Al-AlusiAl‑Muddaththir · 74:1–6

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

المدثر

Al-Muddaththir

The Cloaked One · Meccan · 56 ayahs

74:1Page 575

يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ ١

O you who covers himself [with a garment],1

سُورَةُ ( المُدَّثِّرِ )

مَكِّيَّةٌ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِإجْماعٍ وفي التَّحْرِيرِ قالَ مُقاتِلٌ ( إلّا ) آيَةً وهي ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً﴾ [اَلْمُدَّثِّرِ: 31] إلَخِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُشْعِرُ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [اَلْمُدَّثِّرِ: 30] مَدَنِيٌّ بِما فِيهِ وآيُها سِتٌّ وخَمْسُونَ في العِراقِيِّ والمَدَنِيِّ الأوَّلِ وخَمْسٌ وخَمْسُونَ في الشّامِيِّ والمَدَنِيِّ الأخِيرِ عَلى ما فُصِّلَ في مَحَلِّهِ، وهي مُتَواخِيَةٌ مَعَ السُّورَةِ قَبْلَها في الِافْتِتاحِ بِنِداءِ النَّبِيِّ ﷺ وصَدْرُ كِلَيْهِما نازِلٌ عَلى المَشْهُورِ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ وبُدِئَتْ تِلْكَ بِالأمْرِ بِقِيامِ اللَّيْلِ وهو عِبادَةٌ خاصَّةٌ وهَذِهِ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ وفِيهِ مِن تَكْمِيلِ الغَيْرِ ما فِيهِ.

ورَوى أُمِّيَّةُ الأزْدِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ وهو مِن عُلَماءِ التّابِعِينَ بِالقُرْآنِ أنَّ المُدَّثِّرَ نَزَلَتْ عَقِبَ المُزَّمِّلِ وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَعَلُوا ذَلِكَ مِن أسْبابِ وضْعِها بَعْدَها والظّاهِرُ ضَعْفُ هَذا القَوْلِ

فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وجَماعَةٌ «عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: سَألْتُ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أوَّلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فَقالَ:

يا أيُّها المُدَّثِّرُ، قُلْتُ: يَقُولُونَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [اَلْعَلَقِ: 1] فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ وقُلْتُ لَهُ مِثْلَ ما قُلْتَ فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُكَ ( إلّا ) ما حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءَ فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا ونَظَرْتُ عَنْ شَمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا ونَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءَ جالِسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَجَئِثْتُ مِنهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي فَنَزَلَتْ يا ﴿أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾» [اَلْمُدَّثِّرِ: 1- 3]

وفِي رِوايَةٍ «فَجِئْتُ أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ - إلى قَوْلِهِ- ﴿فاهْجُرْ﴾»

فَإنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ ولَوْ كانَتْ يا ﴿أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ هي النّازِلَةُ قَبْلُ فِيها لَذَكَرْتُ نَعَمْ ظاهِرُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي أنَّ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ نَزَلَ قَبْلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ والمَرْوِيُّ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ عائِشَةَ أنَّ ذاكَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِن قُرْآنٍ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ الأُمَّةِ حَتّى قالَ بَعْضُهم هو الصَّحِيحُ، ولِصِحَّةِ الخَبَرَيْنِ احْتاجُوا لِلْجَوابِ فَنَقَلَ في الإتْقانِ خَمْسَةَ أجْوِبَةٍ:

الأوَّلُ: أنَّ السُّؤالَ في حَدِيثِ جابِرٍ كانَ عَنْ نُزُولِ سُورَةٍ كامِلَةٍ فَبَيَّنَ أنَّ سُورَةَ المُدَّثِّرِ نَزَلَتْ بِكَمالِها قَبْلَ تَمامِ سُورَةِ ( اقْرَأْ ) فَإنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنها صَدْرُها.

الثّانِي: أنَّ مُرادَ جابِرٍ بِالأوَّلِيَّةِ أوَّلِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ بِما بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ لا أوَّلِيَّةً مُطْلَقَةً.

الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ أوَّلِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ، وعَبَّرَ بَعْضُهم عَنْ هَذا بِقَوْلِهِ أوَّلُ ما نَزَلَ لِلنُّبُوَّةِ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وأوَّلُ ما نَزَلَ لِلرِّسالَةِ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ .

الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ أوَّلُ ما نَزَلَ بِسَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ وهو ما وقَعَ مِنَ التَّدَثُّرِ النّاشِئِ عَنِ الرُّعْبِ وأمّا اقْرَأْ فَنَزَلَتِ ابْتِداءً بِغَيْرِ سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ.

الخامِسُ: أنَّ جابِرَ اسْتَخْرَجَ ذَلِكَ بِاجْتِهادِهِ ولَيْسَ هو مِن رِوايَتِهِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ ما رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ثُمَّ قالَ: وأحْسَنُ هَذِهِ الأجْوِبَةِ الأوَّلُ والأخِيرُ انْتَهى وفِيهِ نَظَرٌ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ أصْلُهُ المُتَدَثِّرُ فَأُدْغِمَ وهو عَلى الأصْلِ في حَرْفِ أُبِيٍّ مَن تَدَثَّرَ لَبِسَ الدِّثارَ بِكَسْرِ الدّالِ وهو ما فَوْقَ القَمِيصِ الَّذِي يَلِي البَدَنَ ويُسَمّى شِعارًا لِاتِّصالِهِ بِالبَشَرَةِ والشَّعْرِ. ومِنهُ

قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اَلْأنْصارُ شِعارٌ والنّاسُ دِثارٌ»

والتَّرْكِيبُ عَلى ما قِيلَ دائِرٌ مَعَ مَعْنى السَّتْرِ عَلى سَبِيلِ الشُّمُولِ كَأنَ الدِّثارَ سِتْرٌ بالِغٌ مَكْشُوفٌ نُودِيَ صَلّى اللَّهُ

صفحة 116

عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِن صِفَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها تَأْنِيسًا لَهُ ومُلاطَفَةً كَما سَمِعْتَ في ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ وتَدَثُّرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما سَمِعْتَ آنِفًا.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعامًا فَلَمّا أكَلُوا قالَ: ما تَقُولُونَ في هَذا الرَّجُلِ؟ فاخْتَلَفُوا ثُمَّ اجْتَمَعَ رَأْيُهم عَلى أنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَزِنَ وقَنِعَ رَأْسَهُ وتَدَثَّرَ أيْ كَما يَفْعَلُ المَغْمُومُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ - إلى قَوْلِهِ تَعالى- ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ .

وقِيلَ المُرادُ بِالمُدَّثِّرِ المُتَدَثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ والكِمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ عَلى مَعْنى المُتَحَلِّي بِها والمُتَزَيِّنِ بِآثارِها، وقِيلَ أُطْلِقَ ﴿المُدَّثِّرُ﴾ وأُرِيدَ بِهِ الغائِبُ عَنِ النَّظَرِ عَلى الِاسْتِعارَةِ والتَّشْبِيهِ فَهو نِداءٌ لَهُ بِما كانَ عَلَيْهِ في غارِ حِراءَ. وقِيلَ: الظّاهِرُ أنْ يُرادَ بِالمُدَّثِّرِ وكَذا بِالمُزَّمِّلِ الكِنايَةُ عَنِ المُسْتَرِيحِ الفارِغِ لِأنَّهُ في أوَّلِ البِعْثَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ مَضى زَمَنُ الرّاحَةِ وجاءَتْكَ المَتاعِبُ مِنَ التَّكالِيفِ وهِدايَةُ النّاسِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يُنافِي إرادَةَ الحَقِيقَةِ وأمْرَ التَّلْطِيفِ عَلى حالِهِ.

وقالَ بَعْضُ السّادَةِ أيْ يا أيُّها السّاتِرُ لِلْحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِدِثارِ الصُّورَةِ الآدَمِيَّةِ أوْ يا أيُّها الغائِبُ عَنْ أنْظارِ الخَلِيقَةِ فَلا يَعْرِفُكَ سِوى اللَّهِ تَعالى عَلى الحَقِيقَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِباراتِ، والكُلُّ إشارَةٌ إلى ما قالُوا في الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ مِن أنَّها حَقِيقَةُ الحَقائِقِ الَّتِي لا يَقِفُ عَلى كُنْهِها أحَدٌ مِنَ الخَلائِقِ وعَلى لِسانِها قالَ مَن قالَ:

وإنِّي وإنْ كُنْتُ ابْنَ آدَمَ صُورَةً فَلِي فِيهِ مَعْنًى شاهِدٌ بِأُبُوَّتِي

وأنَّها التَّعَيُّنُ الأوَّلُ وخازِنُ السِّرِّ المُقْفَلِ وأنَّها وأنَّها إلى أُمُورٍ هَيْهاتَ أنْ يَكُونَ لِلْعَقْلِ إلَيْها مُنْتَهى.

أعْيا الوَرى فَهم مَعْناهُ فَلَيْسَ يَرى ∗∗∗ في القُرْبِ والبُعْدِ مِنهُ غَيْرُ مُنْفَحِمِ

كالشَّمْسِ تَظْهَرُ لِلْعَيْنَيْنِ مِن بُعْدٍ ∗∗∗ صَغِيرَةً وتَكِلُ الطَّرْفَ مِن أمَمِ

وكَيْفَ يُدْرِكُ في الدُّنْيا حَقِيقَتَهُ ∗∗∗ قَوْمٌ نِيامٌ تَسَلُوا عَنْهُ بِالحُلْمِ

فَمَبْلَغُ العِلْمِ فِيهِ أنَّهُ بَشَرٌ ∗∗∗ وأنَّهُ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ كُلِّهِمِ

وقَرَأ عِكْرِمَةُ المُدَثِّرُ بِتَخْفِيفِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الثّاءِ المَكْسُورَةِ عَلى زِنَةِ الفاعِلِ وعَنْهُ أيْضًا المُدَثِّرُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ عَلى زِنَةِ المَفْعُولِ مِن دَثَّرَهُ وقالَ دَثَّرْتَ هَذا الأمْرَ وعَصَبَ بِكَ أيْ شَدَّ والمَعْنى أنَّهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ فالعَظائِمُ بِهِ مَنُوطَةٌ وأُمُورُ حَلِّها وعَقْدِها بِهِ مَرْبُوطَةٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ يا مَن تُوقَفُ أُمُورُ النّاسِ عَلَيْهِ لِأنَّهُ وسِيلَتُهم عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

74:2Page 575

قُمۡ فَأَنذِرۡ ٢

Arise and warn

﴿قُمْ﴾ مِن مَضْجَعِكَ أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ، وجَعَلَهُ أبُو حَيّانٍ عَلى هَذا المَعْنى مِن أفْعالِ الشُّرُوعِ كَقَوْلِهِمْ: قامَ زَيْدٌ يَفْعَلُ كَذا وقَوْلُهُ: عَلامَ قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ وقامَ بِهَذا المَعْنى مِن أخَواتٍ كادَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْفى بَعْدَهُ هُنا لِأنَّهُ اسْتِعْمالٌ غَيْرُ مَأْلُوفٍ ووُرُودُ الأمْرِ مِنهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ مَعَ احْتِياجِهِ إلى تَقْدِيرِ الخَبَرِ فِيهِ وكُلُّهُ تَعَسُّفٌ ﴿فَأنْذِرْ﴾ أيْ فافْعَلِ الإنْذارَ أوْ أحْدِثْهُ فَلا يُقْصَدُ مُنْذِرٌ مَخْصُوصٌ، وقِيلَ يُقَدَّرُ المَفْعُولُ خاصًّا أيْ فَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ لِمُناسَبَتِهِ لِابْتِداءِ الدَّعْوَةِ في الواقِعِ، وقِيلَ يُقَدَّرُ عامًّا أيْ فَأنْذِرْ جَمِيعَ النّاسِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [سَبَأٍ: 28] ولَمْ يَقُلْ هُنا وبَشِّرْ لِأنَّهُ كانَ في ابْتِداءِ النُّبُوَّةِ والإنْذارُ هو الغالِبُ إذْ ذاكَ أوْ هو اكْتِفاءٌ لِأنَّ الإنْذارَ يَلْزَمُهُ التَّبْشِيرُ وفي هَذا الأمْرِ بَعْدَ ذَلِكَ النِّداءِ إشارَةٌ عِنْدَ بَعْضِ السّادَةِ إلى مَقامِ الجِلْوَةِ بَعْدَ الخَلْوَةِ. قالُوا: وإلَيْهِما الإشارَةُ أيْضًا في حَدِيثِ: «كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأحْبَبْتُ أنْ أُعْرَفَ» إلَخِ.

74:3Page 575

وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ ٣

And your Lord glorify

﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ واخْصُصْ رَبَّكَ بِالتَّكْبِيرِ وهو وصْفُهُ تَعالى بِالكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ اعْتِقادًا وقَوْلًا.

ويُرْوى أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اَللَّهُ أكْبَرُ» فَكَبَّرَتْ خَدِيجَةُ وفَرِحَتْ وأيْقَنَتْ أنَّهُ الوَحْيُ»

وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ لا يَأْمُرُ بِذَلِكَ والأمْرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ﷺ غَنِيٌّ عَنِ الِاسْتِدْلالِ وجَوَّزَ أنْ يُحْمَلَ عَلى تَكْبِيرِ الصَّلاةِ

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ إذا دَخَلْنا في

صفحة 117

الصَّلاةِ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ فَأمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَفْتَحَ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِيرِ»

. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ كانَ حَيْثُ لا صَلاةَ أصْلًا فَهَذا الخَبَرُ إنْ صَحَّ مُؤَوَّلٌ والفاءُ هُنا وفِيما بَعْدُ لِإفادَةِ مَعْنى الشَّرْطِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ أيْ أيُّ شَيْءِ حَدَثَ فَلا تَدَعْ تَكْبِيرَهُ عَزَّ وجَلَّ، فالفاءُ جَزائِيَّةٌ وهي لِكَوْنِها عَلى ما قِيلَ مُزَحْلَقَةٌ لا يَضُرُّ عَمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها وقِيلَ إنَّها دَخَلَتْ في كَلامِهِمْ عَلى تَوَهُّمِ شَرْطٍ فَلَمّا لَمْ تَكُنْ في جَوابِ شَرْطٍ مُحَقَّقٍ كانَتْ في الحَقِيقَةِ زائِدَةً فَلَمْ يَمْتَنِعْ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ ما بَعْدَها عَلَيْها لِذَلِكَ ثُمَّ إنَّ في ذِكْرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ الأمْرِ السّابِقِ مُقَدَّمَةً عَلى سائِرِ الجُمَلِ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ التَّكَبُّرِ وإيماءٌ عَلى ما قِيلَ إلى أنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ مِنَ الأمْرِ بِالقِيامِ أنْ يُكَبِّرَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ ويُنَزِّهَهُ مِنَ الشِّرْكِ، فَإنَّ أوَّلَ ما يَجِبُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ تَنْزِيهُهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ والكَلامُ عَلَيْهِ مِن بابِ: إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ وقَدْ يُقالُ: لَعَلَّ ذِكْرَ هَذِهِ الجُمْلَةِ كَذَلِكَ مُسارَعَةٌ لِتَشْجِيعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الإنْذارِ وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِما سِواهُ عَزَّ وجَلَّ حَيْثُ تَضَمَّنَتِ الإشارَةَ إلى أنَّ نَواصِي الخَلائِقِ بِيَدِهِ تَعالى وكُلَّ ما سِواهُ مَقْهُورٌ تَحْتَ كِبْرِيائِهِ تَعالى وعَظَّمَتِهِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُرْهَبَ ( إلّا ) مِنهُ ولا يُرْغَبَ ( إلّا ) فِيهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ قُمْ فَأنْذِرْ واخْصُصْ رَبَّكَ بِالتَّكْبِيرِ فَلا يَصُدَّنَكَ شَيْءٌ عَنِ الإنْذارِ فَتَدَبَّرْ.

74:4Page 575

وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ ٤

And your clothing purify

﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ تَطْهِيرُ الثِّيابِ كِنايَةٌ عَنْ تَطْهِيرِ النَّفْسِ عَمّا تُذَمُّ بِهِ مِنَ الأفْعالِ وتَهْذِيبُها عَمّا يُسْتَهْجَنُ مِنَ الأحْوالِ لِأنَّ مَن لا يَرْضى بِنَجاسَةٍ ما يَماسُّهُ كَيْفَ يَرْضى بِنَجاسَةِ نَفْسِهِ يُقالُ: فُلانٌ طاهِرُ الثِّيابِ نَقِيُّ الذَّيْلِ والأرْدانِ إذا وُصِفَ بِالنَّقاءِ مِنَ المَعايِبِ ومَدانِسِ الأخْلاقِ، ويُقالُ: فُلانٌ دَنِسُ الثِّيابِ وكَذا دَسِمُ الثِّيابِ لِلْغادِرِ ولِمَن قَبُحَ فِعْلُهُ ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

ويَحْيى ما يُلامُ بِسُوءِ خُلُقٍ ويَحْيى طاهِرُ الأثْوابِ حُرٌّ

ومِنَ الثّانِي قَوْلُهُ:

=

لا هم إنَّ عامِرَ بْنَ جَهْمٍ ∗∗∗ أوْ ذَمَّ حَجًّا في ثِيابِ دَسِمِ

وكَلِماتُ جُمْهُورِ السَّلَفِ دائِرَةٌ عَلى نَحْوِ هَذا المَعْنى في الآيَةِ الكَرِيمَةِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ فِيها يَقُولُ طَهِّرْها مِنَ المَعاصِي وهي كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ كانَتِ العَرَبُ إذا نَكَثَ الرَّجُلُ ولَمْ يَفِ بِعَهْدٍ قالُوا إنَّ فُلانًا لِدَنَسُ الثِّيابِ وإذا وفى وأصْلَحَ قالُوا: إنَّ فُلانًا لِطاهِرُ الثِّيابِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مالِكٍ أنَّهُ قالَ فِيها عَنى نَفْسَهُ، وأخْرَجَ هو وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: أيْ وعَمَلَكَ فَأصْلِحْ ونَحْوَهُ عَنْ أبِي رَزِينٍ والسُّدِّيِّ. وأخْرَجَ هو أيْضًا وجَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أيْ مِنَ الإثْمِ. وفي رِوايَةٍ مِنَ الغَدْرِ أيْ لا تَكُنْ غَدّارًا وفي رِوايَةِ جَماعَةٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فَقالَ لا تَلْبَسْها عَلى غَدْرَةٍ ولا فَجَرَةَ ثُمَّ قالَ ألا تَسْمَعُونَ قَوْلَ غِيلانَ بْنِ سَلَمَةَ:

فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ

ونَحْوَهُ عَنِ الضِّحاكِ وابْنِ جُبَيْرٍ وعَنِ الحَسَنِ والقُرْطُبِيِّ أيْ وخُلُقَكَ فَحَسِّنْ، وأنْشَدُوا لِلْكِنايَةِ عَنِ النَّفْسِ بِالثِّيابِ قَوْلَ عَنْتَرَةَ:

فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ

وفِي رِوايَةٍ عَنِ الحَبْرِ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ كَنّى بِالثِّيابِ عَنِ القَلْبِ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

فَإنْ تَكُ قَدْ ساءَتْكَ مِنِّي خَلِيقَةٌ ∗∗∗ فَسَلِي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ

وقِيلَ كَنّى بِها عَنِ الجِسْمِ كَما في قَوْلِ لَيْلى وقَدْ ذَكَرَتْ إبِلًا رَكِبَها قَوْمٌ وذَهَبُوا بِها:

رَمَوْها بِأثْوابٍ خِفافٍ فَلا نَرى ∗∗∗ لَها شَبَهًا ( إلّا ) النَّعامَ المُنَفَّرا

وطَهارَةُ الجِسْمِ قَدْ يُرادُ بِها أيْضًا نَحْوُ ما تَقَدَّمَ. ومُناسِبَةُ هَذِهِ المَعانِي لِمَقامِ الدَّعْوَةِ مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ وقِيلَ عَلى كَوْنِ تَطْهِيرِ الثِّيابِ كِنايَةً عَمّا مَرَّ يَكُونُ ذَلِكَ أمْرًا بِاسْتِكْمالِ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ

صفحة 118

بَعْدَ الأمْرِ بِاسْتِكْمالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ والدُّعاءِ إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهُ أمْرٌ لَهُ ﷺ بِالتَّخَلُّقِ بِالأخْلاقِ الحَسَنَةِ المُوجِبَةِ لِقَبُولِ الإنْذارِ بَعْدَ أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَخْصِيصِهِ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِالتَّكْبِيرِ الَّذِي رُبَّما يُوهِمُ إباءَهُ خَفْضَ الجَناحِ لِما سِواهُ عَزَّ وجَلَّ واقْتِضاءَهُ عَدَمَ المُبالاةِ والِاكْتِراثِ بِمَن كانَ فَضْلًا عَنْ أعْداءِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا فَكانَ ذِكْرُهُ لِدَفْعِ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ، وقِيلَ عَلى تَفْسِيرِ المُدَّثِّرِ بِالتَّدَثُّرِ بِالنُّبُوَّةِ والكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ المَعْنى طُهْرُ دِثاراتِ النُّبُوَّةِ وآثارِها وأنْوارِها السّاطِعَةِ مِن مِشْكاةِ ذاتِكِ عَمّا يُدَنِّسُها مِنَ الحِقْدِ والضَّجَرِ وقِلَّةِ الصَّبْرِ، وقِيلَ الثِّيابُ كِنايَةٌ عَنِ النِّساءِ كَما قالَ تَعالى ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 187] وتَطْهِيرُهُنَّ مِنَ الخَطايا والمَعايِبِ بِالوَعْظِ والتَّأْدِيبِ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [اَلتَّحْرِيمِ: 6] .

وقِيلَ تَطْهِيرُهُنَّ اخْتِيارُ المُؤْمِناتِ العَفائِفِ مِنهُنَّ وقِيلَ وطْؤُهُنَّ في القُبُلِ لا في الدُّبُرِ وفي الطُّهْرِ لا في الحَيْضِ حَكاهُ ابْنُ بَحَرٍ وأصْلُ القَوْلِ فِيما أرى بَعِيدٌ عَنِ السِّياقِ ثُمَّ رَأيْتُ الفَخْرَ صَرَّحَ بِذَلِكَ وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّ الثِّيابَ عَلى حَقِيقَتِها فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: أيِ اغْسِلْها بِالماءِ إنْ كانَتْ مُتَنَجِّسَةً ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ومِن هُنا ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى وُجُوبِ غَسْلِ النَّجاسَةِ مِن ثِيابِ المُصَلِّي وأُمِرَ ﷺ بِذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مُخالَفَةً لِلْمُشْرِكِينَ لِأنَّهم ما كانُوا يَصُونُونَ ثِيابَهم عَنِ النَّجاساتِ.

وقِيلَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ ﷺ سَلا شاةٍ فَشَقَّ عَلَيْهِ فَرَجَعَ إلى بَيْتِهِ حَزِينًا فَتَدَثَّرَ فَقِيلَ لَهُ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ ولا تَمْنَعَنَّكَ تِلْكَ السَّفاهَةُ عَنِ الإنْذارِ ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عَنْ أنْ لا يَنْتَقِمُ مِنهم ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عَنْ تِلْكَ النَّجاساتِ والقاذُوراتِ وإرادَةُ التَّطْهِيرِ مِنَ النَّجاسَةِ لِلصَّلاةِ بِدُونِ مُلاحَظَةِ قِصَّةٍ قِيلَ خِلافُ الظّاهِرِ ولا تُناسِبُ الجُمْلَةَ عَلَيْها ما قَبْلَها ( إلّا ) عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالتَّكْبِيرِ التَّكْبِيرُ لِلصَّلاةِ وبَعْضُ مَن فَسَّرَ الثِّيابَ بِالجِسْمِ جَوَّزَ إبْقاءَ التَّطْهِيرِ عَلى حَقِيقَتِهِ. وقالَ أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالتَّنْظِيفِ وقْتَ الِاسْتِنْجاءِ لِأنَّ العَرَبَ ما كانُوا يُنَظِّفُونَ أجْسامَهم أيْضًا عَنِ النَّجاسَةِ وكانَ كَثِيرٌ مِنهم يَبُولُ عَلى عَقِبِهِ وقالَ بَعْضٌ الأمْرُ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ فَإنَّ تَطْهِيرَ ما لَيْسَ بِطاهِرٍ مِنَ الثِّيابِ واجِبٌ في الصَّلاةِ ومَحْبُوبٌ في غَيْرِها، وقِيلَ تَطْهِيرُها تَقْصِيرُها وهو أيْضًا أمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِرَفْضِ عاداتِ العَرَبِ المَذْمُومَةِ فَقَدْ كانَتْ عادَتُهم تَطْوِيلَ الثِّيابِ وجَرَّهُمُ الذُّيُولَ عَلى سَبِيلِ الفَخْرِ والتَّكَبُّرِ قالَ الشّاعِرُ:

ثُمَّ راحُوا عَبَقُ المِسْكِ بِهِمْ ∗∗∗ يُلَحِّفُونَ الأرْضَ هِدابَ الأُزُرِ

وفِي الحَدِيثِ: «أزِرَّةُ المُؤْمِنِ إلى أنْصافِ ساقَيْهِ ولا جُناحَ عَلَيْهِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَعْبَيْنِ وما كانَ أسْفَلَ مِن ذَلِكَ فَفي النّارِ» .

واسْتِعْمالُ التَّطْهِيرِ في التَّقْصِيرِ مَجازٌ لِلُزُومِهِ لَهُ فَكَثِيرًا ما يُفْضِي تَطْوِيلُها إلى جَرِّ ذُيُولِها عَلى القاذُوراتِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ التَّقْصِيرَ بَعْدَ إرادَتِهِ مِنَ التَّطْهِيرِ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ التَّكَبُّرِ والخُيَلاءِ ويَكُونُ ذَلِكَ أمْرًا لَهُ ﷺ بِالتَّواضُعِ والمُداوَمَةِ عَلى تَرْكِ جَرِّ ذُيُولِ التَّكَبُّرِ والخُيَلاءِ بَعْدَ أمْرِهِ بِتَخْصِيصِ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ بِهِ تَعالى قَوْلًا واعْتِقادًا فَكَأنَّهُ قِيلَ ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ وأنْتَ لا تَتَكَبَّرُ لِيَتَسَنّى لَكَ أمْرُ الإنْذارِ وبَعْضُ مَن يَرى جَوازَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ حَمَلَ التَّطْهِيرَ عَلى حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ أعْنِي التَّقْصِيرَ، والتَّوَصُّلُ إلى إرادَةِ مِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَ مَن لا يَرى جَوازَ الجَمْعِ سَهْلٌ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّطْهِيرِ إزالَةُ ما يُسْتَقْذَرُ مُطْلَقًا سَواءٌ النَّجِسُ أوْ غَيْرُهُ مِنَ المُسْتَقْذَرِ الطّاهِرِ ومِنهُ الأوْساخُ فَيَكُونُ ذَلِكَ أمْرًا ﷺ بِتَنْظِيفِ ثِيابِهِ وإزالَةِ ما يَكُونُ فِيها مِن وسَخٍ وغَيْرِهِ مِن كُلِّ ما يُسْتَقْذَرُ فَإنَّهُ مُنَفِّرٌ لا يَلِيقُ بِمَقامِ البِعْثَةِ، ويَسْتَلْزِمُ هَذا بِالأوْلى تَنْظِيفَ البَدَنِ مِن ذَلِكَ ولِذا ﷺ أنَظَفُ النّاسِ ثَوْبًا وبَدَنًا ورُبَّما يُقالُ بِاسْتِلْزامِ ذَلِكَ بِالأوْلى أيْضًا الأمْرَ بِالتَّنَزُّهِ عَنِ المُنَفِّرِ القَوْلِيِّ والفِعْلِيِّ كالفُحْشِ والفَظاظَةِ والغِلْظَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَلا تَغْفُلْ.

74:5Page 575

وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ ٥

And uncleanliness1 avoid

﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ قالَ القَتِبِيُّ ( الرُّجْزَ )

صفحة 119

العَذابَ وأصْلُهُ الِاضْطِرابُ وقَدْ أُقِيمَ مَقامَ سَبَبِهِ المُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ المَآثِمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ اهْجُرِ المَآثِمَ والمَعاصِيَ المُؤَدِّيانِ إلى العَذابِ أوِ الكَلامِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ أسْبابِ الرُّجْزِ أوِ التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ عَلى ما قِيلَ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ( الرُّجْزَ ) السُّخْطَ وفَسَّرَ الحَسَنُ ( الرُّجْزَ ) بِالمَعْصِيَةِ والنَّخْعِ بِالإثْمِ وهو بَيانٌ لِلْمُرادِ. ولَمّا كانَ المُطالِبُ بِهَذا الأمْرِ هو النَّبِيُّ ﷺ وهو البَرِيءُ عَنْ ذَلِكَ كانَ مِن بابِ: إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي. أوِ المُرادُ الدَّوْرُ والثِّيابُ عَلى هَجْرِ ذَلِكَ وقِيلَ الرُّجْزُ اسْمٌ لِصَنَمَيْنِ إسافٍ ونائِلَةَ وقِيلَ لِلْأصْنامِ عُمُومًا ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ والكَلامُ عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا. وقِيلَ ( الرُّجْزَ ) اسْمٌ لِلْقَبِيحِ المُسْتَقْذَرِ والرُّجْزَ فاهْجُرْ كَلامٌ جامِعٌ في مَكارِمِ الأخْلاقِ كَأنَّهُ قِيلَ اهْجُرِ الجَفاءَ والسَّفَهَ وكُلَّ شَيْءٍ يُقَبَّحُ ولا تَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وعَلَيْهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا أمْرًا بِالثِّيابِ عَلى تَطْهِيرِ الباطِنِ بَعْدَ الأمْرِ بِالثِّيابِ عَلى تَطْهِيرِ الظّاهِرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ .

وقَرَأ الأكْثَرُونَ «( الرِّجْز)» بِكَسْرِ الرّاءِ وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ ومَعْنى المَكْسُورِ والمَضْمُومِ واحِدٌ عِنْدَ جَمْعٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَضْمُومَ بِمَعْنى الصَّنَمِ والمَكْسُورَ بِمَعْنى العَذابِ. وقِيلَ المَكْسُورُ النَّقائِصُ والفُجُورُ ذُو المَضْمُومِ إسافٌ ونائِلُ وفي كِتابِ الخَلِيلِ «( الرُّجْز)» بِضَمِّ الرّاءِ عِبادَةُ الأوْثانِ وبِكَسْرِها العَذابُ. ومِن كَلامِ السّادَةِ أيِ الدُّنْيا فاتْرُكْ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِالرُّجْزِ الصَّنَمُ والدُّنْيا مِن أعْظَمِ الأصْنامِ الَّتِي حُبُّها بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ مَوْلاهُ وعَبَدَتُها أكْثَرُ مِن عَبَدَتِها فَإنَّها تُعْبَدُ في البِيَعِ والكَنائِسِ والصَّوامِعِ والمَساجِدِ وغَيْرِ ذَلِكَ أوْ أُرِيدَ بِالرُّجْزِ القَبِيحُ المُسْتَقْذَرُ والدُّنْيا عِنْدَ العارِفِ في غايَةِ القُبْحِ والقَذارَةِ

فَعَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: الدُّنْيا أحْقَرُ مِن ذِراعِ خِنْزِيرٍ مَيِّتٍ بالَ عَلَيْها كَلْبٌ في يَدِ مَجْذُومٍ

وقالَ الشّافِعِيُّ:

وما هي ( إلّا ) جِيفَةٌ مُسْتَحِيلَةٌ عَلَيْها كِلابٌ هَمُّهُنَّ اجْتِذابُها

فَإنْ تَجْتَنِبْها كُنْتَ سِلْمًا لِأهْلِها ∗∗∗ وإنْ تَجْتَذِبْها نازَعَتْكَ كِلابُها

ويُقالُ كُلُّ ما ألْهى عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَهو رِجْزٌ يَجِبُ عَلى طالِبِ اللَّهِ تَعالى هَجْرُهُ إذْ بِهَذا الهَجْرِ يَنالُ الوِصالَ وبِذَلِكَ القَطْعِ يَحْصُلُ الِاتِّصالُ ومِن أعْظَمِ لاهٍ عَنِ اللَّهِ تَعالى النَّفْسُ، ومِن هُنا قِيلَ أيْ نَفْسَكَ فَخالِفْها والكَلامُ في كُلِّ ذَلِكَ مِن بابِ: إيّاكَ أعْنِي. أوِ القَصْدُ فِيهِ إلى الدَّوامِ والثِّيابُ كَما تَقَدَّمَ.

74:6Page 575

وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ ٦

And do not confer favor to acquire more1

﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أيْ ولا تُعْطِ مُسْتَكْثِرًا أيْ طالِبًا لِلْكَثِيرِ مِمَّنْ تُعْطِيهِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، فَهو نَهْيٌ عَنِ الِاسْتِغْزارِ وهو أنْ يَهَبَ شَيْئًا وهو يَطْمَعُ أنْ يَتَعَوَّضَ مِنَ المَوْهُوبِ لَهُ أكْثَرَ مِنَ المَوْهُوبِ وهَذا جائِزٌ. ومِنهُ الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مَوْقُوفًا عَلى شُرَيْحٍ المُسْتَغْزِرُ يُثابُ مِن هِبَتِهِ وإلّا صَحَّ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ أنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ وأنَّهُ مِن خَواصِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ اللَّهُ تَعالى اخْتارَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْمَلَ الصِّفاتِ وأشْرَفَ الأخْلاقِ فامْتَنَعَ عَلَيْهِ أنْ يَهَبَ لِعِوَضٍ أكْثَرَ وقِيلَ هو نَهْيُ تَنْزِيهٍ لِلْكُلِّ أوْ ولا تُعْطِ مُسْتَكْثِرًا أيْ رائِيًا لِما تُعْطِيهِ كَثِيرًا فالسِّينُ لِلْوِجْدانِ لا لِلطَّلَبِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ الظّاهِرِ والنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّهُ نَوْعُ إعْجابٍ وفِيهِ بُخْلٌ خَفِيٌّ. وعَنِ الحَسَنِ والرَّبِيعِ:

لا ﴿تَمْنُنْ﴾ بِحَسَناتِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُسْتَكْثِرًا لَها أيْ رائِيًا إيّاها كَثِيرَةً فَتَنْقُصُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعَدَّ مِنِ اسْتِكْثارِ الحَسَناتِ بَعْضُ السّادَةِ رُؤْيَةَ أنَّها حَسَناتٌ وعَدَمَ خَشْيَةِ الرَّدِّ والغَفْلَةِ عَنْ كَوْنِها مِنهُ تَعالى حَقِيقَةً. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ لا تَمْنُنْ بِما أعْطاكَ اللَّهُ تَعالى مِنَ النُّبُوَّةِ والقُرْآنِ مُسْتَكْثِرًا بِهِ أيْ طالِبًا كَثِيرَ الأجْرِ مِنَ النّاسِ وعَنْ مُجاهِدٍ لا تَضْعُفْ عَنْ عَمَلِكَ مُسْتَكْثِرًا لِطاعَتِكَ فَتَمْنُنْ مِن قَوْلِهِمْ حَبْلٌ مَنِينٌ أيْ ضَعِيفٌ، ويَتَضَمَّنُ هَذا المَعْنى ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أيْ لا تَقُلْ قَدْ دَعَوْتُهم فَلَمْ يُقْبَلْ مِنِّي عُدْ فادْعُهم. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «تَسْتَكْثِرْ» بِسُكُونِ الرّاءِ وخَرَّجَ عَلى أنَّهُ جَزْمٌ والفِعْلُ بَدَلٌ مِن ﴿تَمْنُنْ﴾ المَجْزُومِ بِلا النّاهِيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ ولا تَمْنُنْ لا تَسْتَكْثِرْ لِأنَّ مِن شَأْنِ المانِّ بِما يُعْطِي أنْ يَسْتَكْثِرَهُ أيْ يَراهُ كَثِيرًا ويَعْتَدُّ بِهِ وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، وقِيلَ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى دُعاءِ الِاتِّحادِ.

وفِي

صفحة 120

الكَشْفِ الإبْدالُ مِن ﴿تَمْنُنْ﴾ عَلى أنَّ المَنَّ هو الِاعْتِدادُ بِما أعْطى لا الإعْطاءُ نَفْسُهُ فِيهِ لَطِيفَةٌ لِأنَّ الِاسْتِكْثارَ مُقَدِّمَةُ المَنِّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَسْتَكْثِرْ فَضْلًا عَنِ المَنِّ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ سُكُونَ وقْفٍ حَقِيقَةً أوْ بِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْراهُ أوْ سُكُونَ تَخْفِيفٍ عَلى أنْ شَبَّهَ ثِرْ و=بِعَضُدٍ فَسَكَّنَ الرّاءَ الواقِعَةَ بَيْنَ الثّاءِ وواوِ ﴿ولِرَبِّكَ﴾ كَما سَكَنَتِ الضّادُ ولَيْسَ بِذاكَ والجُمْلَةُ عَلَيْهِ في مَوْضِعِ الحالِ وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا والأعْمَشُ «تَسْتَكْثِرَ» بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنَّ كَقَوْلِهِمْ مُرْهُ يَحْفِرَها أيْ أنَّ يَحْفِرَها وقَوْلُهُ:

ألا أيُّهَذا الزّاجِرِيَ احْضُرَ الوَغى وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي

فِي رِوايَةٍ نَصَبَ أحْضَرَ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ «أنْ تَسْتَكْثِرَ» بِإظْهارِ أنْ فالمَنُّ بِمَعْنى الإعْطاءِ والكَلامُ عَلى إرادَةِ التَّعْلِيلِ أيْ ولا تُعْطِ لِأجْلِ أنْ تَسْتَكْثِرَ أيْ تَطْلُبَ الكَثِيرَ مِمَّنْ تُعْطِيهِ وأيَّدَ بِهِ إرادَةَ المَعْنى الأوَّلِ في قِراءَةِ الرَّفْعِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تِلْكَ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ الرَّفْعُ لِحَذْفِ أنْ وإبْطالِ عَمَلِها كَما رُوِيَ أحْضَرُ الوَغى بِالرَّفْعِ فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ لَيْسَتْ حالِيَّةً، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلى ذَلِكَ إذْ لا يَجُوزُ ما ذَكَرَ ( إلّا ) في الشِّعْرِ ولَنا مَندُوحَةٌ عَنْهُ مَعَ صِحَّةِ مَعْنى الحالِ، ورَدَّ بِأنَّ المُخالِفَ لِلْقِياسِ بَقاءُ عَمَلِها بَعْدَ حَذْفِها، وأمّا الحَذْفُ والرَّفْعُ فَلا مَحْذُورَ فِيهِ وقَدْ أجازَهُ النُّحاةُ ومِنهُ: تَسْمَعُ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском