Al-AlusiAl‑A'raf · 7:86–90

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:86–90

7:86Page 161

وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٨٦

And do not sit on every path, threatening and averting from the way of Allāh those who believe in Him, seeking to make it [seem] deviant. And remember when you were few and He increased you. And see how was the end of the corrupters.

﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ أيْ طَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ الحِسِّيَّةِ ﴿تُوعِدُونَ﴾ أيْ تُخَوِّفُونَ مَن آمَنُ بِالقَتْلِ كَما نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ بِلادَهم كانَتْ يَسِيرَةً وكانَ النّاسُ يَمْتارُونَ مِنهم فَكانُوا يَقْعُدُونَ عَلى الطَّرِيقِ ويُخَوِّفُونَ النّاسَ أنْ يَأْتُوا شُعَيْبًا ويَقُولُونَ لَهم إنَّهُ كَذّابٌ فَلا يَفْتِنُكم عَنْ دِينِكم.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القُعُودُ عَلى الصِّراطِ خارِجًا مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ كَما فِيما حُكِيَ عَنْ قَوْلِ الشَّيْطانِ: ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيْ ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ مِن طُرُقِ الدِّينِ كالشَّيْطانِ وإلَيْهِ يُشِيرُ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا والكُلِّيَّةُ مَعَ أنَّ دِينَ اللَّهِ الحَقَّ واحِدٌ بِاعْتِبارِ تَشَعُّبِهِ إلى مَعارِفَ وحُدُودٍ وأحْكامٍ وكانُوا إذا رَأوْا أحَدًا يَشْرَعُ في شَيْءٍ مِنها مَنَعُوهُ بِكُلِّ ما يُمْكِنُ مِنَ الحِيَلِ وقِيلَ: كانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ ما يَرْجِعُ إلى أحَدِ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ وإلّا فَفِيهِ خَفاءٌ وإنْ قِيلَ: إنَّ في الآيَةِ عَلَيْهِ مُبالَغَةً في الوَعِيدِ وتَغْلِيظَ ما كانُوا يَرُومُونَهُ مِن قَطْعِ السَّبِيلِ.

﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ وهي الإيمانُ أوِ السَّبِيلِ الَّذِي قَعَدُوا عَلَيْهِ فَوُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بَيانًا لِكُلِّ صِراطٍ دَلالَةً عَلى عِظَمِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ وتَقْبِيحًا لِما كانُوا عَلَيْهِ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ مَفْعُولُ تَصُدُّونَ عَلى إعْمالِ الأقْرَبِ لا ﴿تُوعِدُونَ﴾ خِلافًا لِما يُوهِمُهُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ إذْ يَجِبُ عِنْدَ الجُمْهُورِ في مِثْلِ ذَلِكَ حِينَئِذٍ إظْهارُ ضَمِيرِ الثّانِي ولا يَجُوزُ حَذْفُهُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: تَصُدُّونَهم وإذا جُعِلَ تَصُدُّونَ بِمَعْنى تُعْرِضُونَ يَصِيرُ لازِمًا ولا يَكُونُ مِمّا نَحْنُ فِيهِ وضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلَّهِ تَعالى أوْ لِكُلِّ صِراطٍ أوْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ السَّبِيلَ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ كَما قِيلَ وجُمْلَةُ ﴿تُوعِدُونَ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿تَقْعُدُوا﴾ أيْ مُوعِدِينَ وصادِّينَ وقِيلَ: هي عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ والأظْهَرُ ما ذَكَرْنا ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ وتَطْلُبُونَ لِسَبِيلِ اللَّهِ تَعالى عِوَجًا بِإلْقاءِ الشُّبَهِ أوْ بِوَصْفِها لِلنّاسِ بِما يَنْقُصُها وهي أبْعَدُ مِن شائِبَةِ الِاعْوِجاجِ: وهَذا إخْبارٌ فِيهِ مَعْنى التَّوْبِيخِ وقَدْ يَكُونُ تَهَكُّمًا بِهِمْ حَيْثُ طَلَبُوا ما هو مُحالٌ إذْ طَرِيقُ الحَقِّ لا يَعْوَجُّ وفي الكَلامِ تَرَقٍّ كَأنَّهُ قِيلَ: ما كَفاكم أنَّكم تُوعِدُونَ النّاسَ عَلى مُتابَعَةِ الحَقِّ وتَصُدُّونَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى حَتّى تَصِفُونَهُ بِالِاعْوِجاجِ لِيَكُونَ الصَّدُّ بِالبُرْهانِ والدَّلِيلِ وعَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ زَيْدٍ جازَ أنْ يُرادَ بِتَبْغُونَها عِوَجًا عَيْشُهم في الأرْضِ واعْوِجاجُ الطَّرِيقِ عِبارَةٌ عَنْ فَواتِ أمْنِها.

وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ مَعْنى هَذا الطَّلَبِ حِينَئِذٍ مَعْنى اللّامِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ وعَلى

صفحة 179

سائِرِ الأوْجُهِ في الكَلامِ الحَذْفُ والإيصالُ.

﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا﴾ عَدَدَكم ﴿فَكَثَّرَكُمْ﴾ فَوَفَّرَ عَدَدَكم بِالبَرَكَةِ في النَّسْلِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وحُكِيَ أنَّ مَدْيَنَ بْنَ إبْراهِيمَ تَزَوَّجَ بِنْتَ لُوطٍ فَوَلَدَتْ فَرَمى اللَّهُ تَعالى في نَسْلِها البَرَكَةَ والنَّماءَ فَكَثُرُوا وفَشَوْا.

وجَوَّزَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ المَعْنى إذْ كُنْتُمْ مُقِلِّينَ فُقَراءَ فَجَعَلَكم مُكْثِرِينَ مُوسِرِينَ أوْ كُنْتُمْ أقِلَّةً أذِلَّةً فَأعَزَّكم بِكَثْرَةِ العَدَدِ والعُدَدِ و﴿إذْ﴾ مَفْعُولُ ( اذْكُرُوا ) أوْ ظَرْفٌ لِمُقَدَّرٍ كالحادِثِ أوِ النِّعَمِ أيِ اذْكُرُوا ذَلِكَ الوَقْتَ أوْ ما فِيهِ ﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ (86) أيْ آخِرُ أمْرِ مَن أفْسَدَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ واعْتَبِرُوا بِهِمْ

7:87Page 161

وَإِن كَانَ طَآئِفَةٞ مِّنكُمۡ ءَامَنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٞ لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ فَٱصۡبِرُواْ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ بَيۡنَنَاۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٧

And if there should be a group among you who has believed in that with which I have been sent and a group that has not believed, then be patient until Allāh judges between us. And He is the best of judges."

﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ ﴿وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ بِهِ أوْ لَمْ يَفْعَلُوا الإيمانَ ﴿فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ ووَعِيدٌ لَهم أيْ تَرَبَّصُوا لِتَرَوْا حُكْمَ اللَّهِ تَعالى بَيْنَنا وبَيْنَكم فَإنَّهُ سُبْحانَهُ سَيَنْصُرُ المُحِقَّ عَلى المُبْطِلِ ويَظْهِرُهُ عَلَيْهِ أوْ هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَوْعِظَةٌ لَهم وحَثٌّ عَلى الصَّبْرِ واحْتِمالِ ما كانَ يَلْحَقُهم مِن أذى المُشْرِكِينَ إلى أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهم ويَنْتَقِمَ لَهم مِنهم ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْفَرِيقَيْنِ أيْ لِيَصْبِرِ المُؤْمِنُونَ عَلى أذى الكُفّارِ ولِيَصْبِرِ الكُفّارُ عَلى ما يَسُوؤُهم مِن إيمانِ مَن آمَنَ مِنهم حَتّى يَحْكُمَ فَيُمَيِّزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ والظّاهِرُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ وكَأنَّ المَقْصُودَ أنَّ إيمانَ البَعْضِ يَنْفَعُكم في دَفْعِ بَلاءِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ (87) إذْ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ولا حَيْفَ فِيهِ فَهو في غايَةِ السَّدادِ.

7:88Page 162

۞ قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ ٨٨

Said the eminent ones who were arrogant among his people, "We will surely evict you, O Shuʿayb, and those who have believed with you from our city, or you must return to our religion." He said, "Even if we were unwilling?

صفحة 1

صفحة 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ المُقالُ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: فَماذا قالُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَما سَمِعُوا مِنهُ هَذِهِ المَواعِظَ؟ فَقِيلَ: قالَ أشْرافُ قَوْمِهِ المُسْتَكْبِرُونَ مُتَطاوِلِينَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِعْصاءِ، بَلْ بِالِغِينَ مِنَ العُتُوِّ مَبْلَغًا عَظِيمًا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا﴾ بُغْضًا لَكم ودَفْعًا لِفِتْنَتِكُمُ المُتَرَتِّبَةِ عَلى المُساكَنَةِ والجِوارِ، والتَّأْكِيدُ القَسَمِيُّ لِلْمُبالَغَةِ والِاعْتِناءِ بِالحُكْمِ، و(مَعَكَ) مُتَعَلِّقٌ بِالإخْراجِ لا بِالإيمانِ، ونِسْبَةُ الإخْراجِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلًا وإلى المُؤْمِنِينَ ثانِيًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أصالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ، وتَبَعِيَّتِهِمْ لَهُ فِيهِ، وتَوْسِيطُ النِّداءِ بِاسْمِهِ العَلِيِّ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّهْدِيدِ النّاشِئَةِ عَنْ غايَةِ الوَقاحَةِ والطُّغْيانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ، أيْ: واللَّهِ لَيَكُونَنَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ البَتَّةَ، الإخْراجُ أوِ العَوْدُ، عَلى أنَّ المَقْصِدَ الأهَمَّ هو العَوْدُ، وإنَّما ذُكِرَ الأوَّلُ لِمُجَرَّدِ القَسْرِ والإلْجاءِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ عَدَمُ تَعَرُّضِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَوابِ الإخْراجِ، والمُتَبادَرُ مِنَ العَوْدِ الرُّجُوعُ إلى الحالَةِ الأُولى، وهَذا مِمّا لا يُمْكِنُ في حَقِّ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعْصُومُونَ عَمّا دُونَ الكُفْرِ بِمَراتِبَ. نَعَمْ هو مُمْكِنٌ في حَقِّ مَن آمَنَ بِهِ، فَإسْنادُهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بابِ التَّغْلِيبِ، قِيلَ: وقَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ هُنا كَما غَلَبَ هو عَلَيْهِمْ في الخِطابِ، فَيَكُونُ في الآيَةِ حِينَئِذٍ تَغْلِيبانِ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: أنْ تَعُودَ بِمَعْنى تَصِيرُ كَما أثْبَتَهُ بَعْضُ النُّحاةِ واللُّغَوِيِّينَ، فَلا يَسْتَدْعِي العَوْدَ إلى حالَةٍ سابِقَةٍ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ:

فَإنْ لَمْ تَكُ الأيّامُ تُحْسِنُ مَرَّةً ∗∗∗ إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ

فَكَأنَّهم قالُوا: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا، أوْ لَتَصِيرُنَّ مِثْلَنا، فَحِينَئِذٍ لا إشْكالَ ولا تَغْلِيبَ، وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ وهو حَسَنٌ ولا يَأْباهُ، ﴿إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ بِالتَّغْلِيبِ فِيهِ، أوْ يُقالَ: إنَّ التَّنْجِيَةَ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ بَعْدَ الوُقُوعِ في المَكْرُوهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ وأمْثالِهِ.

وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: عَلى احْتِمالِ تَسْلِيمِ اسْتِعْمالِ العَوْدِ بِمَعْنى الرُّجُوعِ إلى أمْرٍ سابِقٍ يُجابُ بِأنَّهُ عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ فَإنَّ الإخْراجَ يَسْتَدْعِي دُخُولًا سابِقًا فِيما وقَعَ الإخْراجُ مِنهُ، وهو غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ في المُؤْمِنِ والكافِرِ الأصْلِيَّيْنِ، لَكِنْ لَمّا كانَ الإيمانُ والكُفْرُ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ تَعالى العَبْدَ مُيَسَّرًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُتَمَكِّنًا مِنهُ لَوْ أرادَهُ عَبَّرَ عَنْ تَمَكُّنِ المُؤْمِنِ مِنَ الكُفْرِ، ثُمَّ عُدُولِهِ عَنْهُ إلى الإيمانِ اخْتِيارًا بِالإخْراجِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ ولُطْفًا بِهِ، وبِالعَكْسِ في حَقِّ الكافِرِ، ويَأْتِي نَظِيرُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ

صفحة 3

تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ وهَذا مِنَ المَجازِ المُعَبَّرِ فِيهِ عَنِ السَّبَبِ بِالمُسَبَّبِ، وفائِدَةُ اخْتِيارِهِ في هَذِهِ المَواضِعِ تَحْقِيقُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ لِإقامَةِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ.

وقِيلَ: إنَّ هَذا القَوْلَ كانَ جارِيًا عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في مِلَّتِهِمْ لِسُكُوتِهِ قَبْلَ البَعْثَةِ عَنِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، أوْ أنَّهُ صَدَرَ عَنْ رُؤَسائِهِمْ تَلْبِيسًا عَلى النّاسِ، وإيهامًا لِأنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمْ، وما صَدَرَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في أثْناءِ المُحاوَرَةِ وقَعَ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ، وذَكَرَ الشِّهابُ احْتِمالًا آخَرَ في الجَوابِ؛ وهو أنَّ الظّاهِرَ أنَّ العَوْدَ هو المُقابِلُ لِلْخُرُوجِ إلى ما خَرَجَ مِنهُ وهو القَرْيَةُ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: لِيَكُنْ مِنكُمُ الخُرُوجُ مِن قَرْيَتِنا أوِ العَوْدُ إلَيْها كائِنِينَ في مِلَّتِنا فَيَنْحَلُّ الإشْكالُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى ما تَقَدَّمَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ. وإنَّما لَمْ يَقُولُوا: أوْ لَنُعِيدَنَّكم عَلى طَرِيقَةِ ما قَبْلَهُ لِما أنَّ مُرادَهم أنْ يَعُودُوا بِصُورَةِ الطَّواعِيَةِ حَذَرَ الإخْراجِ عَنِ الوَطَنِ بِاخْتِيارِ أهْوَنِ الشَّرَّيْنِ لَإعادَتِهِمْ بِسائِرِ وُجُوهِ الإكْراهِ والتَّعْذِيبِ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ (تَعُودُنَّ) لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْقَسَمِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِعْلَ المُقْسَمِ، وجَعَلَ ما أشَرْنا إلَيْهِ أوْلى في بَيانِ المَعْنى مُخَلِّصًا مِن ذَلِكَ، وهو باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ القَسَمَ لا يَكُونُ عَلى فِعْلِ الغَيْرِ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِهِ، وقَدْ شاعَ نَحْوَ: واللَّهِ لَيُضْرَبَنَّ زَيْدٌ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، وعُدِّيَ العَوْدُ بِفي إيماءً إلى أنَّ المِلَّةَ لَهم بِمَنزِلَةِ الوِعاءِ المُحِيطِ بِهِمْ، ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَنَظائِرِهِ، أيْ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدًّا لِمَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ وتَكْذِيبًا لَهم في أيْمانِهِمُ الفاجِرَةِ: ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِإنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ، والواوَ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، وقَدْ يُقالُ لَها في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ: واوَ الحالِ أيْضًا، و(لَوْ) هي الَّتِي يُؤْتى بِها لِبَيانِ ما يُفِيدُهُ الكَلامُ السّابِقُ بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ مِنَ الحُكْمِ المُوجَبِ أوِ المَنفِيِّ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ مِنَ الأحْوالِ المُقارِنَةِ لَهُ عَلى الإجْمالِ بِإدْخالِها عَلى أبْعَدِها مِنهُ وأشَدِّها مُنافاةً لَهُ لِيَظْهَرَ بِثُبُوتِهِ أوِ انْتِفائِهِ مَعَ ثُبُوتِهِ أوِ انْتِفائِهِ مَعَ ما عَداهُ مِنَ الأحْوالِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ، والكَلامُ هاهُنا في تَقْدِيرِ: أنَعُودُ فِيها لَوْ لَمْ نَكُنْ كارِهِينَ ولَوْ كُنّا كارِهِينَ غَيْرَ مُبالِينَ بِالإكْراهِ، فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ، والمَآلُ: أنَعُودُ فِيها حالَ عَدَمِ الكَراهَةِ وحالَ الكَراهَةِ إنْكارًا لِما تُفِيدُهُ كَلِمَتُهُمُ الشَّنِيعَةُ بِإطْلاقِها مِنَ العَوْدِ عَلى أيِّ حالَةٍ غَيْرَ أنَّهُ اكْتَفى بِذِكْرِ الحالَةِ الَّتِي هي أشَدُّ الأحْوالِ مُنافاةً لِلْعَوْدِ وأكْثَرِها بُعْدًا مِنهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها هي الواقِعَةُ في نَفْسِ الأمْرِ وثِقَةً بِإغْنائِها عَنْ ذِكْرِ الأوْلى إغْناءً واضِحًا؛ لِأنَّ العَوْدَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الإنْكارُ حِينَ تَحَقَّقَ مَعَ الكَراهَةِ عَلى ما يُوجِبُهُ كَلامُهُمْ، فَلَأنْ يَتَحَقَّقَ مَعَ عَدَمِها أوْلى، وهَذا بَعْضٌ مِمّا ذَكَرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ في هَذا المَقامِ، وقَدْ أطْنَبَ فِيهِ الكَلامَ وأتى بِالنَّقْضِ والإبْرامِ فارْجِعْ إلَيْهِ، وقَدْ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ باقِيًا عَلى حالِهِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الهَمْزَةَ بِمَعْنى كَيْفَ، ووَجَّهَ التَّعَجُّبَ إلى العَوْدِ أيْ: كَيْفَ نَعُودُ فِيها ونَحْنُ كارِهُونَ لَها؟ وتَقْدِيرُ فِعْلِ العَوْدِ لِقُوَّةِ دَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ أوْلى مِن تَقْدِيرِ فِعْلِ الإعادَةِ كَما فَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفي التَّيْسِيرِ تَقْدِيرُ فِعْلِ الإخْراجِ، أيْ: تُخْرِجُونَنا مِن غَيْرِ ذَنْبٍ ونَحْنُ كارِهُونَ لِمُفارَقَةِ الأوْطانِ، وقَدْ وُجِّهَ بِأنَّ العَوْدَ مَفْرُوغٌ عَنْهُ لا يُتَصَوَّرُ مِن عاقِلٍ فَلا يَكُونُ إلّا الإخْراجُ، ولا يَخْفى ضَعْفُ هَذا التَّقْدِيرِ.

وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ (لَوْ) هُنا بِمَعْنى أنْ؛ لِأنَّها لِلْمُسْتَقْبَلِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ عَلى أصْلِها، وما أشارَ إلَيْهِ شَيْخُ الإسْلامِ في هَذا المَقامِ أبْعَدُ مَغْزًى فَلْيُتَأمَّلْ.

7:89Page 162

قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ ٨٩

We would have invented against Allāh a lie if we returned to your religion after Allāh had saved us from it. And it is not for us to return to it except that Allāh, our Lord, should will. Our Lord has encompassed all things in knowledge. Upon Allāh we have relied. Our Lord, decide between us and our people in truth, and You are the best of those who give decision."

﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.

صفحة 4

﴿إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ﴾ الَّتِي هي الشِّرْكُ وزَعَمْنا كَما زَعَمْتُمْ أنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ نِدًّا تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ وعَلِمْنا بُطْلانَها، وأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم فَقَدِ افْتَرَيْنا، واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّ الظّاهِرَ فِيما إذا كانَ الجَوابُ مِثْلَ ما ذُكِرَ أنْ يَتَعَلَّقَ ظُهُورُهُ والعِلْمُ بِهِ بِالشَّرْطِ نَحْوَ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ و﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ وإنْ أكْرَمْتَنِي اليَوْمَ فَقَدْ أكْرَمْتُكَ أمْسِ، والمَقْصُودُ هُنا تَقْيِيدُ نَفْسِ الِافْتِراءِ بِالعَوْدِ، ولَفْظُ قَدْ وصِيغَةُ الماضِي يَمْنَعانِهِ، والجَوابُ ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ مِن بابِ الإخْراجِ لا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ وإيثارِ قَدْ والماضِي الدّالَّيْنِ عَلى التَّأْكِيدِ؛ إمّا لِأنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، أوْ لِأنَّهُ تَعَجُّبٌ عَلى مَعْنى: ما أكْذَبَنا إنْ عُدْنا إلَخْ. ووَجْهُ التَّعَجُّبِ أنَّ المُرْتَدَّ أبْلَغُ في الِافْتِراءِ مِنَ الكافِرِ؛ لِأنَّ الكافِرَ مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ تَعالى الكَذِبَ حَيْثُ يَزْعُمُ أنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ نِدًّا، ولا نِدَّ لَهُ، والمُرْتَدَّ مِثْلُهُ في ذَلِكَ، وزائِدٌ عَلَيْهِ حَيْثُ يَزْعُمُ أنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ لَهُ ما خَفِيَ عَلَيْهِ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحَمْلُ عَلى التَّعَجُّبِ عَلى ما في الكَشْفِ أوْلى؛ لِأنَّ حَذْفَ اللّامِ ضَعِيفٌ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ تَبَعًا لِابْنِ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ المَذْكُورُ قَسَمًا كَما يُقالُ: بَرِئْتُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إنْ فَعَلْتُ كَذا، وكَقَوْلِ مالِكِ بْنِ الأشْتَرِ النَّخَعِيِّ:

أبْقَيْتُ وفْرِي وانْحَرَفْتُ عَنِ العُلا ∗∗∗ ولَقِيتُ أضْيافِي بِوَجْهِ عَبُوسِ

إنْ لَمْ أشُنَّ عَلى ابْنِ هِنْدٍ غارَةً ∗∗∗ ∗∗∗ لَمْ تَخْلُ يَوْمًا مِن ذَهابِ نُفُوسِ

وهَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ البَدِيعِ، وقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أصْحابِ البَدِيعِيّاتِ، ومَثَّلَهُ عِزُّ الدِّينِ المَوْصِلِيُّ بِقَوْلِهِ:

بَرِئْتُ مِن سَلَفِي والشَّمُّ مِن هِمَمِي ∗∗∗ إنْ لَمْ أدْنُ بِتُقًى مَبْرُورَةِ القَسَمِ

والباغُونِيَّةُ بِقَوْلِها:

لا مَكَّنَتْنِي المَعالِي مِن سِيادَتِها ∗∗∗ إنْ لَمْ أكُنْ لَهم مِن جُمْلَةِ الخَدَمِ

﴿وما يَكُونُ لَنا﴾ أيْ: ما يَصِحُّ لَنا وما يَقَعُ، فَيَكُونُ تامَّةٌ، وقَدْ يَأْتِي ذَلِكَ بِمَعْنى ما يَنْبَغِي وما يَلِيقُ.

﴿أنْ نَعُودَ فِيها﴾ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أوْ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ.

﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾، أيْ: إلّا حالَ أوْ وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ لِعَوْدِنا، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّهُ المالِكُ الَّذِي لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ.

﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فَهو سُبْحانُهُ يَعْلَمُ كُلَّ حِكْمَةٍ ومَصْلَحَةٍ ومَشِيئَتُهُ عَلى مُوجِبِ الحِكْمَةِ، فَكُلُّ ما يَقَعُ مُشْتَمِلٌ عَلَيْها، وهَذا إشارَةٌ إلى عَدَمِ الأمْنِ مِن مَكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ؛ فَإنَّهُ لا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ، وفِيهِ مِنَ الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى ما لا يَخْفى، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ فَإنَّ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ إظْهارُ العَجْزِ والِاعْتِمادُ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْمُبالَغَةِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِإفادَةِ الحَصْرِ. وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ لِلَّهِ تَعالى أنْ يَشاءَ الكُفْرَ.

وادَّعى شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ المُرادَ اسْتِحالَةُ وُقُوعِ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى العَوْدَ وهَيْهاتَ ذَلِكَ، ولا يَكادُ يَكُونُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقَوْلُهُمْ: ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ﴾ فَإنَّ تَنْجِيَتَهُ تَعالى إيّاهم مِنها مِن دَلائِلِ عَدَمِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ لِعَوْدِهِمْ فِيها، وفُرِّعَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسِعَ﴾ إلَخْ. بَعْدَ أنْ فَسَّرَهُ بِما فَسَّرَهُ مُحالَيَةُ مَشِيئَتِهِ العَوْدَ، لَكِنْ لُطْفًا وهو وجْهٌ في الآيَةِ، ولَعَلَّ ما ذَهَبْتُ إلَيْهِ فِيها أوْلى، ولا يَرِدُ عَلى تَقْدِيرِ العَوْدِ مَفْعُولًا لِلْمَشِيئَةِ أنَّهُ لَيْسَ لِذِكْرِ سِعَةِ العِلْمِ بَعْدَ حِينَئِذٍ كَبِيرُ مَعْنًى، بَلْ كانَ المُناسِبُ ذِكْرَ شُمُولِ

صفحة 5

الإرادَةِ وأنَّ الحَوادِثَ كُلَّها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِما لا يَخْفى، ولا يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدٌّ لِدَعْوى الحَصْرِ بِاحْتِمالِ قِسْمٍ ثالِثٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ بَنى تَفْسِيرَهُ عَلى عَقِيدَتِهِ الفاسِدَةِ مِن وُجُوبِ رِعايَةِ الصَّلاحِ والأصْلَحِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُمْكِنُ أنْ يَشاءَ الكُفْرَ بِوَجْهٍ لِخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وسِعَ﴾ إلَخْ، ورَدَّهُ ابْنُ المُنِيرِ بِأنَّ مَوْقِعَ ما ذُكِرَ الِاعْتِرافُ بِالقُصُورِ عَنْ عِلْمِ العاقِبَةِ والِاطِّلاعِ عَلى الأُمُورِ الغائِبَةِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَدَّ الأمْرَ إلى المَشِيئَةِ وهي مُغَيَّبَةٌ مَجَّدَ اللَّهَ تَعالى بِالِانْفِرادِ بِعِلْمِ الغائِباتِ. انْتَهى، وإلى كَوْنِ المُرادِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ التَّأْبِيدَ ذَهَبَ جَعْفَرُ بْنُ الحارِثِ والزَّجّاجُ أيْضًا وجَعَلُوا ذَلِكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

إذا شابَ الغُرابُ أتَيْتُ أهْلِي ∗∗∗ وصارَ القارُ كاللَّبَنِ الحَلِيبِ

وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِلنُّصُوصِ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ ولِلْعِبارَةِ والإشارَةِ، وقالَ الجُبّائِيُّ والقاضِي: المُرادُ بِالمِلَّةِ الشَّرِيعَةُ، وفِيها ما لا يَرْجِعُ إلى الِاعْتِقادِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ بِهِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ العَوْدُ إلى ذَلِكَ، أيْ: لَيْسَ لَنا أنْ نَعُودَ إلى مِلَّتِكُمْ، إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ بِأنْ يَتَعَبَّدَنا بِها، ويَنْقُلَنا ويَنْسَخَ ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ، وقِيلَ: المُرادُ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُمَكِّنَكم مِن إكْراهِنا، ويُخْلِيَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ فَنَعُودَ إلى إظْهارِ مِلَّتِكم مُكْرَهِينَ، وقَوِيَ بِسَبْقِ: ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ .

وقِيلَ: إنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ( فِيها ) يَعُودُ إلى القَرْيَةِ لا المِلَّةِ، فَيَكُونُ المَعْنى أنّا سَنَخْرُجُ مِن قَرْيَتِكم ولا نَعُودُ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ بِما يُنْجِزُهُ لَنا مِنَ الوَعْدِ في الإظْهارِ عَلَيْكم والظَّفَرِ بِكم فَنَعُودُ فِيها، وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ يَرُدَّكم إلى الحَقِّ فَنَكُونَ جَمِيعًا عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ، ولا يَخْفى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا يُضْحِكُ الثَّكْلى، وبِالجُمْلَةِ: الآيَةُ ظاهِرَةٌ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ وسُبْحانَ مَن سَدَّ بابِ الرُّشْدِ عَنِ المُعْتَزِلَةِ.

﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ إعْراضٌ عَنْ مُفاوَضَتِهِمْ إثْرَ ما ظَهَرَ مِن عُتُوِّهِمْ وعِنادِهِمْ وإقْبالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى بِالدُّعاءِ، والفَتْحُ بِمَعْنى الحُكْمِ والقَضاءِ، لُغَةٌ لِحِمْيَرَ أوْ لِمُرادٍ. والفَتّاحُ عِنْدَهُمُ القاضِي والفُتاحَةُ بِالضَّمِّ الحُكُومَةُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: الفَتْحُ القَضاءُ، لُغَةٌ يَمانِيَةٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما كُنْتُ أدْرِي ما قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ﴾ حَتّى سَمِعْتُ ابْنَةَ ذِي يَزَنٍ وقَدْ جَرى بَيْنِي وبَيْنَها كَلامٌ فَقالَتْ: أُفاتِحُكَ، تُرِيدُ: أُقاضِيكَ، و﴿بَيْنَنا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والتَّقْيِيدُ بِالحَقِّ لِإظْهارِ النَّصَفَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنِ البَيانِ والإظْهارِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، ومِنهُ فَتْحُ المُشْكِلِ لِبَيانِهِ وحَلِّهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِفَتْحِ البابِ وإزالَةِ الإغْلاقِ، حَتّى يُوصَلَ إلى ما خَلْفَها، وبَيْنَنا عَلى ما قِيلَ مَفْعُولٌ بِهِ بِتَقْدِيرِ ما بَيْنَنا، ﴿وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ أيِ الحاكِمِينَ لِخُلُوِّ حُكْمِكَ عَنِ الجَوْرِ والحَيْفِ أوِ المُظْهِرِينَ لِمَزِيدِ عِلْمِكَ وسِعَةِ قُدْرَتِكَ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.

7:90Page 162

وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَيۡبًا إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٩٠

Said the eminent ones who disbelieved among his people, "If you should follow Shuʿayb, indeed, you would then be losers."

﴿وقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿قالَ المَلأُ﴾ إلَخْ. والمُرادُ مِن هَؤُلاءِ المَلَأِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ المُسْتَكْبِرِينَ، وتَغْيِيرُ الصِّلَةِ لِما أنَّ مَناطَ قَوْلِهِمُ السّابِقِ هو الِاسْتِكْبارُ، ويَكُونُ هَذا حِكايَةً لِإضْلالِهِمْ بَعْدَ حِكايَةِ ضَلالِهِمْ عَلى ما قِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرُهم ودُونَهم في الرُّتْبَةِ شَأْنُهُمُ الوَساطَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ العامَّةِ والقِيامُ بِأُمُورِهِمْ حَسْبَما يَراهُ المُسْتَكْبِرُونَ، أيْ: قالُوا لِأهْلِ مِلَّتِهِمْ تَنْفِيرًا لَهم وتَثْبِيطًا عَنِ الإيمانِ بَعْدَ أنْ شاهَدُوا صَلابَةَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِيهِ وخافُوا أنْ يُفارِقُوهم ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾

صفحة 6

ودَخَلْتُمْ في مِلَّتِهِ وفارَقْتُمْ مِلَّةَ آبائِكم ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ أيْ: مَغْبُونُونَ لِاسْتِبْدالِكُمُ الضَّلالَةَ بِالهُدى ولِفَواتِ ما يَحْصُلُ لَكم بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ، فالخُسْرانُ عَلى الأوَّلِ اسْتِعارَةٌ وعَلى الثّانِي حَقِيقَةٌ، وإلى تَفْسِيرِ الخاسِرِينَ بِالمَغْبُونِينَ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَنْ عَطاءٍ تَفْسِيرُهُ بِالجاهِلِينَ، وعَنِ الضَّحّاكِ تَفْسِيرُهُ بِالفَجَرَةِ، وإذا حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ مُعْتَرِضٌ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها.

وقِيلَ: هي إذا الظَّرْفِيَّةُ الِاسْتِقْبالِيَّةُ، وحُذِفَتِ الجُمْلَةُ المُضافُ إلَيْها وعَوَّضَ عَنْها التَّنْوِينُ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ، والجُمْلَةُ جَوابٌ لِلْقَسَمِ الَّذِي وطَّأتْهُ اللّامُ بِدَلِيلِ عَدَمِ الِاقْتِرانِ بِالفاءِ وسادَّةٌ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، ولَيْسَتْ جَوابًا لَهُما مَعًا كَما يُوهِمُهُ كَلامُ بَعْضِهِمْ؛ لِأنَّهُ كَما قِيلَ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِلْقَواعِدِ النَّحْوِيَّةِ يَلْزَمُ فِيهِ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً واحِدَةً لَها مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ، ولا مَحَلَّ لَها، وإنْ جازَ بِاعْتِبارَيْنِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском