ مِمَّنْ سَجَدَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّهُ عُلِمَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ عَدَمُ السُّجُودِ لِأنَّ المَعْلُومَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ عَدَمُ العُمُومِ لا عُمُومُ العَدَمِ والمُرادُ الثّانِي أيْ أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ السُّجُودُ مُطْلَقًا لا مَعَهم ولا مُنْفَرِدًا وهَذا إنَّما يُفِيدُهُ التَّنْصِيصُ كَذا قِيلَ ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ التَّنْصِيصَ المَذْكُورَ يُفِيدُ عُمُومَ الأحْوالِ والأوْقاتِ فَلا يَتِمُّ ما ذُكِرَ وتَحْقِيقُ هَذا المَقامِ عَلى ما ذَكَرَهُ المَوْلى سَرِيُّ الدِّينِ أنْ يُقالَ: إنَّ القَوْمَ اخْتَلَفُوا في أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ أمْ لا فَقالَ الشّافِعِيُّ: نَعَمْ فَيَكُونُ نَقِيضُ الحُكْمِ ثابِتًا لِلْمُسْتَثْنى بِطَرِيقِ العِبارَةِ ويُوافِقُهُ ظاهِرُ عِبارَةِ الهِدايَةِ.
وذَهَبَ طائِفَةٌ مِنَ الحَنَفِيَّةِ إلى أنَّهُ بِطَرِيقِ الإشارَةِ وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ المُسْتَثْنى في حُكْمِ المَسْكُوتِ عَنْهُ وإنَّما يُسْتَفادُ الحُكْمُ بِطَرِيقِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ واخْتارَ صاحِبُ البَحْرِ أنَّهُ مَنطُوقُ إشارَةٍ تارَةً وعِبارَةٍ أُخْرى.
وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ في الجَوابِ: إنَّ المَقامَ لَمّا كانَ مَقامَ التَّسْجِيلِ عَلى إبْلِيسَ بِعَدَمِ السُّجُودِ والتَّشْهِيرِ والتَّوْبِيخِ بِتِلْكَ القَبِيحَةِ الهائِلَةِ كانَ خَلِيقًا بِالتَّصْرِيحِ جَدِيرًا بِالِاحْتِياطِ لِضَعْفِ التَّعْوِيلِ عَلى القَرِينَةِ لائِقًا بِكَمالِ الإيضاحِ والتَّقْرِيرِ فَعَدَلَ عَنْ طَرِيقِ الحَذْفِ وإنْ كانَ الكَلامُ دالًّا عَلى المَحْذُوفِ إلى مَنهَجِ الذِّكْرِ والتَّصْرِيحِ بِهِ وهَذا عَلى رَأْيِ الشّافِعِيِّ ومَن وافَقَهُ ظاهِرٌ وإلَيْهِ أشارَ السَّرّاجُ الهِنْدِيُّ في مَباحِثِ الِاسْتِثْناءِ مِن شَرْحِ المُغْنِي وأمّا عَلى باقِي المَذاهِبِ فالأمْرُ أظْهَرُ لِأنَّ الحُكْمَ عَلى المُسْتَثْنى بِنَقِيضِ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ إمّا بِطْرِيقِ الإشارَةِ أوْ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ وعَلى كُلٍّ فالمَقامُ يَأْبى الِاكْتِفاءَ بِمِثْلِ ذَلِكَ ويَقْتَضِي التَّصْرِيحَ بِذِكْرِ الحُكْمِ.
وادَّعى مَوْلانا ابْنُ الكَمالِ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ إنَّما جِيءَ بِها لِانْقِطاعِ الِاسْتِثْناءِ وأنَّهُ لَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا يَكُونُ الإتْيانُ بِها ضائِعًا لَأنَّ عَدَمَ كَوْنِ إبْلِيسَ مِنَ السّاجِدِينَ يُفْهَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ عَلى تَقْدِيرِ اتِّصالِهِ ولا يَخْفى ما فِيهِ عَلى مَن أحاطَ عِلْمًا بِما ذَكَرْنا واعْتَرَضَهُ البَعْضُ أيْضًا بِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ يَكُونُ ذَلِكَ ضائِعًا أيْضًا بِناءً عَلى ما ظَنَّهُ فَإنَّ ثُبُوتَ نَقِيضِ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ لِلْمُسْتَثْنى غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالمُتَّصِلِ ولِذا لا نَراهم يَذْكُرُونَ مَعَ المُسْتَثْنى المُنْقَطِعِ أيْضًا نَقِيضَ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ إلّا قَلِيلًا ولَوْ تَمَّ ما ذَكَرَهُ لَوَجَبَ ذِكْرُ الخَبَرِ مَعَ كُلِّ مُنْقَطِعٍ فَلْيُفْهَمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences