Al-AlusiAl‑Muzzammil · 73:7–19

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Muzzammil 73:7–19

73:7Page 574

إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبۡحٗا طَوِيلٗا ٧

Indeed, for you by day is prolonged occupation.

﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ أيْ تَقَلُّبًا وتَصَرُّفًا في مُهِمّاتِكَ واشْتِغالًا بِشَواغِلِكَ فَلا تَسْتَطِيعُ أنْ تَتَفَرَّغَ لِلْعِبادَةِ فَعَلَيْكَ بِها في اللَّيْلِ وأصْلُ السَّبْحِ المَرُّ السَّرِيعُ في الماءِ فاسْتُعِيرَ لِلذَّهابِ مُطْلَقًا كَما قالَهُ الرّاغِبُ وأنْشَدُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:

أباحُوا لَكم شَرْقَ البِلادِ وغَرْبَها فَفِيها لَكم يا صاحِ سَبْحٌ مِنَ السَّبْحِ

وهَذا بَيانٌ لِلدّاعِي الخارِجِيِّ إلى قِيامِ اللَّيْلِ بَعْدَ بَيانِ ما في نَفْسِهِ مِنَ الدّاعِي وقِيلَ أيْ إنَّ لَكَ في النَّهارِ فَراغا وسِعَةً لِنَوْمِكَ وتَصَرُّفِكَ في حَوائِجِكَ وقِيلَ إنْ فاتَكَ مِنَ اللَّيْلِ شَيْءٌ فَلَكَ في النَّهارِ فَراغٌ تَقْدِرُ عَلى تَدارُكِهِ فِيهِ فالسَّبْحُ لِفَراغٍ وهو مُسْتَعْمَلٌ في ذَلِكَ لُغَةً أيْضًا لَكِنَّ الأوَّلَ أوْفَقُ لِمَعْنى قَوْلِهِمْ سَبَحَ في الماءِ وأنْسَبُ لِلْمَقامِ ثُمَّ إنَّ

صفحة 106

الكَلامَ عَلى هَذا إمّا تَتْمِيمٌ لِلْعِلَّةِ يُهَوِّنُ عَلَيْهِ أنَّ النَّهارَ يَصْلُحُ لِلِاسْتِراحَةِ فَلْيَغْتَنِمِ اللَّيْلَ لِلْعِبادَةِ ولْيَشْكُرْ إنْ لَمْ يُكَلَّفِ اسْتِيعابَهَما بِالعِبادَةِ أوْ تَأْكِيدٌ لِلِاحْتِفاظِ بِهِ بِأنَّهُ إنْ فاتَ لا بُدَّ مِن تَدارُكِهِ بِالنَّهارِ فَفِيهِ مُتَّسَعٌ لِذَلِكَ وفِيهِ تَلْوِيحٌ إلى مَعْنى ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ [الفُرْقانِ: 62] وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «سَبْخًا» بِالخاءِ المُعْجَمَةِ أيْ تَفَرُّقَ قَلْبٍ بِالشَّواغِلِ مُسْتَعارٌ مِن سَبْخِ الصُّوفِ وهو نَقْشُهُ ونَشْرُ أجْزائِهِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ خِفَّةً مِنَ التَّكالِيفِ قالَ الأصْمَعِيُّ يُقالُ: سَبَّخَ اللَّهُ تَعالى عَنْكَ الحُمّى خَفَّفَها

وفِي الحَدِيثِ «لا تُسَبِّخِي بِدُعائِكِ»

أيْ لا تُخَفِّفِي ومِنهُ قَوْلُهُ:

فَسَبِّخْ عَلَيْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بِأنَّهُ ∗∗∗ إذا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ شَيْئًا فَكائِنٌ

وقِيلَ السَّبْخُ المَدُّ يُقالُ سَبِّخِي قُطْنَكِ أيْ مُدِّيهِ، ويُقالُ لِقَطَعِ القُطْنِ سَبائِخُ الواحِدَةُ سَبْخَةٌ ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ يَصِفُ قَنّاصًا وكِلابًا:

فَأرْسَلُوهُنَّ يَذْرِينَ التُّرابَ كَما ∗∗∗ يَذْرِي سَبائِخَ قُطْنٍ نَدْفُ أوْتارِ

وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ إنَّ ابْنَ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةَ فَسَّرا «سَبْخًا» بِالمُعْجَمَةِ بَعْدَ أنْ قَرَآ بِهِ فَقالا مَعْناهُ نُوَّمًا أيْ يَنامُ بِالنَّهارِ لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ وقَدْ يَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ غَيْرَ هَذا المَعْنى لَكِنَّهُما فَسَّراها فَلا نَتَجاوَزُ عَنْهُ اهـ ولَعَلَّ ذَلِكَ تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ.

73:8Page 574

وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلۡ إِلَيۡهِ تَبۡتِيلٗا ٨

And remember the name of your Lord and devote yourself to Him with [complete] devotion.

﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيْ ودُمْ عَلى ذِكْرِهِ تَعالى لَيْلًا ونَهارًا عَلى أيْ وجْهٍ كانَ مِن تَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وتَحْمِيدٍ وصَلاةٍ وقِراءَةِ قُرْآنٍ وغَيْرِ ذَلِكَ وفَسَّرَ الأمْرَ بِالدَّوامِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَنْسَهُ تَعالى حَتّى يُؤْمَرَ بِذِكْرِهِ سُبْحانَهُ والمُرادُ الدَّوامُ العُرْفِيُّ لا الحَقِيقِيُّ لِعَدَمِ إمْكانِهِ ولِأنَّ مُقْتَضى السِّياقِ أنَّ هَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ كانَ المَعْنى عَلى ما سَمِعْتَ مِنَ اعْتِبارِ لَيْلًا ونَهارًا ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ﴾ أيْ وانْقَطَعَ إلَيْهِ تَعالى بِالعِبادَةِ وجَرِّدْ نَفْسَكَ عَمّا سِواهُ عَزَّ وجَلَّ واسْتَغْرِقْ في مُراقَبَتِهِ سُبْحانَهُ وكَأنَّ هَذا أمْرٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِالباطِنِ بَعْدَ الأمْرِ بِما يَتَعَلَّقُ بِالظّاهِرِ ولِتَأْكِيدِ ذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ ﴿تَبْتِيلا﴾ ونَصْبَهُ بِتَبَتُّلٍ لِتُضَمِّنِهِ مَعْنى بَتَّلَ عَلى ما قِيلَ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نُوحٍ: 17] فَتَذْكَّرْ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ وكَيْفَما كانَ الأمْرُ فَفِيهِ مُراعاةُ الفَواصِلِ.

73:9Page 574

رَّبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذۡهُ وَكِيلٗا ٩

[He is] the Lord of the East and the West; there is no deity except Him, so take Him as Disposer of [your] affairs.1

﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى المَدْحِ وقِيلَ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «رَبَّ» بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ والمَدْحِ وهو يُؤَيَّدُ الأوَّلَ وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ «﴿رَبُّ﴾» بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿رَبِّكَ﴾ وقِيلَ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ وجَوابُهُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ وفِيهِ حَذْفُ حَرْفِ القَسَمِ مِن غَيْرِ ما يَسُدُّ مَسَدَّهُ وإبْقاءُ عَمِلِهِ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا كَما بُيِّنَ في العَرَبِيَّةِ وقَدْ نُقِلَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ بِقَوْلِهِ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ إذْ فِيهِ إضْمارُ الجارِّ في القَسَمِ ولا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ( إلّا ) في لَفْظَةٍ الجَلالَةِ الكَرِيمَةِ نَحْوَ اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ كَذا ولا قِياسَ عَلَيْهِ ولِأنَّ الجُمْلَةَ المَنفِيَّةَ في جَوابِ القَسَمِ إذا كانَتِ اسْمِيَّةً تُنْفى بِما لا غَيْرَ ولا تُنْفى بِلا إلّا الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِمُضارِعِ كَثِيرًا وبِماضٍ في مَعْناهُ قَلِيلًا انْتَهى.

وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ إطْلاقُ وُقُوعِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ جَوابًا لِلْقَسَمِ وقالَ في شَرْحِ الكافِيَةِ إنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ تَقَعُ جَوابًا لِلْقَسَمِ مُصَدِّرَةٌ بِلا النّافِيَةِ لَكِنْ يَجِبُ تَكْرارُها إذا تَقَدَّمَ خَبَرُها أوْ كانَ المُبْتَدَأُ مَعْرِفَةً نَحْوَ واَللَّهِ لا في الدّارِ رَجُلٌ ولا امْرَأةٌ وواللَّهِ لا زَيْدٌ في الدّارِ ولا عَمْرٌو ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ المَسْألَةَ خِلافِيَّةٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الإمامَيْنِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ «رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ» وبِجَمْعِهِما وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في وجْهِ الإفْرادِ والجَمْعِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ ومُوجِبُهُ عَلى اخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ بِهِ ( عَزَّ وجَلَّ ) وجَلَّ ووَكِيلٌ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَوْكُولٍ إلَيْهِ والمُرادُ مِنِ اتِّخاذِهِ سُبْحانَهُ وكِيلًا أنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ويُفَوِّضَ كُلَّ أمْرِ

صفحة 107

إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وذَكَرَ أنَّ مَقامَ التَّوَكُّلِ فَوْقَ مَقامِ التَّبَتُّلِ لِما فِيهِ مِن رَفْعِ الِاخْتِيارِ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى غايَةِ الحُبِّ لَهُ تَعالى وأنْشَدُوا:

هَوايَ لَهُ فَرْضٌ تَعَطَّفَ أمْ جَفا ومَنهَلُهُ عَذْبٌ تَكَدَّرَ أمْ صَفا

وكَلْتُ إلى المَعْشُوقِ أمْرِي كُلَّهُ ∗∗∗ فَإنْ شاءَ أحْيانِي وإنْ شاءَ أتْلَفا

ومِن كَلامِ بَعْضِ السّادَةِ: مَن رَضِيَ بِاَللَّهِ تَعالى وكِيلًا وجَدَ إلى كُلِّ خَيْرٍ سَبِيلًا.

73:10Page 574

وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهۡجُرۡهُمۡ هَجۡرٗا جَمِيلٗا ١٠

And be patient over what they say and avoid them with gracious avoidance.

﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِمّا يُؤْلِمُكَ مِنَ الخُرافاتِ كَقَوْلِهِمْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَبِيبِ وحَبِيبِهِ عَلى ما سَمِعْتَ في بَعْضِ رِواياتِ أسْبابِ النُّزُولِ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ بِأنْ تُجانِبَهم وتُدارِيَهم ولا تُكافِئَهم وتَكِلَ أُمُورَهم إلى رَبِّهِمْ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ.

73:11Page 574

وَذَرۡنِي وَٱلۡمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعۡمَةِ وَمَهِّلۡهُمۡ قَلِيلًا ١١

And leave Me with [the matter of] the deniers, those of ease [in life], and allow them respite a little.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ خَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهم وكِلْ أمْرَهم إلَيَّ فَإنَّ في ما يُفْرِغُ بالَكَ ويُجَلِّي هَمَّكَ ومَرَّ في أنَّ تَمامَ الكَلامِ في ذَلِكَ وجَوَّزَ في المُكَذِّبِينَ هُنا أنْ يَكُونُوا هُمِ القائِلِينَ فَفِيهِ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ وسَما لَهم بِمِيسَمِ الذَّمِّ مَعَ الإشارَةِ إلى عِلَّةِ الوَعِيدِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونُوا بَعْضَ القائِلِينَ فَهو عَلى مَعْنى( ذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ ) مِنهم والآيَةُ قِيلَ نَزَلَتْ في صَنادِيدِ قُرَيْشٍ المُسْتَهْزِئِينَ وقِيلَ في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أرْبابِ التَّنَعُّمِ وغَضارَةِ العَيْشِ وكَثْرَةِ المالِ والوَلَدِ فالنِّعْمَةُ بِالفَتْحِ التَّنَعُّمُ وأمّا بِالكَسْرِ فَهي الإنْعامُ وما يَنْعَمُ بِهِ وأمّا بِالضَّمِّ فَهي المَسَرَّةُ ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ أيْ زَمانًا قَلِيلًا وهو مُدَّةُ الحَياةِ الدُّنْيا وقِيلَ المُدَّةُ الباقِيَةُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ وأيًّا ما كانَ فَقَلِيلًا نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ إمْهالًا قَلِيلًا والتَّفْعِيلُ لِتَكْثِيرِ المَفْعُولِ.

73:12Page 574

إِنَّ لَدَيۡنَآ أَنكَالٗا وَجَحِيمٗا ١٢

Indeed, with Us [for them] are shackles and burning fire

﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا﴾ جَمْعُ نَكْلٍ بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِها وهو القَيْدُ الثَّقِيلُ وقِيلَ الشَّدِيدُ وقالَ الكَلْبِيُّ الأنْكالُ الأغْلالُ الأوَّلُ أعْرَفُ في اللُّغَةِ وعَنِ الشَّعْبِيِّ لَمْ تُجْعَلِ الأنْكالُ في أرْجُلِهِمْ خَوْفًا مِن هَرَبِهِمْ ولَكِنْ إذا أرادُوا أنْ يَرْتَفِعُوا اسْتَفَلَتْ بِهِمْ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَرْنِي﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ كِلْ أمْرَهم إلَيَّ ومَهِّلْهِمْ قَلِيلًا لِأنَّ عِنْدِي ما أنْتَقِمُ بِهِ مِنهم أشَدَّ الِانْتِقامِ أنْكالًا ﴿وجَحِيمًا﴾ نارًا شَدِيدَةَ الإيقادِ.

73:13–14Page 574

وَطَعَامٗا ذَا غُصَّةٖ وَعَذَابًا أَلِيمٗا ١٣

And food that chokes and a painful punishment -

يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلۡجِبَالُ كَثِيبٗا مَّهِيلًا ١٤

On the Day the earth and the mountains will convulse and the mountains will become a heap of sand pouring down.

﴿وطَعامًا ذا ( غُصَّةٍ﴾ يُنْشِبُ في الحُلُوقِ ولا يَكادُ يُساغُ كالضَّرِيعِ والزَّقُّومِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ شَوْكٌ مِن نارٍ يَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ لا يَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ ( وعَذابًا ألِيمًا يَوْمَ ) ونَوْعًا آخَرَ مِنَ العَذابِ مُؤْلِمًا لا يُقادِرُ قَدْرَهُ ولا يَعْرِفُ كُنْهَهُ ( إلّا ) اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ المُقابَلَةُ والتَّنْكِيرُ وما أعْظَمَ هَذِهِ الآيَةَ

فَقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ أبِي داوُدَ في الشَّرِيعَةِ وابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طَرِيقِ حَمِرانِ بْنِ أعْيَنَ عَنْ أبِي حَرْبِ بْنِ الأسْوَدِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا﴾ إلَخِ فَصَعِقَ» .

وفِي رِوايَةٍ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَفْسَهُ قَرَأ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا﴾ فَلَمّا بَلَغَ ﴿ألِيمًا﴾ صَعِقَ»

وقالَ خالِدُ بْنُ حَسّانٍ: أمْسى عِنْدَنا الحَسَنُ وهو صائِمٌ فَأتَيْتُهُ بِطَعامٍ فَعَرَضَتْ لَهُ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ لَدَيْنا﴾ إلَخِ فَقالَ ارْفَعْهُ فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الثّانِيَةُ أتَيْتُهُ بِطَعامٍ فَعَرَضَتْ لَهُ أيْضًا فَقالَ ارْفَعْهُ وكَذَلِكَ اللَّيْلَةُ الثّالِثَةُ فانْطَلَقَ ابْنُهُ إلى ثابِتٍ البُنانِيِّ ويَزِيدَ الضَّبَّيِّ ويَحْيى البَكّاءِ فَحَدَّثَهم بِحَدِيثِهِ فَجاؤُوا مَعَهُ فَلَمْ يَزالُوا بِهِ حَتّى شَرِبَ شُرْبَةً مِن سَوِيقٍ.

وفِي الحَدِيثِ السّابِقِ إذا صَحَّ ما يُقِيمُ العُذْرَ لِلصُّوفِيَّةِ ونَحْوِهِمُ الَّذِينَ يُصْعَقُونَ عِنْدَ سَماعِ بَعْضِ الآياتِ ويَقْعُدُ إنْكارُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ومَن وافَقَها عَلَيْهِمُ اللَّهُمَّ ( إلّا ) أنْ يُقالَ إنَّ الإنْكارَ لَيْسَ ( إلّا ) عَلى مَن يَصْدُرُ مِنهُ ذَلِكَ اخْتِيارًا وهو أهْلٌ لِأنَّ يُنْكَرَ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى أوْ يُقالُ صَعِقَ مِنَ الصَّعْقِ بِسُكُونِ العَيْنِ وقَدْ يُحَرَّكُ غُشِيَ عَلَيْهِ لا مِنَ الصَّعَقِ بِالتَّحْرِيكِ شِدَّةِ الصَّوْتِ وذَلِكَ مِمّا لَمْ تُنْكِرْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ولا غَيْرُها ولِلْإمامِ في الآيَةِ كَلامٌ عَلى نَحْوِ كَلامِ الصُّوفِيَّةِ قالَ اعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ عَلى العُقُوبَةِ الرُّوحانِيَّةِ أمّا الأنْكالُ فَهي عِبارَةٌ عَنْ بَقاءِ النَّفْسِ في قَيْدِ التَّعَلُّقاتِ الجُسْمانِيَّةِ واللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ فَإنَّها في الدُّنْيا لَمّا اكْتَسَبَتْ مَلَكَةَ تِلْكَ المَحَبَّةِ والرَّغْبَةِ فَبَعْدَ البَدَنِ يَشْتَدُّ الحَنِينُ مَعَ أنَّ آلاتِ الكَسْبِ

صفحة 108

قَدْ بَطَلَتْ فَصارَتْ تِلْكَ كالأنْكالِ والقُيُودِ المانِعَةِ لَهُ مِنَ التَّخَلُّصِ إلى عالَمِ الرُّوحِ والصَّفاءِ ثُمَّ يَتَوَلَّدُ مِن تِلْكَ القُيُودِ الرُّوحانِيَّةِ نِيرانٌ رُوحانِيَّةٌ فَإنَّ شَدَّةَ مَيْلِها إلى الأحْوالِ البَدَنِيَّةِ وعَدَمَ تَمَكُّنِها مِنَ الوُصُولِ إلَيْها تُوجِبُ حُرْقَةً شَدِيدَةً رُوحانِيَّةً كَمَن تَشْتَدُّ رَغْبَتُهُ في وِجْدانِ شَيْءٍ ثُمَّ إنَّهُ لا يَجِدُهُ فَإنَّهُ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ عَلَيْهِ فَذاكَ هو الجَحِيمُ.

ثُمَّ إنَّهُ يَتَجَرَّعُ غُصَّةَ الحِرْمانِ وألَمَ الفِراقِ فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ ثُمَّ إنَّهُ بِسَبَبِ هَذِهِ الأحْوالِ بَقِيَ مَحْرُومًا عَنْ تَجَلِّي نُورِ اللَّهِ تَعالى والِانْخِراطِ في سِلْكِ القُدْسِيِّينِ وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ وتَنْكِيرُ ( عَذابًا ) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أشَدُّ مِمّا تَقَدَّمَ وأكْمَلُ واعْلَمْ أنِّي لا أقُولُ المُرادُ بِالآيَةِ ما ذَكَرْتُهُ فَقَطْ بَلْ أقُولُ إنَّها تُفِيدُ حُصُولَ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ الجُسْمانِيَّةِ وحُصُولَ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ الرُّوحانِيَّةِ ولا يَمْتَنِعُ الحَمْلُ عَلَيْهِما وإنْ كانَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلى المَراتِبِ الجُسْمانِيَّةِ حَقِيقَةً وبِالنِّسْبَةِ إلى المَراتِبِ الرُّوحانِيَّةِ مَجازًا لَكِنَّهُ مَجازٌ مُتَعارَفٌ مَشْهُورٌ انْتَهى وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بِالحَمْلِ عَلَيْهِما يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ أوْ عُمُومِ المَجازِ مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أكْثَرَ بابِ الإشارَةِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ مِن هَذا القَبِيلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِذَرْنِي وقِيلَ صِفَةُ ( عَذابًا ) وقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِألِيمًا واخْتارَ جَمْعٌ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ ( لَدَيْنا ) أيِ اسْتَقَرَّ ذَلِكَ العَذابُ لَدَيْنا وظَهَرَ يَوْمَ تَضْطَرِبُ الأرْضُ والجِبالُ وتَتَزَلْزَلُ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «تَرْجُفُ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿وكانَتِ الجِبالُ﴾ مَعَ صَلابَتِها وارْتِفاعِها ﴿كَثِيبًا﴾ رَمْلًا مُجْتَمِعًا مِن كَثَبَ الشَّيْءَ إذا جَمَعَهُ فَكَأنَّهُ في الأصْلِ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ ثُمَّ غَلَبَ حَتّى صارَ لَهُ حُكْمُ الجَوامِدِ والكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ وقِيلَ لا مانِعَ مِن أنْ تَكُونَ رَمْلًا حَقِيقَةً ﴿مَهِيلا﴾ قِيلَ أيْ رَخْوًا لَيِّنًا إذا وطِئَتْهُ القَدَمُ زَلَّ مِن تَحْتِها وقِيلَ مَنثُورًا مِن هِيلَ هَيْلًا إذا نُثِرَ وأُسِيلَ وكَوْنُهُ كَثِيبًا بِاعْتِبارِ ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ النَّثْرِ فَلا تَنافِيَ بَيْنَ كَوْنِهِ مُجْتَمِعًا ومَنثُورًا ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ في قُوَّةِ ذَلِكَ وصَدَدِهِ كَما قِيلَ.

73:15Page 574

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ رَسُولٗا شَٰهِدًا عَلَيۡكُمۡ كَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ رَسُولٗا ١٥

Indeed, We have sent to you a Messenger as a witness upon you just as We sent to Pharaoh a messenger.

﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ أُولِي النِّعْمَةِ سَواءٌ جُعِلُوا القائِلِينَ أوْ بَعْضَهم فَفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ وهو التِفاتٌ جَلِيلُ المَوْقِعِ أيْ إنّا أرْسَلَنا إلَيْكم أيُّها المُكَذِّبُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ﴿رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ يَشْهَدُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما صَدَرَ مِنكم مِنَ الكُفْرِ والعِصْيانِ ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَمُ تَعْيِينِهِ لِعَدَمِ دَخْلِهِ في التَّشْبِيهِ أوْ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ.

73:16Page 574

فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذۡنَٰهُ أَخۡذٗا وَبِيلٗا ١٦

But Pharaoh disobeyed the messenger, so We seized him with a ruinous seizure.

﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ المَذْكُورَ الَّذِي أرْسَلْناهُ إلَيْهِ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ والكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ عَلى تَقْدِيرِ اسْمِيَّتِها أيْ إرْسالًا مِثْلَ إرْسالِنا أوِ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِيَّتِها أيْ إرْسالًا كائِنًا كَما والمَعْنى أرْسَلَنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم فَعَصَيْتُمُوهُ كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصاهُ وفي إعادَةِ فِرْعَوْنَ والرَّسُولِ مُظْهَرَيْنِ تَفْظِيعٌ لِشَأْنِ عِصْيانِهِ وإنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ عِصْيانَ الرَّسُولِ لا لِكَوْنِهِ عِصْيانَ مُوسى وفِيهِ إنَّ عِصْيانَ المُخاطَبِينَ أفْظَعُ وأدْخَلُ في الدَّمِ إذْ زادَ جَلَّ وعَلا لِهَذا الرَّسُولِ وصْفًا آخَرَ أعْنِي ﴿شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ وأدْمَجَ فِيهِ أنَّهُ لَوْ آمَنُوا كانَتِ الشَّهادَةُ لَهم وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ أيْ ثَقِيلًا رَدِيءَ العُقْبى مِن قَوْلِهِمْ كَلَأٌ وبِيلٌ وحَمٌ لا يُسْتَمْرَأُ لِثِقْلِهِ والوَبِيلُ أيْضًا العَصا الضَّخْمَةُ ومِنهُ الوابِلُ لِلْمُطِلِّ العَظِيمِ قَطْرُهُ خارِجٌ عَنِ التَّشْبِيهِ جِيءَ بِهِ لِإيذانِ المُخاطَبِينَ بِأنَّهم مَأْخُوذُونَ بِمِثْلِ ذَلِكَ وأشَدَّ وأشَدَّ.

73:17Page 574

فَكَيۡفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرۡتُمۡ يَوۡمٗا يَجۡعَلُ ٱلۡوِلۡدَٰنَ شِيبًا ١٧

Then how can you fear, if you disbelieve, a Day that will make the children white-haired?1

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ مَراتِبٌ عَلى الإرْسالِ فالعِصْيانُ ( ويَوْمًا ) مَفْعُولٌ بِهِ لِتَتَّقُونَ ما بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عَذابَ أوْ هَوْلَ يَوْمٍ أوْ بِدُونَهُ ( إلّا ) أنَّ المَعْنى عَلَيْهِ وضَمِيرَ ﴿يَجْعَلُ﴾ لِلْيَوْمِ والجُمْلَةَ صِفَتُهُ والإسْنادَ مَجازِيٌّ وقالَ بَعْضٌ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى والإسْنادُ حَقِيقِيٌّ والجُمْلَةُ صِفَةٌ مَحْذُوفَةُ الرّابِطِ أيْ يَجْعَلُ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ

صفحة 109

تَعالى ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 48] وكانَ ظاهِرُ التَّرْتِيبِ أنْ يُقَدِّمَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَما أرْسَلْنا﴾ إلّا أنَّهُ أُخِّرَ إلى هُنا زِيادَةً عَلى زِيادَةٍ في التَّهْوِيلِ فَكَأنَّهُ قِيلَ هَبُوا أنَّكم لا تُؤْخَذُونَ في الدُّنْيا أخْذَةَ فِرْعَوْنَ وأضْرابِهِ فَكَيْفَ تَقُونَ أنْفُسَكم هَوْلَ القِيامَةِ وما أعَدَّ لَكم مِنَ الأنْكالِ إنْ دُمْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ومُتُّمْ في الكُفْرِ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنْ كَفَرْتُمْ﴾ وتَقْدِيرُهُ تَقْدِيرُ مَشْكُوكٍ في وُجُودِهِ ما يُنَبِّهُ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنَّ يَبْقى مَعَ إرْسالِ هَذا الرَّسُولِ لِأحَدٍ شُبْهَةٌ تُبْقِيهِ في الكُفْرِ فَهو النُّورُ المُبِينُ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ يَوْمًا ظَرْفًا لِتَتَّقُونِ عَلى مَعْنى فَكَيْفَ لَكم بِالتَّقْوى في يَوْمِ القِيامَةِ إنْ كَفَرْتُمْ في الدُّنْيا والكَلامُ حِينَئِذٍ لِلْحَثِّ عَلى الإقْلاعِ مِنَ الكُفْرِ والتَّحْذِيرِ عَنْ مِثْلِ عاقِبَةِ آلِ فِرْعَوْنَ قَبْلَ أنْ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَنْتَصِبَ بِكَفَرْتُمْ عَلى تَأْوِيلِ جَحَدْتُمْ والمَعْنى فَكَيْفَ يُرْجى إقْلاعُكم عَنِ الكُفْرِ واتِّقاءُ اللَّهِ تَعالى وخَشِيَتُهُ وأنْتُمْ جاحِدُونَ يَوْمَ الجَزاءِ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ يَوْمَ تَرْجُفُ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ اللَّهَ إنْ كَفَرْتُمْ بِهِ فَأُعِيدَ ذِكْرُ اليَوْمِ بِصِفَةٍ أُخْرى زِيادَةً في التَّهْوِيلِ والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى قالَهُ في الكَشْفِ وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ في الوَجْهِ الأخِيرِ أعْنِي انْتِصابَ ﴿يَوْمًا﴾ بِكَفَرْتُمْ أنَّهُ أوْفَقُ لِلتَّأْلِيفِ يَعْنِي خَوَّفْناكم بِالأنْكالِ والجَحِيمِ وأرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا يَوْمَ القِيامَةِ بِكُفْرِكم وتَكْذِيبِكم وأنْذَرْناكم بِما فَعَلْنا بِفِرْعَوْنَ مِنَ العَذابِ الوَبِيلِ والأخْذِ الثَّقِيلِ فَما نَجَعَ فِيكم ذَلِكَ كُلُّهُ ولا اتَّقَيْتُمُ اللَّهَ تَعالى فَكَيْفَ تَتَّقُونَهُ وتَخْشَوْنَهُ إنْ جَحَدْتُمْ يَوْمَ القِيامَةِ والجَزاءِ وفِيهِ أنَّ مَلاكَ التَّقْوى والخَشْيَةِ الإيمانُ بِيَوْمِ القِيامَةِ انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ جَزالَةَ المَعْنى تُرَجِّحُ الأوَّلَ وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّ الخِطابَ في ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكُمْ﴾ عامٌّ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ فالظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الِالتِفاتِ في شَيْءٍ وأيًّا ما كانَ فَجَعْلُ الوِلْدانِ شِيبًا أيْ شُيُوخًا جَمْعُ أشْيَبٍ قِيلَ حَقِيقَةً فَتَشِيبُ الصِّبْيانُ وتَبْيَضُّ شُعُورُهم مِن شِدَّةِ يَوْمِ القِيامَةِ وذَلِكَ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قُمْ فَأخْرِجْ مِن ذُرِّيَّتِكَ بَعْثَ النّارِ فَيَقُولُ يا رَبِّ لا عِلْمَ لِي ( إلّا ) ما عَلَّمْتَنِي فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أخْرِجْ بَعْثَ النّارِ مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ فَيَخْرُجُونَ ويُساقُونَ إلى النّارِ سَوْقًا مُقَرَّنِينَ زُرْقًا كالِحِينَ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَإذا خَرَجَ بَعْثُ النّارِ شابَ كُلُّ ولِيدٍ» .

وفِي حَدِيثِ الطَّبَرانِيِّ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْنُ ذَلِكَ وقِيلَ مَثَلٌ في شِدَّةِ الهَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ شَيْبٌ بِالفِعْلِ فَإنَّهم يَقُولُونَ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ يَوْمٌ يَشِيبُ نَواصِي الأطْفالُ والأصْلُ في ذَلِكَ أنَّ الهُمُومَ إذا تَفاقَمَتْ عَلى المَرْءِ أضْعَفَتْ قُواهُ وأسْرَعَتْ فِيهِ الشَّيْبَ ومِن هُنا قِيلَ الشَّيْبُ نُوّارُ الهُمُومِ وحَدِيثُ البَعْثِ لا يَأْبى هَذا وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وصْفًا لِلْيَوْمِ بِالطُّولِ وأنَّ الأطْفالَ يَبْلُغُونَ فِيهِ أوْ أنَّ الشَّيْخُوخَةَ والشَّيْبَ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ التَّقْدِيرَ الحَقِيقِيَّ بَلْ وصْفٌ بِالطُّولِ فَقَطْ عَلى ما تَعارَفُوهُ وإلّا فَهو أطْوَلُ مِن ذاكَ وأطْوَلُ فَلا اعْتِراضَ لَكِنَّهُ مَعَ هَذا لَيْسَ بِذَلِكَ والظّاهِرُ عُمُومُ الوِلْدانِ وقالَ السُّدِّيُّ هم هُنا أوْلادُ الزِّنا وقِيلَ هم أوْلادُ المُشْرِكِينَ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «يَوْمَ» بِغَيْرِ تَنْوِينٍ «نَجْعَلُ» بِالنُّونِ فالظَّرْفُ مُضافٌ إلى جُمْلَةِ نَجْعَلُ إلَخِ.

73:18Page 574

ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرُۢ بِهِۦۚ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَفۡعُولًا ١٨

The heaven will break apart therefrom;1 ever is His promise fulfilled.

﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ﴾ أيْ مُنْشَقٌّ وقُرِئَ «مُتَفَرِّطٌ» أيْ مُتَشَقِّقٌ ﴿بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ اليَوْمِ والباءُ لِلْآلَةِ مِثْلُها في قَوْلِكَ فَطَرْتُ العُودَ بِالقَدُومِ فانْفَطَرَ بِهِ يَعْنِي أنَّ السَّماءَ عَلى عِظَمِها وإحْكامِها تَنْفَطِرُ بِشِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ وهَوْلِهِ كَما يَنْفَطِرُ الشَّيْءُ بِما يُفْطِرُ بِهِ فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِها مِنَ الخَلائِقِ وجَوَّزَ أنْ يُرادَ السَّماءُ مُثْقَلَةٌ بِهِ الآنَ إثْقالًا يُؤَدِّي إلى انْفِطارِها لِعِظَمِهِ عَلَيْها

وخَشْيَتِها مِن وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ﴾ [اَلْأعْرافِ: 187] فالكَلامُ مِن بابِ التَّخْيِيلِ والِانْفِطارُ كِنايَةٌ عَنِ المُبالَغَةِ في ثِقَلِ ذَلِكَ اليَوْمِ والمُرادُ إفادَةُ أنَّهُ الآنَ عَلى هَذا الوَصْفِ والأوَّلُ أظْهَرُ وأوْفَقُ لِأكْثَرِ الآياتِ وكَأنَ الظّاهِرَ السَّماءُ مُنْفَطِرَةٌ بِتَأْنِيثِ الخَبَرِ لِأنَّ المَشْهُورَ أنَّ السَّماء َمُؤَنَّثَةٌ لَكِنِ اعْتُبِرَ إجْراءُ ذَلِكَ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ فَذُكِّرَ أيْ شَيْءٌ مُنْفَطِرٌ بِهِ والنُّكْتَةُ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَبَدَّلَتْ حَقِيقَتُها وزالَ عَنْها اسْمُها ورَسَمُها ولَمْ يَبْقَ مِنها ( إلّا )

صفحة 110

ما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالشَّيْءِ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وأبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ وتَبِعَهم مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ التَّذْكِيرُ لِتَأْوِيلِ السَّماءِ بِالسَّقْفِ وكانَ النُّكْتَةُ فِيهِ تَذْكِيرُ مَعْنى السَّقْفِيَّةِ والإضْلالِ لِيَكُونَ أمْرُ الِانْفِطارِ أدْهَشَ وأهْوَلَ وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ التَّقْدِيرُ ذاتُ انْفِطارٍ كَقَوْلِهِمُ امْرَأةٌ مُرْضِعٌ أيْ ذاتُ رِضاعٍ فَجَرى عَلى طَرِيقِ النَّسَبِ وحُكِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّ هَذا مِن بابِ الجَرادِ المُنْتَشِرِ والشَّجَرِ الأخْضَرِ وأعْجازِ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ يَعْنِي أنَّ السَّماءَ مِن بابِ اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ مُفْرَدِهِ تاءُ التَّأْنِيثِ وأنَّ مُفْرَدَهُ سِماءَةٌ واسْمُ الجِنْسِ يَجُوزُ فِيهِ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ فَجاءَ مُنْفَطِرٌ عَلى التَّذْكِيرِ وقالَ الفَرّاءُ السَّماءُ يَعْنِي المِظَلَّةَ تُذَكُّرُ وتُؤَنَّثُ فَجاءَ ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ عَلى التَّذْكِيرِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

فَلَوْ رَفَعَ السَّماءَ إلَيْهِ قُوما لِحَقْنا بِالسَّماءِ وبِالسَّحابِ

وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ وإنَّما تُطْلَبُ نُكْتَةُ اعْتِبارِ التَّذْكِيرِ مَعَ أنَّ الأكْثَرَ في الِاسْتِعْمالِ اعْتِبارُ التَّأْنِيثِ ولَعَلَّها ظاهِرَةٌ لِمَن لَهُ أدْنى فَهْمٍ وحَمْلُ الباءِ في ﴿بِهِ﴾ عَلى الآلَةِ هو الأوْفَقُ لِتَهْوِيلِ أمْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ وجَوَّزَ حَمْلَها عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيِ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ فِيهِ وعَوْدُ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ عَلى اليَوْمِ هو الظّاهِرُ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وقالَ مُجاهِدٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى أيْ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ وسُلْطانِهِ عَزَّ وجَلَّ فَهو عِنْدَهُ كالضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾ فَإنَّهُ لَهُ تَعالى لِعِلْمِهِ مِنَ السِّباقِ والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْيَوْمِ كَضَمِيرِ بِهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ.

73:19Page 574

إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا ١٩

Indeed, this is a reminder, so whoever wills may take to his Lord a way.

﴿إنَّ هَذِهِ﴾ إشارَةٌ إلى الآياتِ المُنْطَوِيَةِ عَلى القَوارِعِ المَذْكُورَةِ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ أيْ مَوْعِظَةٌ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ تَعالى بِالإيمانِ والطّاعَةِ فَإنَّهُ المِنهاجُ المُوصِلُ إلى مَرْضاتِهِ عَزَّ وجَلَّ ومَفْعُولُ ( شاءَ ) مَحْذُوفٌ والمَعْرُوفُ في مِثْلِهِ أنْ يُقَدَّرَ مِن جِنْسِ الجَوابِ أيْ فَمَن شاءَ اتِّخاذَ سَبِيلٍ إلى رَبِّهِ تَعالى اتَّخَذَ إلَخِ وبَعْضٌ قَدَّرَهُ الِاتِّعاظَ لِمُناسَبَةِ ما قَبْلُ أيْ فَمَن شاءَ الِاتِّعاظَ ﴿اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ والمُرادُ مَن نَوى أنْ يَحْصُلَ لَهُ الِاتِّعاظُ تَقَرَّبَ إلَيْهِ تَعالى لَكِنْ ذُكِرَ السَّبَبُ وأُرِيدَ مُسَبِّبُهُ فَهو الجَزاءُ في الحَقِيقَةِ واخْتارَ في البَحْرِ ما هو المَعْرُوفُ وقالَ إنَّ الكَلامَ عَلى مَعْنى الوَعْدِ والوَعِيدِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском