Al-AlusiAl‑Ma'arij · 70:11–35

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'arij 70:11–35

70:11–14Page 569

يُبَصَّرُونَهُمۡۚ يَوَدُّ ٱلۡمُجۡرِمُ لَوۡ يَفۡتَدِي مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِئِذِۭ بِبَنِيهِ ١١

They will be shown each other. The criminal will wish that he could be ransomed from the punishment of that Day by his children

وَصَٰحِبَتِهِۦ وَأَخِيهِ ١٢

And his wife and his brother

وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُـٔۡوِيهِ ١٣

And his nearest kindred who shelter him

وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ يُنجِيهِ ١٤

And whoever is on earth entirely [so] then it could save him.

﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أيْ يُبَصَّرُ الأحْماءُ الأحْماءَ فَلا يُخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ وما يَمْنَعُهم مِنَ التَّساؤُلِ إلّا اشْتِغالُهم بِحالِ أنْفُسِهِمْ وقِيلَ ما يُغْنِي عَنْهُ مِن مُشاهَدَةِ

صفحة 60

الحالِ كَبَياضِ الوَجْهِ وسَوادِهِ ولا يَخْفى حالُهُ ويُبَصَّرُونَهم قِيلَ مِن بَصَّرْتُهُ بِالشَّيْءِ إذا أوْضَحْتُهُ لَهُ حَتّى يُبْصِرَهُ ثُمَّ ضَمِنَ مَعْنى التَّعْرِيفِ أوْ حَذَفُ الصِّلَةِ إيصالًا وجَمْعُ الضَّمِيرَيْنِ لِعُمُومِ الحَمِيمِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ لا ( يُسْألُ ) إلَخِ قِيلَ لَعَلَّهُ لا يُبْصِرُهُ فَقِيلَ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةً أيْ ﴿حَمِيمًا﴾ مُبْصِرِينَ مُعَرِّفِينَ إيّاهم وأنْ تَكُونَ حالًا إمّا مِنَ الفاعِلِ أوْ مِنَ المَفْعُولِ أوْ مِن كِلَيْهِما ولا يَضُرُّ التَّنْكِيرُ لِمَكانِ العُمُومِ وهو مُسَوِّغٌ لِلْحالِيَّةِ ورُجِّحَتْ عَلى الوَصْفِيَّةِ بِأنَّ التَّقْيِيدَ بِالوَصْفِ في مَقامِ الإطْلاقِ والتَّعْمِيمُ غَيْرُ مُناسِبٍ ولَيْسَ فِيها ذَلِكَ فَلا تَغْفُلْ.

وقَرَأ قَتادَةُ «يُبَصَّرُونَهُمْ» مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ أيْ يُشاهِدُونَهم ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيْ يَتَمَنّى الكافِرُ وقِيلَ كُلُّ مُذْنِبٍ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيِ العَذابِ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ يَوْمَئِذٍ ﴿بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ حِكايَةً لِوِدادَتِهِمْ ( ولَوْ ) في مَعْنى التَّمَنِّي وقِيلَ هي بِمَنزِلَةِ أنَّ النّاصِبَةِ فَلا يَكُونُ لَها جَوابٌ، ويَنْسَبِكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها مَصْدَرٌ يَقَعُ مَفْعُولًا لِيَوَدُّ والتَّقْدِيرُ ﴿يَوَدُّ﴾ افْتِداءَهُ بِبَنِيهِ إلَخِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَيْثُ يَتَمَنّى أنْ يَفْتَدِيَ بِأقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ وأعْلَقِهِمْ بِقَلْبِهِ فَضْلًا أنْ يَهْتَمَّ بِحالِهِ ويَسْألَ عَنْها وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ عَلى فَرْضِ أنْ يَكُونَ هو السّائِلَ فَإنْ فُرِضَ أنَّ السّائِلَ المَفْعُولُ فَهي حالٌ مِن ضَمِيرِهِ وقِيلَ الظّاهِرُ جَعْلُها حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ لِأنَّهُ المُتَمَنِّي.

وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ مِنهم وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ كَما في أنْوارِ التَّنْزِيلِ والأعْرَجُ «يَوْمَئِذٍ» بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِلْإضافَةِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ وبِتَنْوِينِ «عَذابٍ» فَيَوْمَئِذٍ حِينَئِذٍ مَنصُوبٌ بِعَذابٍ لِأنَّهُ في مَعْنى تَعْذِيبٍ ﴿وفَصِيلَتِهِ﴾ أيْ عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ فُصِلَ عَنْهم كَما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ ولَعَلَّهُ أوْلى مِن قَوْلِ الرّاغِبِ عَشِيرَتِهِ المُنْفَصِلَةِ عَنْهُ وقالَ ثَعْلَبٌ ( فَصِيلَتِهِ ) آباؤُهُ الأدْنَوْنَ وفَسَّرَ أبُو عُبَيْدَةَ الفَصِيلَةَ بِالفَخْذِ ﴿الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ تُضَمِّنُهُ انْتِماءً إلَيْها لِياذًا بِها في النَّوائِبِ ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ مِنَ الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ أوِ الخَلائِقِ الشّامِلَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ ومِن لِلتَّغْلِيبِ ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يَفْتَدِي﴾ والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي في ضِمْنِ الفِعْلِ أيْ يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ لَوْ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانٍ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ والزَّمَخْشَرِيُّ عَوَّدَهُ إلى ( مَن في الأرْضِ ) وثُمَّ الِاسْتِبْعادُ الإنْجاءُ يَعْنِي يَتَمَنّى لَوْ كانَ هَؤُلاءِ جَمِيعًا تَحْتَ يَدِهِ وبَذَلَهم في فِداءِ نَفْسِهِ ثُمَّ يُنْجِيهِ ذَلِكَ وهَيْهاتَ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ «تُؤْوِيهِ» و«يُنْجِيهِ» بِضَمِّ الهاءَيْنِ.

70:15–16Page 569

كـَلَّآۖ إِنَّهَا لَظَىٰ ١٥

No!1 Indeed, it is the Flame [of Hell],

نَزَّاعَةٗ لِّلشَّوَىٰ ١٦

A remover of exteriors.1

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنِ الوِدادَةِ وتَصْرِيحٌ بِامْتِناعِ الإنْجاءِ وضَمِيرُ ﴿إنَّها﴾ لِلنّارِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِذِكْرِ العَذابِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَظى﴾ خَبَرُ إنَّ وهي عَلَمٌ لِجَهَنَّمَ أوْ لِلدَّرَكَةِ الثّانِيَةِ مِن دَرَكاتِها مَنقُولٌ

مِنَ اللَّظى بِمَعْنى اللَّهَبِ الخالِصِ ومَنعُ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ وجَوَّزَ أنْ يُرادَ اللَّهَبُ عَلى المُبالَغَةِ كَأنَّ كُلَّها لَهَبٌ خالِصٌ وحَذْفُ التَّنْوِينِ إمّا لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ أوْ لِأنَّهُ عَلَمُ جِنْسٍ مَعْدُولٌ عَمّا فِيهِ اللّامُ كَسِحْرٍ إذا أرَدْتَ سِحْرًا بِعَيْنِهِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ أيِ الأطْرافِ كاليَدِ والرَّجُلِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي صالِحٍ وقالَهُ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ وقِيلَ الأعْضاءُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَقْتَلٍ ولِذا يُقالُ رَمى فَأشْوى إذا لَمْ يَقْتُلْ أوْ جَمْعُ شَواةٍ وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ وأنْشَدُوا قَوْلَ الأعْشى:

قالَتْ =قَتِيلَةُ ما لَهُ قَدْ جَلَلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ

ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وقُرَّةَ بْنِ خالِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ وأخْرَجَ هو عَنْ أبِي صالِحٍ والسُّدِّيِّ تَفْسِيرَها بِلَحْمِ السّاقَيْنِ وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ العَصَبُ والعَقِبُ وعَنْ أبِي العالِيَةِ مَحاسِنُ الوَجْهِ وفَسَّرَ نَزْعَها لِذَلِكَ بِأكْلِها لَهُ فَتَأْكُلُهُ ثُمَّ يَعُودُ وهَكَذا نَصَبَ بِتَقْدِيرٍ أعْنِي أوْ أخَصُّ وهو مُرادُ مَن قالَ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا والعامِلُ فِيها ﴿لَظى﴾ وإنْ كانَ عَلَمًا لِما فِيهِ مِن

صفحة 61

مَعْنى التَّلَظِّي كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ أيِ المَشْهُورُ بَعْضَ الأحْيانِ قالَهُ أبُو حَيّانٍ وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الكَشْفِ وقالَ الخَفاجِيُّ ﴿لَظى﴾ بِمَعْنى مُتَلَظِّيَةٍ والحالُ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيها لا مِنها بِالمَعْنى السّابِقِ لِأنَّها نَكِرَةٌ أوْ خَبَرٌ. وفي مَجِيءِ الحالِ مِن مِثْلِهِ ما فِيهِ وقِيلَ هو حالٌ مُؤَكِّدَةٌ كَما في قَوْلِهِ:

أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِي ∗∗∗ وهَلْ بِدارَةَ يا لِلنّاسِ مِن عارِ

والعامِلُ أحَقَّهُ أوِ الخَبَرُ لِتَأْوِيلِهِ بِمُسَمّى أوِ المُبْتَدَأِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّنْبِيهِ أوْ مَعْنى الجُمْلَةِ وارْتِضاءُ الرَّضِيِّ وقِيلَ حالٌ مِن ضَمِيرِ تَدْعُو قُدِّمَ عَلَيْهِ وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ إنَّها مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ أعْنِي ﴿لَظى﴾ وبُحِثَ فِيهِ بِما رَدَّهُ المُحَقِّقُونَ وقَرَأ الأكْثَرُونَ نَزّاعَةٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ أوْ صِفَةٌ لِلَظى وهو ظاهِرٌ عَلى اعْتِبارِ كَوْنِها نَكِرَةً وكَذا عَلى كَوْنِها عَلَمَ جِنْسٍ لِأنَّهُ كالمُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ في إجْرائِهِ مَجْرى النَّكِرَةِ أوْ هو الخَبَرُ ( ولَظى ) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ وإنِ اعْتُبِرَتْ نَكِرَةً بِناءً عَلى أنَّ إبْدالَ النَّكِرَةِ غَيْرَ مَنعُوتَةٍ مِنَ المَعْرِفَةِ قَدْ أجازَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ مِنَ النُّحاةِ إذا تَضَمَّنَ فائِدَةً كَما هُنا. وجَوَّزَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿إنَّها﴾ لِلْقِصَّةِ ( ولَظى ) مُبْتَدَأٌ بِناءً عَلى أنَّهُ مَعْرِفَةٌ ونَزّاعَةٌ خَبَرُهُ.

70:17–18Page 569

تَدۡعُواْ مَنۡ أَدۡبَرَ وَتَوَلَّىٰ ١٧

It invites he who turned his back [on truth] and went away [from obedience]

وَجَمَعَ فَأَوۡعَىٰٓ ١٨

And collected [wealth] and hoarded.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿تَدْعُوَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أوْ حالٌ مُتَداخِلَةٌ أوْ مُتَرادِفَةٌ أوْ مُفْرَدَةٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَلا تَغْفُلْ والدُّعاءُ عَلى حَقِيقَتِهِ وذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى فِيها القُدْرَةَ عَلى الكَلامِ كَما يَخْلُقُهُ في جُلُودِهِمْ وأيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ فَتُنادِيهِمْ بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ ورُوِيَ أنَّها تَقُولُ لَهم ( إلَيَّ إلَيَّ ) يا كافِرُ يا مُنافِقُ. وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِهِ الجَذْبُ والإحْضارُ كَما في قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ يَصِفُ الثَّوْرَ الوَحْشِيَّ:

أمْسى بِوَهْبَيْنِ مُجْتازًا لِمَرْتَعِهِ مِن ذِي الفَوارِسِ تَدْعُو أنْفَهُ الرَّبَبَ

ونَحْوُهُ قَوْلُهُ أيْضًا:

لَيالِي اللَّهْوِ يُطْبِينِي فَأتْبَعُهُ ∗∗∗ كَأنَّنِي ضارِبٌ في غَمْرَةِ لَعِبِ

ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ شَبَّهَ لِياقَتَها لَهم أوِ اسْتِحْقاقَهم لَها عَلى ما قِيلَ بِدُعائِها لَهم فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالدُّعاءِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. وقالَ ثَعْلَبٌ تَدْعُو تَهْلِكُ مِن قَوْلِ العَرَبِ دَعاكَ اللَّهُ تَعالى أيْ أهْلَكَكَ وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنْهم.

وفِي الأساسِ دَعاهُ اللَّهُ تَعالى بِما يَكْرَهُ أنْزَلَهُ بِهِ وأصابَتْهم دَواعِي الدَّهْرِ صُرُوفُهُ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:

دَعاكَ اللَّهُ مِن رَجُلٍ بِأفْعى ∗∗∗ إذا نامَ العُيُونُ سَرَتْ عَلَيْكا

واسْتَظْهَرَ أنَّهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لِلدُّعاءِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ وفِيهِ تَرَدُّدٌ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ لِزَبانِيَتِها وأُسْنِدَ إلَيْها مَجازًا أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ تَدْعُو زَبانِيَتَها ﴿مَن أدْبَرَ﴾ في الدُّنْيا عَنِ الحَقِّ ﴿وتَوَلّى﴾ أعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءِ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حُقُوقَهُ وتَشاغَلَ بِهِ عَنِ الدِّينِ زَهًّا بِاقْتِنائِهِ حِرْصًا وتَأْمِيلًا وهَذا إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ وما أخْوَفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُكَيْمٍ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ سَعِيدٍ عَنِ الحَكَمِ أنَّهُ قالَ كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ سَمِعْتُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ .

70:19–20Page 569

۞ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا ١٩

Indeed, mankind was created anxious:

إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعٗا ٢٠

When evil touches him, impatient,

﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ الهَلَعُ سُرْعَةُ الجَزَعِ عِنْدَ مَسِّ المَكْرُوهِ وسُرْعَةُ المَنعِ عِنْدَ مَسِّ الخَيْرِ مِن قَوْلِهِمْ ناقَةٌ هَلُوعُ سَرِيعَةُ السَّيْرِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ الهَلُوعِ فَقالَ هو كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ إلَخِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا فَقَرَأ الآيَةَ وحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ ثَعْلَبٍ قالَ قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ سُبْحانَهُ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿إذا مَسَّهُ﴾ الآيَةَ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

الألْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّنَّ كَأنْ قَدْ رَأى وقَدْ سَمِعا

والجُمْلَةُ المُؤَكِّدَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها ( والإنْسانَ ) الجِنْسَ أوِ الكافِرَ قَوْلانِ أيَّدَ ثانِيَهُما بِما رَوى

صفحة 62

الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ ولا يَأْبى ذاكَ إرادَةُ الجِنْسِ والشَّرُّ الفَقْرُ والمَرَضُ ونَحْوُهُما وألْ لِلْجِنْسِ أيْ إذا مَسَّهُ جِنْسُ الشَّرِّ ﴿جَزُوعًا﴾ أيْ مُبالِغًا في الجَزَعِ مُكْثِرًا مِنهُ.

والجَزَعُ قالَ الرّاغِبُ أبْلَغُ مِنَ الحُزْنِ فَإنَّ الحُزْنَ عامٌّ والجَزَعَ حُزْنٌ يَصْرِفُ الإنْسانَ عَمّا هو بِصَدَدِهِ ويَقْطَعُهُ عَنْهُ. وأصْلُهُ قَطْعُ الحَبْلِ مِن نَصِفِهِ يُقالُ: جَزَعُهُ فانْجَزَعَ ولِتَصَوُّرِ الِانْقِطاعِ فِيهِ قِيلَ جَزِعَ الوادِي لِمُنْقَطَعِهِ والِانْقِطاعُ اللَّوْنُ بِتَغَيُّرِهِ قِيلَ لِلْخَرَزِ المُتَلَوِّنِ جَزَعٌ وعَنْهُ اسْتُعِيرَ قَوْلُهم لَحْمٌ مُجَزَّعٌ إذْ كانَ ذا لَوْنَيْنِ وقِيلَ لِلْبُسْرَةِ إذا بَلَغَ الإرْطابُ نِصْفَها مُجَزَّعَةً.

70:21Page 569

وَإِذَا مَسَّهُ ٱلۡخَيۡرُ مَنُوعًا ٢١

And when good touches him, withholding [of it],

﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ﴾ المالُ والغِنى أوِ الصِّحَّةُ ﴿مَنُوعًا﴾ مُبالِغًا في المَنعِ والإمْساكِ ( وإذا ) الأُولى ظَرْفٌ لَجَزُوعًا والثّانِيَةُ ظَرْفٌ لَمَنُوعًا والوَصْفانِ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ صِفَتانِ كاشِفَتانِ لَهَلُوعًا الواقِعِ حالًا كَما هو الأنْسَبُ بِما سَمِعْتَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ الأوْصافُ الثَّلاثَةُ أحْوالٌ فَقِيلَ مُقَدِّرَةٌ إنْ أُرِيدَ اتِّصافُ الإنْسانِ بِذَلِكَ بِالفِعْلِ فَإنَّهُ في حالِ الخَلْقِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وإنَّما حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ تَمامِ عَقْلِهِ ودُخُولِهِ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، ومُحَقَّقَةٌ إنْ أُرِيدَ اتِّصافُهُ بِمَبْدَأِ هَذِهِ الأُمُورِ مِنَ الأُمُورِ الجِبِلِيَّةِ والطَّبائِعِ الكُلِّيَّةِ المُنْدَرِجَةِ فِيها تِلْكَ الصِّفاتُ بِالقُوَّةِ ولا مانِعَ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ مِن خَلْقِهِ تَعالى الإنْسانَ وطَبْعِهِ سُبْحانَهُ إيّاهُ عَلى ذَلِكَ وفي زَوالِها بَعْدُ خِلافٌ فَقِيلَ إنَّها تَزُولُ بِالمُعالَجَةِ ولَوْلاهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمَنعِ مِنها والنَّهْيِ عَنْها فائِدَةٌ وهي لَيْسَتْ مِن لَوازِمِ الماهِيَّةِ فاللَّهُ تَعالى كَما خَلَقَها يُزِيلُها وقِيلَ: إنَّها لا تَزُولُ وإنَّما تُسْتَرُ ويُمْنَعُ المَرْءُ عَنْ آثارِها الظّاهِرَةِ كَما قِيلَ:

والطَّبْعُ في الإنْسانِ لا يَتَغَيَّرُ وهَذا الخِلافُ جارٍ في جَمِيعِ الأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ وقالَ بَعْضُهُمْ: الأُمُورُ التّابِعَةُ مِنها لِأصْلِ المِزاجِ لا تَتَغَيَّرُ والتّابِعَةُ لِعَرَضِهِ قَدْ تَتَغَيَّرُ. وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ في الكَلامِ اسْتِعارَةً فَقالَ: المَعْنى أنَّ الإنْسانَ لِإيثارِهِ الجَزَعَ والمَنعَ وتَمَكُّنِهِما مِنهُ ورُسُوخِهِما فِيهِ كَأنَّهُ مَجْبُولٌ عَلَيْهِما مَطْبُوعٌ وكَأنَّهُ أمْرٌ خِلْقِيٌّ وضَرُورِيٌّ غَيْرُ اخْتِيارِيٍّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنْبِياءِ: 37] لِأنَّهُ في البَطْنِ والمَهْدِ لَمْ يَكُنْ بِهِ هَلَعٌ ولِأنَّهُ ذَمٌّ واللَّهُ تَعالى لا يَذُمُّ فِعْلَهُ سُبْحانَهُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ اسْتِثْناءُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جاهَدُوا أنْفُسَهم وحَمَلُوها عَلى المَكارِهِ وطَلَّقُوها مِنَ الشَّهَواتِ حَتّى لَمْ يَكُونُوا جازِعِينَ ولا مانِعِينَ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ في المَهْدِ أهَلَعُ وأهْلَعُ فَيُسْرِعُ إلى الثَّدْيِ ويَحْرِصُ عَلى الرِّضاعِ وإنَّ مَسَّهُ ألَمٌ جَزِعَ وبَكى وإنَّ تَمَسَّكَ بِشَيْءٍ فَزُوحِمَ عَلَيْهِ مَنَعَ بِما في قُدْرَتِهِ مِنِ اضْطِرابٍ وبُكاءٍ وفي البَطْنِ لا يُعْلَمُ حالُهُ وأيْضًا الِاسْمُ يَقَعُ عَلَيْهِ بَعْدَ الوَضْعِ فَما بَعْدَهُ هو المُعْتَبَرُ وإنَّ الذَّمَّ مِن حَيْثُ القِيامُ بِالعَبْدِ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ وإنَّ الِاسْتِثْناءَ إمّا مُنْقَطِعٌ لِأنَّهُ لَمّا وصَفَ سُبْحانَهُ مَن أدْبَرَ وتَوَلّى مُعَلِّلًا بِهَلَعِهِ وجَزَعِهِ قالَ تَعالى لَكِنَّ المُصَلِّينَ في مُقابَلَتِهِمْ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ﴾ [المَعارِجِ: 35] ثُمَّ كَرَّ عَلى السّابِقِ وقالَ ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المَعارِجِ: 36] بِالفاءِ تَخْصِيصًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ ورَجَعا إلى بَدْءٍ لِأنَّهم مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ افْتَتَحَ السُّورَةَ بِذِكْرِ سُؤالِهِمْ أوْ مُتَّصِلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَسْتَمِرَّ خَلْقُهم عَلى الهَلَعِ فَإنَّ الأوَّلَ لَمّا كانَ تَعْلِيلًا كانَ مَعْناهُ خَلْقًا مُسْتَمِرًّا عَلى الهَلَعِ والجَزَعِ ﴿إلا المُصَلِّينَ﴾ فَإنَّهم لَمْ يَسْتَمِرَّ خَلْقُهم عَلى ذَلِكَ فَلا يَرِدُ أنَّ الهَلَعَ الَّذِي في المَهْدِ لَوْ كانَ مُرادًا لَما صَحَّ اسْتِثْناءُ المُصَلِّينَ لِأنَّهم كَغَيْرِهِمْ في حالِ الطُّفُولِيَّةِ انْتَهى وهَذا الِاسْتِثْناءُ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى.

70:22–23Page 569

إِلَّا ٱلۡمُصَلِّينَ ٢٢

Except the observers of prayer -

ٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ دَآئِمُونَ ٢٣

Those who are constant in their prayer

﴿إلا المُصَلِّينَ﴾ إلَخِ وقَدْ وصَفَهم سُبْحانَهُ بِما يُنْبِئُ عَنْ كَمالِ تَنَزُّهِهِمْ عَنِ الهَلَعِ مِنَ الاسْتِغْراقِ في طاعَةِ الحَقِّ عَزَّ وجَلَّ والإشْفاقِ عَلى الخَلْقِ والإيمانِ بِالجَزاءِ والخَوْفِ مِنَ العُقُوبَةِ وكَسْرِ الشَّهْوَةِ وإيثارِ الآجِلِ عَلى العاجِلِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ مُواظِبُونَ عَلى أدائِها لا يُخِلُّونَ بِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ مِنَ الشَّواغِلِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى فَضْلِ المُداوِمَةِ عَلى العِبادَةِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ حِبّانٍ عَنْ أبِي سَلَمَةٍ قالَ حَدَّثَتْنِي عائِشَةُ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خُذُوا مِنَ العَمَلِ ما تُطِيقُونَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا قالَتْ فَكانَ أحَبُّ الأعْمالِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما دامَ عَلَيْهِ وإنْ قَلَّ، وكانَ إذا صَلّى صَلاةً دامَ عَلَيْها» .

صفحة 63

وقَرَأ أبُو سَلَمَةَ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ وأخْرَجَ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْها أنَّها قالَتْ: «كانَ عَمَلُهُ ﷺ دِيمَةً» قالَ جارُ اللَّهِ أيْ ما فَعَلَ مِن أفْعالِ الخَيْرِ إلّا وقَدِ اعْتادَ ذَلِكَ ويَفْعَلُهُ كُلَّما جاءَ وقْتُهُ ووُجِهَ بِأنَّ الفِعْلَةَ لِلْحالِ الَّتِي يَسْتَمِرُّ عَلَيْها الشَّخْصُ ثُمَّ في جَعْلِهِ نَفْسَ الحالَةِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ كانَ مَلَكَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِيلَ ﴿دائِمُونَ﴾ أيْ لا يَلْتَفِتُونَ فِيها ومِنهُ الماءُ الدّائِمُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِمْرانِ بْنِ حُصَيْنٍ وكَذا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الخَيْرِ أنَّ عُقْبَةَ قالَ لَهُمْ: مَنِ الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ؟ قالَ: قُلْنا الَّذِينَ لا يَزالُونَ يُصَلُّونَ، فَقالَ: لا ولَكِنِ الَّذِينَ إذا صَلَّوْا لَمْ يَلْتَفِتُوا عَنْ يَمِينٍ ولا شِمالٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ فَتُشْعِرُ الآيَةُ بِذَمِّ الِالتِفاتِ في الصَّلاةِ وقَدْ نَطَقَتِ الأخْبارُ بِذَلِكَ واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِها عَلى أنَّهُ كَبِيرَةٌ وتَحْقِيقُهُ في الزَّواجِرِ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٍ أنَّ دَوامَها أداؤُها في مَواقِيتِها وهو كَما تَرى ولَعَلَّ تَرْكَ الِالتِفاتِ والأداءَ في الوَقْتِ يَتَضَمَّنُهُ ما يَأْتِي مِنَ المُحافَظَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والمُرادُ بِالصَّلاةِ عَلى ما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ وعَنِ الإمامِ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ المُرادَ بِها النّافِلَةُ.

وقِيلَ ما أُمِرُوا بِهِ مُطْلَقًا مِنها وقَرَأ الحَسَنُ «صَلَواتِهِمْ» بِالجَمْعِ.

70:24–25Page 569

وَٱلَّذِينَ فِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ مَّعۡلُومٞ ٢٤

And those within whose wealth is a known right1

لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ ٢٥

For the petitioner and the deprived -

﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ أيْ نَصِيبٌ مُعَيَّنٌ يَسْتَوْجِبُونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى وإشْفاقًا عَلى النّاسِ وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ الإمامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما يُوَظِّفُهُ الرَّجُلُ عَلى نَفْسِهِ يُؤَدِّيهِ في كُلِّ جُمْعَةٍ أوْ كُلِّ شَهْرٍ مَثَلًا.

وقِيلَ هو الزَّكاةُ لِأنَّها مُقَدَّرَةٌ مَعْلُومَةٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والزَّكاةُ إنَّما فُرِضَتْ ( وعُيِّنَّ ) مِقْدارُها في المَدِينَةِ وقَبْلَ ذَلِكَ كانَتْ مَفْرُوضَةً مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ ﴿لِلسّائِلِ﴾ الَّذِي يَسْألُ ﴿والمَحْرُومِ﴾ الَّذِي لا يَسْألُ فَيُظَنُّ أنَّهُ غَنِيٌّ فَيُحْرَمُ واسْتِعْمالُهُ في ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ ولا يَصِحُّ أنْ تُرادَ بِهِ مَن يَحْرِمُونَهُ بِأنْفُسِهِمْ لِلُزُومِ التَّناقُضِ كَما لا يَخْفى.

70:26Page 569

وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ٢٦

And those who believe in the Day of Recompense

﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ المُرادُ التَّصْدِيقُ بِهِ بِالأعْمالِ حَيْثُ يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم في الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ طَمَعًا في المَثُوبَةِ الأُخْرَوِيَّةِ لِأنَّ التَّصْدِيقَ القَلْبِيَّ عامٌّ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ لا امْتِيازَ فِيهِ لِأحَدٍ مِنهم وفي التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ التَّصْدِيقَ والأعْمالَ تَتَجَدَّدُ مِنهم آنًا فَآنًا.

70:27Page 569

وَٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ ٢٧

And those who are fearful of the punishment of their Lord -

﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ خائِفُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ مَعَ ما لَهم مِنَ الأعْمالِ الفاضِلَةِ اسْتِقْصارًا لَها واسْتِعْظامًا لِجَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: 60] .

70:28Page 569

إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمۡ غَيۡرُ مَأۡمُونٖ ٢٨

Indeed, the punishment of their Lord is not that from which one is safe -

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ اعْتِراضٌ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَأْمَنَ عَذابَهُ عَزَّ وجَلَّ وإنْ بالَغَ في الطّاعَةِ كَهَؤُلاءِ ولِذا كانَ السَّلَفُ الصّالِحُ وهم هم خائِفِينَ وجِلِينَ حَتّى قالَ بَعْضُهم يا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ وآخَرُ لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

70:29–32Page 569

وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٢٩

And those who guard their private parts

إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٣٠

Except from their wives or those their right hands possess,1 for indeed, they are not to be blamed -

فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٣١

But whoever seeks beyond that, then they are the transgressors -

وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٣٢

And those who are to their trusts and promises attentive

﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهٍ مُسْتَوْفًى فَتَذَكَّرْهُ ﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِن حُقُوقِها وكَأنَّهُ لِكَثْرَةِ الأمانَةِ جُمِعَتْ ولَمْ يُجْمَعِ العَهْدُ قَبْلُ إيذانًا بِأنَّهُ لَيْسَ كالأمانَةِ كَثْرَةً وقِيلَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ ويَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الأمانَةِ ما رَوى الكَلْبِيُّ: كُلُّ أحَدٍ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما افْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ العَقائِدِ والأقْوالِ والأحْوالِ والأفْعالِ ومِنَ الحُقُوقِ في الأمْوالِ وحُقُوقِ الأهْلِ والعِيالِ وسائِرِ الأقارِبِ والمَمْلُوكِينَ والجارِ وسائِرِ المُسْلِمِينَ. وقالَ السُّدِّيُّ إنَّ حُقُوقَ الشَّرْعِ كُلَّها أماناتٌ قَدْ قَبِلَها المُؤْمِنُ وضِمِنَ أداءَها بِقَبُولِ الإيمانِ وقِيلَ كُلُّ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لِلْعَبْدِ مِنَ الأعْضاءِ وغَيْرِها أمانَةٌ عِنْدَهُ فَمَنِ اسْتَعْمَلَ ذَلِكَ في غَيْرِ ما أعْطاهُ لِأجْلِهِ وأذِنَ سُبْحانَهُ لَهُ بِهِ فَقَدْ خانَ الأمانَةَ والخِيانَةُ فِيها وكَذا الغَدْرُ بِالعَهْدِ مِنَ الكَبائِرِ عَلى ما نَصَّ غَيْرُ واحِدٍ.

وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «أرْبَعٌ مَن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا ومَن كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنهُنَّ كانَتْ فِيهِ

صفحة 64

خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتّى يَدَعَها: إذا اؤْتُمِنُ خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ» .

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «ما خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلّا قالَ: لا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ، ولا دِينَ لِمَن لا عَهْدَ لَهُ» وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «لِأمانَتِهِمْ» بِالإفْرادِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.

70:33Page 569

وَٱلَّذِينَ هُم بِشَهَٰدَٰتِهِمۡ قَآئِمُونَ ٣٣

And those who are in their testimonies upright

﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ مُقِيمُونَ لَها بِالعَدْلِ غَيْرُ مُنْكِرِينَ لَها أوْ لِشَيْءٍ مِنها ولا مُخْفِينَ إحْياءً لِحُقُوقِ النّاسِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِها وتَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِهِ سُبْحانَهُ، وخَصَّ بَعْضُهُمُ الشَّهادَةَ بِما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ العِبادِ وذَكَرَ أنَّها مُنْدَرِجَةٌ في الأماناتِ إلّا أنَّها خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِإبانَةِ فَضْلِها وجَمْعُها لِاخْتِلافِ الأنْواعِ ولَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ أُفْرِدَ عَلى ما قِيلَ لِأنَّها مَصْدَرٌ شامِلٌ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالإفْرادِ عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا.

70:34Page 569

وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٣٤

And those who [carefully] maintain their prayer:

﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ أيْ يُراعُونَ شَرائِطَها ويُكْمِلُونَ فَرائِضَها وسُنَنَها ومُسْتَحَبّاتِها بِاسْتِعارَةِ الحِفْظِ مِنَ الضَّياعِ لِلْإتْمامِ والتَّكْمِيلِ وهَذا غَيْرُ الدَّوامِ فَإنَّهُ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ وهَذا يَرْجِعُ إلى أحْوالِها فَلا يَتَكَرَّرُ مَعَ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ وكَأنَّهُ لَمّا كانَ ما يُراعى في إتْمامِ الصَّلاةِ وتَكْمِيلِها مِمّا يَتَفاوَتُ بِحَسَبِ الأوْقاتِ جِيءَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى التَّجَدُّدِ كَذا قِيلَ. وقِيلَ إنَّ الإتْيانَ بِهِ مَعَ تَقْدِيمِ هم لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهَذا الحُكْمِ لِما أنَّ أمْرَ التَّقْوى في مِثْلِ ذَلِكَ أقْوى مِنهُ في مِثْلِ هم مُحافِظُونَ واعْتُبِرَ هَذا هُنا دُونَ ما في الصَّدْرِ لِأنَّ المُراعاةَ المَذْكُورَةَ كَثِيرًا ما يُغْفَلُ عَنْها. وفي افْتِتاحِ الأوْصافِ بِما يَتَعَلَّقُ بِالصَّلاةِ واخْتِتامِها بِهِ دَلالَةٌ عَلى شَرَفِها وعُلُوِّ قَدْرِها لِأنَّها مِعْراجُ المُؤْمِنِينَ ومُناجاةُ رَبِّ العالَمِينَ ولِذا جُعِلَتْ قُرَّةَ عَيْنِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ ﷺ وعَلى آلِهِ وصَحِبِهِ أجْمَعِينَ وتَكْرِيرُ المَوْصُولاتِ لِتَنْزِيلِ اخْتِلافِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذَّواتِ إيذانًا بِأنْ كانَ واحِدٌ مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ نَعْتٌ جَلِيلٌ عَلى حِيالِهِ لَهُ شَأْنٌ خَطِيرٌ مُسْتَتْبَعٌ لِأحْكامٍ جَمَّةٍ حَقِيقٌ بِأنْ يُفْرَدَ لَهُ مَوْصُوفٌ مُسْتَقِلٌّ ولا يُجْعَلُ شَيْءٌ مِنها تَتِمَّةً لِلْآخَرِ.

70:35Page 569

أُوْلَٰٓئِكَ فِي جَنَّٰتٖ مُّكۡرَمُونَ ٣٥

They will be in gardens,1 honored.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِما ذَكَرَ مِنَ الصِّفاتِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِبُعْدِ المُشارِ إلَيْهِمْ إمّا في الفَضْلِ أوْ في الذِّكْرِ بِاعْتِبارِ مَبْدَأِ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ مُسْتَقِرُّونَ في جَنّاتٍ لا يُقادِرُ قَدْرَها ولا يُدْرَكُ كُنْهُها وقَوْلُهُ تَعالى ﴿مُكْرَمُونَ﴾ خَبَرٌ آخَرُ أوْ هو الخَبَرُ ( وفي جَنّاتٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ مَعَ مُراعاةِ الفَواصِلِ أوْ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ أيْ مُكْرَمُونَ كائِنِينَ في جَنّاتٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском