Al-AlusiAl‑Muddaththir · 74:7–25

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Muddaththir 74:7–25

74:7Page 575

وَلِرَبِّكَ فَٱصۡبِرۡ ٧

But for your Lord be patient.

﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ قِيلَ عَلى أذى المُشْرِكِينَ وقِيلَ عَلى أداءِ الفَرائِضِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: عَلى حَرْبِ الأحْمَرِ والأسْوَدِ وفِيهِ بُعْدٌ إذْ لَمْ يَكُنْ جِهادٌ يَوْمَ نُزُولِها. وعَنِ النَّخْعِيِّ عَلى عَطِيَّتِكَ كَأنَّهُ وصَلَهُ بِما قَبْلَهُ وجَعَلَهُ صَبْرًا عَلى العَطاءِ مِن غَيْرِ اسْتِكْثارٍ والوَجْهُ كَما قالَ جارُ اللَّهِ أنْ يَكُونَ أمْرًا بِنَفْسِ الفِعْلِ والمَعْنى لِقَصْدِ جِهَتِهِ تَعالى وجانِبِهِ عَزَّ وجَلَّ فاسْتَعْمَلَ الصَّبْرَ فَيَتَناوَلُ لِعَدَمِ تَقْدِيرِ المُتَعَلِّقِ المُفِيدِ لِلْعُمُومِ كُلَّ مَصْبُورٍ عَلَيْهِ ومَصْبُورٍ عَنْهُ ويُرادُ الصَّبْرُ عَلى أذى المُشْرِكِينَ لِأنَّهُ فَرْدٌ مِن أفْرادِ العامِّ لا لِأنَّهُ وحْدَهُ هو المُرادُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الصَّبْرُ في القُرْآنِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ صَبْرٌ عَلى أداءِ الفَرائِضِ ولَهُ ثَلاثُمِائَةِ دَرَجَةٍ، وصَبْرٌ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى ولَهُ سِتُّمِائَةِ دَرَجَةٍ، وصَبْرٌ عَلى المَصائِبِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى ولَهُ تِسْعُمِائَةِ دَرَجَةٍ وذَلِكَ لِشَدَّتِهِ عَلى النَّفْسِ وعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنهُ ( إلّا ) بِمَزِيدِ اليَقِينِ ولِذَلِكَ

قالَ ﷺ: «أسْألُكَ مِنَ اليَقِينِ ما تُهَوِّنُ بِهِ عَلِيَّ مَصائِبَ الدُّنْيا»

وذَكَرُوا أنَّ لِلصَّبْرِ بِاعْتِبارِ حُكْمِهِ أرْبَعَةَ أقْسامٍ فَرْضٌ كالصَّبْرِ عَنِ المَحْظُوراتِ وعَلى أداءِ الواجِباتِ ونَفْلٌ كالصَّبْرِ عَنِ المَكْرُوهاتِ والصَّبْرِ عَلى المَسْنُوناتِ ومَكْرُوهٌ كالصَّبْرِ عَنْ أداءِ المَسْنُوناتِ والصَّبْرِ عَلى فِعْلِ المَكْرُوهاتِ وحَرامٌ كالصَّبْرِ عَلى مَن يُقْصَدُ حَرِيمُهُ بِمُحَرَّمٍ وتَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهُ مَعَ القُدْرَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وتَمامُ الكَلامِ عَلَيْهِ في مَحَلِّهِ وفَضائِلُ الصَّبْرِ الشَّرْعِيِّ المَحْمُودِ مِمّا لا تُحْصى. ويَكْفِي في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [اَلزُّمَرِ: 10]

وقَوْلُهُ ﷺ: «قالَ اللَّهُ تَعالى إذا وجَّهْتُ إلى عَبْدٍ مِن عَبِيدِي مُصِيبَةً في بَدَنِهِ أوْ مالِهِ أوْ ولَدِهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ ذَلِكَ بِصَبْرٍ جَمِيلٍ اسْتَحْيَيْتُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ أنْ أنْصِبَ لَهُ مِيزانًا أوْ أنْشُرَ لَهُ دِيوانًا» .

74:8–10Page 575

فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ ٨

And when the trumpet is blown,

فَذَٰلِكَ يَوۡمَئِذٖ يَوۡمٌ عَسِيرٌ ٩

That Day will be a difficult day

عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ غَيۡرُ يَسِيرٖ ١٠

For the disbelievers - not easy.

﴿فَإذا نُقِرَ﴾ أيْ نُفِخَ ﴿فِي النّاقُورِ﴾ في الصُّورِ وهو فاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ بِمَعْنى التَّصْوِيتِ وأصْلُهُ القَرْعُ الَّذِي هو سَبَبُهُ ومِنهُ مِنقارُ الطّائِرِ لِأنَّهُ يَقْرَعُ بِهِ ولِهَذِهِ السَّبَبِيَّةِ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ وشاعَ ذَلِكَ وأُرِيدَ بِهِ النَّفْخُ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنهُ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ اصْبِرْ عَلى أذاهم فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أذاهم وتَلْقى عاقِبَةَ صَبْرِكَ عَلَيْهِ والعامِلُ في «إذا» ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ فالمَعْنى إذا نُقِرَ في النّاقُورِ عَسُرَ الأمْرُ عَلى الكافِرِينَ والفاءُ في هَذا لِلْجَزاءِ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى وقْتِ النَّقْرِ المَفْهُومِ مِن ﴿فَإذا نُقِرَ﴾ وما فِيهِ مِنَ المَعْنى البُعْدُ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ لَفَظًا بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الهَوْلِ والفَظاعَةِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ.

( ويَوْمَئِذٍ ) قِيلَ بَدَلٌ مِنهُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ والخَبَرُ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَيَوْمُ النَّقْرِ يَوْمٌ عَسِيرٌ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا لِ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أيْ صِفَةً لَهُ، فَلَمّا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ صارَ

صفحة 121

حالًا مِنهُ واَلَّذِي أجازَ ذَلِكَ عَلى ما في الكَشّافِ أنَّ المَعْنى فَذَلِكَ وقْتَ النَّقْرِ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ لِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَأْتِي ويَقَعُ حِينَ يُنْقَرُ في النّاقُورِ فَهو عَلى مِنوالِ زَمَنِ الرَّبِيعِ العِيدُ فِيهِ أيْ وُقُوعُ العِيدِ فِيهِ ومالَهُ فَذَلِكَ الوُقُوعُ وُقُوعُ يَوْمٍ إلَخْ، ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ انْدِفاعُ ما يُتَوَهَّمُ مِن تَقْدِيمِ مَعْمُولِ المَصْدَرِ أوْ مَعْمُولِ ما في صِلَتِهِ عَلى المَصْدَرِ إنَّ جَعْلَ ظَرْفِ الوُقُوعِ المُقَدَّرِ أوْ ظَرْفِ عَسِيرٍ والتَّصْرِيحَ بِلَفْظِ وُقُوعِ إبْرازٌ لِلْمَعْنى وتَفَصٍّ عَنْ جَعْلِ الزَّمانِ مَظْرُوفَ الزَّمانِ بِرُجُوعِهِ إلى الحَدَثِ فَتَدَبَّرْ وظاهِرُ صَنِيعِ الكَشّافِ اخْتِيارُ هَذا الوَجْهِ وكَذا كَلامُ صاحِبِ الكَشْفِ إذْ قَرَّرَهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وادَّعى فِيما سَبَقَ تَعَسُّفًا نَعَمْ جَوَّزَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مَعْمُولَ ما دَلَّ عَلَيْهِ الجَزاءُ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ عَسُرَ الأمْرُ عَلى الكافِرِينَ يَوْمَئِذٍ وأيًّا ما كانَ فَـ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿عَسِيرٌ﴾ وقِيلَ بِمَحْذُوفٍ وهو صِفَةٌ لِعَسِيرٍ أوْ حالٌ مِنَ المَسَّتِكُنِّ فِيهِ.

وأجازَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِـ ﴿يَسِيرٍ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ قَتادَةَ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ لِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى المُضافِ وهو مَمْنُوعٌ عَلى الصَّحِيحِ وقَدْ أجازَهُ بَعْضُهم في غَيْرٍ حَمْلًا لَها عَلى لا فَيَقُولُ أنا بِزَيْدٍ غَيْرُ راضٍ وزَعَمَ الحَوْفِيُّ أنَّ إذا مُتَعَلِّقَةٌ بِإنْذارٍ والفاءُ زائِدَةٌ، وأرادَ أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ لِأنْذِرْ كَأنَّهُ قِيلَ قُمْ فَأنْذِرْهم وقْتَ النَّقْرِ في النّاقُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَذَلِكَ﴾ إلَخِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٍ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ وهو كَما تَرى. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَخْرِيجَ الآيَةِ عَلى قَوْلِ الأخْفَشِ بِأنْ تَكُونَ «إذا» مُبْتَدَأً والخَبَرُ ﴿فَذَلِكَ﴾ والفاءُ زائِدَةٌ وجَعْلَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظَرْفًا لِذَلِكَ ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن أنَّهُ كَلامُ أخْفَشَ.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ إنَّ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ وهو إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ أيْ فَذَلِكَ النَّقْرُ وهو العامِلُ في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ و﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والمُضافُ مُقَدَّرٌ أيْ فَذَلِكَ النَّقْرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ نَقْرُ يَوْمٍ وفِيهِ تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مَعَ أنَّ عُسْرَ اليَوْمِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالإفادَةِ عَلَيْهِ، وظاهِرُ السِّياقِ قَصْدُهُ بِالإفادَةِ وجَعَلَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ هَذِهِ الآيَةَ مِن قَبِيلِ ما اتَّحَدَ فِيهِ الشَّرْطُ والجَزاءُ نَحْوَ: ««مَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهَجَرَتْهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ» إذْ جَعَلَ الإشارَةَ إلى وقْتِ النَّقْرِ وقالَ: إنَّ في ذَلِكَ مَعَ ضَمِّ التَّكْرِيرِ دَلالَةً عَلى التَّنْبِيهِ عَلى الخَطْبِ الجَلِيلِ والأمْرِ العَظِيمِ وفِيهِ نَظَرٌ وفائِدَةٌ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أيْ سَهْلٍ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَسِيرٌ﴾ تَأْكِيدُ عُسْرِهِ عَلى الكافِرِينَ فَهو يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ عَسِيرًا عَلَيْهِمْ مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ يُشْعِرُ بِتَيَسُّرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ كَأنَّهُ قِيلَ:

عَسِيرٌ عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ عَلَيْهِمْ كَما هو يَسِيرٌ عَلى أضَّدادِهِمُ المُؤْمِنِينَ، فَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ وعِيدِ الكافِرِينَ وزِيادَةِ غَيْظِهِمْ وبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ وتَسْلِيَتِهِمْ ولا يَتَوَقَّفُ هَذا عَلى تَعَلُّقٍ عَلى الكافِرِينَ بِيَسِيرٍ، نَعَمُ الأمْرُ عَلَيْهِ أظْهَرُ كَما لا يَخْفى ثُمَّ مَعَ هَذا لا يَخْلُو قَلْبُ المُؤْمِنِ مِنَ الخَوْفِ. أخْرَجَ ابْنُ سَعِيدٍ والحاكِمُ عَنْ بِهْزِ بْنِ حَكِيمٍ قالَ:

أمَّنا زُرارَةُ بْنُ أوْفى فَقَرَأ المُدَّثِّرَ فَلَّما بَلَغَ ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ خَرَّ مَيِّتًا فَكُنْتُ فِيمَن حَمَلَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ الصُّوَرِ قَدِ التَقَمَ القَرْنَ وحَنى جَبْهَتَهُ يَسْتَمِعُ مَتّى يُؤْمَرُ. قالُوا كَيْفَ نَقُولُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: قُولُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ وعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا»

واخْتُلِفَ في أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الوَقْتِ يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى أوْ يَوْمُ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ورُجِّحَ أنَّهُ يَوْمُ الثّانِيَةِ لِأنَّهُ الَّذِي يَخْتَصُّ عُسْرُهُ بِالكافِرِينَ، وأمّا وقْتُ النَّفْخَةِ الأُولى فَحُكْمُهُ الَّذِي هو الإصْعاقُ يَعُمُّ البَرَّ والفاجِرَ وهو عَلى المَشْهُورِ مُخْتَصٌّ بِمَن كانَ حَيًّا عِنْدَ وُقُوعِ النَّفْخَةِ.

74:11Page 575

ذَرۡنِي وَمَنۡ خَلَقۡتُ وَحِيدٗا ١١

Leave Me with the one I created alone1

﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِمْ، بَلْ قِيلَ كَوْنُها فِيهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وهو يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ لَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً إذْ لَمْ يَكُنْ أمْرُ الوَلِيدِ وما اقْتَضى نُزُولَ الآيَةِ فِيهِ في بَدْءِ البِعْثَةِ فَلا تَغْفُلْ ( ووَحِيدًا ) حالٌ إمّا مِنَ الياءِ في ( ذَرْنِي ) وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْ ذَرْنِي وحْدِي مَعَهُ فَأنا أُغْنِيكَ في الِانْتِقامِ عَنْ كُلِّ مُنْتَقِمٍ أوْ مِنَ التّاءِ في ( خَلَقْتُ ) أيْ خَلْقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي في خَلْقِهِ أحَدٌ فَأنا أُهْلِكُهُ لا أحْتاجُ إلى ناصِرٍ

صفحة 122

فِي إهْلاكِهِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى ( مَن ) عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانٍ أيْ ومَن خَلَقْتُهُ وحِيدًا فَرِيدًا لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِأذَمَّ ونَحْوِهِ فَقَدْ كانَ الوَلِيدُ يُلَقَّبُ في قَوْمِهِ بِالوَحِيدِ فَتَهَكَّمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وبِلَقَبِهِ أوْ صَرَفَهُ عَنِ الغَرَضِ الَّذِي كانُوا يَؤُمُّونَهُ مِن مَدْحِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ إلى جِهَةِ ذَمِّهِ وعَيْبِهِ فَأرادَ سُبْحانَهُ وحِيدًا في الخُبْثِ والشَّرارَةِ أوْ وحِيدًا عَنْ أبِيهِ لِأنَّهُ كانَ دَعِيًّا لَمْ يُعْرَفْ نَسَبُهُ لِلْمُغَيِّرَةِ حَقِيقَةً كَما مَرَّ في سُورَةِ نُونٍ.

74:12Page 575

وَجَعَلۡتُ لَهُۥ مَالٗا مَّمۡدُودٗا ١٢

And to whom I granted extensive wealth

﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ مَبْسُوطًا كَثِيرًا أوْ مَمْدُودًا بِالنِّساءِ مِن مَدَّ النَّهْرُ ومَدَّهُ نَهْرٌ آخَرُ وقِيلَ كانَ لَهُ الضَّرْعُ والزَّرْعُ والتِّجارَةُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو ما كانَ لَهُ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ مِنَ الإبِلِ والنِّعَمِ والجَنانِ والعَبِيدِ وقِيلَ كانَ لَهُ بُسْتانٌ بِالطّائِفِ لا تَنْقَطِعُ ثِمارُهُ صَيْفًا وشِتاءً. وقالَ النُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ المالُ المَمْدُودُ هو الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ المُسْتَغِلُّ الَّذِي يَجْبِي شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ فَهو مَمْدُودٌ لا يَنْقَطِعُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ كانَ لَهُ ألْفُ دِينارٍ. وعَنْ قَتادَةَ سِتَّةُ آلافِ دِينارٍ وقِيلَ تِسْعَةُ آلافِ دِينارٍ. وعَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ رِوايَتانِ أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ وألْفُ ألْفِ دِينارٍ وهَذِهِ الأقْوالُ إنْ صَحَّتْ لَيْسَ المُرادُ بِها تَعْيِينَ المالِ المَمْدُودِ وأنَّهُ مَتى أُطْلِقَ يُرادُ بِهِ ذَلِكَ بَلْ بَيانُ أنَّهُ كانَ بِالنِّسْبَةِ إلى المُحَدِّثِ عَنْهُ كَذا.

74:13Page 575

وَبَنِينَ شُهُودٗا ١٣

And children present [with him]

﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ حُضُورًا مَعَهُ بِمَكَّةَ يَتَمَتَّعُ بِمُشاهَدَتِهِمْ لا يُفارِقُونَهُ لِلتَّصَرُّفِ في عَمَلٍ أوْ تِجارَةٍ لِكَوْنِهِمْ مَكْفِيِّينَ لِوُفُورِ نِعَمِهِمْ وكَثْرَةِ خَدَمِهِمْ أوْ حُضُورًا في الأنْدِيَةِ والمَحافِلِ لِوَجاهَتِهِمْ واعْتِبارِهِمْ أوْ تُسْمَعُ شَهاداتُهم فِيما يُتَحاكَمُ فِيهِ واخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ فَعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم عَشْرَةٌ وقِيلَ ثَلاثَةَ عَشَرَ وقِيلَ سَبْعَةٌ كُلُّهم رِجالٌ الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ وخالِدٌ وهِشامٌ وقَدْ أسْلَمَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ والعاصُ وقَيْسٌ وعَبْدُ شَمْسٍ وعِمارَةُ واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ فِيهِ أنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أوْ قَتَلَهُ النَّجاشِيُّ لِجِنايَةٍ نُسِبَتْ إلَيْهِ في حَرَمِ المَلِكِ والرِّوايَتانِ مُتَّفِقَتانِ عَلى أنَّهُ قُتِلَ كافِرًا ورِوايَةُ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ مُقاتِلٍ إسْلامُهُ لا تَصِحُّ ونَصَّ ابْنُ حَجَرٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ وقَدْ وقَعَ في هَذا الغَلَطِ صاحِبُ الكَشّافِ وتَبِعَهُ فِيهِ مَن تَبِعَهُ، والعَجَبُ أيْضًا أنَّهم لَنْ يَذْكُرُوا الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ فِيمَن أسْلَمَ مَعَ أنَّ المُحَدِّثِينَ عَنْ آخِرِهِمْ أطْبَقُوا عَلى إسْلامِهِ.

74:14Page 575

وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمۡهِيدٗا ١٤

And spread [everything] before him, easing [his life].

﴿ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ بَسَطْتُ لَهُ الرِّياسَةَ والجاهَ العَرِيضَ فَأتْمَمْتُ عَلَيْهِ نِعْمَتَيِ الجاهِ والمالِ واجْتِماعُهُما هو الكَمالُ عِنْدَ أهْلِ الدُّنْيا، وأصْلُ التَّمْهِيدِ التَّسْوِيَةُ والتَّهْيِئَةُ وتُجُوِّزَ بِهِ عَنْ بَسْطَةِ المالِ والجاهِ وكانَ لِكَثْرَةِ غِناهُ ونَضارَةِ حالِهِ الرّائِقَةِ في الأعْيُنِ مَنظَرًا ومَخْبَرًا يُلَقَّبُ رَيْحانَةَ قُرَيْشٍ. وكَذا كانُوا يُلَقِّبُونَهُ بِالتَّوْحِيدِ بِمَعْنى المُنْفَرِدِ بِاسْتِحْقاقِ الرِّياسَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَّعْتُ لَهُ ما بَيْنَ اليَمَنِ إلى الشّامِ. وعَنْ مُجاهِدٍ مَهَّدْتُ لَهُ المالَ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَما يُمَهَّدُ الفِراشُ.

74:15Page 575

ثُمَّ يَطۡمَعُ أَنۡ أَزِيدَ ١٥

Then he desires that I should add more.

﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ عَلى ما أدَّيْتُهُ وهو اسْتِبْعادٌ واسْتِنْكارٌ لِطَمَعِهِ وحِرْصِهِ إمّا لِأنَّهُ في غِنًى تامٍّ لا مَزِيدَ عَلى ما أُوتِيَ سِعَةً وكَثْرَةً أوْ لِأنَّهُ مُنافٍ لِما هو عَلَيْهِ مِن كُفْرانِ النِّعَمِ ومُعانِدَةِ المُنَعِمِ. وعَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ ( إلّا ) لِي واسْتِعْمالُ ﴿ثُمَّ﴾ لِلِاسْتِبْعادِ كَثِيرٌ قِيلَ وهو غَيْرُ التَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ بَلْ عَدُّ الشَّيْءِ بَعِيدًا غَيْرُ مُناسِبٍ لِما عُطِفَ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ تُسِيءُ إلَيَّ ثُمَّ تَرْجُو إحْسانِي.

وكانَ ذَلِكَ لِتَنْزِيلِ البُعْدِ المَعْنَوِيِّ مَنزِلَةَ البُعْدِ الزَّمانِيِّ.

74:16–17Page 575

كـَلَّآۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِأٓيَٰتِنَا عَنِيدٗا ١٦

No! Indeed, he has been toward Our verses obstinate.

سَأُرۡهِقُهُۥ صَعُودًا ١٧

I will cover him with arduous torment.

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ لَهُ عَنْ طَمَعِهِ الفارِغِ وقَطْعٌ لِرَجائِهِ الخائِبِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانًا لِتَعْلِيلِ ما قَبْلُ كَأنَّهُ قِيلَ لِمَ زُجِرَ عَنْ طَلَبِ المَزِيدِ وما وجْهُ عَدَمِ لِياقَتِهِ فَقِيلَ إنَّهُ كانَ مُعانِدًا لِآياتِ المُنْعِمِ وهي دَلائِلُ تَوْحِيدِهِ أوِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ حَيْثُ قالَ فِيها ما قالَ والمُعانَدَةُ تُناسِبُ الإزالَةَ وتَمْنَعُ مِنَ الزِّيادَةِ قالَ مُقاتِلٌ: ما زالَ الوَلِيدُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نَقْصٍ مِن مالِهِ ووَلَدِهِ حَتّى هَلَكَ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ سَأُغْشِيهِ عَقَبَةً شاقَّةَ المِصْعَدِ وهو مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الشّاقِّ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ شَبَّهَ ما يَسُوقُهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنَ المَصائِبِ وأنْواعِ المَشاقِّ بِتَكْلِيفِ الصُّعُودِ في الجِبالِ الوَعِرَةِ

صفحة 123

الشّاقَّةِ وأطْلَقَ لَفْظَهُ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ

ورَوى أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: «اَلصُّعُودُ جَبَلٌ مِن نارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي فِيهِ كَذَلِكَ أبَدًا»

وعَنْهُ ﷺ: «يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَ عَقَبَةً في النّارِ كُلَّما وضَعَ عَلَيْها يَدَهُ ذابَتْ وإذا رَفَعَها عادَتْ وإذا وضَعَ رِجْلَهُ ذابَتْ فَإذا رَفَعَها عادَتْ» .

74:18Page 576

إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ١٨

Indeed, he thought and deliberated.1

﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْوَعِيدِ واسْتِحْقاقِهِ لَهُ أوْ بَيانٌ لِعِنادِهِ لِآياتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَكُونُ جُمْلَةً مُفَسِّرَةً لِذَلِكَ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وقِيلَ الجُمْلَةُ عَلَيْهِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ أيْ إنَّهُ فَكَّرَ ماذا يَقُولُ في شَأْنِ القُرْآنِ وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَقُولُ.

74:19Page 576

فَقُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ ١٩

So may he be destroyed [for] how he deliberated.

﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ تَعْجِيبٌ مِن تَقْدِيرِهِ وإصابَتِهِ فِيهِ المَحْزُو رَمْيُهُ الغَرَضَ الَّذِي كانَ يُنْتِجُهُ قُرَيْشٌ فَهو نَظِيرُ ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [اَلتَّوْبَةِ: 30، المُنافِقُونَ: 4] أوْ ثَناءٌ عَلَيْهِ تَهَكُّمًا عَلى نَحْوِ قاتَلَهُ اللَّهُ ما أشْجَعَهُ أوْ حِكايَةٌ لِما كَرَّرُوهُ عَلى سَبِيلِ الدُّعاءِ عِنْدَ سَماعِ كَلِمَتِهِ الحَمْقاءِ فالعَرَبُ تَقُولُ قَتْلَهُ اللَّهُ ما أشْجَعَهُ وأخْزاهُ اللَّهُ ما أشْعَرَهُ يُرِيدُونَ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ المَبْلَغَ الَّذِي هو حَقِيقٌ بِأنْ يُحْسَدَ ويَدْعُوَ عَلَيْهِ حاسِدُهُ بِذَلِكَ وما لَهُ عَلى ما قِيلَ إلى الأوَّلِ وإنِ اخْتَلَفَ الوَجْهُ رُوِيَ «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ فَقالَ: يا عَمِّ إنَّ قَوَّمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا فَيُعْطُوكَهُ فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتُصِيبَ مِمّا عِنْدَهُ قالَ قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا قالَ فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أنَّكٌ مُنْكِرٌ لَهُ وأنَّكَ كارِهٌ لَهُ قالَ وماذا أقُولُ فَوَ اللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمُ بِالشِّعْرِ مِنِّي لا بِرَجَزِهِ ولا بِقَصِيدِهِ ولا بِأشْعارِ الجِنِّ واَللَّهِ ما يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِن هَذا وواللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُهُ حَلاوَةً وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ مُغْدِقٌ أسْفَلُهُ وإنَّهُ لِيَعْلُو ولا يُعْلى وإنَّهُ لِيَحْطِمُ ما تَحْتَهُ قالَ: لا يَرْضى عَنْكَ قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ قالَ: دَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما هو ( إلّا ) سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَعَجِبُوا بِذَلِكَ» .

وقالَ مُحْيِي السُّنَّةِ «لَما نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ - إلى قَوْلِهِ تَعالى- ﴿المَصِيرُ﴾ [غافِرٍ: 1- 3] قامَ النَّبِيُّ ﷺ في المَسْجِدِ والوَلِيدُ قَرِيبٌ مِنهُ يَسْمَعُ قِراءَتَهُ، فَلَمّا فَطِنَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِاسْتِماعِهِ أعادَ القِراءَةَ فانْطَلَقَ الوَلِيدُ إلى مَجْلِسِ قَوْمِهِ بَنِي مَخْزُومٍ فَقالَ: واَللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن مُحَمَّدٍ آنِفًا كَلامًا ما هو مِن كَلامِ الإنْسِ ولا مِن كَلامِ الجِنِّ إنَّ لَهُ لِحَلاوَةً وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّ أعْلاهُ لَمُثْمِرٌ وإنَّ أسْفَلَهُ لِمُغْدِقٌ. وإنَّهُ لِيَعْلُو وما يُعْلى. فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ واَللَّهِ الوَلِيدُ واَللَّهِ لِتَصْبَأنَّ قُرَيْشٌ كُلُّهم فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أنا أكْفِيكُمُوهُ فَقَعَدَ إلَيْهِ حَزِينًا وكَلَّمَهُ بِما أحْماهُ فَقامَ فَأتاهم فَقالَ: تَزْعُمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ فَهَلْ رَأيْتُمُوهُ يُخْنَقُ، وتَقُولُونَ إنَّهُ كاهِنٌ فَهَلْ رَأيْتُمُوهُ قَطُّ يَتَكَهَّنُ، وتَزْعُمُونَ أنَّهُ شاعِرٌ فَهَلْ رَأيْتُمُوهُ يَتَعاطى شِعْرًا، وتَزْعُمُونَ أنَّهُ كَذّابٌ فَهَلْ جَرَّبْتُمْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الكَذِبِ؟ فَقالُوا في كُلِّ ذَلِكَ اللَّهُمَّ لا، ثُمَّ قالُوا فَما هُوَ؟ فَفَكَّرَ فَقالَ: ما هو ( إلّا ) ساحِرٌ أما رَأيْتُمُوهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وأهْلِهِ ووَلَدِهِ ومَوالِيهِ وما الَّذِي يَقُولُهُ ( إلّا ) سِحْرٌ يَأْثُرُهُ عَنْ مُسَيْلَمَةَ وعَنْ أهْلِ بابِلَ فارْتَجَّ النّادِي فَرَحًا وتَفَرَّقُوا مُعْجَبِينَ بِقَوْلِهِ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ» .

74:20Page 576

ثُمَّ قُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ ٢٠

Then may he be destroyed [for] how he deliberated.

﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْمُبالِغَةِ كَما هو مُعْتادٌ مِن أُعْجِبَ غايَةَ الإعْجابِ والعَطْفُ بِ ﴿ثُمَّ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى تَفاوُتِ الرُّتْبَةِ وإنَّ الثّانِيَةَ أبْلَغُ مِنَ الأُولى فَكَأنَّهُ قِيلَ قُتِلَ بِنَوْعٍ ما مِنَ القَتْلِ لا بَلْ قُتِلَ بِأشَدِّهِ وأشَدِّهِ، ولِذا ساغَ العَطْفُ فِيهِ مَعَ أنَّهُ تَأْكِيدٌ ونَحْوُهُ ما في قَوْلِهِ:

ومالِي مِن ذَنْبِ إلَيْهِمْ عَلِمْتُهُ سِوى أنَّنِي قَدْ قُلْتُ يا سَرْحَةُ اسْلَمِي

ألا يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ∗∗∗ ثَلاثُ تَحِيّاتٍ وإنْ لَمْ تَكَلَّمِي

والإطْراءُ في الإعْجابِ بِتَقْدِيرِهِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ التَّهَكُّمِ بِهِ وبِمَن فَرِحَ بِمَحْصُولِ تَفْكِيرِهِ. وقالَ الرّاغِبُ في غُرَّةِ التَّنْزِيلِ: كانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ لَمّا سُئِلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَدَّرَ ما أتى بِهِ مِنَ القُرْآنِ فَقالَ: إنْ قُلْنا شاعِرٌ كَذَّبَتْنا العَرَبُ إذا عَرَضَتْ ما أتى بِهِ عَلى الشِّعْرِ وكانَ يَقْصِدُ بِهَذا التَّقْدِيرِ تَكْذِيبَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ

صفحة 124

وسَلَّمَ بِضَرْبٍ مِنَ الِاحْتِيالِ فَلِذَلِكَ كانَ كُلُّ تَقْدِيرٍ مُسْتَحِقًّا لِعُقُوبَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى هي كالقَتْلِ إهْلاكًا لَهُ فالأوَّلُ لِتَقْدِيرِهِ عَلى الشِّعْرِ أيْ أُهْلِكَ إهْلاكَ المَقْتُولِ كَيْفَ قَدَّرَ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لِتَقْدِيرِهِ الآخَرِ فَإنَّهُ قَدَّرَ أيْضًا. وقالَ: فَإنِ ادَّعَيْنا أنَّ ما أتى بِهِ مِن كَلامِ الكَهَنَةِ كَذَّبَتْنا العَرَبُ إذا رَأوْا هَذا الكَلامَ مُخالِفًا لِكَلامِ الكُهّانِ فَهو في تَقْدِيرِهِ لَهُ عَلى كَلامِ الكَهَنَةِ مُسْتَحَقٌّ مِنَ العُقُوبَةِ لِما هُوَ

كالقَتْلِ إهْلاكًا لَهُ فَجاءَ ذَلِكَ لِهَذا فَلَمْ يَكُنْ في الإعادَةِ تَكْرارٌ والأوَّلُ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ جارُ اللَّهِ وجَعَلَ الدُّعاءَ اعْتِراضًا وقالَ عَلَيْهِ الطِّيبِي إنَّهُ لَيْسَ مِنَ الِاعْتِراضِ المُتَعارَفِ الَّذِي يَنْحَلُّ لِتَزْيِينِ الكَلامِ وتَقْرِيرِهِ لِأنَّ الفاءَ مانِعَةٌ مِن ذَلِكَ بَلْ هو مِن كَلامِ الغَيْرِ ووَقَعَ الفاءُ في تَضاعِيفِ كَلامِهِ فَأدْخَلَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ المُتَّصِلَيْنِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ ثُمَّ قالَ: وهو مُتَعَسِّفٌ وإنَّما سَلَكَهُ لِأنَّهُ جَعَلَ الدُّعاءَيْنِ مِن كَلامِ الغَيْرِ وأمّا إذا جُعِلا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى اسْتِهْزاءً كَما ذَكَرَ هو أوْ دُعاءً عَلَيْهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الرّاغِبُ وعَلَيْهِ تَفْسِيرُ الواحِدِيِّ عَلى ما قالَ، ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ النَّظْمِ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ﴾ أيْ عُذِّبَ ولُعِنَ ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ كَما يُقالُ لَأضْرِبَنَّهُ كَيْفَ صَنَعَ أيْ عَلى أيْ حالٍ كانَتْ مِنهُ لِتَكُونَ الأفْعالُ كُلُّها مُتَناسِقَةً مُرَتَّبَةً عَلى التَّفاوُتِ في التَّعْقِيبِ والتَّراخِي زَمانًا ورُتْبَةً كَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ كانَ أحْسَنَ وجاءَ النَّظْمُ عَلى السَّنَنِ المَأْلُوفِ مِنَ التَّنْزِيلِ إلى آخَرِ ما قالَ وما تَقَدَّمَ أبْعَدُ مَغْزى والِاعْتِراضُ مِنَ المُتَعارَفِ وهو يُؤَكِّدُ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ أحْسَنَ تَأْكِيدٍ والفاءُ غَيْرُ مانِعَةٍ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ جارُ اللَّهِ وغَيْرُهُ وجَعَلَ مِنَ الِاعْتِراضِ المَقْرُونِ بِها ( فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ ) [اَلنَّحْلِ: 43، الأنْبِياءِ: 7] ومِنهُ قَوْلُهُ:

واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ ∗∗∗ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قَدَّرا

وقَدْ حَقَّقَ أنَّهُ بِالحَقِيقَةِ نَتِيجَةٌ وقَعَتْ بَيْنَ أجْزاءِ الكَلامِ اهْتِمامًا بِشَأْنِها فَأفادَتْ فائِدَةَ الِاعْتِراضِ وعُدَّتْ مِنهُ، والِاعْتِراضُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ .

74:21–22Page 576

ثُمَّ نَظَرَ ٢١

Then he considered [again];

ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ٢٢

Then he frowned and scowled;

وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ لِلْعَطْفِ ( وثُمَّ ) فِيهِ وفِيما بَعْدُ عَلى مَعْناها الوَضْعِيِّ وهو التَّراخِي الزَّمانِيُّ مَعَ مُهْلَةٍ أيْ ثُمَّ فَكَّرَ في أمْرِ القُرْآنِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ فِيهِ مَطْعَنًا وضاقَتْ عَلَيْهِ الحِيَلُ ولَمْ يَدْرِ ماذا يَقُولُ وقِيلَ ثُمَّ نَظَرَ في وُجُوهِ القَوْمِ ثُمَّ قَطَّبَ وجْهَهُ وقِيلَ نَظَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَطَّبَ في وجْهِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وبَسَرَ﴾ أيْ أظْهَرَ العَبُوسَ قَبْلَ أوانِهِ وفي غَيْرِ وقْتِهِ فالبُسْرُ الِاسْتِعْجالُ بِالشَّيْءِ نَحْوَ بَسَرَ الرَّجُلُ لِحاجَةٍ طَلَبَها في غَيْرِ أوانِها وبَسَرَ الفَحْلُ النّاقَةَ ضَرَبَها قَبْلَ أنْ تَطْلُبَ وماءٌ بَسْرٌ مُتَناوَلٌ مِن غَدِيرِهِ قَبْلَ سُكُونِهِ وقِيلَ لِلْجُبْنِ الَّذِي يَنْكَأُ قَبْلَ النُّضْجِ بَسْرٌ ومِنهُ قِيلَ لَمّا لَمْ يُدْرِكْ مِنَ الثَّمَرِ بَسَرَ، وبِهَذا فَسَّرَهُ الرّاغِبُ هُنا وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِأشَدِّ العُبُوسِ مِن بَسَرَ إذا قَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَراهَةً لِلشَّيْءِ واسْوَدَّ وجْهُهُ مِنهُ، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى العُبُوسِ ومِنهُ قَوْلُ تَوْبَةَ:

قَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها

وقَوْلُ سَعْدٍ لَمّا أسْلَمْتُ راغَمَتْنِي أُمِّي فَكانَتْ تَلْقانِي مَرَّةً بِالبِشْرِ ومَرَّةً بِالبُسْرِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذِكْرُ( بَسَرَ ) كالتَّأْكِيدِ لِـ ﴿عَبَسَ﴾ ولَعَلَّهُ مُرادُ مَن قالَ اتِّباعٌ لَهُ وأهْلُ اليَمِينِ يَقُولُونَ بَسَرَ المَرْكَبُ وأبْسَرَ إذا وقَفَ ولَمْ أرَ مَن جَوَّزَ إرادَةَ ذاكَ هُنا ولَوْ عَلى بُعْدٍ وفي النَّفْسِ مِن ثُبُوتِ ذَلِكَ لُغَةً صَحِيحَةً تَوَقُّفٌ.

74:23–24Page 576

ثُمَّ أَدۡبَرَ وَٱسۡتَكۡبَرَ ٢٣

Then he turned back and was arrogant

فَقَالَ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ ٢٤

And said, "This is not but magic imitated [from others].

﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ أوْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿واسْتَكْبَرَ﴾ عَنِ اتِّباعِهِ ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أيْ يُرْوى ويُتَعَلَّمُ مِن سَحَرَةِ بابِلَ ونَحْوِهِمْ، وقِيلَ أيْ يُخْتارُ ويُرَجَّحُ عَلى غَيْرِهِ مِنَ السِّحْرِ ولَيْسَ بِمُخْتارٍ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الحَمْقاءَ لَمّا خَطَرَتْ بِبالِهِ تَفَوَّهَ بِها مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَلَبُّثٍ فَهي لِلتَّعْقِيبِ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ ولا مُخالَفَةٍ فِيهِ لِما مَرَّ مِنَ الرِّوايَةِ كَما لا يَخْفى.

74:25Page 576

إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا قَوۡلُ ٱلۡبَشَرِ ٢٥

This is not but the word of a human being."

وقَوْلُهُ ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ كالتَّأكُّدِ لِلْجُمْلَةِ الأُولى لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُما نَفِيُ كَوْنِهِ

صفحة 125

قُرْآنًا ومِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وإنِ اخْتَلَفا مَعْنًى ولِاعْتِبارِ الِاتِّحادِ في المَقْصُودِ لَمْ يَعْطِفْ عَلَيْها وأطْلَقَ بَعْضُهم عَلَيْهِ التَّأْكِيدَ مِن غَيْرِ تَشْبِيهٍ والأمْرُ سَهْلٌ وفي وصْفِ أشْكالِهِ الَّتِي تَشَكَّلَ بِها حَتّى اسْتَنْبَطَ هَذا القَوْلَ السَّخِيفَ اسْتِهْزاءً بِهِ وإشارَةً إلى أنَّهُ عَنِ الحَقِّ الأبْلَجِ بِمَعْزِلٍ ثُمَّ إنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِن تَتَبُّعِ أحْوالِ الوَلِيدِ أنَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ عِنادًا وحَمِيَّةً جاهِلِيَّةً لا جَهْلًا بِحَقِيقَةِ الحالِ وقَوْلُهُ تَعالى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском