Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Jinn 72:8–17
72:8Page 572
وَأَنَّا لَمَسۡنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدۡنَٰهَا مُلِئَتۡ حَرَسٗا شَدِيدٗا وَشُهُبٗا ٨
And we have sought [to reach] the heaven but found it filled with powerful guards and burning flames.
﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ إلَخِ مِن كَلامِ الجِنِّ أوْ مِمّا صَدَّقُوهُ عَلى القِراءَتَيْنِ لِأنَّ مِنَ المُوحى إلَيْهِ فَتَخَلَّلَ ما تَخَلَّلَ لَيْسَ اعْتِراضًا غَيْرَ جائِزٍ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ بِأنَّهُ يَجْرِي مَجْراهُ لِكَوْنِهِ يُؤَكِّدُ ما حَدَثَ عَنْهم في تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ أوَّلًا ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ انْتَهى.
وأبُو السُّعُودِ اخْتارَ في جَمِيعِ الجُمَلِ المُصَدَّرَةِ بِأنّا العَطْفَ عَلى ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ عَلى نَحْوِ ما سَمِعْتَ عَنْ أبِي حاتِمٍ وقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ آنِفًا وأنَّ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ اسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرٌ وجُمْلَةُ أنْ لَنْ يَبْعَثَ إلَخِ قِيلَ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ظَنُّوا وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ سادَّةً مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ظَنَنْتُمْ ويَكُونُ السّادُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ الأوَّلِ مَحْذُوفًا كَما هو المُخْتارُ في أمْثالِ ذَلِكَ.
ورَجَّحَ الأوَّلَ في الآيَةِ بِأنَّ ﴿ظَنُّوا﴾ هو المَقْصُودُ فِيها فَجَعْلُ المَعْمُولِ المَذْكُورِ لَهُ أحْسَنُ وأمّا ﴿كَما ظَنَنْتُمْ﴾ فَمَذْكُورٌ بِالتَّبَعِ ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ كَوْنَ المُخْتارِ إعْمالَ الثّانِي في بابِ التَّنازُعِ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ أيْ طَلَبْنا بُلُوغَها لِاسْتِماعِ كَلامِ أهْلِها أوْ طَلَبْنا خَبَرَها واللَّمْسُ قِيلَ مُسْتَعارٌ مِنَ المَسِّ لِلطَّلَبِ كالجَسِّ يَقُولُ لَمَسَهُ والتَمَسَهُ وتَلَمَّسَهُ كَطَلَبَهُ وأطْلَبَهُ وتَطَلَّبَهُ.
والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِعارَةَ هُنا لُغَوِيَّةٌ لِأنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِ مَعْناهُ والسَّماعُ عَلى ظاهِرِها ﴿فَوَجَدْناها﴾ أيْ صادَفْناها وأصَبْناها فَوَجَدَ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿مُلِئَتْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ وإنْ كانَتْ وُجِدَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ فَهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي وقَرَأ الأعْرَجُ «مُلِيَتْ» بِالياءِ دُونَ هَمْزٍ ﴿حَرَسًا﴾ أيْ حَرَسًا اسْمُ جَمْعٍ كَخَدَمٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ لِأنَّهُ عَلى وزْنِ يَغْلِبُ في المُفْرَداتِ كَبَصَرٍ وقَمَرٍ ولِذا نُسِبَ إلَيْهِ فَقِيلَ حَرَسِيٌّ وذَهَبَ بَعْضٌ إلى أنَّهُ جَمْعٌ والصَّحِيحُ الأوَّلُ ولِذا وُصِفَ بِالمُفْرَدِ فَقِيلَ ﴿شَدِيدًا﴾ أيْ قَوِيًّا ونَحْوَهُ قَوْلُهُ:
بَنَيْتُهُ بِعُصْبَةٍ مِن مالِيا أخْشى رُجَيْلًا ورَكِيبًا عادِيا
ولَوْ رُوعِيَ مَعْناهُ جَمْعٌ بِأنْ يُقالَ شِدادًا إلّا أنْ يُنْظَرَ لِظاهِرِ وزْنِ فَعِيلٍ فَإنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُرادُ بِالحَرَسِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ يَمْنَعُونَهم عَنْ قُرْبِ السَّماءِ ﴿وشُهُبًا﴾ جَمْعُ شِهابٍ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالحَرَسِ الشُّهُبَ والعَطْفُ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ:
وهِنْدُ أتى مِن دُونِها النَّأْيُ والبُعْدُ
وهُوَ خِلافُ الظّاهِرِ ودُخُولُ ( أنّا لَمَسْنا ) إلَخِ في حَيِّزِ الإيمانِ وكَذا أكْثَرُ الجُمَلِ الآتِيَةِ في غايَةِ الخَفاءِ والظّاهِرُ تَقْدِيرُ
صفحة 87
نَحْوِ نُخْبِرُكم فِيما لا يَظْهَرُ دُخُولُهُ في ذَلِكَ أوْ تَأْوِيلُ (آمَنّا مِن أوَّلِ الأمْرِ بِما يَنْسَحِبُ عَلى الجَمِيعِ.
72:9Page 572
وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن يَسۡتَمِعِ ٱلۡأٓنَ يَجِدۡ لَهُۥ شِهَابٗا رَّصَدٗا ٩
And we used to sit therein in positions for hearing,1 but whoever listens now will find a burning flame lying in wait for him.
﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ﴾ قَبْلَ هَذا ﴿مِنها﴾ أيْ مِنَ السَّماءِ ﴿مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ أيْ مَقاعِدَ كائِنَةً لِلسَّمْعِ خالِيَةً عَنِ الحَرَسِ والشُّهُبِ أوْ صالِحَةً لِلتَّرَصُّدِ والِاسْتِماعِ ( ولِلسَّمْعِ ) مُتَعَلِّقٌ بِنَقْعُدُ أيْ لِأجْلِ السَّمْعِ أوْ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِمَقاعِدَ وكَيْفِيَّةُ قُعُودِهِمْ عَلى ما قِيلَ رُكُوبُ بَعْضِهِمْ فَوْقَ بَعْضٍ ورُوِيَ في ذَلِكَ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وقِيلَ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ بِعُرُوجِ مَن شاءَ مِنهم بِنَفْسِهِ إلى حَيْثُ يَسْمَعُ مِنهُ الكَلامَ.
﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ﴾ قالَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ ( الآنَ ) مَعْناهُ هُنا القُرْبُ مَجازًا فَيَصِحُّ مَعَ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ وفي البَحْرِ أنَّهُ ظَرْفُ زَمانٍ لِلْحالِ ( ويَسْتَمِعِ ) مُسْتَقْبَلٌ فاتَّسَعَ في الظَّرْفِ واسْتُعْمِلَ لِلِاسْتِقْبالِ كَما قالَ:
سَأسْعى الآنَ إذْ بَلَغَتْ أناها
فالمَعْنى فَمَن يَقَعْ مِنهُ اسْتِماعٌ في الزَّمانِ الآتِي ﴿يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ يَجِدْ شِهابًا راصِدًا لَهُ ولِأجْلِهِ يَصُدُّهُ عَنِ الِاسْتِماعِ بِالرَّجْمِ فَرَصَدا صِفَةُ ﴿شِهابًا﴾ فَإنْ كانَ مُفْرَدًا فالأمْرُ ظاهِرٌ وإنْ كانَ اسْمَ جَمْعٍ لِلرّاصِدِ كَحَرَسٍ فَوَصْفُ المُفْرَدِ بِهِ لِأنَّ الشِّهابَ لِشِدَّةِ مَنعِهِ وإحْراقِهِ جُعِلَ كَأنَّهُ شُهُبٍ ونَظِيرُ ذَلِكَ وصْفُ المَعا وهو واحِدُ الأمْعاءِ بِجِياعٍ في قَوْلِ القَتامِيِّ:
كَأنَّ قُيُودَ رِجْلِي حِينَ ضَمَّتْ ∗∗∗ حَوالِبَ غَرْزٍ أوْ مَعًا جِياعًا
وجَوَّزَ كَوْنَهُ مَفْعُولًا لَهُ أيْ لِأجْلِ الرَّصْدِ وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعِ صِفَةً لِما قَبِلَهُ بِتَقْدِيرِ ذَوِي شِهابٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ يَجِدْ لَهُ ذَوِي شِهابٍ راصِدِينَ بِالرَّجْمِ وهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِي يَرْجُمُونَهم بِالشُّهُبِ ويَمْنَعُونَهم مِنَ الِاسْتِماعِ وفِيهِ بُعْدٌ.
وفِي الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ الرَّجْمَ حَدَثَ بَعْدَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو إحْدى آياتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ قِيلَ فِيها مُلِئَتْ وهو كَما قالَ الجاحِظُ ظاهِرٌ في أنَّ الحادِثَ هو المَلْءُ والكَثْرَةُ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ﴾ عَلى ما في الكَشّافِ فَكَأنَّهُ قِيلَ كُنّا نَجِدُ فِيها بَعْضَ المَقاعِدِ خالِيَةً مِنَ الحَرَسِ والشُّهُبِ والآنَ مُلِئَتِ المَقاعِدُ كُلُّها ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ﴾ إلَخِ ويَدُلُّ عَلى وُجُودِ الشُّهُبِ قَبْلَ ذِكْرِها في شِعْرِ الجاهِلِيَّةِ قالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ:
والعِيرُ يُرْهِقُها الغُبارُ وجَحْشَها ∗∗∗ يَنْقَضُّ خَلْفَهُما انْقِضاضَ الكَوْكَبِ
وقالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ:
وانْقَضَّ كالدُّرِّيِّ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ نَقْعٌ يَثُورُ تَخالُهُ طُنْبًا
وقالَ عَوْفُ بْنُ الخَرِعِ يَصِفُ فَرَسًا:
يَرُدُّ عَلَيْنا العِيرَ مِن دُونِ إلْفِهِ ∗∗∗ أوِ الثَّوْرَ كالدُّرِّيِّ يَتْبَعُهُ الدَّمُ
فَإنَّ هَؤُلاءِ الشُّعَراءَ كُلَّهم كَما قالَ التَّبْرِيزِيُّ جاهِلُونَ لَيْسَ فِيهِمْ مُخَضْرَمٌ. .
وما رَواهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ في نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ إذْ رَمى بِنَجْمٍ فاسْتَنارَ فَقالَ: «ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ في مِثْلِ هَذا في الجاهِلِيَّةِ» ؟ قالُوا: كُنّا نَقُولُ يَمُوتُ عَظِيمٌ أوْ يُولَدُ عَظِيمٌ» .
ورُوِيَ عَنْ مُعَمِّرٍ قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ في الجاهِلِيَّةِ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ﴾ فَقالَ غَلُظَتْ وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وكَأنَّهُ أخَذَ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ أيْضًا.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الرَّمْيَ لَمْ يَكُنْ أوَّلًا ثُمَّ حَدَثَ لِلْمَنعِ عَنْ بَعْضِ السَّماواتِ ثُمَّ كَثُرَ ومُنِعَ بِهِ الشَّياطِينُ عَنْ جَمِيعِها يَوْمَ تَنَبَّأ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الشُّهُبُ مِن قَبْلُ لِحَوادِثَ كَوْنِيَّةٍ لا لِمَنعِ الشَّياطِينِ أصْلًا والحادِثُ بَعْدَ البِعْثَةِ رَمْيُ الشَّياطِينِ بِها عَلى مَعْنى أنَّهم إذا عَرَجُوا لِلِاسْتِماعِ رَمَوْا بِها فَلا يَلْزَمُ أيْضًا أنْ يَكُونَ كُلُّ ما يَحْدُثُ مِنَ الشُّهُبِ اليَوْمَ لِلرَّمْيِ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِأُمُورٍ أُخَرَ بِأسْبابٍ يَعْلَمُها اللَّهُ تَعالى ويُجابُ بِهَذا عَنْ حُدُوثِ الشُّهُبِ في شَهْرِ رَمَضانَ مَعَ ما جاءَ مِن أنَّهُ تُصَفَّدُ مَرَدَةُ الشَّياطِينِ فِيهِ ولِمَن يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَكُونُ إلّا لِلرَّمْيِ جَوابٌ آخَرُ مَذْكُورٌ
صفحة 88
فِي مَوْضِعِهِ وذَكَرُوا وِجْدانَهُمُ المَقاعِدَ مَمْلُوءَةً مِنَ الحُرّاسِ ومَنعُ الِاسْتِراقِ بِالكُلِّيَّةِ قِيلَ بَيانٌ لِما حَمَلَهم عَلى الضَّرْبِ في البِلادِ حَتّى عَثَرُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واسْتَمَعُوا قِراءَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَوْلُهم.
72:10Page 572
وَأَنَّا لَا نَدۡرِيٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ أَرَادَ بِهِمۡ رَبُّهُمۡ رَشَدٗا ١٠
And we do not know [therefore] whether evil is intended for those on earth or whether their Lord intends for them a right course.
﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ﴾ بِحِراسَةِ السَّماءِ ﴿أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ أيْ خَيْرًا كالتَّتِمَّةِ لِذَلِكَ فالحامِلُ في الحَقِيقَةِ تَغَيُّرُ الحالِ عَمّا كانُوا ألِفُوهُ والِاسْتِشْعارُ أنَّهُ لِأمْرٍ خَطِيرٍ والتَّشَوُّقِ إلى الإحاطَةِ بِهِ خَبَرًا ولا يَخْفى ما في قَوْلِهِمْ ﴿أشَرٌّ أُرِيدَ﴾ إلَخِ مِنَ الأدَبِ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحُوا بِنِسْبَةِ الشَّرِّ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما صَرَّحُوا بِهِ في الخَيْرِ وإنْ كانَ فاعِلُ الكُلِّ هو اللَّهُ تَعالى ولَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ الأدَبِ وحُسْنِ الِاعْتِقادِ.
72:11Page 572
وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَۖ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَدٗا ١١
And among us are the righteous, and among us are [others] not so; we were [of] divided ways.1
﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِصَلاحِ الحالِ في شَأْنِ أنْفُسِهِمْ وفي مُعامَلَتِهِمْ مَعَ غَيْرِهِمْ المائِلُونَ إلى الخَيْرِ والصَّلاحِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ لا إلى الشَّرِّ والفَسادِ كَما هو مُقْتَضى النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ المَذْكُورِ ويَطَّرِدُ حَذْفُ المَوْصُوفِ إذا كانَ بَعْضَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِمَن مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ والصِّفَةُ ظَرْفٌ كَما هُنا أوْ جُمْلَةً كَما في قَوْلِهِ مِنّا أقامَ ومِنّا ظَعَنَ وأرادُوا بِهَؤُلاءِ القَوْمَ المُقْتَصِدِينَ في صَلاحِ الحالِ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ لا في الإيمانِ والتَّقْوى كَما قِيلَ فَإنَّ هَذا بَيانٌ لِحالِهِمْ قَبْلَ اسْتِماعِ القُرْآنِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ .
وأمّا حالُهم بَعْدَ اسْتِماعِهِ فَسَتُحْكى بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ﴾ إلَخِ وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ﴿دُونَ﴾ بِمَعْنى غَيْرَ فَيَكُونُ دُونَ ذَلِكَ شامِلًا لِلشِّرِّيرِ المَحْضِ وأيًّا ما كانَ فَجُمْلَةُ كُنّا إلَخِ تَفْسِيرٌ لِلْقِسْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ لَكِنْ قِيلَ الأنْسَبُ عَلَيْهِ كَوْنُ دُونَ بِمَعْنى غَيْرَ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ كُنّا ذَوِي طَرائِقَ أيْ مَذاهِبَ. أوْ مِثْلَ طَرائِقَ في اخْتِلافِ الأحْوالِ أوْ كانَتْ بِطَرائِقِنا طَرائِقُ قِدَدا وكَوْنُ هَذا مِن تَلَقِّي الرُّكْبانِ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وعَدَمُ اعْتِبارِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ لِيَسْتَغْنِيَ عَنْ تَقْدِيرِ مِثْلِ قِيلٍ لِأنَّ المَحَلَّ لَيْسَ مَحِلَّ المُبالِغَةِ.
وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ ﴿طَرائِقَ﴾ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِتَقْدِيرِ في أيْ كُنّا في ﴿طَرائِقَ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الطَّرِيقَ اسْمٌ خاصٌّ لِمَوْضِعٍ يَسْتَطْرِقُ فِيهِ فَلا يُقالُ لِلْبَيْتِ أوِ المَسْجِدِ طَرِيقٌ عَلى الإطْلاقِ وإنَّما يُقالُ جَعَلْتُ المَسْجِدَ طَرِيقًا فَلا يَنْتَصِبُ مِثْلُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ إلّا في الضَّرُورَةِ وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ شاذٌّ فَلا يُخْرَّجُ القُرْآنُ الكَرِيمُ عَلى ذَلِكَ. وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: هو ظَرْفٌ عامٌّ لِأنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ يُسْتَطْرَقُ طَرِيقٌ والقِدَدُ المُتَفَرِّقَةُ المُخْتَلِفَةُ قالَ الشّاعِرُ:
القابِضُ الباسِطُ الهادِي بِطاعَتِهِ في فِتْنَةِ النّاسِ إذْ أهْواؤُهم قِدَدُ
جَمْعُ قِدَةٍ مِن قَدَّ إذا قَطَعَ كَأنَّ كُلَّ طَرِيقٍ لِامْتِيازِها مَقْطُوعَةٌ مِن غَيْرِها.
72:12Page 572
وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعۡجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَن نُّعۡجِزَهُۥ هَرَبٗا ١٢
And we have become certain that we will never cause failure to Allāh upon earth, nor can we escape Him by flight.
﴿وأنّا ظَنَنّا﴾ أيْ عِلْمِنا الآنَ ﴿أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ﴾ أيْ إنَّ الشَّأْنَ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ تَعالى كائِنِينَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ أيْنَما كُنّا مِن أقْطارِها ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أيْ هارِبِينَ مِنها إلى السَّماءِ فالأرْضُ مَحْمُولَةٌ عَلى الجُمْلَةِ ولَمّا كانَ ( ولَنْ ) إلَخِ في مُقابَلَةِ ما قَبْلُ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الهَرَبُ إلى السَّماءِ وفِيهِ ( تَرَقٍّ ) ومُبالَغَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ لَنْ نُعْجِزَهُ سُبْحانَهُ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ.
وجَوَّزَ أنْ لا يُنْظَرُ إلى عُمُومٍ ولا خُصُوصٍ كَما في أرْسَلَها العِراكَ ويُجْعَلُ الفَوْتُ عَلى قِسْمَيْنِ أخَذًا مِن لَفْظِ الهَرَبِ والمَعْنى لَنْ نُعْجِزَهُ سُبْحانَهُ في الأرْضِ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا، ولَنْ نُعْجِزَهُ عَزَّ وجَلَّ هَرَبًا إنْ طَلَبْنا وحاصِلُهُ إنَّ طَلَبَنا لَمْ نَفْتْهُ وإنْ هَرَبْنا لَمْ نَخْلُصْ مِنهُ سُبْحانَهُ وفائِدَةُ ذِكْرِ الأرْضِ تَصْوِيرٌ أنَّها مَعَ هَذِهِ البَسْطَةِ والعِراضَةِ لَيْسَ فِيها مَنجا مِنهُ تَعالى ولا مَهْرَبُ لِشِدَّةِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وزِيادَةِ تَمَكُّنِهِ جَلَّ وعَلا ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ:
وإنَّكَ كاللَّيْلِ الَّذِي هو مُدْرِكِي وإنْ خِلْتَ أنَّ المُنْتَأى عَنْكَ واسِعُ
وقِيلَ فائِدَةُ ذِكْرِ ( الأرْضِ ) تَصْوِيرُ تَمَكُّنِهِمْ عَلَيْها وغايَةِ بُعْدِها عَنْ مَحَلِّ اسْتِوائِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَيْسَ بِذاكَ
صفحة 89
وكَوْنُ ﴿فِي الأرْضِ﴾ و(هَرَبًا ) حالَيْنِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ هو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وجَوَّزَ في ﴿هَرَبًا﴾ كَوْنَهُ تَمْيِيزًا مُحَوَّلًا عَنِ الفاعِلِ أيْ لَنْ يُعْجِزَهُ سُبْحانَهُ هَرَبُنا.
72:13Page 572
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعۡنَا ٱلۡهُدَىٰٓ ءَامَنَّا بِهِۦۖ فَمَن يُؤۡمِنۢ بِرَبِّهِۦ فَلَا يَخَافُ بَخۡسٗا وَلَا رَهَقٗا ١٣
And when we heard the guidance [i.e., the Qur’ān], we believed in it. And whoever believes in his Lord will not fear deprivation or burden.1
﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ أيِ القُرْآنَ الَّذِي هو الهُدى بِعَيْنِهِ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَرَدُّدٍ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ﴾ وبِما أنْزَلَهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَلا يَخافُ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ ومِثْلُهُ مِنَ المَنفِيِّ بِلا يَصِحُّ فِيهِ دُخُولُ الفاءِ وتَرْكُها كَما صَرَّحَ بِهِ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ إلّا أنَّ الأحْسَنَ تَرَكُها ولِذا قُدِّرَ هاهُنا مُبْتَدَأٌ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً ولَزِمَ اقْتِرانُها بِالفاءِ إذا وقَعَتْ جَوابًا إلّا فِيما شَذَّ مِن نَحْوِ:
مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها مَعْلُومٌ وبَعْضُهم أوْجَبَ التَّقْدِيرَ لِزَعْمِهِ عَدَمَ صِحَّةِ دُخُولِ الفاءِ في ذَلِكَ أيْ فَهو لا يَخافُ ﴿بَخْسًا﴾ أيْ نَقْصًا في الجَزاءِ. وقالَ الرّاغِبُ: البَخْسُ نَقْصُ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ الظُّلْمِ ﴿ولا رَهَقًا﴾ أيْ غَشَيانَ ذِلَّةٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى ( ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ ) [يُونُسَ: 27] وأصْلُهُ مُطْلَقُ الغَشَيانِ وقالَ الرّاغِبُ: رَهَقَهُ الأمْرُ أيْ غَشِيَهُ بِقَهْرٍ وفي الأساسِ رَهَقَهُ دَنا مِنهُ وصَبِيٌّ مُراهِقٌ مُدانٍ لِلْحُلْمِ وفي النِّهايَةِ يُقالُ رَجُلٌ فِيهِ رَهَقٌ إذا كانَ يَخِفُّ إلى الشَّرِّ ويَغْشاهُ.
وحاصِلُ المَعْنى فَلا يَخافُ أنْ يُبْخَسَ حَقُّهُ ولا أنْ تَرْهَقُهُ ذِلَّةٌ فالمَصْدَرُ أعْنِي ﴿بَخْسًا﴾ مُقَدَّرٌ بِاعْتِبارِ المَفْعُولِ ولَيْسَ المَعْنى عَلى أنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِ يُبْخَسُ حَقُّهُ بَلِ النَّظَرُ إلى تَأْكِيدِ ما ثَبَتَ لَهُ مِنَ الجَزاءِ وتَوْفِيرِهِ كُمَّلًا وأمّا غَيْرُهُ فَلا نَصِيبَ لَهُ فَضْلًا عَنِ الكَمالِ وفِيهِ أنَّ ما يُجْزى بِهِ غَيْرُ المُؤْمِنِ مَبْخُوسٌ في نَفْسِهِ وبِالنِّسْبَةِ إلى هَذا الحَقِّ فِيهِ كُلُّ البَخْسِ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ بَخْسٌ حَقٌّ كَذا في الكَشْفِ أوْ ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَبْخَسْ أحَدًا حَقًّا ولا رَهَقَهُ ظُلْمًا فَلا يَخافُ جَزاءَهُما ولَيْسَ مِن إضْمارِ مُضافٍ، أعْنِي الجَزاءَ بَلْ ذَلِكَ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى وأنَّ ما ذُكِرَ في نَفْسِهِ مُخَوِّفٌ فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ خِفْتُ الذَّنْبَ وخِفْتُ جَزاءَهُ لِأنَّ ما يَتَوَلَّدُ مِنهُ المَحْذُورُ مَحْذُورٌ.
وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ لِاجْتِنابِهِ البَخْسَ والرَّهَقَ لا يَخافُهُما فَإنَّ عَدَمَ الخَوْفِ مِنَ المَحْذُورِ إنَّما يَكُونُ لِانْتِفاءِ المَحْذُورِ وجازَ أنْ يُحْمَلَ عَلى الإضْمارِ وأصْلُ الكَلامِ فَمَن لا يَبْخَسُ أحَدًا ولا يَرْهَقُ ظُلْمَهُ فَلا يَخافُ جَزاءَهُما فَوَضَعَ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَهُ تَنْبِيهًا بِالسَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ والأوَّلُ كَما قِيلَ أظْهَرُ وأقْرَبُ مَأْخَذًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: لا يَخافُ نَقْصًا مِن حَسَناتِهِ ولا زِيادَةً في سَيِّئاتِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: فَلا يَخافُ بَخْسًا ظُلْمًا بِأنْ يَظْلِمَ مِن حَسَناتِهِ فَيَنْتَقِصُ مِنها شَيْءٌ ولا رَهَقًا ولا أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ ذَنْبَ غَيْرِهِ. وأُخْرِجَ نَحْوُهُ عَنِ الحَسَنِ ولَعَلَّ المَعْنى الأوَّلَ أنْسَبُ بِالتَّرْغِيبِ بِالإيمانِ وبِلَفْظِ الرَّهَقِ أيْضًا نَظَرًا إلى ما سَمِعْتَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ «فَلا يَخَفْ» بِالجَزْمِ عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ لا نافِيَةَ لِأنَّ الجَوابَ المُقْتَرِنَ بِالفاءِ لا يَصِحُّ جَزْمُهُ وقِيلَ الفاءُ زائِدَةٌ ولا لِلنَّفْيِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وأيًّا ما كانَ فالقِراءَةُ الأُولى أدَلُّ عَلى تَحَقُّقِ أنَّ المُؤْمِنَ ناجٍ لا مَحالَةَ وأنَّهُ هو المُخْتَصُّ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ وذَلِكَ لِتَقْدِيرِ هو عَلَيْها وبِناءُ الفِعْلِ عَلَيْهِ نَحْوَ هو عُرْفٌ ويَجْتَمِعُ فِيهِ التَّقْوى والِاخْتِصاصُ إذا اقْتَضاهُما المَقامُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ «بَخْسًا» بِفَتْحِ الخاءِ المُعْجَمَةِ.
72:14Page 573
وَأَنَّا مِنَّا ٱلۡمُسۡلِمُونَ وَمِنَّا ٱلۡقَٰسِطُونَۖ فَمَنۡ أَسۡلَمَ فَأُوْلَٰٓئِكَ تَحَرَّوۡاْ رَشَدٗا ١٤
And among us are Muslims [in submission to Allāh], and among us are the unjust.1 And whoever has become Muslim - those have sought out the right course.
﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ﴾ الجائِرُونَ عَلى طَرِيقِ الحَقِّ الَّذِي هو الإيمانُ والطّاعَةُ يُقالُ: قَسَطَ الرَّجُلُ إذا جارَ وأنْشَدُوا:
قَوْمٌ هُمُ قَتَلُوا ابْنَ هِنْدٍ عَنْوَةً عُمْرًا وهُمُ قَسَطُوا عَلى النُّعْمانِ
﴿فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ﴾ الإشارَةُ إلى مَن أسْلَمَ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى ﴿تَحَرَّوْا﴾ تَوَخَّوْا وقَصَدُوا ﴿رَشَدًا﴾ عَظِيمًا بَلَّغَهم إلى الدّارِ لِلثَّوابِ وقَرَأ الأعْرَجُ «رُشْدًا» بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ.
72:15Page 573
وَأَمَّا ٱلۡقَٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبٗا ١٥
But as for the unjust, they will be, for Hell, firewood.'
﴿وأمّا القاسِطُونَ﴾ الجائِرُونَ عَنْ سُنَنِ الإسْلامِ ﴿فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾
تُوقَدُ بِهِمْ كَما تُوقَدُ بِكَفَرَةِ الإنْسِ واسْتَظْهَرَ أنَّ ﴿فَمَن أسْلَمَ﴾ إلَخِ مِن كَلامِ الجِنِّ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ الوَجْهُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ ويُؤَيِّدُهُ ما بَعْدَ الآياتِ وفي الكَشّافِ زَعَمَ مَن لا يَرى
صفحة 90
لِلْجِنِّ ثَوابًا أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْعَدَ قاسِطِيهِمْ وما وعَدَ مُسْلِمِيهِمْ وكَفى بِهِ وعْدًا أنْ قالَ سُبْحانَهُ ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ فَذَكَرَ سَبَبَ الثَّوابِ واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْدَلُ مِن أنْ يُعاقِبَ القاسِطَ ولا يُثِيبَ الرّاشِدَ وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ.
72:16Page 573
وَأَلَّوِ ٱسۡتَقَٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسۡقَيۡنَٰهُم مَّآءً غَدَقٗا ١٦
And [Allāh revealed] that if they had remained straight on the way, We would have given them abundant rain [i.e., provision]
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾ إلَخِ مَعْطُوفٌ قَطْعًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ ولا يَضُرُّ تَقَدُّمُ المَعْطُوفِ عَلى غَيْرِهِ عَلى القَوْلِ بِهِ لِظُهُورِ الحالِ وعَدَمِ الِالتِباسِ ( وأنْ ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ بِضَمِّ واوِ ﴿لَوِ﴾ والمَعْنى وأوْحى إلى أنَّ الشَّأْنَ لَوِ اسْتَقامَ الإنْسُ والجِنُّ أوْ كِلاهُما ﴿عَلى الطَّرِيقَةِ﴾ الَّتِي هي مِلَّةُ الإسْلامِ ﴿لأسْقَيْناهُمْ﴾ ماءً ﴿غَدَقًا﴾ أيْ كَثِيرًا وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ الأعْمَشِ بِكَسْرِ الدّالِ والمُرادُ لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ وتَخْصِيصُ الماءِ الغَدَقِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أصْلُ المَعاشِ وكَثْرَتُهُ أصْلُ السَّعَةِ فَقَدْ قِيلَ المالُ حَيْثُ الماءُ ولِعِزَّةِ وجُودِهِ بَيْنَ العَرَبِ.
72:17Page 573
لِّنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَمَن يُعۡرِضۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِۦ يَسۡلُكۡهُ عَذَابٗا صَعَدٗا ١٧
So We might test them therein. And whoever turns away from the remembrance of his Lord1 He will put into arduous punishment.
﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ أيْ لِنَخْتَبِرَهم كَيْفَ يَشْكُرُونَهُ أيْ لِنُعامِلَهم مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ وقِيلَ لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ عَلى الطَّرِيقَةِ المُثْلى أيْ لَوْ ثَبَتَ أبُوهُمُ الجانُّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ سُبْحانَهُ ولَمْ يَتَكَبَّرْ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ ولَمْ يَكْفُرْ وتَبِعَهُ ولَدُهُ عَلى الإسْلامِ لَأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ ووَسَّعْنا رِزْقَهم لِنَخْتَبِرَهم ويَجُوزُ عَلى هَذا رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى (القاسِطِينَ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ واعْتِبارُ المُثْلى قِيلَ لِأنَّ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ والمَعْهُودُ طَرِيقَةُ الجِنِّ المُفَضَّلَةُ عَلى غَيْرِها وقِيلَ لِأنَّ جَعْلَها طَرِيقَةً وما عَداها لَيْسَ بِطَرِيقَةٍ يُفْهَمُ مِنهُ كَوْنُهُ مُفَضَّلَةً.
وقِيلَ المَعْنى أنَّهُ لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ عَلى طَرِيقَتِهِمْ وهي الكُفْرُ ولَمْ يُسَلِّمُوا بِاسْتِماعِ القُرْآنِ لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ اسْتِدْراجًا لِنُوقِعَهم في الفِتْنَةِ ونُعَذِّبَهم في كُفْرانِ النِّعْمَةِ ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ الضَّحاكِ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وأبِي مِجْلَزٍ بَيْدَ أنَّهم أعادُوا الضَّمِيرَ عَلى مَن أسْلَمَ وقالُوا أيْ لَوْ كَفَرَ مَن أسْلَمَ مِنَ النّاسِ ﴿لأسْقَيْناهُمْ﴾ إلَخِ وهو مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ لِاسْتِعْمالِ الِاسْتِقامَةِ عَلى الطَّرِيقَةِ في الِاسْتِقامَةِ عَلى الكُفْرِ وكَوْنُ النِّعْمَةِ المَذْكُورَةِ اسْتِدْراجًا مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ عَلَيْهِ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ [الأعْرافِ: 96] إلَخِ يُؤَيِّدُ الأوَّلَ.
وزَعَمَ الطِّيبِيُّ أنَّ التَّذْيِيلَ بِقَوْلِهِ ( عَزَّ وجَلَّ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ ) إلَخِ يَنْصُرُ ما قِيلَ قالَ لِأنَّهُ تَوْكِيدٌ لِمَضْمُونِ السّابِقِ مِنَ الوَعِيدِ أيْ لِنَسْتَدْرِجَهم فَيَتَّبِعُوا الشَّهَواتِ الَّتِي هي مُوجِبَةٌ لِلْبَطَرِ والإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وفِيهِ نَظَرٌ والذِّكْرُ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ تُجُوِّزَ بِهِ عَنِ العِبادَةِ أوْ هو بِمَعْنى التَّذْكِيرِ مُضافٌ لِفاعِلِهِ ويُفَسَّرُ بِالمَوْعِظَةِ وقالَ بَعْضُهُمُ المُرادُ بِالذِّكْرِ الوَحْيُ أنَّ ﴿ومَن يُعْرِضْ﴾ عَنْ عِبادَةِ رَبِّهِ تَعالى أوْ عَنْ مَوْعِظَتِهِ سُبْحانَهُ أوْ عَنْ وحْيِهِ ( عَزَّ وجَلَّ يَسْلُكْهُ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى نُدْخِلُهُ ولِذا تَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿عَذابًا صَعَدًا﴾ بِنَفَسِهِ دُونَ في أوْ هو مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ والصَّعَدُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً أوْ تَأْوِيلًا أيْ نُدْخِلُهُ عَذابًا يَعْلُو المُعَذَّبَ ويَغْلِبُهُ وفُسِّرَ بِشاقٍّ يُقالُ فُلانٌ في صَعَدٍ مِن أمْرِهِ أيْ في مَشَقَّةٍ ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ كَما تَصَعَّدَنِي خُطْبَةُ النِّكاحِ أيْ ما شَقَّ عَلَيَّ وكَأنَّهُ أخْذٌ إنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ مِن عادَتِهِمْ أنْ يَذْكُرُوا جَمِيعَ ما كانَ في الخاطِبِ مِنَ الأوْصافِ المَوْرُوثَةِ والمُكْتَسَبَةِ فَكانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ ارْتِجالًا، أوْ كانَ يَشُقُّ أنْ يَقُولَ الصِّدْقَ في وجْهِ الخاطِبِ وعَشِيرَتِهِ وقِيلَ إنَّما شَقَّ مِنَ الوُجُوهِ ونَظَرِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وابْنُ عَبّاسٍ: صَعَدٌ جَبَلٌ في النّارِ قالَ الخُدْرِيُّ كُلَّما وضَعُوا أيْدِيَهم عَلَيْهِ ذابَتْ وقالَ عِكْرِمَةُ هو صَخْرَةٌ مَلْساءٌ في جَهَنَّمَ يُكَلَّفُ صُعُودَها فَإذا انْتَهى إلى أعْلاها جُدِرَ إلى جَهَنَّمَ.
فَعَلى هَذا قالَ أبُو حَيّانٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن عَذابٍ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ عَذابٍ صَعَدَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ نَسْلُكُهُ وعَذابًا مَفْعُولُ مِن أجْلِهِ الكُوفِيُّونَ ﴿يَسْلُكْهُ﴾ بِالياءِ وباقِي السَّبْعَةِ بِالنُّونِ وابْنُ جُنْدُبٍ بِالنُّونِ مِن أسَلُكُ وبَعْضُ التّابِعِينَ بِالياءِ كَذَلِكَ وهُما لُغَتانِ سَلَكَ وأسْلَكَ قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ جَيْشا مَهْزُومِينَ:
صفحة 91
حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قَتائِدَةٍ شَلًّا كَما تَطْرُدُ الجَمّالَةُ الشُّرْدا
وقَرَأ قَوْمٌ «صُعُدًا» بِضَمَّتَيْنِ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بِضَمِّ الصّادِ وفَتْحِ العَيْنِ قالَ الحَسَنُ مَعْناهُ لا راحَةَ فِيهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences