Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Qiyamah 75:13–21
75:13Page 577
يُنَبَّؤُاْ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذِۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ١٣
Man will be informed that Day of what he sent ahead1 and kept back.2
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ﴾ أيْ يُخْبَرُ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ وذَلِكَ عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ عِنْدَ وزْنِ الأعْمالِ ﴿بِما قَدَّمَ﴾ أيْ بِما عَمِلَ مِن عَمَلٍ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا فَيُثابُ بِالأوَّلِ ويُعاقَبُ عَلى الثّانِي ﴿وأخَّرَ﴾ أيّ تَرَكَ ولَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا فَيُعاقَبُ بِالأوَّلِ ويُثابُ بِالثّانِي، أوْ بِما قَدَّمَ مِن حَسَنَةٍ أوْ سَيِّئَةٍ وبِما أخَّرَ ما سَنَّهُ مِن حَسَنَةٍ أوْ سَيِّئَةٍ يُعْمَلُ بِها بَعْدَهُ، أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ لِنَفْسِهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ في حَياتِهِ وبِما أخَّرَ مِنهُ لِلْوارِثِ وزِيدَ أوْ وقَفَهُ أوْ أوْصى بِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِما قَدَّمَ مِنَ المَعْصِيَةِ وأخَّرَ مِنَ الطّاعَةِ وأُخْرِجَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ نَحْوُهُ أيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ وعَلَيْهِ فالظّاهِرُ أنَّهُ عَنى بِالإنْسانِ الفاجِرَ وفَصَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَمّا قَبْلَها لِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنها ومِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَقُولُ﴾ إلَخِ في الكَشْفِ عَنْ شِدَّةِ الأمْرِ أوْ عَنْ سُوءِ حالِ الإنْسانِ.
75:14Page 577
بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ ١٤
Rather, man, against himself, will be a witness,1
﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ أيْ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ واضِحَةٌ عَلى نَفْسِهِ شاهِدَةٌ بِما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ كَلِمَةُ عَلى والجُمْلَةُ الحالِيَّةُ بَعْدَ فالإنْسانُ مُبْتَدَأٌ وعَلى نَفْسِهِ مُتَعَلِّقٌ بِبَصِيرَةٌ بِتَقْدِيرِ إعْمالٍ أوِ المَعْنى عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ وبَصِيرَةٌ بَصِيرٌ خَيْبَرٌ وهي مَجازٌ
صفحة 141
عَنِ الحُجَّةِ البَيِّنَةِ الواضِحَةِ أوْ بِمَعْنى بَيِّنَةٍ وهي صِفَةٌ لِحُجَّةٍ مُقَدَّرَةٌ هي الخَبَرُ، وجَعَلَ الحُجَّةَ بَصِيرَةً لِأنَّ صاحِبَها بَصِيرٌ بِها فالإسْنادُ مَجازِيٌّ أوْ هي بِمَعْنى دالَّةٌ مَجازًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ والتَّأْنِيثُ لِلْمُبالَغَةِ أوْ لِتَأْنِيثِ المَوْصُوفِ أعْنِي حُجَّةً وقِيلَ ذَلِكَ لِإرادَةِ الجَوارِحِ أيْ جَوارِحِهِ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ أيْ شاهِدَةٌ ونُسِبَ إلى القِتْبَيِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ عَيْنَ بَصِيرَةٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ وأنْشَدَ:
كَأنَّ عَلى ذِي العَقْلِ عَيْنًا بَصِيرَةً بِمَجْلِسِهِ أوْ مَنظَرٍ هو ناظِرُهُ
يُحاذِرُ حَتّى يَحْسَبَ النّاسَ كُلَّهم ∗∗∗ مِنَ الخَوْفِ لا يَخْفى عَلَيْهِمْ سَرائِرُهُ
وعَلَيْهِ قِيلَ الإنْسانُ مُبْتَدَأٌ أوَّلُ وبَصِيرَةٌ بِتَقْدِيرِ عَيْنٍ بَصِيرَةٍ مُبْتَدَأٌ ثانٍ وعَلى نَفْسِهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ واخْتارَ أبُو حَيّانٍ أنْ تَكُونَ بَصِيرَةٌ فاعِلًا بِالجارِّ والمَجْرُورِ وهو الخَبَرُ عَنِ الإنْسانِ وعَمِلَ بِالفاعِلِ لِاعْتِمادِهِ عَلى ذَلِكَ وأمْرُ التَّأْنِيثِ ظاهِرٌ وبَلِ لِلتَّرَقِّي عَلى الوَجْهَيْنِ إرادَةِ حُجَّةٍ بَصِيرَةٍ وإرادَةِ عَيْنٍ بَصِيرَةٍ، والمَعْنى عَلَيْهِما ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ﴾ بِأعْمالِهِ بَلْ فِيهِ ما يُجْزِي عَنِ الإنْباءِ لِأنَّهُ عالِمٌ بِتَفاصِيلِ أحْوالِهِ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِما عَمِلَتْ لِأنَّ جَوارِحَهُ تَنْطِقُ بِذَلِكَ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النُّورِ: 24] وفي كِلا الوَجْهَيْنِ كَما قِيلَ شائِبَةُ التَّجْرِيدِ وهي في الثّانِي أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ أيْ ولَوْ جاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ يُمْكِنُ أنْ يَعْتَذِرَ بِها عَنْ نَفْسِهِ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنَّ في بَصِيرَةٌ أوْ مِن مَرْفُوعِ يُنَبَّؤُا أيْ هو عَلى نَفْسِهِ حُجَّةٌ وهو شاهِدٌ عَلَيْها ولَوْ أتى بِكُلِّ عُذْرٍ في الذَّبِّ عَنْها فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الذَّبَّ لا رَواجَ لَهُ أوْ يُنَبَّأُ بِأعْمالِهِ ويُجازى ويُعاقَبُ لا مَحالَةَ ولَوْ أتى بِكُلِّ عُذْرٍ فَهو تَأْكِيدٌ لِما يُفْهَمُ مِن مَجْمُوعِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ﴾ إلَخِ.
والمَعاذِيرُ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ بِمَعْنى العُذْرِ عَلى خِلافِ القِياسِ والقِياسُ مَعاذِرُ بِغَيْرِ ياءٍ وأطْلَقَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ اسْمَ الجَمْعِ كَعادَتِهِ في إطْلاقِ ذَلِكَ عَلى الجُمُوعِ المُخالِفَةِ لِلْقِياسِ وإلّا فَهو لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الجَمْعِ.
وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ الأصْلُ فِيهِ مَعاذِرُ فَحَصَلَتِ الياءُ مِن إشْباعِ الكَسْرَةِ وهو كَما تَرى أوْ جَمْعُ مِعْذارٍ عَلى القِياسِ وهو بِمَعْنى العُذْرِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بِهَذا المَعْنى لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الثِّقاتِ نَعَمْ قالَ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: المَعاذِيرُ السُّتُورُ بِلُغَةِ اليَمَنِ واحِدُها مِعْذارٌ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ أيْ ولَوْ أرْخى سُتُورَهُ، والمَعْنى أنَّ احْتِجابَهُ في الدُّنْيا واسْتِتارَهُ لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا لِأنَّ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ بَصِيرَةً وفِيهِ تَلْوِيحٌ إلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ [فُصِّلَتْ: 22] الآيَةَ وقِيلَ البَصِيرَةُ عَلَيْهِ الكاتِبانِ يَكْتُبانِ ما يَكُونُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فالمَعْنى بَلِ الإنْسانُ عَلَيْهِ كاتِبانِ يَكْتُبانِ أعْمالَهُ ولَوْ تَسَتَّرَ بِالسُّتُورِ ولا يَكُونُ في الكَلامِ عَلى هَذا شائِبَةُ تَجْرِيدٍ كَما تَقَدَّمَ، والإلْقاءُ عَلى إرادَةِ السُّتُورِ ظاهِرٌ وأمّا عَلى إرادَةِ الأعْذارِ فَقِيلَ شَبَّهَ المَجِيءَ بِالعُذْرِ بِإلْقاءِ الدَّلْوِ في البِئْرِ لِلِاسْتِقاءِ بِهِ فَيَكُونُ فِيهِ تَشْبِيهُ ما يُرادُ بِذَلِكَ بِالماءِ المَرْوِيِّ لِلْعَطَشِ ويُشِيرُ إلى هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ في ذَلِكَ ولَوْ أدْلى بِحُجَّةٍ وعُذْرٍ وقِيلَ المَعْنى ولَوْ رَمى بِأعْذارِهِ وطَرَحَها واسْتَسْلَمَ وقِيلَ ولَوْ أحالَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ كَما يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سَبَأٍ: 31] ولَوْ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ إمّا أنْ يَكُونَ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ مُنْسَلِخًا عَنْها كَما قِيلَ فَلا جَوابَ لَها، وإمّا أنْ يَكُونَ باقِيًا فِيها فالجَوابُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلُ. واسْتَظْهَرَ الخَفاجِيُّ الأوَّلَ وفي الآيَةِ عَلى بَعْضِ وُجُوهِها دَلِيلٌ كَما قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ عَلى قَبُولِ إقْرارِ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ وعَدَمِ قَبُولِ الرُّجُوعِ عَنْهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنِّسائِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ مَعًا في الدَّلائِلِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً فَكانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ وشَفَتَيْهِ مَخافَةَ أنْ يَنْفَلِتَ مِنهُ يُرِيدُ أنْ يَحْفَظَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ إلَخِ فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْرَقَ وفي
صفحة 142
لَفْظٍ اسْتَمَعَ فَإذا ذَهَبَ قَرَأهُ كَما وعَدَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ» .
75:16–17Page 577
لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ ١٦
Move not your tongue with it, [O Muḥammad], to hasten with it [i.e., recitation of the Qur’ān].
إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ ١٧
Indeed, upon Us is its collection [in your heart] and [to make possible] its recitation.
فالخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ والضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ لِدَلالَةِ سِياقِ الآيَةِ نَحْوَ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القَدْرِ: 1] أيْ لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ عِنْدَ إلْقاءِ الوَحْيِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أيْ لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلَةٍ مَخافَةَ أنْ يَنْفَلِتَ مِنكَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الحَبْرِ.
وقِيلَ لِمَزِيدِ حُبِّكَ لَهُ وحِرْصِكَ عَلى أداءِ الرِّسالَةِ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ولا يُنافِي ما ذَكَرَ والباءُ عَلَيْهِما لِلتَّعْدِيَةِ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ في صَدْرِكَ بِحَيْثُ لا يَذْهَبُ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن مَعانِيهِ ﴿وقُرْآنَهُ﴾ أيْ إثْباتَ قِراءَتِهِ في لِسانِكَ بِحَيْثُ تَقْرَأُهُ مَتى شِئْتَ فالقُرْآنُ هُنا وكَذا فِيما بَعْدُ مَصْدَرٌ كالرُّجْحانِ بِمَعْنى القِراءَةِ كَما في قَوْلِهِ:
ضَحَّوْا بِأشْمَطَ عُنْوانُ السُّجُودِ بِهِ يَقْطَعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وقُرْآنًا
مُضافٌ إلى المَفْعُولِ وثُمَّ مُضافٌ مُقَدَّرٌ وقِيلَ ﴿قُرْآنَهُ﴾
أيْ تَأْلِيفِهِ والمَعْنى ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ أيْ حِفْظَهُ في حَياتِكَ وتَأْلِيفَهُ عَلى لِسانِكَ. وقِيلَ: ﴿قُرْآنَهُ﴾ تَأْلِيفَهُ وجَمْعَهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ قَرَأْتُ أيْ جَمَعْتُ ومِنهُ قَوْلُهم لِلْمَرْأةِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ ما قَرَأتْ سَلى قَطُّ وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
ذِراعَيْ بَكَرَةَ أدْماءُ بَكْرٍ ∗∗∗ هَجّانُ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا
ويُرادُ مِن ﴿جَمْعَهُ﴾ الأوَّلُ جَمْعُهُ في نَفْسِهِ ووُجُودُهُ الخارِجِيُّ ومِن ﴿قُرْآنَهُ﴾ بِهَذا المَعْنى جَمْعُهُ في ذِهْنِهِ ﷺ وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَخْفى حالُهُما وإنْ نُسِبَ الأوَّلُ إلى مُجاهِدٍ.
75:18Page 577
فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ ١٨
So when We have recited it [through Gabriel], then follow its recitation.
﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ أيْ أتْمَمْنا قِراءَتَهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ المُبَلَّغِ عَنّا فالإسْنادُ مَجازِيٌّ وفي ذَلِكَ مَعَ اخْتِيارِ نُونِ العَظَمَةِ مُبالَغَةٌ في إيجابِ التَّأتِّي ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فَكُنْ مُقْفِيًا لَهُ لا مُبارِيًا، وقِيلَ: أيْ فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ بِذِهْنِكَ وفِكْرِكَ قُرْآنَهُ أيْ فاسْتَمِعْ وأنْصِتْ وصَحَّ هَذا مِن رِوايَةِ الشَّيْخَيْنِ وغَيْرِهِما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْهُ أيْضًا وعَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ أيْ فاتَّبِعْ في الأوامِرِ والنَّواهِي قُرْآنَهُ وقِيلَ اتَّبِعْ قُرْآنَهُ بِالدَّرْسِ عَلى مَعْنى كَرِّرْهُ حَتّى يَرْسَخَ في ذِهْنِكَ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ بَيانَ ما أُشْكِلَ عَلَيْكَ مِن مَعانِيهِ وأحْكامِهِ عَلى ما قِيلَ واسْتَدَلَّ بِهِ القاضِي أبُو الطَّيِّبِ ومَن تابَعُهُ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ لِمَكانِ ثُمَّ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالبَيانِ الإظْهارُ لا بَيانَ المُجْمَلِ وقَدْ صَحَّ مِن رِوايَةِ الشَّيْخَيْنِ وجَماعَةٍ عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ وفي لَفْظٍ عَلَيْنا أنْ تَقْرَأهُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ المُرادَ بَيانُ جَمِيعِ القُرْآنِ والمُجْمَلِ بَعْضُهُ.
75:20–21Page 578
كـَلَّا بَلۡ تُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ ٢٠
No! But you [i.e., mankind] love the immediate
وَتَذَرُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ ٢١
And leave [i.e., neglect] the Hereafter.
﴿كَلا﴾ إرْشادٌ لِرَسُولِهِ ﷺ وأخْذٌ بِهِ عَنْ عادَةِ العَجَلَةِ وتَرْغِيبٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الأناةِ وبالَغَ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ لِمَزِيدِ حُبِّهِ إيّاهُ بِاتِّباعِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ تَعْمِيمُ الخِطابِ لِلْكُلِّ كَأنَّهُ قِيلَ بَلْ أنْتُمْ يا بَنِي آدَمَ لَمّا خُلِقْتُمْ مِن عَجَلٍ وجُبِلْتُمْ عَلَيْهِ تَعْجَلُونَ في كُلِّ شَيْءٍ ولِذا تُحِبُّونَ العاجِلَةَ وتَذْرُوَنَ الآخِرَةَ ويَتَضَمَّنُ اسْتِعْجالَكَ لِأنَّ عادَةَ بَنِي آدَمَ الِاسْتِعْجالُ ومَحَبَّةُ العاجِلَةِ، وفِيهِ أيْضًا أنَّ الإنْسانَ وإنْ كانَ مَجْبُولًا عَلى ذَلِكَ إلّا أنَّ مِثْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمَّنْ هو في أعْلى مَنصِبِ النُّبُوَّةِ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْتَفِزَّهُ مُقْتَضى الطِّباعِ البَشَرِيَّةِ وأنَّهُ إذا نُهِيَ ﷺ عَنِ العَجَلَةِ في طَلَبِ العِلْمِ والهُدى فَهَؤُلاءِ دَيْدَنُهم حُبُّ العاجِلَةِ وطَلَبُ الرَّدى كَأنَّهم نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن لا يُنْجِعُ فِيهِمُ النَّهْي فَإنَّما يُعاتَبُ الآدَمِيُّ ذُو البَشَرَةِ ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ فَإنَّهُ مُلَوِّحٌ إلى مَعْنى ﴿بَلْ تُحِبُّونَ﴾ إلَخِ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿لا تُحَرِّكْ﴾ إلَخِ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ حُبِّي العاجِلَةِ حُبُّها الَّذِي تَضَمَّنَهُ بَلْ يُرِيدُ تَلْوِيحًا وحُبُّها الَّذِي آذَنَ بِهِ بَلْ تُحِبُّونَ تَصْرِيحًا لِحُسْنِ التَّخَلُّصِ مِنهُ إلى المُفاجَأةِ والتَّصْرِيحِ.
فَفِي ذَلِكَ تَدَرُّجٌ ومُبالَغَةٌ في التَّقْرِيعِ والتَّدَرُّجِ وإنْ كانَ يَحْصُلُ لَوْ
صفحة 143
لَمْ يُؤْتَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لا تُحَرِّكْ﴾ إلَخِ في البَيْنِ أيْضًا إلّا أنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ فَواتُ المُبالِغَةِ في التَّقْرِيعِ وأنَّهُ إذا لَمْ تَجُزِ العَجَلَةُ في القُرْآنِ وهو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ فَكَيْفَ فِيما هو فُجُورٌ وثُبُورٌ ويَزُولُ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الفَوائِدِ فَهو اسْتِطْرادٌ يُؤَدِّي مُؤَدّى الِاعْتِراضِ وأبْلَغَ وأطْلَقَ بَعْضُهم عَلَيْهِ الِاعْتِراضَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ والجَحْدَرَيُّ «يُحِبُّونَ» و«يَذَرُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ فِيهِما وأمْرُ الرَّبْطِ عَلَيْها كَما تَقَدَّمَ وهي أبْلَغُ مِن حَيْثُ إنَّ فِيها التِفاتًا وإخْراجًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن صَرِيحِ الخِطابِ بِحُبِّ العاجِلَةِ مُضَمَّنًا طَرَفًا مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ لُطْفًا مِنهُ تَعالى شَأْنُهُ في شَأْنِهِ ﷺ . وأمّا القِراءَةُ بِالتّاءِ فَفِيها تَغْلِيبُ المُخاطَبِ والِالتِفاتُ وهو عَكْسُ الأوَّلِ هَذا خُلاصَةُ ما رَمَزَ إلَيْهِ جارُ اللَّهِ عَلى ما أُفِيدَ.
وقَدِ انْدَفَعَ بِهِ قَوْلُ بَعْضِ الزَّنادِقَةِ وشِرْذِمَةٍ مِن قُدَماءِ الرّافِضَةِ أنَّهُ لا وجْهَ لِوُقُوعِ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ إلَخِ في أثْناءِ أُمُورِ الآخِرَةِ ولا رَبْطَ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وجَعَلُوا ذَلِكَ دَلِيلًا لِما زَعَمُوهُ مِن أنَّ القُرْآنَ قَدْ غَيَّرَ وبَدَّلَ وزِيدَ فِيهِ ونَقَصَ مِنهُ ولِلْعُلَماءِ حُماةِ المُسْلِمِينَ وشُهُبِ سَماءِ الدِّينِ في دَفْعِ كَلامِ كَثِيرٍ مِنهُ ما تَقَدَّمَ ولِلْإمامِ أوْجُهٌ فِيهِ مِنها الحَسَنُ ومِنها ما لَيْسَ كَذَلِكَ بِالمَرَّةِ وقالَ الطِّيبِيُّ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾
أيْ يُقالُ لِلْإنْسانِ عِنْدَ إلْقاءِ مَعاذِيرِهِ كَلّا إنَّ أعْذارَكَ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ فَإنَّكَ فَجَرْتَ وفَسَقْتَ وظَنَنْتَ أنَّكَ تَدُومُ عَلى فُجُورِكَ وأنْ لا حَشْرَ ولا حِسابَ ولا عِقابَ وذَلِكَ مِن حُبِّكَ العاجِلَةَ والإعْراضَ عَنِ الآخِرَةِ، وكانَ مِن عادَةِ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ إذا لُقِّنَ القُرْآنَ أنْ يُنازِعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ القِراءَةَ وقَدْ أنْفَقَ عِنْدَ التَّلْقِينِ لِلْآياتِ السّابِقَةِ ما جَرَتْ بِهِ عادَتُهُ مِنَ العَجَلَةِ فَلَمّا وصَلَ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ أُوحِيَ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يُلْقِيَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما يُرْشِدُهُ إلى أخْذِ القُرْآنِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ فَألْقى تِلْكَ الجُمَلَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ ثُمَّ عادَ إلى تَمامِ ما كانَ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ﴾ إلَخِ مِثالُهُ الشَّيْخُ إذا كانَ يُلَقِّنُ تِلْمِيذَهُ دَرْسًا أوْ يُلْقِي إلَيْهِ فَصْلًا ورَآهُ في أثْناءِ ذَلِكَ يَعْجَلُ ويَضْطَرِبُ يَقُولُ لَهُ لا تَعْجَلْ ولا تَضْطَرِبْ فَإنِّي إذا فَرَغْتُ إنْ كانَ لَكَ إشْكالٌ أُزِيلُهُ أوْ كُنْتَ تَخافُ فَوْتًا فَأنا أحْفَظُهُ ثُمَّ يَأْخُذُ الشَّيْخُ في كَلامِهِ ويُتَمِّمُهُ انْتَهى.
فَما في البَيْنِ مُناسِبٌ لِما وقَعَ في الخارِجِ دُونَ المَعْنى المُوحى بِهِ، وخَصَّهُ بَعْضُهم لِهَذا بِالِاسْتِطْرادِ وأطْلَقَ آخَرُ عَلَيْهِ الِاعْتِراضَ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ وهَذا عِنْدِي بَعِيدٌ لَمْ يَتَّفِقْ مِثْلُهُ في النَّظْمِ الجَلِيلِ ولا دَلِيلَ لِمَن يَراهُ عَلى وُقُوعِ العَجَلَةِ في أثْناءِ هَذِهِ الآياتِ سِوى خَفاءِ المُناسِبَةِ. وقالَ أبُو حَيّانٍ يَظْهَرُ أنَّ المُناسِبَةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ مُنْكِرَ القِيامَةِ والبَعْثِ مُعْرِضًا عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى ومُعْجِزاتِهِ وأنَّهُ قاصِرُ شَهَواتِهِ عَلى الفُجُورِ غَيْرُ مُكْتَرِثٍ بِما يَصْدُرُ مِنهُ ذَكَرَ حالَ مَن يُثابِرُ عَلى تَعَلُّمِ آياتِ اللَّهِ تَعالى وحِفْظِها وتَلَقُّنِها والنَّظَرِ فِيها وعَرْضِها عَلى مَن يُنْكِرُها رَجاءَ قَبُولِهِ إيّاها لِيَظْهَرَ بِذَلِكَ تَبايُنُ مَن يَرْغَبُ في تَحْصِيلِ آياتِ اللَّهِ تَعالى ومَن يَرْغَبُ عَنْها وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ انْتَهى.
وفِيهِ أنَّ هَذا إنَّما يَحْسُنُ بَعْدَ تَمامِ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ المُنْكَرِ والظّاهِرُ أنَّ ﴿لا تُحَرِّكْ﴾ إلَخِ وقَعَ في البَيْنِ وقالَ القَفّالُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا تُحَرِّكْ﴾ إلَخِ خِطابٌ لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ﴾ وذَلِكَ حالَ إنْبائِهِ بِقَبائِحِ أفْعالِهِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ كِتابُهُ فَيُقالُ لَهُ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسْراءِ: 14] فَإذا أخَذَ في القِراءَةِ تَلَجْلَجَ لِسانُهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ وسُرْعَةِ القِراءَةِ فَقِيلَ لَهُ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ .
فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا بِحُكْمِ الوَعْدِ أوْ بِحُكْمِ الحِكْمَةِ أنْ نَجْمَعَ أعْمالَكَ وأنْ نَقْرَأها عَلَيْكَ فَإذا قَرَأْناهُ عَلَيْكَ فاتَّبِعْ قِراءَتَهُ بِالإقْرارِ بِأنَّكَ فَعَلْتَ تِلْكَ الأفْعالَ أوِ التَّأمُّلَ فِيهِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ بَيانَ أمْرِهِ وشَرْحَ عُقُوبَتِهِ، والحاصِلُ عَلى هَذا أنَّهُ تَعالى يُوقِفُ الكافِرَ عَلى جَمِيعِ أعْمالِهِ عَلى التَّفْصِيلِ وفِيهِ أشَدُّ الوَعِيدِ في الدُّنْيا والتَّهْوِيلُ في الآخِرَةِ انْتَهى. فَضَمِيرُ بِهِ وكَذا الضَّمائِرُ بَعْدُ لِلْكِتابِ المُشْعِرِ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى
صفحة 144
﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾
عَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ البَصِيرَةَ بِالكِتابَيْنِ، ولَعَلَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْرُوعِ يُنَبَّأُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ كَأنَّهُ قِيلَ يُنَبَّؤُا الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ أخْذِ كِتابِهِ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ مَقُولًا لَهُ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ إلَخِ.
فالرَّبْطُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ جِدًّا ومِن هُنا اخْتارَهُ البَلْخِيُّ ومَن تَبِعَهُ لَكِنَّهُ مُخالِفٌ لِلصَّحِيحِ المَأْثُورِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن أنَّ ذَلِكَ خِطابٌ لَهُ ﷺ . والظّاهِرُ أنَّ التَّحْرِيكَ قَبْلَ النَّهْيِ إنَّما صَدَرَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحُكْمِ الإباحَةِ الأصْلِيَّةِ فَلا يَتِمُّ احْتِجاجُ مَن جَوَّزَ الذَّنْبَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ. وقالَ الإمامُ: لَعَلَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ إنْ كانَ مَأْذُونًا فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى وقْتِ النَّهْيِ وكَأنَّهُ أرادَ بِالإذْنِ الإذْنَ الصَّرِيحَ المَخْصُوصَ وفِيهِ بُعْدٌ ما
وعَنِ الضَّحاكِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَخافُ أنْ يَنْسى القُرْآنَ فَكانَ يَدْرُسُهُ حَتّى غَلَبَ ذَلِكَ وشَقَّ عَلَيْهِ فَنَزَلَ ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ إلَخِ» ولَيْسَ بِالثَّبْتِ ولَعَلَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يُساعِدُهُ ثُمَّ إنَّهُ رُبَّما يُتَخَيَّلُ في الآيَةِ وجْهٌ غَيْرُ ما ذُكِرَ عَنِ القَفّالِ الرَّبْطُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ أيْضًا وهو أنَّهُ يَكُونُ الخِطابُ في ﴿لا تُحَرِّكْ﴾ إلَخِ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ حَقِيقَةً أوْ مِن بابِ إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ وضَمِيرُ ﴿بِهِ﴾ ونَظائِرُهُ لِيَوْمِ القِيامَةِ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ لِتَأْكِيدِ تَهْوِيلِهِ وتَفْظِيعِهِ مَعَ تَقاضِي السِّباقِ لَهُ فَكَأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي فُتِحَتِ السُّورَةُ بِعِظامِهِ ما يَتَعَلَّقُ قَوِيَ داعِي السُّؤالِ عَنْ تَوْقِيتِهِ وأنَّهُ مَتى يَكُونُ وفي أيِّ وقْتٍ يَبِينُ لا سِيَّما وقَدِ اسْتَشْعَرَ أنَّ السُّؤالَ عَنْ ذَلِكَ إذا لَمْ يَكُنِ اسْتِهْزاءً مِمّا لا بَأْسَ بِهِ فَقِيل ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ﴾
أيْ بِطَلَبِ تَوْقِيتِهِ لِسانَكَ وهو نَهْيٌ عَنِ السُّؤالِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ كَما يُقالُ لا تَفْتَحْ فَمَكَ في أمْرِ فُلانٍ لِتَعْجَلَ بِهِ لِتُحَصِّلَ عِلْمَهُ عَلى عَجَلَةٍ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ ما يَكُونُ فِيهِ مِنَ الجَمْعِ ﴿وقُرْآنَهُ﴾ ما يَتَضَمَّنُ شَرْحَ أحْوالِهِ وأهْوالِهِ مِنَ القُرْآنِ.
﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ بِالعَمَلِ بِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الِاسْتِعْدادِ لَهُ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ إظْهارَهُ وُقُوعًا بِالنَّفْخِ في الصُّوَرِ وهو الطّامَّةُ الكُبْرى وحاصِلُهُ لا تَسْألْ عَنْ تَوْقِيتِ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ مُسْتَعْجَلًا مَعْرِفَةَ ذَلِكَ فَإنَّ الواجِبَ عَلَيْنا حِكْمَةً حَشْرُ الجَمْعِ فِيهِ وإنْزالُ قُرْآنٍ يَتَضَمَّنُ بَيانَ أحْوالِهِ لِيَسْتَعِدَّ لَهُ وإظْهارُهُ بِالوُقُوعِ الَّذِي هو الدّاهِيَةُ العُظْمى وما عَدا ذَلِكَ مِن تَعْيِينِ وقْتِهِ فَلا يَجِبُ عَلَيْنا حِكْمَةً بَلْ هو مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ فَإذا سَألْتَ فَقَدْ سَألْتَ ما يُنافِيها فَلا تُجابُ انْتَهى. وفِيهِ ما فِيهِ وما كُنْتُ أذْكُرُهُ لَوْلا هَذا التَّنْبِيهِ واللّائِقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ ولَطِيفِ إشاراتِهِ ما أشارَ إلَيْهِ ذُو اليَدِ الطُّولى جارُ اللَّهِ تَجاوَزَ اللَّهُ تَعالى عَنْ تَقْصِيراتِهِ فَتَأمَّلْ فَلا حَجْرَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences