Al-AlusiAl‑Qiyamah · 75:22–36

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Qiyamah 75:22–36

75:22–23Page 578

وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ ٢٢

[Some] faces, that Day, will be radiant,

إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ ٢٣

Looking at their Lord.1

ولَمّا رَدَعَ سُبْحانَهُ عَنْ حُبِّ العاجِلَةِ وتَرْكِ الآخِرَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِما يَتَضَمَّنُ تَأْكِيدَ هَذا الرَّدْعِ مِمّا يُشِيرُ إلى حُسْنِ عاقِبَةِ حُبِّ الآخِرَةِ وسُوءِ مَغَبَّةِ العاجِلَةِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ أيْ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ وهي وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ يَوْمَ إذْ تَقُومُ القِيامَةُ بَهِيَّةً مُتَهَلِّلَةً مِن عَظِيمِ المَسَرَّةِ يُشاهَدُ عَلَيْها نَضْرَةُ النَّعِيمِ عَلى أنَّ وُجُوهٌ مُبْتَدَأٌ وناضِرَةٌ خَبَرُهُ ويَوْمَئِذٍ مَنصُوبٌ بِناضِرَةٌ وناظِرَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ أوْ نَعْتٌ لِناضِرَةٌ وإلى رَبِّها مُتَعَلِّقٌ بِناظِرَةٌ وصَحَّ وُقُوعُ النَّكِرَةِ مُبْتَدَأً لِأنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ كَما في قَوْلِهِ:

فَيَوْمٌ لَنا ويَوْمٌ عَلَيْنا ويَوْمٌ نُساءُ ويَوْمٌ نُسَرُّ

لا عَلى أنَّ النَّكِرَةَ تَخَصَّصَتْ بِيَوْمَئِذٍ كَما زَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ لِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ صِفَةً لِلْجُثَثِ ولا عَلى أنْ ناضِرَةٌ صِفَةٌ لَها والخَبَرُ ناظِرَةٌ كَما قِيلَ لِما أنَّ المَشْهُورَ الغالِبَ كَوْنُ الصِّفَةِ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ السّامِعِ وثُبُوتُ النَّظْرَةِ لِلْوُجُوهِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَحَقُّهُ أنْ يُخْبِرَ بِهِ نَعَمْ ذَكَرَ هَذا غَيْرُ واحِدٍ احْتِمالًا في الآيَةِ وقالَ فِيهِ أبُو حَيّانٍ هو قَوْلٌ سائِغٌ.

ومَعْنى كَوْنِها ناظِرَةً إلى رَبِّها أنَّها تَراهُ تَعالى مُسْتَغْرِقَةً في مُطالَعَةِ جَمالِهِ بِحَيْثُ تَغْفُلُ عَمّا سِواهُ وتُشاهِدُهُ تَعالى عَلى ما يَلِيقُ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ ولا حَجْرَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولَهُ جَلَّ وعَلا التَّنَزُّهُ الذّاتِيُّ التّامُّ

صفحة 145

فِي جَمِيعِ تَجَلِّياتِهِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ يَعْنِي ﴿إلى رَبِّها﴾ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ كَما في نَظائِرِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِها وهو لا يَتَأتّى لَوْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى النَّظَرِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ ضَرُورَةَ أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى غَيْرِهِ تَعالى. وحَيْثُ كانَ الِاخْتِصاصُ ثابِتًا كانَ الحَمْلُ عَلى ذَلِكَ باطِلًا وفِيهِ أنَّ التَّقْدِيمَ لا يَتَمَخَّضُ لِلِاخْتِصاصِ كَيْفَ والمُوجِبُ مِن رِعايَةِ الفاصِلَةِ والِاهْتِمامِ قائِمٌ ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ فَهو باقٍ بِمَعْنى أنَّ النَّظَرَ إلى غَيْرِهِ تَعالى في جَنْبِ النَّظَرِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا يُعَدُّ نَظَرًا كَما قِيلَ في نَحْوِ ذَلِكَ الكِتابِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في جَمِيعِ الأحْوالِ بَلْ في بَعْضِها وفي ذَلِكَ لِالتِفاتٍ إلى ما سِواهُ جَلَّ جَلالُهُ

فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى تُرِيدُونَ شَيْئًا أزِيدُكم فَيَقُولُونَ ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنا ألَمْ تُدْخِلْنا الجَنَّةَ وتُنْجِنا مِنَ النّارِ قالَ فَيَكْشِفُ اللَّهُ تَعالى الحِجابَ فَما أُعْطُوا شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ» .

وفِي حَدِيثِ جابِرٍ وقَدْ رَواهُ ابْنُ ماجَةَ: «فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ ما دامُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ حَتّى يَحْتَجِبَ عَنْهم». ومِن هُنا قِيلَ:

فَيَنْسَوْنَ النَّعِيمَ إذا رَأوْهُ ∗∗∗ فَيا خُسْرانَ أهْلِ الِاعْتِزالِ

وكَثِيرًا ما يَحْصُلُ نَحْوُ ذَلِكَ لِلْعارِفِينَ في هَذِهِ النَّشْأةِ فَيَسْتَغْرِقُونَ في بِحارِ الحُبِّ وتَسْتَوْلِي عَلى قُلُوبِهِمْ أنْوارُ الكَشْفِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِن جَمِيعِ الكَوْنِ:

فَلَمّا اسْتَبانَ الصُّبْحُ أدْرَجَ ضَوْءُهُ ∗∗∗ بِإسْفارِهِ أنْوارَ ضَوْءِ الكَواكِبِ

وقِيلَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إلى مُلْكِ أوْ رَحْمَةِ أوْ ثَوابِ رَبِّها ناظِرَةٌ والنَّظَرُ عَلى مَعْناهُ المَعْرُوفِ أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ والنَّظَرُ بِمَعْنى الِانْتِظارِ فَقَدْ جاءَ لُغَةً بِهَذا المَعْنى أيْ إلى أنْعامِ رَبِّها مُنْتَظَرَةٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الحَذْفَ خِلافُ الظّاهِرِ وما زَعَمُوا مِنَ الدّاعِي مَرْدُودٌ في مَحَلِّهِ وبِأنَّ النَّظَرَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ لا يَتَعَدّى بِإلى بَلْ بِنَفْسِهِ وبِأنَّهُ لا يُسْنَدُ إلى الوَجْهِ فَلا يُقالُ وجْهُ زَيْدٍ مُنْتَظَرٌ، والمُتَبادِرُ مِنَ الإسْنادِ إسْنادُ النَّظَرِ إلى الوُجُوهِ الحَقِيقِيَّةِ وهو يَأْبى إرادَةَ الذّاتِ مِنَ الوَجْهِ وتَفَصّى الشَّرِيفُ المُرْتَضى في الدُّرَرِ عَنْ بَعْضِ هَذا بِأنَّ إلى اسْمٌ بِمَعْنى النِّعْمَةِ واحِدُ الآلاءِ وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِناظِرَةٌ بِمَعْنى مُنْتَظَرَةٌ فَيَكُونُ الِانْتِظارُ قَدْ تَعَدّى بِنَفْسِهِ وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ والزَّمَخْشَرِيُّ إذا تَحَقَّقْتَ كَلامَهُ رَأيْتَهُ لَمْ يَدَّعِ أنَّ النَّظَرَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ لِيُتَعَقَّبَ عَلَيْهِ بِما تُعُقِّبَ، بَلْ أرادَ أنَّ النَّظَرَ بِالمَعْنى المُتَعارَفِ كِنايَةٌ عَنِ التَّوَقُّعِ والرَّجاءِ، فالمَعْنى عِنْدَهُ أنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ النِّعْمَةَ والكَرامَةَ إلّا مِن رَبِّهِمْ كَما كانُوا في الدُّنْيا لا يَخْشَوْنَ ولا يَرْجُونَ إلّا إيّاهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يَرْجِعُ إلى إدارَةِ الِانْتِظارِ لَكِنْ كِنايَةً والِانْتِظارُ لا يُساعِدُهُ المَقامُ إذْ لا نِعْمَةَ فِيهِ وفي مِثْلِهِ قِيلَ الِانْتِظارُ مَوْتٌ أحْمَرُ والَّذِي يَقْطَعُ الشَّغَبَ ويَدُقُّ في فَرْوَةٍ مَن أخَسَّ الطَّلَبَ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً لَمَن يُنْظَرُ إلى جِنانِهِ وأزْواجِهِ ونَعِيمِهِ وخَدَمِهِ وسُرُرِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ سَنَةٍ وأكْرَمَهم عَلى اللَّهِ مَن يَنْظُرُ إلى وجْهِهِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾» .

فَهُوَ تَفْسِيرٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ أعْلَمُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لا سِيَّما بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِن كَلامِ رَبِّ العالَمِينَ ومِثْلُ هَذا فِيما ذُكِرَ ما أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ «عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقْرَأهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ فَقالَ: واللَّهِ ما نَسَخَها مُنْذُ أنْزَلَها يَزُورُونَ رَبَّهم تَبارَكَ وتَعالى فَيُطْعَمُونَ ويُسْقَوْنَ ويَطِيبُونَ ويَحِلُّونَ ويَرْفَعُ الحِجابَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ ويَنْظُرُ إلَيْهِمْ عَزَّ وجَلَّ» .

وهَذا الحِجابُ عَلى ما قالَ السّادَةُ مِن قِبَلِهِمْ لا مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ وأنْشَدُوا:

صفحة 146

وكُنّا حَسِبْنا أنَّ لَيْلى تَبَرْقَعَتْ ∗∗∗ وأنَّ حِجابًا دُونَها يَمْنَعُ اللَّثْما

فَلاحَتْ فَلا واللَّهِ ما ثَمَّ حاجِبٌ ∗∗∗ سِوى أنْ طَرَفِي كانَ عَنْ حُسْنِها أعْمى

ثُمَّ إنَّ أجْهَلَ الخَلْقِ عِنْدَهُمُ المُعْتَزِلَةُ وأشَدَّهم عَمًى وأدْناهم مَنزِلَةً حَيْثُ أنْكَرُوا صِحَّةَ رُؤْيَةِ مَن لا ظاهِرَ سِواهُ بَلْ لا مَوْجُودَ عَلى الحَقِيقَةِ إلّا إيّاهُ وأدِلَّةُ إنْكارِهِمْ صِحَّةَ رُؤْيَتِهِ تَعالى مَذْكُورَةٌ مَعَ رُدُودِها في كُتُبِ الكَلامِ وكَذا أدِلَّةُ القُدُومِ عَلى الصِّحَّةِ وكَأنِّي بِكَ بَعْدَ الإحاطَةِ وتَدْقِيقِ النَّظَرِ تَمِيلُ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُرى لَكِنْ لا مِن حَيْثُ ذاتُهُ سُبْحانَهُ البَحْتُ ولا مِن حَيْثُ كُلُّ تَجَلٍّ حَتّى تَجَلِّيهِ بِنُورِهِ الشَّعْشَعانِيِّ الَّذِي لا يُطاقُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَضِرَةٌ» بِغَيْرِ ألْفٍ.

75:24–25Page 578

وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذِۭ بَاسِرَةٞ ٢٤

And [some] faces, that Day, will be contorted,

تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ ٢٥

Expecting that there will be done to them [something] backbreaking.

﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ أيْ شَدِيدَةُ العُبُوسِ وباسِلٌ أبْلَغُ مِن باسِرٍ فِيما ذُكِرَ لَكِنَّهُ غَلَبَ في الشُّجاعِ إذا اشْتَدَّتْ كُلُوحَتُهُ فَعَدَلَ عَنْهُ لِإيهامِهِ غَيْرَ المُرادِ وعَنى بِهَذِهِ الوُجُوهِ وُجُوهَ الكَفَرَةِ ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ أيْ داهِيَةٌ عَظِيمَةٌ تَقْصِمُ فِقارَ الظَّهْرِ مِن فَقَرَهُ أصابَ فِقارَهُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ﴿فاقِرَةٌ﴾ مِن فَقَرْتُ البَعِيرَ إذا وسَمْتُ أنْفَهُ بِالنّارِ وفاعِلُ تَظُنُّ ضَمِيرُ الوُجُوهِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ تَظُنُّ أرْبابُها وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلَيْها عَلى أنَّ الوَجْهَ بِمَعْنى الذّاتِ اسْتِخْدامًا وفِيهِ بُعْدٌ.

والظَّنُّ قِيلَ أُرِيدَ بِهِ اليَقِينُ واخْتارَهُ الطِّيبِيُّ وأنَّ المَصْدَرِيَّةَ لا تَقَعُ بَعْدَ فِعْلِ التَّحْقِيقِ الصِّرْفِ دُونَ فِعْلِ الظَّنِّ أوْ ما يُؤَدِّي مَعْنى العِلْمِ فَتَقَعُ بَعْدَهُ كالمُشَدِّدَةِ والمُخَفَّفَةِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الرَّضِيُّ وقِيلَ هو عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ المَشْهُورِ والمُرادُ تَتَوَقَّعُ ذَلِكَ واخْتارَهُ مَنِ اخْتارَهُ ولا دَلالَةَ فِيهِ بِواسِطَةِ التَّقابُلِ عَلى أنْ يَكُونَ النَّظَرُ ثَمَّ بِالمَعْنى المَذْكُورِ كَما زَعَمَهُ مَن زَعْمَهُ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ ما يُفْعَلُ بِهِمْ في مُقابَلَةِ النَّظَرِ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ لِكَوْنِ ذَلِكَ غايَةَ النِّعْمَةِ وهَذا غايَةُ النِّقْمَةِ وجِيءَ بِفِعْلِ الظَّنِّ هاهُنا دَلالَةً عَلى أنَّ ما هم فِيهِ وإنْ كانَ غايَةَ الشَّرِّ يُتَوَقَّعُ بَعْدَهُ أشَدُّ مِنهُ وهَكَذا أبَدًا وذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ بِالفاقِرَةِ ما لا يُكْنِنَّهُ مِنَ العَذابِ فَكُلُّ ما يُفْعَلُ بِهِ مِن أشَدِّهِ اسْتَدَلَّ مِنهُ عَلى آخَرَ وتَوَقَّعَ أشَدَّ مِنهُ وإذا كانَ ظانًّا كانَ أشَدَّ عَلَيْهِ مِمّا إذا كانَ عالِمًا مُوَطِّنًا نَفْسَهُ عَلى الأمْرِ عَلى أنَّ العِلْمَ بِالكائِنِ واقِعٌ لا بِما يَتَجَدَّدُ آنًا فَآنًا فَهَذا وجْهُ الإتْيانِ بِفِعْلِ الظَّنِّ ولَمْ يُؤْتَ في المُقابِلِ بِفِعْلِ ظَنَّ أوْ عَلِمَ لِأنَّهم وصَلُوا إلى ما لا مَطْلُوبَ وراءَهُ وذاقُوهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ التَّفاوُتِ في ذَلِكَ النَّظَرِ قُوَّةً وضَعْفًا بِالنِّسْبَةِ إلى الرّائِي عَلى ما قَرَّرَهُ فَلَعَلَّ هَذا حُجَّةٌ عَلى الزّاعِمِ لا لَهُ أسْبَغَ اللَّهُ عَلَيْنا بِرُؤْيَتِهِ فَضْلَهُ.

75:26–27Page 578

كـَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ ٢٦

No! When it [i.e., the soul] has reached the collar bones1

وَقِيلَ مَنۡۜ رَاقٖ ٢٧

And it is said, "Who will cure [him]?"

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنْ إيثارِ العاجِلَةِ عَلى الآخِرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ ارْتَدِعُوا عَنْ ذَلِكَ وتَنَبَّهُوا لِما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ المَوْتِ الَّذِي تَنْقَطِعُ عِنْدَهُ ما بَيْنَكم وبَيْنَ العاجِلَةِ مِنَ العَلاقَةِ ﴿إذا بَلَغَتِ﴾ أيِ النَّفْسُ أوِ الرُّوحُ الدّالُّ عَلى سِياقِ الكَلامِ كَما في قَوْلِ حاتِمٍ:

أماوِيُّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ

ونَحْوَ قَوْلِ العَرَبِ أرْسَلَتْ يُرِيدُونَ جاءَ المَطَرُ ولا تَكادُ تَسْمَعُهم يَقُولُونَ أرْسَلَتِ السَّماءُ نَعَمْ قَدْ يُصَرَّحُ فِيما هُنا بِالفاعِلِ فَيُقالُ بَلَغَتِ النَّفْسُ ﴿التَّراقِيَ﴾ أيْ أعالِي الصَّدْرِ وهي العِظامُ المُكْتَنِفَةُ ثَغْرَةَ النَّحْرِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ جَمْعُ تَرْقُوَةٍ وأنْشَدُوا لِدُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:

ورُبَّ عَظِيمَةٍ رافَعَتْ عَنْهم ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي

﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾

أيْ قالَ مَن حَضَرَ صاحِبَها مَن يَرْقِيهِ ويُنْجِيهِ مِمّا هو فِيهِ مِنَ الرُّقْيَةِ وهي ما يُسْتَشْفى بِهِ المَلْسُوعُ والمَرِيضُ مِنَ الكَلامِ المُعَدِّ لِذَلِكَ ومِنهُ آياتُ الشِّفاءِ ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ الطَّبِيبِ أعَمُّ مِن أنْ يُطَبَّ بِالقَوْلِ أوْ بِالفِعْلِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وأبُو قِلابَةَ وقَتادَةَ ما هو ظاهِرٌ فِيهِ والِاسْتِفْهامُ عِنْدَ بَعْضٍ حَقِيقِيٌّ وقِيلَ هو اسْتِفْهامُ اسْتِبْعادٍ وإنْكارٍ أيْ قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا لا أحَدَ يَرْقِيهِ كَما يُقالُ عِنْدَ اليَأْسِ مَن ذا الَّذِي يَقْدِرُ أنَّ يَرْقى هَذا المُشْرِفَ عَلى المَوْتِ ورُوِيَ

صفحة 147

ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وابْنِ زَيْدٍ وقِيلَ هو مِن كَلامِ مَلائِكَةِ المَوْتِ أيْ أيُّكم يَرْقى بِرُوحِهِ أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ مِنَ الرُّقِيِّ وهو العُرُوجُ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وسُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ والِاسْتِفْهامُ عَلَيْهِ حَقِيقِيٌّ وتُعُقِّبَ بِأنَّ اعْتِبارَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدُ ﴿فَلا صَدَّقَ﴾ إلَخِ ودُفِعَ بِأنَّ الضَّمِيرَ لِلْإنْسانِ والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ والِاقْتِصارُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أحْوالِ بَعْضِ الفَرِيقَيْنِ لا يُنافِي العُمُومَ فِيما قَبْلُ ووَقَفَ حَفْصٌ رِوايَةً عَنْ عاصِمٍ عَلى مَن وابْتَدَأ ﴿راقٍ﴾

وأدْغَمَ الجُمْهُورُ قالَ أبُو عَلِيٍّ: لا أدْرِي ما وجْهُ قِراءَتِهِ وكَذَلِكَ قَرَأ ﴿بَلْ رانَ﴾ [المُطَفِّفِينَ: 14] وقالَ بَعْضُهم كَأنَّهُ قَصَدَ أنْ لا يُتَوَهَّمُ أنَّها كَلِمَةٌ واحِدَةٌ فَسَكَتَ سَكْتَةً لَطِيفَةً لِيُشْعِرَ أنَّهُما كَلِمَتانِ وإلّا فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُدْغَمَ في ﴿مَن راقٍ﴾

فَقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ إنَّ النُّونَ تُدْغَمُ في الرّاءِ وذَلِكَ نَحْوَ مَن راشَدَ والإدْغامُ بِغُنَّةٍ وبِغَيْرِ غُنَّةٍ ولَمْ يَذْكُرِ الإظْهارَ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ لَعَلَّ الإظْهارَ رَأْيٌ كُوفِيٌّ فَعاصِمٌ شَيْخُ حَفْصٍ يَذْكُرُ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِالنَّحْوِ، وأمّا ﴿بَلْ رانَ﴾ فَقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في ذَلِكَ أيْضًا أنَّ إظْهارَ اللّامِ وإدْغامَها مَعَ الرّاءِ حَسَنانِ، فَلَعَلَّ حَفْصًا لَمّا أفْرَطَ في إظْهارِ الإظْهارِ فِيهِ صارَ كالوَقْفِ القَلِيلِ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ عَلى أنَّ النَّفْسَ جِسْمٌ لا جَوْهَرَ مُجَرَّدٌ إذْ لا يَتَّصِفُ بِالحَرَكَةِ والتَّحَيُّزِ وأجابَ بَعْضٌ بِأنَّ هَذِهِ النَّفْسَ المُسْنَدَ إلَيْها بُلُوغُ التَّراقِي هي النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ لا الرُّوحُ الأمْرِيَّةُ وهي الجَوْهَرُ المُجَرَّدُ دُونَ الحَيَوانِيَّةِ وآخَرُ بِأنَّ المُرادَ بِبُلُوغِها التَّراقِي قُرْبُ انْقِطاعِ التَّعَلُّقِ وهو مِمّا يَتَّصِفُ بِهِ المُجَرَّدُ إذْ لا يَسْتَدْعِي حَرَكَةً ولا تَحَيُّزًا ولا نَحْوَهُما مِمّا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ.

وزَعَمَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إرادَةُ الحَقِيقَةِ ولَوْ كانَتِ النَّفْسُ جِسْمًا ضَرُورَةَ أنَّ بُلُوغَها التَّراقِي لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ مُفارَقَتِها القَلْبَ وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَوْتُ ولا يُقالُ ﴿مَن راقٍ﴾ كَما هو ظاهِرٌ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فِيهِ ولا يَتَأنّى أيْضًا ما يَذْكُرُ بَعْدُ عَلى ما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ والَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا أنَّ النَّفْسَ وهي الرُّوحُ الأمْرِيَّةُ جِسْمٌ لَطِيفٌ جِدًّا ألْطَفُ مِنَ الضَّوْءِ عِنْدَ القائِلِ بِجِسْمِيَّتِهِ والنَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ مَرْكَبٌ لَها وهي سارِيَةٌ في البَدَنِ نَحْوَ سَرَيانِ ماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ والنّارِ في الفَحْمِ وسَرَيانِ السَّيّالِ الكَهْرَبائِيِّ عِنْدَ القائِلِ بِهِ في الأجْسامِ والأدِلَّةِ عَلى جِسْمِيَّتِها كَثِيرَةٌ وقَدِ اسْتَوْفاها الشَّيْخُ ابْنُ القَيِّمِ في كِتابِ الرُّوحِ وأتى فِيهِ بِالعَجَبِ ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِبُلُوغِ التَّراقِي مُشارَفَةُ المَوْتِ وقُرْبُ خُرُوجِ الرُّوحِ مِنَ البَدَنِ سَلَّمْتَ الضَّرُورَةُ الَّتِي في كَلامِ ذَلِكَ الزّاعِمِ أمْ لَمْ تُسَلِّمْ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ .

75:28–29Page 578

وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلۡفِرَاقُ ٢٨

And he [i.e., the dying one] is certain that it is the [time of] separation

وَٱلۡتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ ٢٩

And the leg is wound about the leg,1

﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ أيْ وظَنَّ الإنْسانُ المُحْتَضِرُ أنَّ ما نَزَلَ بِهِ الفِراقُ مِن حَبِيبَتِهِ الدُّنْيا ونَعِيمِها وقِيلَ فِراقُ الرُّوحِ الجَسَدَ، والظَّنُّ هُنا عند أبِي حَيّانٍ عَلى بابِهِ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى تَفْسِيرِهِ بِاليَقِينِ قالَ الإمامُ ولَعَلَّهُ إنَّما سُمِّيَ اليَقِينُ هاهُنا بِالظَّنِّ لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَتْ رُوحُهُ مُتَعَلِّقَةً بِبَدَنِهِ يَطْمَعُ في الحَياةِ لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِهَذِهِ الحَياةِ العاجِلَةِ ولا يَنْقَطِعُ رَجاؤُهُ عَنْها فَلا يَحْصُلُ لَهُ يَقِينُ المَوْتِ بَلِ الظَّنُّ الغالِبِ مَعَ رَجاءِ الحَياةِ أوْ لَعَلَّهُ سَمّاهُ بِالظَّنِّ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ أيْ التَفَّتْ ساقُهُ بِساقِهِ والتَوَتْ عَلَيْها عِنْدَ هَلَعِ المَوْتِ وقَلْبِهِ.

كَما رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ وأبِي مالِكٍ وقالَ الحَسَنُ وابْنُ المُسَيِّبِ هُما ساقا المَيِّتِ عِنْدَما لُفّا في الكَفَنِ وقِيلَ المُرادُ بِالتِفافِهِما انْتِهاءُ أمْرِهِما وما يُرادُ فِيهِما يَعْنِي مَوْتَهُما وقِيلَ يَبُسْهُما بِالمَوْتِ وعَدَمُ تَحَرُّكِ إحْداهُما عَنِ الأُخْرى حَتّى كَأنَّهُما مُلْتَفَّتانِ فَهُما أوَّلُ ما يُخْرُجُ الرُّوحُ مِنهُ فَتَبْرُدانِ قَبْلَ سائِرِ الأعْضاءِ وتَيْبَسانِ فالسّاقُ بِمَعْناها الحَقِيقِيِّ وألْ فِيها عَهْدِيَّةٌ أوْ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وإسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ.

وهُوَ رِوايَةٌ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا ﴿والتَفَّتِ﴾ شِدَّةُ فِراقِ الدُّنْيا لِشِدَّةِ إقْبالِ الآخِرَةِ واخْتَلَطَتا ونَحْوُهُ قَوْلُ عَطاءٍ: اجْتَمَعَ عَلَيْهِ بِشِدَّةِ مُفارَقَةِ المَأْلُوفِ مِنَ الوَطَنِ والأهْلِ والوَلَدِ والصَّدِيقِ وشِدَّةِ القُدُومِ عَلى رَبِّهِ جَلَّ شَأْنُهُ لا يَدْرِي بِماذا يُقْدِمُ عَلَيْهِ، فالسّاقُ عِبارَةٌ عَنِ الشِّدَّةِ وهو مَثَلٌ في ذَلِكَ والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحاكِ ﴿والتَفَّتِ﴾ أسْوُقُ حاضِرِيهِ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ هَؤُلاءِ يُجَهِّزُونَ

صفحة 148

بَدَنَهُ إلى القَبْرِ وهَؤُلاءِ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ إلى السَّماءِ فَكَأنَّهم لِلِاخْتِلافِ في الذَّهابِ والإيابِ والتَّرَدُّدِ في الأعْمالِ قَدْ التَفَّتْ أسْوُقُهم وهَذا الِالتِفافُ عَلى حَدِّ اشْتِباكِ الأسِنَّةِ.

75:30Page 578

إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمَسَاقُ ٣٠

To your Lord, that Day, will be the procession.1

﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ أيْ إلى اللَّهِ تَعالى وحُكْمِهِ سَوْقُهُ لا إلى غَيْرِهِ عَلى أنَّ المَساقَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ كالمَقالِ وتَقَدُّمُ الخَيْرِ لِلْحَصْرِ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ هو حُكْمٌ وقِيلَ هو مَوْعِدٌ والمُرادُ بِهِ الجَنَّةُ والنّارُ وقِيلَ لَيْسَ هُناكَ مُضافٌ مُقَدَّرٌ عَلى أنَّ الرَّبَّ جَلَّ شَأْنُهُ هو السّائِقُ أيْ سَوْقُ هَؤُلاءِ مُفَوَّضٌ إلى رَبِّكَ لا إلى غَيْرِهِ والظّاهِرُ ما تَقَدَّمَ ثُمَّ إنْ كانَ هَذا في أنَّ الفاجِرَ أوْ فِيما يَعُمُّهُ والبَرُّ يُرادُ بِالسَّوْقِ السَّوْقُ المُناسِبُ لِلْمَسُوقِ وهَذِهِ الآيَةُ لَعَمْرِي بِشارَةٌ لِمَن حَسُنَ ظَنُّهُ بِرَبِّهِ وعَلِمَ أنَّهُ الرَّبُّ الَّذِي سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ:

قالُوا غَدًا نَأْتِي دِيارَ الحِمى ويَنْزِلُ الرَّكْبُ بِمَغْناهُمُ

فَقُلْتُ لِي ذَنْبٌ فَما حِيلَتِي ∗∗∗ بِأيِّ وجْهٍ أتَلَقّاهُمُ

قالُوا ألَيْسَ العَفْوُ مِن شَأْنِهِمْ ∗∗∗ لا سِيَّما عَمَّنْ تَرَجّاهُمُ

ثُمَّ إنَّ جَوابَ إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ أيْ كانَ ما كانَ أوْ انْكَشَفَتْ لِلْمَرْءِ حَقِيقَةُ الأمْرِ أوْ وجَدَ الإنْسانُ ما عَمِلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.

75:31–32Page 578

فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ ٣١

And he [i.e., the disbeliever] had not believed, nor had he prayed.

وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٣٢

But [instead], he denied and turned away.

﴿فَلا صَدَّقَ﴾ أيْ ما يَجِبُ تَصْدِيقُهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والرَّسُولِ ﷺ والقُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ولا صَلّى﴾ ما فُرِضَ عَلَيْهِ أيْ لَمْ يُصَدِّقْ ولَمْ يُصَلِّ فَلا داخِلَةٌ عَلى الماضِي كَما في قَوْلِهِ:

إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا

والضَّمِيرُ في الفِعْلَيْنِ لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فالمَعْنى بِناءً عَلى ما عَلِمْتَ مِن أنَّ السُّؤالَ سُؤالُ اسْتِهْزاءٍ واسْتِبْعادٍ اسْتَبْعَدَ البَعْثَ وأنْكَرَهُ فَلَمْ يَأْتِ بِأصْلِ الدِّينِ وهو التَّصْدِيقُ بِما يَجِبُ تَصْدِيقُهُ بِهِ ولا بِأهَمِّ فُرُوعِهِ وهو الصَّلاةُ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِذِكْرِ ما يُضادُّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ نَفْيًا لِتَوَّهُمِ السُّكُوتِ أوِ الشَّكِّ أيْ ومَعَ ذَلِكَ أظْهَرَ الجُحُودَ والتَّوَلِّيَ عَنِ الطّاعَةِ.

75:33Page 578

ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ ٣٣

And then he went to his people, swaggering [in pride].

﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ يَتَبَخْتَرُ افْتِخارًا بِذَلِكَ ومَن صَدَرَ عَنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَخافَ مِن حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى بِهِ فَيَمْشِي خائِفًا مُتَطامِنًا لا فَرِحًا مُتَبَخْتِرًا فَثَمَّ لِلِاسْتِبْعادِ ويَتَمَطّى مِنَ المَطِّ فَإنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ فَيَكُونُ أصْلُهُ يَتَمَطَّطُ قُلِبَتِ الطّاءُ فِيهِ حَرْفَ عِلَّةٍ كَراهَةَ اجْتِماعِ الأمْثالِ كَما قالُوا تَظَنّى مِنَ الظَّنِّ وأصْلُهُ تَظَنَّنَ أوْ مِنَ المَطا وهو الظَّهْرُ فَإنَّ المُتَبَخْتِرَ يَلْوِي مَطاهُ تَبَخْتُرًا فَيَكُونُ مُعْتَلًّا بِحَسَبِ الأصْلِ.

وفِي الحَدِيثِ «إذا مَشَتْ أُمَّتِي المُطَيْطاءَ وخَدَمَتْهم فارِسُ والرُّومُ فَقَدْ جَعَلَ بَأْسَهم بَيْنَهم وسَلَّطَ شِرارَهم عَلى خِيارِهِمْ» .

وجَعَلَ الطِّيبِيُّ عَطْفَ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِلتَّعَجُّبِ عَلى مَعْنى ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ وما اسْتَعَدَّ لَهُ إلّا ما يُوجِبُ دَمارَهُ وهَلاكَهُ. وقالَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ إلَخِ جَوابٌ عَنِ السُّؤالِ أُقْحِمَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ الِاهْتِمامِ وأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿لا تُحَرِّكْ﴾ إلَخِ اسْتِطْرادٌ عَلى ما سَمِعْتَ وجَعَلَ صَدَّقَ مِنَ التَّصَدُّقِ هو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ وقالَ قَوْمٌ: هو مِنَ التَّصْدِيقِ أيْ فَلا صَدَّقَ مالَهُ ولا زَكّاهُ.

قالَ أبُو حَيّانٍ: وهَذا الَّذِي يَظْهَرُ نَفى عَنْهُ الزَّكاةَ والصَّلاةَ وأثْبَتَ لَهُ التَّكْذِيبَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المُدَّثِّرِ: 43- 46] وحَمْلُهُ عَلى نَفْيِ التَّصْدِيقِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ولَكِنْ كَذَّبَ تَكْرارًا ولَزِمَ أنْ يَكُونَ اسْتِدْراكًا بَعْدَ ﴿ولا صَلّى﴾ لا بَعْدَ ﴿فَلا صَدَّقَ﴾ لِأنَّهُما مُتَوافِقانِ وفِيهِ نَظَرٌ يُعْلَمُ مِمّا قَرَّرْناهُ ثُمَّ إنَّهُ اسْتَبْعَدَ العَطْفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُ﴾ إلَخِ وذَكَرَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وكادَتْ تُصَرِّحُ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَتَمَطّى﴾ فَإنَّها كانَتْ مِشْيَتَهُ ومِشْيَةَ قَوْمِهِ بِنِي مَخْزُومٍ وكانَ

صفحة 149

يُكْثِرُ مِنها ولَمْ يُبَيِّنْ حالَ العَطْفِ عَلى هَذا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العَطْفَ لا يَأْبى حَدِيثَ النُّزُولِ في أبِي جَهْلٍ وقَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ نازِلٌ فِيهِ أيْضًا والحُكْمُ عَلى الجِنْسِ بِأحْكامٍ لا يَضُرُّ فِيهِ تَعَيُّنُ بَعْضِ أفْرادِهِ في حُكْمٍ مِنها نَعَمْ لا شَكَّ في بُعْدِ هَذا العَطْفِ لَفْظًا لَكِنَّ في بُعْدِهِ مَعْنًى مَقالٌ ولَعَلَّ فِيما بَعْدُ ما يُقَوِّي جانِبَ العَطْفِ عَلى ذاكَ.

75:34–35Page 578

أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰ ٣٤

Woe to you, and woe!

ثُمَّ أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰٓ ٣٥

Then woe to you, and woe!

﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ مِنَ الوَلِيِّ بِمَعْنى القُرْبِ فَهو لِلتَّفْضِيلِ في الأصْلِ غَلَبَ في قُرْبِ الهَلاكِ ودُعاءِ السُّوءِ كَأنَّهُ قِيلَ هَلاكًا أوْلى لَكَ بِمَعْنى أهْلَكَكَ اللَّهُ تَعالى هَلاكًا أقْرَبَ لَكَ مِن كُلِّ شَرٍّ وهَلاكٍ، وهَذا كَما غَلَبَ بُعْدًا وسُحْقًا في الهَلاكِ وفي الصِّحاحِ عَنِ الأصْمَعِيِّ قارَبَهُ ما يُهْلِكُهُ أيْ نَزَلَ بِهِ وأنْشَدَ:

فَعادى بَيْنَ هادِيَتَيْنِ مِنها وأوْلى أنْ نَزِيدَ عَلى الثَّلاثِ

أيْ قارَبَ ثُمَّ قالَ قالَ ثَعْلَبٌ: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ في ﴿أوْلى﴾ أحْسَنَ مِمّا قالَهُ الأصْمَعِيُّ وعَلى هَذا ﴿أوْلى﴾ فِعْلٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ ضَمِيرُ الهَلاكِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ واللّامُ مَزِيدَةٌ عَلى ما قِيلَ وقِيلَ هو فِعْلٌ ماضٍ دُعائِيٌّ مِنَ الوَلِيِّ أيْضًا إلّا أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُهُ تَعالى واللّامُ مَزِيدَةٌ أيْ أوْلاكَ اللَّهُ تَعالى ما تَكْرَهُهُ أوْ غَيْرُ مَزِيدَةٍ أيْ أدْنى اللَّهُ الهَلاكَ لَكَ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ عَنِ الأصْمَعِيِّ وعَنْ أبِي عَلِيٍّ أنَّ ﴿أوْلى لَكَ﴾ عِلْمٌ لِلْوَيْلِ مَبْنِيٌّ عَلى زِنَةِ أفْعَلَ مِن لَفْظِ الوَيْلِ عَلى القَلْبِ وأصْلُهُ أوْيَلُ وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والوَزْنِ فَهو مُبْتَدَأٌ ولَكَ خَبَرُهُ وفِيهِ أنَّ الوَيْلَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ فِيهِ ومِثْلُ يَوْمٍ أيْوَمُ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُنْقاسٍ لا يُفْرَدُ عَنِ المَوْصُوفِ البَتَّةَ وأنَّ القَلْبَ عَلى خِلافِ الأصْلِ لا يُرْتَكَبُ إلّا بِدَلِيلٍ وإنَّ عَلَمَ الجِنْسِ شَيْءٌ خارِجٌ عَنِ القِياسِ مُشْكِلُ التَّعَقُّلِ خاصَّةً فِيما نَحْنُ فِيهِ، وقِيلَ اسْمُ فِعْلٍ مَبْنِيٌّ ومَعْناهُ ويْلكَ شَرٌّ بَعْدَ شَرٍّ.

واخْتارَ جَمْعٌ أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ بِمَعْنى الأحْسَنِ والأحْرى خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ كَما يَلِيقُ بِمَقامِهِ فالتَّقْدِيرُ هُنا النّارُ أوْلى لَكَ أيْ أنْتَ أحَقُّ بِها وأهْلٌ لَها ﴿فَأوْلى﴾ ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ. والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ تَذْيِيلٌ لِلدُّعاءِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ كَأنَّهُ قِيلَ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ مَقُولًا لَهُ ﴿أوْلى لَكَ﴾ إلَخِ ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَ النِّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم «عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ أشَيْءٌ قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن نَفْسِهِ أمْ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ؟ قالَ: بَلْ قالَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ ثُمَّ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى» واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ إلَخْ. عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ فَلا تَغْفُلْ.

75:36Page 578

أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَن يُتۡرَكَ سُدًى ٣٦

Does man think that he will be left neglected?1

﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ مُهْمَلًا فَلا يُكَلَّفُ ولا يُجْزى وقِيلَ أنْ يُتْرَكَ في قَبْرِهِ فَلا يُبْعَثُ ويُقالُ: إبِلٌ سُدًى أيْ مُهْمَلَةٌ تَرْعى حَيْثُ شاءَتْ بِلا راعٍ وأسْدَيْتُ الشَّيْءَ أيْ أهْمَلْتُهُ وأسْدَيْتُ حاجَتِي ضَيَّعْتُها ولَمْ أعْتَنِ بِها. قالَ الشّاعِرُ:

فَأقْسَمَ بِاللَّهِ جَهْدَ اليَمِ ينِ ما خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا سُدًى

ونَصْبُ سُدًى عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ يُتْرَكَ وأنْ يُتْرَكَ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ لِيَحْسَبَ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ وكانَ تَكْرِيرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ لِتَكْرِيرِ إنْكارِ الحَشْرِ قِيلَ مَعَ تَضَمُّنِ الكَلامِ الدَّلالَةَ عَلى وُقُوعِهِ حَيْثُ إنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي الأمْرَ بِالمَحاسِنِ والنَّهْيَ عَنِ القَبائِحِ والرَّذائِلِ والتَّكْلِيفُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِمُجازاةٍ وهي قَدْ لا تَكُونُ في الدُّنْيا فَتَكُونُ في الآخِرَةِ وجَعَلَ بَعْضُهم هَذا اسْتِدْلالًا عَقْلِيًّا عَلى وُقُوعِ الحَشْرِ وفِيهِ بَحْثٌ لا يَخْفى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском