Al-AlusiAl‑Jinn · 72:18–25

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Jinn 72:18–25

72:18Page 573

وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا ١٨

And [He revealed] that the masjids1 are for Allāh, so do not invoke2 with Allāh anyone.

﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ فَهو مِن جُمْلَةِ المُوحى والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالمَساجِدِ المَواضِعُ المُعَدَّةُ لِلصَّلاةِ والعِبادَةِ أيْ وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ المَساجِدَ مُخْتَصَّةٌ بِاللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ ﴿فَلا تَدْعُوا﴾ أيْ فَلا تَعْبُدُوا فِيها ﴿مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ. وقالَ الحَسَنُ المُرادُ كُلُّ مَوْضِعِ سُجِدَ فِيهِ مِنَ الأرْضِ سَواءُ أُعِدَّ لِذَلِكَ أمْ لا إذِ الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ وكَأنَّهُ ذَلِكَ مِمّا في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا»» .

واشْتُهِرَ أنَّ هَذا مِن خَصائِصِ نَبِيِّنا ﷺ أيْ شَرِيعَتِهِ فَيَكُونُ لَهُ ولِأُمَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانَ مِن قَبْلُ إنَّما تُباحُ لَهُمُ الصَّلاةُ في البِيَعِ والكَنائِسِ واسْتَشْكَلَ بِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُكْثِرُ السِّياحَةَ وغَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُسافِرُونَ فَإذا لَمْ تَجُزْ لَهُمُ الصَّلاةُ في غَيْرِ ما ذَكَرَ لَزِمَ تَرْكُ الصَّلاةِ في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ وهو بَعِيدٌ لا سِيَّما في الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِذا قِيلَ المَخْصُوصُ كَوْنُها مَسْجِدًا وطَهُورًا أيِ المَجْمُوعُ ويَكْفِي في اخْتِصاصِهِ اخْتِصاصُ التَّيَمُّمِ وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ الِاخْتِصاصُ بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَمِ السّالِفَةِ دُونَ أنْبِيائِها عَلَيْهِمُ السَّلامُ والخَضِرُ إنْ كانَ حَيًّا اليَوْمَ فَهو مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَواءً كانَ نَبِيًّا أمْ لا لِخَبَرِ «لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي» وحُكْمُهُ قَبْلَهُ نَبِيًّا ظاهِرٌ والأمْرُ فِيهِ غَيْرَ نَبِيٍّ سَهْلٌ وقِيلَ المُرادُ بِها المَسْجِدُ الحَرامُ أيِ الكَعْبَةُ نَفْسُها أوِ الحَرَمُ كُلُّهُ عَلى ما قِيلَ والجَمْعُ لِأنَّ كُلَّ ناحِيَةٍ مِنهُ مَسْجِدٌ لَهُ قِبْلَةٌ مَخْصُوصَةٌ أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ قِبْلَةَ المَساجِدِ فَإنَّ كُلَّ قِبْلَةٍ مُتَوَجِّهَةٍ نَحْوَهُ جَعَلَ كَأنَّهُ جَمِيعُ المَساجِدِ مَجازًا وقِيلَ: المُرادُ هو وبَيْتُ المَقْدِسِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ نَزَلَتْ ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ إلَخِ في الأرْضِ =مَسْجِدًا لا المَسْجِدُ الحَرامُ ومَسْجِدُ إيلِيّا بَيْتُ المَقْدِسِ وأمْرُ الجَمْعِ عَلَيْهِ أظْهَرُ مِنهُ عَلى الأوَّلِ لا أنَّهُ كالأوَّلِ خِلافَ الظّاهِرِ وما ذُكِرَ لا يَتِمُّ دَلِيلًا لَهُ.

وقالَ ابْنُ عَطاءٍ وابْنُ جُبَيْرٍ والزَّجّاجُ والفَرّاءُ المُرادُ بِها الأعْضاءُ السَّبْعَةُ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْها واحِدُها مَسْجَدٌ بِفَتْحِ الجِيمِ وهي القَدَمانِ والرُّكْبَتانِ والكَفّانِ والوَجْهُ أيِ الجَبْهَةُ والأنْفُ ورُوِيَ أنَّ المُعْتَصِمَ سَألَ أبا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ مُوسى الكاظِمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَنْ ذَلِكَ فَأجابَ بِما ذَكَرَ.

وقِيلَ السَّجَداتُ عَلى أنَّ المَسْجَدَ بِفَتْحِ الجِيمِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ ونُقِلَ عَنِ الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ بِتَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدُ والمَساجِدُ بِمَعْناها المَعْرُوفِ أيْ لِأنَّ ﴿المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ ولَمّا لَمْ تَكُنِ الفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُحَقَّقٍ كانَتْ في الحَقِيقَةِ زائِدَةً فَلا يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ ما بَعْدَها عَلَيْها نَعَمْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ جِيءَ بِها لِتَضَمُّنِ الكَلامِ مَعْنى الشَّرْطِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ أنْ يُوَحَّدَ ولا يُشْرَكَ بِهِ أحَدٌ فَإنْ لَمْ يُوَحِّدُوهُ في سائِرِ المَواضِعِ فَلا تَدْعُوا مَعَهُ أحَدًا في المَساجِدِ لِأنَّ المَساجِدَ لَهُ سُبْحانَهُ مُخْتَصَّةٌ بِهِ عَزَّ وجَلَّ فالإشْراكُ فِيها أقْبَحُ وأقْبَحُ ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ [قُرَيْشٍ: 1- 3] عَلى وجْهٍ ولا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ الشَّرْطِ المُحَقِّقِ ويَنْدَفِعُ بِما ذَكَرَ لُزُومُ جَعِلِ الفاءِ لَغْوًا لِأنَّها لِلسَّبَبِيَّةِ ومَعْناها مُسْتَفادٌ مِنَ اللّامِ المُقَدَّرَةِ وقِيلَ في دَفْعِهِ أيْضًا أنَّها تَأْكِيدٌ لِلّامِ أوْ زائِدَةٌ جِيءَ بِها لِلْإشْعارِ بِمَعْناها وأنَّها مُقَدَّرَةٌ والخِطابُ في ﴿تَدْعُوا﴾ قِيلَ لِلْجِنِّ وأُيِّدَ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: إنَّ الجِنَّ قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَكَ عَلى نَأْيِنا عَنْكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

لِيُخاطِبَهم عَلى مَعْنى أنَّ عِبادَتَكم حَيْثُ كانَتْ مَقْبُولَةً إذا لَمْ تُشْرِكُوا فِيها. وقِيلَ هو خِطابٌ عامٌّ وعَنْ قَتادَةَ كانَ اليَهُودُ والنَّصارى إذا دَخَلُوا كَنائِسَهم وبَيَعَهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَأُمْرِنا أنْ نُخْلِصَ لِلَّهِ تَعالى الدَّعْوَةَ إذا دَخَلْنا المَساجِدَ يَعْنِي بِهَذِهِ الآيَةِ.

وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بَدَلٌ (فَأُمِرْنا إلَخِ «فَأمَرَهم أنْ يُوَحِّدُوهُ» وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أيْضًا وقَرَأ

صفحة 92

كَما في البَحْرِ ابْنُ هُرْمُزٍ وطَلْحَةُ «وإنَّ المَساجِدَ» بِكَسْرِ هَمْزَةِ «إنَّ» وحَمْلِ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِئْنافِ.

72:19Page 573

وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبۡدُ ٱللَّهِ يَدۡعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيۡهِ لِبَدٗا ١٩

And that when the Servant [i.e., Prophet] of Allāh stood up supplicating Him, they almost became about him a compacted mass."1

﴿وأنَّهُ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ كالَّذِي قَبْلَهُ فَهو مِن كَلامِهِ تَعالى أيْ وأوْحى إلَيَّ أنَّ الشّانَّ ﴿لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ أيِ النَّبِيُّ ﷺ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يَدْعُوهُ﴾ حالٌ مِن ﴿عَبْدُ﴾ أيْ لَمّا قامَ عابِدًا لَهُ عَزَّ وجَلَّ وذَلِكَ قِيامُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِصَلاةِ الفَجْرِ بِنَخْلَةٍ كَما مَرَّ.

﴿كادُوا﴾ أيِ الجِنُّ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ مُتَراكِمِينَ مِنَ ازْدِحامِهِمْ عَلَيْهِ تَعَجُّبًا مِمّا شاهَدُوا مِن عِبادَتِهِ وسَمِعُوا مِن قِراءَتِهِ واقْتِداءِ أصْحابِهِ بِهِ قِيامًا ورُكُوعًا وسُجُودًا لِأنَّهم رَأوْا ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ وسَمِعُوا ما لَمْ يَسْمَعُوا نَظِيرَهُ وهَذا كالظّاهِرِ في أنَّهم كانُوا كَثِيرِينَ لا تِسْعَةً ونَحْوَها وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِلَفْظِ العَبْدِ دُونَ لَفْظِ النَّبِيِّ أوْ الرَّسُولِ أوِ الضَّمِيرِ إمّا لِأنَّهُ مَقُولٌ عَلى لِسانِهِ ﷺ لِأنَّهُ أمَرَ أنْ يَقُولَ أُوحِيَ كَذا فَجِيءَ بِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مَقامُ العُبُودِيَّةِ والتَّواضُعِ، أوْ لِأنَّهُ تَعالى عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العِبادَةَ مِنَ العَبْدِ لا تُسْتَبْعَدُ، ونَقَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلامَهُ سُبْحانَهُ كَما هو رَفْعًا لِنَفْسِهِ عَنِ البَيْنِ فَلا وُجُودَ لِلْأثَرِ بَعْدَ العَيْنِ وحَيْثُ كانَ هَذا العُدُولُ مِنهُ جَلَّ وعَلا إمّا لِكَذا أوْ لِكَذا لا أنَّهُ تَصَرُّفٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَمْتَنِعْ كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ الجَمْعُ بَيْنَ الحُسْنَيَيْنِ.

وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ضَمِيرُ ﴿كادُوا﴾ لِكَفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ فَيُرادُ بِالقِيامِ القِيامُ بِالرِّسالَةِ وبِالتَّلَبُّدِ التَّلَبُّدُ لِلْعَداوَةِ والمَعْنى وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ بِالرِّسالَةِ يَدْعُو لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ ويَذْرُ ما كانُوا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ كادُوا لِتَظاهُرِهِمْ عَلَيْهِ وتَعاوُنِهِمْ عَلى عَداوَتِهِ يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ مُتَراكِمِينَ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَلى هَذا لِلْجِنِّ والإنْسِ.

وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا ما يَقْتَضِيهِ قالَ: تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى هَذا الأمْرِ لِيُطْفِئُوهُ فَأبى اللَّهُ تَعالى إلّا أنْ يَنْصُرَهُ عَلى مَن ناوَأهُ وفي البَحْرِ أبْعَدُ مَن قالَ عَبْدُ اللَّهِ هَنا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ كادَ قَوْمُهُ يَقْتُلُونَهُ حَتّى اسْتَنْقَذَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم قالَهُ الحَسَنُ وأبْعَدُ مِنهُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ اهـ ولَعَمْرِي إنَّهُ لا يَنْبَغِي القَوْلُ بِذَلِكَ ولا أظُنُّ لَهُ صِحَّةً بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ كَما قَدَّمْنا وابْنُ هُرْمُزٍ وطَلْحَةُ كَما في الحِبْرِ «وإنَّهُ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وحُمِلَ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافِيَّةٌ مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ الجِنِّ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿إنّا سَمِعْنا﴾ حَكَوْا فِيها لِقَوْمِهِمْ لَمّا رَجَعُوا إلَيْهِمْ ما رَأوْا مِن صِلاتِهِ ﷺ وازْدِحامِ أصْحابِهِ عَلَيْهِ في ائْتِمامِهِمْ بِهِ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وجَوَّزَ نَحْوَ هَذا عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ عَنْ أبِي حاتِمٍ أوْ بِتَقْدِيرِ ونُخْبِرُكم بِأنَّهُ أوْ نَحْوَهُ هَذا.

وفِي الكَشْفِ الوَجْهُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ مِن جُمْلَةِ المُوحِي أنْ يَكُونَ ﴿فَلا تَدْعُوا﴾ خِطابًا لِلْجِنِّ مَحْكِيًّا إنَّ جُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى «وإنَّهُ لَمّا قامَ» عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ مِن مَقُولِ الجِنِّ لِئَلّا يَنْفَكَّ النَّظْمُ لَوْ جُعِلَ ابْتِداءَ قِصَّةٍ ووَحْيًا آخَرَ مُنْقَطِعًا عَنْ حِكايَةِ الجِنِّ وكَذَلِكَ لَوْ جُعِلَ ضَمِيرُ ﴿كادُوا﴾ لِلْجِنِّ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ أيْضًا والأصْلُ أنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا أيُّها الجِنُّ مَعَ اللَّهِ أحَدًا فَقِيلَ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿أُوحِيَ إلَيَّ﴾ كَذا وإذا كانَ كَذَلِكَ فَيَجِيءُ في ضِمْنِ الحِكايَةِ إثْباتُ هَذا الحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُخاطَبِينَ أيْضًا لِاتِّحادِ العِلَّةِ، وأمّا لَوْ جُعِلَ خِطابًا عامًّا فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿كادُوا﴾ راجِعًا إلى المُشْرِكِينَ أوْ إلى الجِنِّ والإنْسِ وأنْ يَكُونَ عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ جُمْلَةً اسْتِئْنافِيَّةً ابْتِداءَ قِصَّةٍ مِنهُ جَلَّ شَأْنُهُ في الإخْبارِ عَنْ حالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو تَمْهِيدٌ لِما يَأْتِي مِن بَعْدُ وتَوْكِيدٌ لِما ذُكِرَ مِن قَبْلُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ ما كانَ مِن حَدِيثِ الجِنِّ وإيمانِ بَعْضِهِمْ وكُفْرِ آخَرِينَ مِنهم لِيَكُونَ حِكايَةُ ذَلِكَ لُطْفًا لَهم في الِانْتِهاءِ عَمّا كانُوا فِيهِ وحَثًّا عَلى الإيمانِ ثُمَّ قِيلَ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ ويُوَحِّدُهُ كادَ الفَرِيقانِ مِن كَفَرَةِ الجِنِّ والإنْسِ ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ دَلالَةً عَلى عَدَمِ ارْتِداعِهِمْ مَعَ هَذِهِ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ والآياتِ النَّيِّرَةِ.

وما أحْسَنَ التَّقابُلَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنَّ المَساجِدَ﴾ وبَيْنَ هَذا القَوْلِ كَأنَّهم نُهُوا كُلُّهم عَنِ الإشْراكِ ودُعُوا إلى التَّوْحِيدِ فَقابَلُوا ذَلِكَ بِعَداوَةِ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ

صفحة 93

سُبْحانَهُ ويَدْعُوهُ ولَمْ يَرْضَوْا بِالإباءِ وحْدَهُ وهَذا مِن خَواصِّ الكِتابِ الكَرِيمِ وبَدِيعِ أُسْلُوبِهِ إذا أخَذَ في قِصَّةٍ غِبَّ قِصَّةٍ جَعَلَهُما مُتَناصِفَتَيْنِ فِيما سِيقَ لَهُ الكَلامُ وزادَ عَلَيْهِ التَّآخِي بَيْنَهُما.

فِي تَناسُبِ خاتِمَةِ الأُولى وفاتِحَةِ الثّانِيَةِ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ مِنَ الوَجاهَةِ بِمَكانٍ وأمّا لَوْ فُسِّرَ بِما حُكِيَ عَنِ الخَلِيلِ ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا إلَخِ فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ اسْتِطْرادًا ذُكِرَ عَقِيبَ وعِيدِ المَعْرَضِ والحَمْلُ عَلى هَذا عَلى الأعْضاءِ السَّبْعَةِ أظْهَرُ لِأنَّ فِيهِ تَذْكِيرًا لِكَوْنِهِ تَعالى المَنعَ بِها عَلَيْهِمْ وتَنَبُّهًا عَلى أنَّ الحِكْمَةَ في خَلْقِها خِدْمَةُ المَعْبُودِ مِن حَيْثُ العُدُولُ عَنْ لَفْظِ الأعْضاءِ وأسْمائِها الخاصَّةِ إلى المَساجِدِ ودَلالَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ يُنافِي الإشْراكَ وحِينَئِذٍ لا يَبْقى إشْكالٌ في ارْتِباطِ ما بَعْدَهُ بِما قَبْلَهُ عَلى القِراءَتَيْنِ والأوْجَهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ اهـ فَتَأمَّلْ.

واللِّبَدُ بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ الباءِ كَما قَرَأ الجُمْهُورُ جَمْعُ لِبْدَةٍ بِالكَسْرِ نَحْوَ كِسْرَةٍ وكِسَرٍ وهي الجَماعاتُ شُبِّهَتْ بِالشَّيْءِ المُتَلَبِّدِ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ ويُقالُ لِلْجَرادِ ومِنهُ كَما قالَ الجِبائِيُّ قَوْلُ عَبْدِ مَنافِ بْنِ رُبْعِ الهُذَلِيِّ:

صافُوا بِسِتَّةِ أبْياتٍ وأرْبَعَةٍ حَتّى كَأنَّ عَلَيْهِمْ جابِيًا لِبَدا

وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ عامِرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ «لُبَدا» بِضَمِّ اللّامِ جَمْعُ لُبَدَةٍ كَزُبَرَةٍ وزُبَرٍ وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أيْضًا تَسْكِينُ الباءِ وضَمُّ اللّامِ وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ لُبَدٍ كَرُهُنٍ ورُهَنٍ أوْ جَمْعُ لُبُودٍ كَصُبُورٍ وصَبْرٍ وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ أيْضًا بِخِلافٍ عَنْهُما «( لُبَّدًا)» بِضَمِّ اللّامِ وتَشْدِيدِ الباءِ جَمْعُ لابِدٍ وأبُو رَجاءٍ بِكَسْرِها وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ.

72:20–21Page 573

قُلۡ إِنَّمَآ أَدۡعُواْ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٠

Say, [O Muḥammad], "I only invoke my Lord and do not associate with Him anyone."

قُلۡ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا رَشَدٗا ٢١

Say, "Indeed, I do not possess for you [the power of] harm or right direction."

﴿قُلْ إنَّما أدْعُو﴾ أعْبُدُ ﴿رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ﴾ في العِبادَةِ ﴿أحَدًا﴾ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدَعٍ ولا مُسْتَنْكَرَ يُوجِبُ التَّعَجُّبَ أوِ الإطْباقَ عَلى عَداوَتِي وقَرَأ الأكْثَرُونَ «قالَ» عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ مِنهُ تَعالى لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْمُتَراكِمِينَ عَلَيْهِ أوْ حِكايَةً مِنَ الجِنِّ لَهُ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ إلى قَوْمِهِمْ فَلا تَغْفُلْ وقِراءَةُ الأمْرِ وهي قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ وأبِي عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ أظْهَرُ وأوْقَفُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ أيْ ولا نَفْعًا تَعْبِيرًا بِاسْمِ السَّبَبِ عَنِ المُسَبِّبِ، والمَعْنى لا أسْتَطِيعُ أنْ أضُرَّكم ولا أنْفَعَكم إنَّما الضّارُّ والنّافِعُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أوْ لا أمْلِكُ لَكم ( غَيًّا ولا رَشِدًا عَلى أنَّ الضُّرَّ مُرادٌ بِهِ الغَيُّ تَعْبِيرٌ بِاسْمِ السَّبَبِ عَنِ السَّبَبِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أبِي «غَيًّا» بَدَلُ ( ضَرًّا ) والمَعْنى لا أسْتَطِيعُ أنْ أقْسِرَكم عَلى الغَيِّ والرُّشْدِ إنَّما القادِرُ عَلى ذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ في الآيَةِ الِاحْتِباكُ والأصْلُ لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا غَيًّا ولا رَشَدًا فَتَرَكَ مِن كِلا المُتَقابِلَيْنِ ما ذَكَرَ في الآخَرِ. وقَرَأ الأعْرَجُ «رُشُدًا» بِضَمَّتَيْنِ.

72:22Page 573

قُلۡ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٞ وَلَنۡ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدًا ٢٢

Say, "Indeed, there will never protect me from Allāh anyone [if I should disobey], nor will I find in other than Him a refuge.

﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ﴾ إنْ أرادَنِي سُبْحانَهُ بِسُوءٍ ﴿ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أيْ مُعَدَّلًا ومُنْحَرَفًا وقالَ الكَلْبِيُّ مُدْخَلًا في الأرْضِ وقالَ السُّدِّيُّ حِرْزًا وأصْلُهُ المُدْخَلُ مِنَ اللَّحْدِ والمُرادُ مَلْجَأٌ يَرْكَنُ إلَيْهِ وأنْشَدُوا:

يا لَهْفَ نَفْسِي ونَفْسِي غَيْرُ مُجْدِيَةٍ عَنِّي وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ

وجَوَّزَ فِيهِ الرّاغِبُ كَوْنَهُ اسْمَ مَكانٍ وكَوْنَهُ مَصْدَرًا وهَذا عَلى ما قِيلَ بَيانٌ لِعَجْزِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ شُؤُونِ نَفْسِهِ بَعْدَ بَيانِ عَجْزِهِ ﷺ عَنْ شُؤُونِ غَيْرِهِ وقِيلَ في الكَلامِ حَذْفٌ وهو قالُوا اتْرُكْ ما تَدْعُو إلَيْهِ ونَحْنُ نُجِيرُكَ فَقِيلَ لَهُ ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ إلَخِ وقِيلَ هو جَوابٌ لِقَوْلٍ ورَدَ أنَّ سَيِّدَ الجِنِّ وقَدِ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ أنا أُرَحِّلُهم عَنْكَ فَقالَ ﴿إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ إلَخِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ والقَوْلانِ لَيْسا بِشَيْءٍ وقَوْلُهُ تَعالى.

72:23Page 573

إِلَّا بَلَٰغٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَٰلَٰتِهِۦۚ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ٢٣

But [I have for you] only notification from Allāh, and His messages." And whoever disobeys Allāh and His Messenger - then indeed, for him is the fire of Hell; they will abide therein forever.

﴿إلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مَفْعُولِ ﴿لا أمْلِكُ﴾ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ قَتادَةَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُؤَكَّدٌ لِنَفِيِ الِاسْتِطاعَةِ فَلا اعْتِراضَ بِكَثْرَةِ الفَصْلِ المُبْعِدَةِ لِذَلِكَ فَإنْ كانَ المَعْنى لا أمْلِكُ أنْ أضُرَّكم ولا أنْفَعَكم كانَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ لا أمْلِكُ شَيْئًا إلّا بَلاغًا وإنْ كانَ المَعْنى لا أمْلِكُ أنْ أقْسِرَكم عَلى الغَيِّ والرُّشْدِ كانَ مُنْقَطِعًا أوْ مِن بابِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ

صفحة 94

غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم كَما في الكَشْفِ وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ أنَّهُ إمّا اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ﴿رَشَدًا﴾ فَإنَّ الإبْلاغَ إرْشادٌ ونَفْعٌ والِاسْتِثْناءَ مِنَ المَعْطُوفِ دُونَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ جائِزٌ، وإمّا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ﴿مُلْتَحَدًا﴾ قالَ الرّازِيُّ لِأنَّ البَلاغَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ لِأنَّهُ لا يَكُونُ مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بَلْ مِنهُ جَلَّ وعَلا وبِإعانَتِهِ وتَوْفِيقِهِ.

وفِي البَحْرِ قالَ الحَسَنُ هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ ﴿لَنْ يُجِيرَنِي﴾ أحَدٌ لَكِنْ إنْ بَلَغَتْ رَحْمَتِي بِذَلِكَ والإجارَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْبَلاغِ إذْ هو سَبَبُ إجارَةِ اللَّهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ سُبْحانَهُ وقِيلَ هو عَلى هَذا المَعْنى اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ.

والمَعْنى لَنْ أجِدَ شَيْئًا أمِيلُ إلَيْهِ وأعْتَصِمُ بِهِ إلّا أنْ أُبُلِّغَ وأُطِيعَ فَيُجِيرَنِي فَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن﴿مُلْتَحَدًا﴾ أوْ عَلى البَدَلِ وهو الوَجْهُ لِأنَّ قَبْلَهُ نَفْيًا وعَلى البَدَلِ خَرَّجَهُ الزَّجاجُ انْتَهى. والأظْهَرُ ما تَقَدَّمَ وقِيلَ إنَّ إلّا مُرَكَّبَةٌ مِن أنَّ الشَّرْطِيَّةَ ولا النّافِيَةَ والمَعْنى أنْ لا أُبَلِّغَ بَلاغًا وما قَبْلَهُ دَلِيلُ الجَوابِ فَهو كَقَوْلِكَ إلّا قِيامًا فَقُعُودًا وظاهِرُهُ أنَّ المَصْدَرَ سَدَّ مَسَدِّ الشَّرْطِ كَمَعْمُولٍ كانَ ولَهم في حَذْفِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ مَعَ بَقاءِ الأداةِ كَلامٌ والظّاهِرُ أنَّ إطِّرادَ حَذْفِهِ مَشْرُوطٌ بِبَقاءِ لا كَما في قَوْلِهِ:

فَطَلِّقْها فَلَسْتَ لَها بِكُفْءٍ وإلّا يَعْلُ مِفْرَقَكَ الحُسامُ

ما لَمْ يَسُدَّ مَسَدَّهُ شَيْءٌ مِن مَعْمُولٍ أوْ مُفَسِّرٍ كَ ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ [التَّوْبَةِ: 6] والنّاسُ مَجْزِيُّونَ بِأعْمالِهِمْ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وهَذا الوَجْهُ خِلافُ المُتَبادِرِ كَما لا يَخْفى وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ورِسالاتِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى بَلاغًا ومِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ أيْ بَلاغًا كائِنًا مِنَ اللَّهِ ولَيْسَ بِصِلَةٍ لَهُ لِأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِعَنْ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ««بَلِّغُوا عَنِّي ولَوْ آيَةً»» .

والمَعْنى عَلى ما عَلِمْتَ أوَّلًا في الِاسْتِثْناءِ لا أمْلِكُ لَكم إلّا تَبْلِيغًا كائِنًا مِنهُ تَعالى ورِسالاتِهِ الَّتِي أرْسَلَنِي عَزَّ وجَلَّ بِها. وفي الكَشْفِ في الكَلامِ إضْمارٌ أيْ بَلاغَ رِسالَتِهِ وأصْلُ الكَلامِ إلّا بَلاغَ رِسالاتِ اللَّهِ فَعَدَلَ إلى المَنزِلِ لِيَدُلَّ عَلى التَّبْلِيغَيْنِ مُبالَغَةً وإنَّ كُلًّا مِنَ المَعْنَيَيْنِ أعْنِي كَوْنَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى وكَوْنَهُ بَلاغَ رِسالاتِهِ يَقْتَضِي التَّشَمُّرَ لِذَلِكَ انْتَهى.

وفِي عِبارَةِ الكَشّافِ رَمَزَ ما إلَيْهِ لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ لا يَنْبَغِي تَقْدِيرُ المُضافِ فِيهِ أعْنِي بِلاغَ فَإنَّهُ يَكُونُ العَطْفُ حِينَئِذٍ مِن عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ إلّا أنْ يُوَجَّهَ بِأنَّ البَلاغَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فِيما أخَذَهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ بِغَيْرِ واسِطَةٍ والبَلاغَ لِلرِّسالاتِ فِيما هو بِها وهو بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ فافْهَمْ.

واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانٍ عَطْفَهُ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ فَقالَ الظّاهِرُ عَطْفُ ( رِسالاتِهِ ) عَلى ﴿اللَّهِ﴾ أيْ إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ وعَنْ رِسالاتِهِ وظاهِرُهُ جَعْلُ ﴿مِنَ﴾ بِمَعْنى عَنْ وقَدْ تَقَدَّمَ مِنهُ أنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقُرِئَ «قالَ لا أمْلِكُ» أيْ قالَ عَبْدُ اللَّهِ لِلْمُشْرِكِينَ أوْ لِلْجِنِّ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مِن حِكايَةِ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ.

هَذا ووْجْهُ ارْتِباطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها قِيلَ بِناءً عَلى أنَّ التَّلَبُّدَ لِلْعَداوَةِ أنَّهم لَمّا تَلَبَّدُوا عَلَيْهِ ﷺ مُتَظاهِرِينَ لِلْعَداوَةِ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ أيْ ما أرَدْتُ إلّا نَفْعَكم وقابَلْتُمُونِي بِالإساءَةِ ولَيْسَ في اسْتِطاعَتِي النَّفْعُ الَّذِي أرَدْتُ ولا الضُّرُّ الَّذِي أُكافِئُكم بِهِ إنَّما ذانِ إلى اللَّهِ تَعالى وفِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ وتَوْكِيلٌ إلى اللَّهِ جَلَّ وعَلا وأنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي يَجْزِيهِ بِحُسْنِ صَنِيعِهِ وسُوءِ صَنِيعِهِمْ، ثُمَّ فِيهِ مُبالَغَةٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَدَعُ التَّبْلِيغَ لِتَظاهُرِهِمْ هَذا فَإنَّ الَّذِي يَسْتَطِيعُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو التَّبْلِيغُ ولا يَدَعُ المُسْتَطاعَ ولِهَذا قالَ ﴿إلا بَلاغًا﴾ وجَعْلُهُ بَدَلًا مِن ﴿مُلْتَحَدًا﴾ شَدِيدُ الطِّباقِ عَلى هَذا والشَّرْطُ قَرِيبٌ مِنهُ، وأمّا إنْ كانَ الخِطابُ لِلْجِنِّ والتَّلَبُّدُ لِلتَّعَجُّبِ فالوَجْهُ أنَّهم لَمّا تَلَبَّدُوا لِذَلِكَ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قُلْ لَهم ما لَكُمُ ازْدَحَمْتُمْ عَلَيَّ مُتَعَجِّبِينَ مِنِّي ومِن تَطامُنِ أصْحابِي عَلى العِبادَةِ أنِّي لَيْسَ إلَيَّ النَّفْعُ والضُّرُّ إنَّما أنا مُبَلِّغٌ عَنِ الضّارِّ النّافِعِ فَأقْبِلُوا أنْتُمْ مِثْلَنا عَلى العِبادَةِ ولا تُقْبِلُوا عَلى التَّعَجُّبِ فَإنَّ العَجَبَ مِمَّنْ يُعْرِضُ عَنِ المُنْعِمِ المُنْتَقِمِ الضّارِّ النّافِعِ ولَعَلَّ اعْتِبارَ قُوَّةِ الِارْتِباطِ يَقْتَضِي أوْلَوِيَّةَ كَوْنِ التَّلَبُّدِ كانَ لِلْعَداوَةِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ في الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ إذِ الكَلامُ فِيهِ فَلا يَصِحُّ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ ونَحْوِهِمْ بِالآيَةِ

صفحة 95

عَلى تَخْلِيدِ العُصاةِ في النّارِ وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالرَّسُولِ رَسُولُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ دُونَ رَسُولِ البَشَرِ فالمُرادُ بِعِصْيانِهِ أنْ لا يُبَلِّغَ المُرْسَلَ إلَيْهِ ما وصَلَ إلَيْهِ كَما وصَلَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ في النّارِ أوْ في جَهَنَّمَ وجَمْعُ ﴿خالِدِينَ﴾ بِاعْتِبارِ مَعْنى ( مَن ) كَما أنَّ الإفْرادَ قَبْلُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها ولَوْ رُوعِيَ هُنا أيْضًا لَقِيلَ خالِدًا ﴿أبَدًا﴾ بِلا نِهايَةٍ.

وقَرَأ طَلْحَةُ «فَأنَّ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ كَما قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وغَيْرُهُ فَجَزاءُهُ أنَّ لَهُ إلَخِ وقَدْ نَصَّ النُّحاةُ عَلى أنَّ أنَّ بَعْدَ فاءِ الشَّرْطِ يَجُوزُ فِيها الفَتْحُ والكَسْرُ فَقَوْلُ ابْنِ مُجاهِدٍ ما قَرَأ بِهِ أحَدٌ وهو لَحْنٌ لِأنَّهُ بَعْدَ فاءِ الشَّرْطِ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ تَتَبُّعِهِ وضَعْفِهِ في النَّحْوِ.

72:24Page 573

حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ أَضۡعَفُ نَاصِرٗا وَأَقَلُّ عَدَدٗا ٢٤

[The disbelievers continue] until, when they see that which they are promised, then they will know who is weaker in helpers and less in number.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ مَقْرُونَةٌ بِحِتّى الِابْتِدائِيَّةِ وهي وإنْ لَمْ تَكُنْ جارَّةً فِيها مَعْنى الغايَةِ فَمَدْخُولُها غايَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الحالُ مِنَ اسْتِضْعافِ الكُفّارِ لِأنْصارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واسْتِقْلالِهِمْ لِعَدَدِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَزالُونَ يَسْتَضْعِفُونَ ويَسْتَهْزِئُونَ حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ مِن فُنُونِ العَذابِ في الآخِرَةِ تَبَيَّنَ لَهم أنَّ المُسْتَضْعَفَ مَن هو ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا جَوابُ الشَّرْطِ وكَذا ما قِيلَ عَلى ما قِيلَ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ كَيْفَما قُدِّرَ بَلِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ مِن مُفْتَتَحِها مَسُوقَةٌ لِلتَّعْرِيضِ بِحالِ مُشْرِكِي مَكَّةَ وتَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَسْرِيَةٌ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَعْبِيرٌ لَهم بِقُصُورِ نَظَرِهِمْ عَنِ الجِنِّ مَعَ ادِّعائِهِمُ الفَطانَةَ وقِلَّةِ إنْصافِهِمْ ومُبادَهَتِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بَدَلَ مُبادَهَةِ الجِنِّ بِالتَّصْدِيقِ والِاسْتِهْداءِ، ويَجُوزُ جَعْلُ ذَلِكَ غايَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ إنْ فُسِّرَ بِالتَّلَبُّدِ عَلى العَداوَةِ ولا مانِعَ مِن تَخَلُّلِ أُمُورٍ غَيْرِ أجْنَبِيَّةٍ بَيْنَ الغايَةِ والمُغَيّا

فَقَوْلُ أبِي حَيّانٍ أنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَجَعْلِهِ إيّاهُ غايَةً لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ قَبْلُ يَعْنِي فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ مِنَ الحِكَمِ بِكَيْنُونَةِ النّارِ لَهُ ومِثْلُ ذَلِكَ ما قِيلَ مِن أنَّهُ غايَةٌ لِمَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ دَعْهم حَتّى إذا رَأوْا إلَخِ والظّاهِرُ أنَّ ( مَن ) اسْتِفْهامِيَّةٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وهي مُبْتَدَأٌ ( وأضْعَفُ ) خَبَرٌ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِما قَبْلَها وقَدْ عُلِّقَ عَنِ العَمَلِ لِمَكانِ الِاسْتِفْهامِ وجَوَّزَ كَوْنَها مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ (يَعْلَمُونَ ( وأضْعَفُ ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ صِلَةٌ لِمَن والتَّقْدِيرُ فَسَيَعْرِفُونَ الَّذِي هو أضْعَفُ وحُسْنُ حَذْفِ صَدْرِ الصِّلَةِ طُولُها بِالتَّمْيِيزِ وجَوَّزَ تَفْسِيرَ ما ﴿يُوعَدُونَ﴾ بِيَوْمِ بَدْرٍ ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ.

72:25Page 573

قُلۡ إِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٞ مَّا تُوعَدُونَ أَمۡ يَجۡعَلُ لَهُۥ رَبِّيٓ أَمَدًا ٢٥

Say, "I do not know if what you are promised is near or if my Lord will grant for it a [long] period."

قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿قُلْ إنْ أدْرِي﴾ أيْ ما أدْرِي ﴿أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ رَدٌّ لِما قالَهُ المُشْرِكُونَ عِنْدَ سَماعِهِمْ ذَلِكَ، ومُقْتَضى حالِهِمْ أنَّهم قالُوا إنْكارًا واسْتِهْزاءً مَتى يَكُونُ ذَلِكَ المَوْعُودُ بَلْ رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ النَّضِرَ بْنَ الحارِثِ قالَ ذَلِكَ فَقِيلَ قُلْ إنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ وأمّا وقْتُهُ فَما أدْرِي مَتى يَكُونُ والأحْرى بِسُؤالِهِمْ وهَذا الجَوابُ إرادَةُ ما في يَوْمِ القِيامَةِ المُنْكِرِينَ لَهُ أشَدَّ الإنْكارِ والخَفِيُّ وقَتُهُ عَنِ الخَلائِقِ غايَةَ الخَفاءِ والمُرادُ بِالأمَدِ الزَّمانُ البَعِيدُ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ بِالقَرِيبِ وإلّا فَهو وضْعًا شامِلٌ لَهُما ولِذا وُصِفَ بِبَعِيدًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عِمْرانَ: 30] وقِيلَ إنَّ مَعْنى القُرْبِ يُنْبِئُ عَنْ مُشارَفَةِ النِّهايَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لا أدْرِي أهُوَ حالٌ مُتَوَقَّعٌ في كُلِّ ساعَةٍ أمْ هو مُؤَجَّلٌ ضُرِبَ لَهُ غايَةٌ والأوَّلُ أوْلى وأقْرَبُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском