Al-AlusiNuh · 71:8–22

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Nuh 71:8–22

71:8–9Page 570

ثُمَّ إِنِّي دَعَوۡتُهُمۡ جِهَارٗا ٨

Then I invited them publicly.

ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا ٩

Then I announced to them and [also] confided to them secretly

﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ﴿ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ أيْ دَعْوَتُهم مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وكَرَّةً غِبَّ كَرَّةٍ عَلى وُجُوهٍ مُتَخالِفَةٍ وأسالِيبَ مُتَفاوِتَةٍ وهو تَعْمِيمٌ لِوُجُوهِ الدَّعْوَةِ بَعْدَ تَعْمِيمِ الأوْقاتِ وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ يُشْعِرُ بِمَسْبُوقِيَّةِ الجَهْرِ بِالسِّرِّ وهو الألْيَقُ بِمَن هَمُّهُ الإجابَةُ لِأنَّهُ أقْرَبَ إلَيْها لِما فِيهِ مِنَ اللُّطْفِ بِالمَدْعُوِّ فَتَمَّ لِتَفاوُتِ الوُجُوهِ وإنَّ الجِهارَ أشَدُّ مِنَ الإسْرارِ والجَمْعَ بَيْنَهُما أغْلَظُ مِنَ الإفْرادِ وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ لَيْسَ في النَّظْمِ الجَلِيلِ ما يَقْتَضِي أنَّ الدَّعْوَةَ الأُولى كانَتْ سِرًّا فَقَطْ فَكَأنَّهُ أخَذَ ذَلِكَ مِنَ المُقابَلَةِ ومِن تَقْدِيمِ قَوْلِهِ ( لَيْلًا ) وذَكَّرَهم بِعُنْوانِ قَوْمِهِ وقَوْلِهِ ( فِرارًا ) فَإنَّ القُرْبَ مُلائِمٌ لَهُ.

وجَوَّزَ كَوْنَ ( ثُمَّ ) عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ وهو التَّراخِي الزَّمانِيُّ لَكِنَّهُ بِاعْتِبارِ مَبْدَأِ كُلٍّ مِنَ الإسْرارِ والجِهارِ ومُنْتَهاهُ، وبِاعْتِبارِ مُنْتَهى الجَمْعِ بَيْنَهُما لِئَلّا يُنافِيَ عُمُومَ الأوْقاتِ السّابِقَ، ويَحْسُنُ اعْتِبارُ ذَلِكَ وإنِ اعْتَبَرَ عُمُومَها عُرْفِيًّا كَما في لا يَضَعُ العَصا عَنْ عاتِقِهِ ( وجِهارًا ) مَنصُوبٌ بِدَعْوَتِهِمْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّهُ أحَدُ نَوْعَيِ الدُّعاءِ كَما نُصِبَ القُرْفُصاءُ في قَعَدْتُ القُرْفُصاءَ عَلَيْها لِأنَّها أحَدُ أنْواعِ القُعُودِ أوْ أُرِيدَ بِدَعْوَتِهِمْ جاهَرْتُهم أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ دَعْوَتُهم دُعاءً جِهارًا أيْ مُجاهَرًا بِفَتْحِ الهاءِ بِهِ أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ أيْ مُجاهِرًا بِزِنَةِ اسْمِ الفاعِلِ.

71:10–11Page 570

فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا ١٠

And said, 'Ask forgiveness of your Lord. Indeed, He is ever a Perpetual Forgiver.

يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا ١١

He will send [rain from] the sky upon you in [continuing] showers

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ بِالتَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا ( يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ) [النِّساءِ 48، 116] وقالَ رَبُّكم تَحْرِيكًا لِداعِي الِاسْتِغْفارِ ﴿إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ دائِمَ المَغْفِرَةِ كَثِيرَها لِلتّائِبِينَ كَأنَّهم تَعَلَّلُوا وقالُوا إنْ كُنّا عَلى الحَقِّ فَكَيْفَ نَتْرُكُهُ وإنْ كُنّا عَلى الباطِلِ فَكَيْفَ يَقْبَلُنا، ويَلْطُفُ بِنا جَلَّ وعَلا بَعْدَ ما عَكَفْنا عَلَيْهِ دَهْرًا طَوِيلًا فَأمَرَهم بِما يَمْحَقُ ما سَلَفَ مِنهم مَنِ المَعاصِي ويَجْلِبُ إلَيْهِمُ المَنافِعَ ولِذَلِكَ وعَدَهم عَلى الِاسْتِغْفارِ بِأُمُورٍ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ وأوْقَعُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ أعْنِي ما تَضَمَّنَهُ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ إلَخِ وأجَبْتُهم لِذَلِكَ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن مَحَبَّةِ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ.

والنَّفْسُ مُولَعَةٌ بِحُبِّ العاجِلِ قالَ قَتادَةُ: كانُوا أهْلَ حُبٍّ لِلدُّنْيا فاسْتَدْعاهم إلى الآخِرَةِ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي يُحِبُّونَها وقِيلَ لَمّا كَذَّبُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ حَبَسَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ القَطْرَ وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً وقِيلَ سَبْعِينَ سَنَةً فَوَعَدَهم أنَّهم إنْ آمَنُوا يَرْزُقُهُمُ اللَّهُ تَعالى الخِصْبَ ويَدْفَعُ عَنْهم ما هم فِيهِ وهو قَوْلُهُ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾

صفحة 73

أيْ كَثِيرَ الدَّرِّ ورَأى السَّيَلانَ والسَّماءَ السَّحابَ أوِ المَطَرَ ومِن إطْلاقِها عَلى المَطَرِ وكَذا عَلى النَّباتِ أيْضًا قَوْلُهُ:

إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا

وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها المِظَلَّةُ عَلى ما سَمِعْتَ غَيْرَ مَرَّةً وهي تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ ولا يَأْبى تَأْنِيثُها وصْفَها بِمِدْرارٍ إلّا أنَّ صِيَغَ المُبالَغَةِ كُلَّها كَما صَرَّحَ بِهِ سِيبَوَيْهِ يَشْتَرِكُ فِيها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. وفي البَحْرِ أنَّ مِفْعالًا لا تَلْحَقُهُ التّاءُ إلّا نادِرًا.

71:12Page 571

وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا ١٢

And give you increase in wealth and children and provide for you gardens and provide for you rivers.

﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ﴾ أيْ بَساتِينَ ﴿ويَجْعَلْ لَكُمْ﴾ فِيها أوْ مُطْلَقًا ﴿أنْهارًا﴾ جارِيَةً وأعادَ فِعْلَ الجَعْلِ دُونَ أنْ يَقُولَ يَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ وأنْهارًا لِتَغايُرِهِما فَإنَّ الأوَّلَ مِمّا لِفِعْلِهِمْ مَدْخَلٌ بِخِلافِ الثّانِي ولِذا قالَ( يُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ) ولَمْ يُعِدِ العامِلَ كَذا قِيلَ وهو كَما تَرى.

ولَعَلَّ الأوْلى أنْ يُقالَ إنَّ الإعادَةَ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ الأنْهارِ لِما أنَّ لَها مَدْخَلًا عادِيًّا أكْثَرِيًّا في وُجُودِ الجَنّاتِ وفي بَقائِها مَعَ مَنافِعَ أُخَرَ لا تَخْفى، ورِعايَةً لِمَدْخَلِيَّتِها في بَقائِها الَّذِي هو أهَمُّ مِن أصْلِ وُجُودِها مَعَ قُوَّةِ هَذِهِ المَدْخَلِيَّةِ أُخِّرَتْ عَنْها وإنَّ تَرْكَ إعادَةِ العامِلِ مَعَ البَنِينَ لِأنَّهُ الأصْلُ أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ الإمْدادُ أكْثَرَ ما جاءَ في المَحْبُوبِ ولا تُكْمَلُ مَحْبُوبِيَّةُ كُلٍّ مِنَ الأمْوالِ والبَنِينَ بِدُونِ الآخَرِ تَرَكَ إعادَةَ العامِلِ بَيْنَهُما لِلْإشارَةِ إلى أنَّ التَّفْضِيلَ بِكُلٍّ غَيْرُ مُنَغِّصٍ بِفَقْدِ الآخَرِ. .

وتَأْخِيرُ البَنِينَ قِيلَ لِأنَّ بَقاءَ الأمْوالِ غالِبًا بِهِمْ لا سِيَّما عِنْدَ أهْلِ البادِيَةِ مَعَ رَمْزٍ إلى أنَّ الأمْوالَ تَصِلُ إلَيْهِمْ آخِرَ الأمْرِ وهو مِمّا يَسُرُّ المُتَمَوِّلَ كَما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ. وقالَ البِقاعِيُّ: المُرادُ بِالجَنّاتِ والأنْهارِ ما في الآخِرَةِ والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ ورُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ أنَّ رَجُلًا أتى الحَسَنَ وشَكا إلَيْهِ الجَدْبَ فَقالَ لَهُ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى وأتاهُ آخَرُ فَشَكا إلَيْهِ الفَقْرَ فَقالَ لَهُ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى، وأتاهُ آخَرُ فَقالَ: ادْعُ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَرْزُقَنِي ابْنًا فَقالَ لَهُ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى، وأتاهُ آخَرُ فَشَكا إلَيْهِ جَفافَ بَساتِينِهِ فَقالَ لَهُ: اسْتَغْفِرْ اللَّهَ تَعالى فَقُلْنا أتاكَ رِجالٌ يَشْكُونَ ألْوانًا ويَسْألُونَ أنْواعًا فَأمَرْتَهم كُلَّهم بِالِاسْتِغْفارِ فَقالَ: ما قُلْتُ مِن نَفْسِي شَيْئًا إنَّما اعْتَبَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حِكايَةً عَنْ نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ الآيَةَ.

71:13Page 571

مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا ١٣

What is [the matter] with you that you do not attribute to Allāh [due] grandeur

﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ إنْكارٌ لِأنَّ يَكُونَ لَهم سَبَبٌ ما في عَدَمِ رَجائِهِمْ لِلَّهِ تَعالى ( وقارًا ) عَلى أنَّ الرَّجاءَ بِمَعْنى الخَوْفِ كَما أخْرَجَهُ الطَّسْتَيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُجِيبًا بِهِ سُؤالَ نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ مُنْشِدًا قَوْلَهُ أبِي ذُؤَيْبٍ:

إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها وحالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَواسِلُ

أوْ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الِاعْتِقادِ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وجَماعَةٌ، وعَبَّرَ بِهِ بِالرَّجاءِ التّابِعِ لِأدْنى الظَّنِّ مُبالَغَةً ولا تَرْجُونَ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الِاسْتِقْرارِ في ( لَكم ) عَلى أنَّ الإنْكارَ مُتَوَجِّهٌ إلى السَّبَبِ فَقَطْ مَعَ تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لا إلَيْهِما مَعًا ( ولِلَّهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ حالًا مِن ( وقارًا ) ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ، والوَقارُ كَما رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ الحِبْرِ بِمَعْنى العَظَمَةِ لِأنَّهُ عَلى ما نَقَلَ الخَفاجِيُّ عَنِ الِانْتِصافِ ورَدَ في صِفاتِهِ تَعالى بِهَذا المَعْنى ابْتِداءً أوْ لِأنَّهُ بِمَعْنى التُّؤَدَةِ لَكِنَّها غَيْرُ مُناسِبَةٍ لَهُ سُبْحانَهُ فَأُطْلِقَتْ بِاعْتِبارِ غايَتِها وما يَتَسَبَّبُ عَنْها مِنَ العَظَمَةِ في نَفْسِ الأمْرِ أوْ في نُفُوسِ النّاسِ أيْ أيُّ سَبَبٍ حَصَلَ لَكم حالَ كَوْنِكم غَيْرَ خائِفِينَ أوْ غَيْرَ مُعْتَقِدِينَ لِلَّهِ تَعالى عَظَمَةً مُوجِبَةً لِتَعْظِيمِهِ سُبْحانَهُ بِالإيمانِ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ والطّاعَةِ لَهُ تَعالى.

71:14Page 571

وَقَدۡ خَلَقَكُمۡ أَطۡوَارًا ١٤

While He has created you in stages?1

﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ أيْ والحالُ أنَّكم عَلى حالٍ مُنافِيَةٍ لِما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ وهو أنَّكم تَعْلَمُونَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَكم مُدْرِجًا لَكم في حالاتِ عَناصِرَ ثُمَّ أغْذِيَةً ثُمَّ أخْلاطًا ثُمَّ نُطَفًا ثُمَّ عَلَقًا ثُمَّ مُضَغًا ثُمَّ عِظامًا ولُحُومًا ثُمَّ خَلْقًا آخَرَ فَإنَّ التَّقْصِيرَ في تَوْقِيرِ مَن هَذا شَأْنُهُ في القُدْرَةِ القاهِرَةِ والإحْسانِ التّامِّ مَعَ العِلْمِ بِذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ فالجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿لا تَرْجُونَ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِلْإنْكارِ والأطْوارُ الأحْوالُ المُخْتَلِفَةُ. وأنْشَدُوا قَوْلَهُ:

فَإنَّ أفّاقَ فَقَدْ طارَتْ عِمايَتُهُ والمَرْءُ يُخْلَقُ طَوْرًا بَعْدَ أطْوارِ

صفحة 74

وحَمْلُها عَلى ما سَمِعْتَ مِنَ الأحْوالِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ ما يَقْتَضِيهِ وإنِ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ والمُضْغَةِ وقِيلَ: المُرادُ بِها الأحْوالُ المُخْتَلِفَةُ بَعْدَ الوِلادَةِ إلى المَوْتِ مِنَ الصِّبا والشَّبابِ والكُهُولَةِ والشُّيُوخَةِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ وقِيلَ مِنَ الألْوانِ والهَيْئاتِ والأخْلاقِ والمِلَلِ المُخْتَلِفَةِ.

وقِيلَ مِنَ الصِّحَّةِ والسَّقَمِ وكَمالِ الأعْضاءِ ونُقْصانِها والغِنى والفَقْرِ ونَحْوِها هَذا وقِيلَ: الرَّجاءُ بِمَعْنى الأمَلِ كَما هو الأصْلُ المَعْرُوفُ فِيهِ والوَقارُ بِمَعْنى التَّوْقِيرِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ وأُرِيدَ بِهِ التَّعْظِيمُ ولِلَّهِ بَيانٌ لِلْمُوَقَّرِ المُعَظَّمِ فَهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ إرادَتِي لِلَّهِ أوْ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ أيْ وقارًا لِلَّهِ ولَمْ يُعَلَّقْ بِالمَذْكُورِ بِناءً عَلى ما صَحَّحَ عَلى ما فِيهِ مِن أنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ مُطْلَقًا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِلَةً لَهُ عَلى ما في الكَشّافِ.

وفِيهِ أنَّ المَعْنى ما لَكم لا تَكُونُونَ عَلى حالٍ تَأْمُلُونَ فِيها تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعالى إيّاكم في دارِ الثَّوابِ وحاصِلُهُ ما لَكم لا تَرْجُونَ أنْ تُوَقِّرُوا وتُعَظِّمُوا عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لِمَنِ التَّوْقِيرُ أيْ مَنِ الَّذِي يُعَظِّمُنا ويَخْتَصُّ بِهِ إعْظامُهُ إيّانا فَقِيلَ لِلَّهِ وفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ عَلى حالٍ إلَخِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي عَلَيْهِمُ اغْتِرارُهم كَأنَّهُ قِيلَ ما لَكم مُغْتَرِّينَ غَيْرَ راجِينَ.

وجَعَلَ الحَثَّ عَلى الرَّجاءِ كِنايَةً عَنِ الحَثِّ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ لِاقْتِضائِهِ انْعِقادَ الأسْبابِ بِخِلافِ الغُرُورِ وهي كِنايَةٌ إيمائِيَّةٌ إذْ لا واسِطَةَ ولَوْ جُعِلَتْ رَمْزِيَّةً لِخَفاءِ الفَرْقِ بَيْنَ الرَّجاءِ والغُرُورِ عَلى الأكْثَرِ لَكانَ وجْهًا قالَهُ في الكَشْفِ. وتَعَقَّبَ ذَلِكَ مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِأنَّ عَدَمَ رَجاءِ الكَفَرَةِ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم في دارِ الثَّوابِ لَيْسَ في حَيِّزِ الِاسْتِبْعادِ والإنْكارِ مَعَ أنَّ في جَعْلِ الوَقارِ بِمَعْنى التَّوْقِيرِ مِنَ التَّعَسُّفِ وفي جَعْلِ لِلَّهِ بَيانًا لِلْمُوَقَّرِ ودَعْوى أنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِلَةً لِلْوَقارِ مِنَ التَّناقُضِ ما لا يَخْفى فَإنَّ كَوْنَهُ بَيانًا لِلْمُوَقَّرِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّوْقِيرُ صادِرًا عَنْهُ تَعالى والوَقارُ وصْفًا لِلْمُخاطَبِينَ، وكَوْنَهُ صِلَةً لِلْوَقارِ يُوجِبُ كَوْنَ التَّوْقِيرِ صادِرًا عَنْهم والوَقارِ وصْفًا لَهُ عَزَّ وجَلَّ انْتَهى.

وأُجِيبُ عَنْ أمْرِ التَّناقُضِ بِأنَّكَ إذا قُلْتَ ضَرْبٌ لِزَيْدٍ جازَ أنْ يَكُونَ زَيْدٌ فاعِلًا وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا وكَفى شاهِدا صِحَّةُ الإضافَتَيْنِ فَعِنْدَ التَّأخُّرِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوَقارُ بِمَعْنى التَّوْقِيرِ صادِرًا مِنهُ تَعالى فَيَكُونُ الوَقارُ وصَفًا لِلْمُخاطَبِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ فَيَكُونُ التَّوْقِيرُ صادِرًا عَنْهم والوَقارُ وصَفًا لَهُ تَعالى. غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ لَمّا قَدَّمَ لِلَّهِ وامْتَنَعَ تَعَلُّقُهُ بِالمَصْدَرِ المُتَأخِّرِ صارَ بَيانًا وعَيَّنَتِ القَرِينَةُ إرادَةَ صُدُورِ التَّوْقِيرِ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ وأيْنَ هَذا مِنَ التَّناقُضِ نَعَمْ يَبْقى الكَلامُ في القَرِينَةِ ولَعَلَّها السِّياقُ بِناءً عَلى أنَّ القَوْمَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يُقْبَلُوا ويَلْطُفَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ إنْ هم تَرَكُوا باطِلَهم فَيَكُونُ هَذا مِن تَتِمَّةِ إزالَةِ الشُّبْهَةِ فِيما سَمِعْتَ مِن قَوْلِهِمْ كَيْفَ يَقْبَلُنا ويَلْطُفُ بِنا إلَخْ. ويُعْلَمُ مِن هَذا الجَوابِ عَنْ قَوْلِهِ إنَّ عَدَمَ رَجاءِ الكَفَرَةِ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ في حَيِّزِ الِاسْتِبْعادِ كَما لا يَخْفى وعَلَيْهِ وقِيلَ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقَدْ خَلَقَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ- ﴿فِجاجًا﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا يَزالُ يُنْعِمُ عَلَيْكم مَعَ كُفْرِكم فَكَيْفَ لا يَلْطُفُ بِكم ويُوَقِّرُكم إذا آمَنتُمْ. .

وتُفَسَّرُ الأطْوارُ بِما يَعْتَرِي الإنْسانَ في أسْنانِهِ مِنَ الأُمُورِ المُخْتَلِفَةِ كالصِّبا والشَّبابِ والكُهُولَةِ وغَيْرِها مِمّا يَكُونُ بَعْضُهُ في حالِ الكُفْرِ ويَصْلُحُ لِأنَّ يَمْتَنَّ بِهِ ويَلْتَزِمَ كَوْنَ الإعادَةِ في الأرْضِ مِنَ النِّعَمِ عِنْدَهم بِناءً عَلى أنَّ فِيها سَتْرُ فَظاعَةِ الأبْدانِ عَلى أسْهَلِ وجْهٍ بَعْدَ حُلُولِ المَوْتِ الضَّرُورِيِّ في هَذِهِ النَّشْأةِ والإنْصافُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ تَمَّ أمْ لَمْ يَتِمَّ أنَّ الوَجْهَ المَذْكُورَ مُتَكَلَّفٌ بَعِيدٌ عَنِ الظّاهِرِ بِمَراحِلَ وقِيلَ: المَعْنى ما لَكم لا تَخافُوا اللَّهَ تَعالى حُلْمًا وتَرَكَ مُعاجَلَةٍ بِالعِقابِ فَتُؤْمِنُوا فالرَّجاءُ بِمَعْنى الخَوْفِ والوَقارُ بِمَعْنى الحُلْمِ حَقِيقَةً كَما هو ظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ أوِ اسْتِعارَةً لَهُ لِاشْتِراكِهِما في الثّانِي أوْ مَجازًا إذْ لا يَتَخَلَّفُ الحُلْمُ عَنِ الوَقارِ عادَةً وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُهُ بِالعاقِبَةِ حَيْثُ قالَ أيْ لا تَخافُونَ لِلَّهِ عاقِبَةً وهو مِنَ الكِنايَةِ حِينَئِذٍ أخْذًا مِنَ الوَقارِ بِمَعْنى الثَّباتِ وعَنْ مُجاهِدٍ والضَّحّاكِ أنَّ المَعْنى ما لَكم لا تُبالُونَ لِلَّهِ تَعالى عَظَمَةً. قالَ قُطْرُبٌ:

صفحة 75

هَذِهِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ ومُضَرَ يَقُولُونَ لَمْ أرْجُ أيْ لَمْ أُبالِ وأظْهَرُ المَعانِي ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا.

71:15–16Page 571

أَلَمۡ تَرَوۡاْ كَيۡفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗا ١٥

Do you not consider how Allāh has created seven heavens in layers1

وَجَعَلَ ٱلۡقَمَرَ فِيهِنَّ نُورٗا وَجَعَلَ ٱلشَّمۡسَ سِرَاجٗا ١٦

And made the moon therein a [reflected] light and made the sun a burning lamp?

ولَمّا ذَكَرَ مِن آياتِ الأنْفُسَ ما ذَكَرَ أتْبَعَهُ بِشَيْءٍ مِن آياتِ الآفاقِ ولِبُعْدِ أحَدِ الأمْرَيْنِ عَنِ الآخَرِ رُتْبَةً لَمْ يَأْتِ بِالعَطْفِ بَلْ قَطَعَ فَقالَ ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ أيْ مُتَطابِقَةً بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ وتَفْسِيرُ التَّطابُقِ بِالتَّوافُقِ في الحُسْنِ والِاشْتِمالِ عَلى الحُكْمِ وجَوْدَةِ الصُّنْعِ ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [المُلْكِ: 3] عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ الَّذِي تَطابَقَتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْهِ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ مُنَوِّرًا لْوَجْهِ الأرْضِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وجَعَلَهُ فِيهِنَّ مَعَ أنَّهُ في إحْداهِنَّ وهي السَّماءُ الدُّنْيا كَما يُقالُ زَيْدٌ في بَغْدادَ وهو في بُقْعَةٍ مِنها، والمُرَجِّحُ لَهُ الإيجازُ والمُلابَسَةُ بِالكُلَّيَةِ والجُزْئِيَّةِ وكَوْنُها طِباقًا شَفّافَةً ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ يُزِيلُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ ويُبْصِرُ أهْلُ الدُّنْيا في ضَوْئِها وجْهَ الأرْضِ ويُشاهِدُونَ الآفاقَ كَما يُبْصِرُ أهْلُ البَيْتِ في ضَوْءِ السِّراجِ ما يَحْتاجُونَ إلى إبْصارِهِ وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ. .

وفِي الكَلامِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ ولِكَوْنِ السِّراجِ أعْرَفَ وأقْرَبَ جُعِلَ مُشَبَّهًا بِهِ ولِاعْتِبارِ التَّعَدِّي إلى الغَيْرِ في مَفْهُومِهِ بِخِلافِ النُّورِ كانَ أبْلَغَ مِنهُ ولَعَلَّ في تَشْبِيهِها بِالسِّراجِ القائِمِ ضِياءُهُ لا بِطْرِيقِ الِانْعِكاسِ رَمْزًا إلى أنَّ ضِياءَها لَيْسَ مُنْعَكِسًا إلَيْها مِن كَوْكَبٍ آخَرَ كَما أنَّ نُورَ القَمَرِ مُنْعَكِسٌ عَلَيْهِ مِنَ الشَّمْسِ لِاخْتِلافِ تَشَكُّلاتِهِ بِالقُرْبِ والبُعْدِ مِنها مَعَ خُسُوفِهِ بِحَيْلُولَةِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَها، وجَزَمَ أهْلُ الهَيْئَةِ القَدِيمَةِ بِذَلِكَ وفي رِوايَةٍ أظُنُّها تَصِحُّ أنَّ ضِياءَ الشَّمْسِ مُفاضٌ عَلَيْها مِنَ العَرْشِ، وأظُنُّ أنَّ مَن يَقُولُ إنَّها تَدُورُ عَلى كَوْكَبٍ آخَرَ مِن أهْلِ الهَيْئَةِ الجَدِيدَةِ يَقُولُ بِاسْتِفادَتِها النُّورَ مِن غَيْرِها. .

ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ وجَعَلَ الشَّمْسَ فِيهِنَّ فَقِيلَ هي في السَّماءِ الدُّنْيا في فَلَكٍ في ثِخْنِها، وقِيلَ في السَّماءِ الرّابِعَةِ وهو المَشْهُورُ عِنْدَ مُتَقَدِّمِي أهْلِ الهَيْئَةِ واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِما هو مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ وفي البَحْرِ حِكايَةُ قَوْلِ إنَّها في الخامِسَةِ ولا يَكادُ يَصِحُّ ومِمّا يُضْحِكُ الصِّبْيانَ فَضْلًا عَنْ فُحُولِ ذَوِي العِرْفانِ ما حُكِيَ فِيهِ أيْضًا أنَّها في الشِّتاءِ في الرّابِعَةِ وفي الصَّيْفِ في السّابِعَةِ وذَهَبَ مُتَأخِّرُو أهْلِ الهَيْئَةِ إلى أنَّها مَرْكَزٌ لِلسَّيّاراتِ وعَدُّوا الأرْضَ مِنها ولَمْ يَعُدُّوا القَمَرَ لِدَوَرانِهِ عَلى الأرْضِ وهو بَيْنَها وبَيْنَ الشَّمْسِ عِنْدَهم وسَنَعْمَلُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى رِسالَةً في تَحْقِيقِ الحَقِّ والحَقُّ عِنْدَ ذَوِيِهِ أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ.

71:17Page 571

وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ نَبَاتٗا ١٧

And Allāh has caused you to grow from the earth a [progressive] growth.

﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ أيْ أنْشَأكم مِنها فاسْتُعِيرَ الإنْباتُ لِلْإنْشاءِ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى الحُدُوثِ والتَّكَوُّنِ مِنَ الأرْضِ لِكَوْنِهِ مَحْسُوسًا وقَدْ تَكَرَّرَ إحْساسُهُ وهم وإنْ لَمْ يُنْكِرُوا الحُدُوثَ جَعَلُوا بِإنْكارِ البَعْثِ كَمَن أنْكَرَهُ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ تَبَعِيَّةٌ، ( ومِنَ ) ابْتِدائِيَّةٌ داخِلَةٌ عَلى المَبْدَأِ البَعِيدِ ( ونَباتًا ) قالَ أبُو حَيّانٍ وجَماعَةٌ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِأنْبَتَكم بِحَذْفِ الزَّوائِدِ والأصْلُ إنْباتًا أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلِ أنْ فَنَبَتُّمْ نَباتًا وفي الكَشْفِ أنَّ الإنْباتَ والنَّباتَ مِنَ الفِعْلِ والِانْفِعالِ وهُما واحِدٌ في الحَقِيقَةِ والِاخْتِلافُ بِالنِّسْبَةِ إلى القِيامِ بِالفاعِلِ والقابِلِ فَلا حاجَةَ إلى تَضْمِينِ فِعْلٍ آخَرَ ولا تَقْدِيرِهِ ثُمَّ إنَّ الإنْباتَ إنْ حُمِلَ عَلى مَعْناهُ الوَضْعِيِّ فَلا احْتِياجَ إلى التَّقْدِيرِ إذْ هو في نَفْسِهِ مُتَضَمِّنٌ لِلنَّباتِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فَيَكُونُ نَباتًا نَصْبًا بِالتَّكَتُّمِ لِهَذا التَّضَمُّنِ وإنْ حُمِلَ عَلى المُتَعارَفِ مِن إطْلاقِهِ عَلى مُقَدِّمَةِ الإنْباتِ مِن إخْفاءِ الحَبِّ في الأرْضِ مَثَلًا فالوَجْهُ الحَمْلُ عَلى أنَّ المُرادَ أنْبَتَكم فَنَبَتُّمْ نَباتًا لِيَكُونَ فِيهِ إشْعارٌ بِنَحْوِ النُّكْتَةِ الَّتِي جَرَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ [الأعْرافِ: 160] مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ وسُرْعَةِ نَفاذِ حُكْمِها. .

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الأصْلُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ إنْباتًا فَنَبَتُّمْ نَباتًا فَحَذَفَ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى المَصْدَرَ ومِنَ الثّانِيَةِ الفِعْلَ اكْتِفاءً بِما ذَكَرَ في الأُخْرى عَلى أنَّهُ مِنَ الِاحْتِباكِ. وقالَ القاضِي: اخْتَصَرَ اكْتِفاءً بِالدَّلالَةِ الِالتِزامِيَّةِ وفِيهِ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ الأشْعارُ المَذْكُورَةُ فَتَأمَّلْ.

71:18Page 571

ثُمَّ يُعِيدُكُمۡ فِيهَا وَيُخۡرِجُكُمۡ إِخۡرَاجٗا ١٨

Then He will return you into it and extract you [another] extraction.

﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها﴾ أيْ في الأرْضِ بِالدَّفْنِ عِنْدَ مَوْتِكم

صفحة 76

﴿ويُخْرِجُكُمْ﴾ مِنها عِنْدَ البَعْثِ والحَشْرِ ﴿إخْراجًا﴾ مُحَقَّقًا لا رَيْبَ فِيهِ وعَطَفَ ﴿يُعِيدُكُمْ﴾ بِثُمَّ لِما بَيْنَ الإنْشاءِ والإعادَةِ مِنَ الزَّمانِ المُتَراخِي الواقِعِ فِيهِ التَّكْلِيفُ الَّذِي بِهِ اسْتَحَقُّوا الجَزاءَ بَعْدَ الإعادَةِ، وعَطَفَ ( يُخْرِجُكم ) بِالواوِ دُونَ ثُمَّ مَعَ أنَّ الإخْراجَ كَذَلِكَ لِأنَّ أحْوالَ البَرْزَخِ والآخِرَةِ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ فَكَأنَّهُ قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُها مُحَقَّقَ الوُقُوعِ دُونَ بَعْضٍ بَلْ لا بُدَّ أنْ تَقَعَ الجُمْلَةُ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَتْ عَنِ الإبْداءِ.

71:19–20Page 571

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ بِسَاطٗا ١٩

And Allāh has made for you the earth an expanse

لِّتَسۡلُكُواْ مِنۡهَا سُبُلٗا فِجَاجٗا ٢٠

That you may follow therein roads of passage.'"

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ تَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها كالبِساطِ ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأرْضَ مَبْسُوطَةٌ غَيْرُ كُرَيَّةٍ كَما في البَحْرِ وغَيْرِهِ لِأنَّ الكُرَةَ العَظِيمَةَ يُرى كُلُّ مَن عَلَيْها ما يَلِيهِ مُسَطَّحًا، ثُمَّ إنَّ اعْتِقادَ الكُرَيَّةِ أوِ عَدَمَها لَيْسَ بِأمْرٍ لازِمٍ في الشَّرِيعَةِ لَكِنَّ كُرِيَّتَها كالأمْرِ اليَقِينِيِّ وإنْ لَمْ تَكُنْ حَقِيقَةً ووَجْهُ تَوْسِيطِ ﴿لَكُمُ﴾ بَيْنَ الجَعْلِ ومَفْعُولِهِ الصَّرِيحِ يَعْلَمُ مِمّا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلا﴾ طُرُقًا ﴿فِجاجًا﴾ واسِعاتٍ جَمْعُ فَجٍّ فَهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ نَعْتٌ لَسُبُلًا. .

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو اسْمٌ لِلطَّرِيقِ الواسِعَةِ وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَسْلَكِ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ فَيَكُونُ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاتِّخاذِ وإلّا فَهو يَتَعَدّى بِفي أوْ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِن ﴿سُبُلا﴾ أيْ سُبُلًا كائِنَةً مِنَ الأرْضِ ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَها.

71:21Page 571

قَالَ نُوحٞ رَّبِّ إِنَّهُمۡ عَصَوۡنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمۡ يَزِدۡهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارٗا ٢١

Noah said, "My Lord, indeed they have disobeyed me and followed him whose wealth and children will not increase him except in loss.

﴿قالَ نُوحٌ﴾ أُعِيدَ لَفْظُ الحِكايَةِ لِطُولِ العَهْدِ بِحِكايَةِ مُناجاتِهِ لِرَبِّهِ ( عَزَّ وجَلَّ ) أيْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُناجِيًا لَهُ تَعالى شاكِيًا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ أيْ دامُوا عَلى عِصْيانِي فِيما أمَرْتُهم بِهِ مَعَ ما بالَغْتُ في إرْشادِهِمْ بِالعِظَةِ والتَّذْكِيرِ ﴿واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلا خَسارًا﴾ أيْ واسْتَمَرُّوا عَلى اتِّباعِ رُؤَسائِهِمْ الَّذِينَ أبْطَرَتْهم أمْوالُهم وغَرَّتْهم أوْلادُهم وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِزِيادَةِ خَسارِهِمْ في الآخِرَةِ فَصارُوا أُسْوَةً لَهم في الخَسارِ والظّاهِرُ أنَّ اتِّباعَ عامَّتِهِمْ وسَفَلَتِهِمْ لِأُولَئِكَ الرُّؤَساءِ وفي وصْفِهِمْ بِذَلِكَ إشْعارٌ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوهم لِوَجاهَتِهِمُ الحاصِلَةِ لَهم بِسَبَبِ الأمْوالِ والأوْلادِ لا لِما شاهَدُوا فِيهِمْ مِن شُبْهَةٍ مُصَحِّحَةٍ لِلِاتِّباعِ في الجُمْلَةِ. .

وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ والنَّخْعِيُّ والأعْرَجُ ومُجاهِدٌ والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ في رِوايَةٍ خارِجَةٍ عَنْهُ «ووُلْدُهُ» بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ فَقِيلَ هو مُفْرَدٌ لُغَةٌ في ولَدٍ بِفَتْحِهِما كالحُزْنِ والحَزَنِ وقِيلَ جَمْعٌ لَهُ كالأسَدِ والأُسْدِ وفي القامُوسِ الوَلَدُ مُحَرَّكَةٌ وبِالضَّمِّ والكَسْرِ والفَتْحِ واحِدٌ وجَمْعٌ وقَدْ يُجْمَعُ عَلى أوْلادٍ ووِلْدَةٍ والِدَةٍ بِكَسْرِها ووُلْدٍ بِالضَّمِّ انْتَهى. .

وقَرَأ بِالكَسْرِ والسُّكُونِ الحَسَنُ أيْضًا والجَحْدَرِيُّ وقَتادَةُ وذَرٌّ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ.

71:22Page 571

وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا كُبَّارٗا ٢٢

And they conspired an immense conspiracy

﴿ومَكَرُوا﴾ عَطْفٌ عَلى صِلَةِ ( مَن ) والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأُوَلِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها وكانَ فِيهِ إشارَةٌ إلى اجْتِماعِهِمْ في المَكْرِ لِيَكُونَ أشَدَّ وأعْظَمَ. وقِيلَ عَطْفٌ عَلى ﴿عَصَوْنِي﴾ والأوَّلُ أنْسَبُ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ المَتْبُوعِينَ ضَمُّوا إلى الضَّلالِ الإضْلالَ وهو الأوْفَقُ بِالسِّياقِ فَإنَّ المُتَبادَرَ أنَّ ما بَعْدَهُ مِن صِفَةِ الرُّؤَساءِ أيْضًا واعْتِبارُ ذَلِكَ العَطْفِ عَلى أنَّ المَعْنى مَكَرَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ خِلافَ المُتَبادِرِ ﴿مَكْرًا كُبّارًا﴾ أيْ كَبِيرًا في الغايَةِ فَهو مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ وعَلَيْها قَوْلُ الشّاعِرِ:

بَيْضاءُ تَصْطادُ القُلُوبَ وتَسْتَبِي بِالحُسْنِ قَلْبَ المُسْلِمِ القَرّاءِ

وقَوْلُهُ:

والمَرْءُ يُلْحِقُهُ بِفِتْيانِ النَّدى ∗∗∗ خُلُقُ الكَرِيمِ ولَيْسَ بِالوَضّاءِ

وقَدْ سَمِعَ بَعْضُ الأعْرابِ الجُفاةِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: ما أفْصَحَ رَبُّكَ يا مُحَمَّدُ وإذا اعْتُبِرَ التَّنْوِينُ في مَكْرًا لِلتَّفْخِيمِ زادَ أمْرُ المُبالِغَةِ في مَكْرِهِمْ أيْ كَبِيرًا في الغايَةِ وذَلِكَ احْتِيالُهم في الدِّينِ وصَدُّهم لِلنّاسِ عَنْهُ وإغْراءُهم وتَحْرِيضُهم عَلى أذِيَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقَرَأ عِيسى وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو السِّمالِ «كُبارًا» بِتَخْفِيفِ الباءِ وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ أيْضًا إلّا أنَّها دُونَ

صفحة 77

المُبالَغَةِ في المُشَدَّدِ ومِثْلُ كُبارٍ في ذَلِكَ حُسانٌ وطُوالٌ وعُجابٌ وجُمالٌ إلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ فِيما رَوى عَنْهُ وهْبُ بْنُ واضِحٍ «كِبارًا» بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الباءِ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ هو جَمْعٌ كَبِيرٌ كَأنَّهُ جَعَلَ ﴿مَكْرًا﴾ مَكانَ ذُنُوبٍ أوْ أفاعِيلَ يَعْنِي فَلِذَلِكَ وُصِفَ بِالجَمْعِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском