Al-AlusiAl‑Insan · 76:8–16

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Insan 76:8–16

76:8Page 579

وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا ٨

And they give food in spite of love for it1 to the needy, the orphan, and the captive,

﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ أيْ كائِنِينَ عَلى حُبِّ الطَّعامِ أيْ مَعَ اشْتِهائِهِ والحاجَةِ إلَيْهِ فَهو مِن بابِ التَّتْمِيمِ ويُجاوِبُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: 92] ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أوْ عَلى حُبِّ الإطْعامِ بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطِيبِ نَفْسٍ وعَدَمِ تَكَلُّفٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ وهو حَسَنٌ أوْ كائِنِينَ عَلى حُبِّ اللَّهِ تَعالى أوْ إطْعامًا كائِنًا عَلى حُبِّهِ تَعالى ولِوَجْهِهِ سُبْحانَهُ وابْتِغاءَ مَرْضاتِهِ عَزَّ وجَلَّ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ وأبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ.

فَعَلى حُبِّهِ مِن بابِ التَّكْمِيلِ وزَيَّفَهُ بَعْضُهم وقالَ الأوَّلُ هو الوَجْهُ ويُجاوِبُهُ القُرْآنُ عَلى أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى لِوَجْهِ اللَّهِ بَعْدُ غَنِيَّةٌ عَنْ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ وفِيهِ نَظَرٌ بَلْ لَعَلَّهُ الأنْسَبُ لِذاكَ، وذِكْرُ الطَّعامِ مَعَ أنَّ الإطْعامَ يُغْنِي عَنْهُ لِتَعْيِينِ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ عَلى الأوَّلِ، ولِأنَّ الطَّعامَ كالعِلْمِ فِيما فِيهِ قِوامُ البَدَنِ واسْتِقامَةُ البِنْيَةِ وبَقاءُ النَّفْسِ فَفي التَّصْرِيحِ بِهِ تَأْكِيدٌ لِفَخامَةِ فِعْلِهِمْ عَلى الأخِيرَيْنِ ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ عَلى الأوَّلِ أيْضًا ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِإطْعامِ الطَّعامِ حَقِيقَتُهُ.

وقِيلَ هو كِنايَةٌ عَنِ الإحْسانِ إلى المُحْتاجِينَ والمُواساةِ مَعَهم بِأيِّ وجْهٍ كانَ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِالطَّعامِ بِعَيْنِهِ فَكَأنَّهُ يَنْفَعُونَ بِوُجُوهِ المَنافِعِ ﴿مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ قِيلَ أيَّ أسِيرٍ كانَ، فَعَنِ الحَسَنِ «أنَّهُ ﷺ كانَ يُؤْتى بِالأسِيرِ فَيَدْفَعُهُ إلى بَعْضِ المُسْلِمِينَ فَيَقُولُ: «أحْسِنْ إلَيْهِ» فَيَكُونُ عِنْدَهُ اليَوْمَيْنِ والثَّلاثَةَ فَيُؤْثِرُهُ عَلى نَفْسِهِ» .

وقالَ قَتادَةُ: كانَ أسِيرُهم يَوْمَئِذٍ المُشْرِكَ وأخُوكَ المُسْلِمُ أحَقُّ أنْ تُطْعِمَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ «عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا صَدَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالأسارى مِن بَدْرٍ أنْفَقَ سَبْعَةً مِنَ المُهاجِرِينَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ والزُّبَيْرُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ وسَعْدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ عَلى أسارى مُشْرِكِي بَدْرٍ، فَقالَتْ الأنْصارُ: قَتَلْناهم في اللَّهِ وفي رَسُولِهِ ﷺ وتُعِينُونَهم بِالنَّفَقَةِ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ تِسْعَةَ عَشْرَةَ آيَةً ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ﴾ - إلى قَوْلِهِ تَعالى- ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلا﴾» [الإنْسانِ: 5- 18] فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إطْعامَ الأسارى وإنْ كانُوا مَن أهْلِ الشِّرْكِ حَسُنٌ ويُرْجى ثَوابُهُ، والخَبَرُ الأوَّلُ قالَ ابْنُ حَجْرٍ لَمْ يَذْكُرْهُ مَن يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِن أهْلِ الحَدِيثِ.

وقالَ ابْنُ العِراقِيِّ: لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، والخَبَرُ الثّانِي لَمْ أرَهُ لِفَرْدٍ غَيْرِ ابْنِ عَساكِرَ ولا وُثُوقَ لِي بِصِحَّتِهِ وهو يَقْتَضِي مَدَنِيَّةَ هَذِهِ الآياتِ وقَدْ عَلِمْتَ الخِلافَ في ذَلِكَ نَعَمْ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ يَجُوزُ الإحْسانُ إلى الكُفّارِ في دارِ الإسْلامِ ولا تُصْرَفُ إلَيْهِمُ الواجِباتُ.

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ: هو الأسِيرُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ. قالَ الطِّيبِيُّ هَذا إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا اتَّفَقَ الإطْعامُ في دارِ الحَرْبِ مِنَ المُسْلِمِ لِأسِيرٍ في أيْدِيهِمْ. وقِيلَ هو الأسِيرُ المُسْلِمُ تُرِكَ في بِلادِ الكُفّارِ

صفحة 156

رَهِينَةً وخَرَجَ لِطَلَبِ الفِداءِ.

ورَوى مُحْيِي السُّنَّةِ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وعَطاءٍ أنَّهم قالُوا: هو المَسْجُونُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إطْعامَ أهْلِ المَحْبُوسِ المُسْلِمِينَ حَسَنٌ، وقَدْ يُقالُ: لا يَحْسُنُ إطْعامُ المَحْبُوسِ لِوَفاءِ دَيْنٍ يَقْدِرُ عَلى وفائِهِ إنَّما امْتَنَعَ عَنْهُ تَعَنُّتًا ولِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ النَّفْسانِيَّةِ.

وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ هو المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ وتَسْمِيَةُ المَسْجُونِ أسِيرًا مَجازٌ لِمَنعِهِ عَنِ الخُرُوجِ، وأمّا تَسْمِيَةُ المَمْلُوكِ فَمَجازٌ أيْضًا لَكِنْ قِيلَ بِاعْتِبارِ ما كانَ وقِيلَ بِاعْتِبارِ شَبَهِهِ بِهِ في تَقْيِيدِهِ بِأسارِ الأمْرِ وعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِن فِعْلِ ما يَهْوى وعَدُّ الغَرِيمِ أسِيرًا لِقَوْلِهِ ﷺ: «غَرِيمُكَ أسِيرُكَ فَأحْسِنْ إلى أسِيرِكَ» .

وهُوَ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ إلّا أنَّهُ قِيلَ في هَذا الخَبَرِ ما قِيلَ في الخَبَرِ الأوَّلِ وقالَ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ: هي الزَّوْجَةُ وضَعْفُهُ هاهُنا ظاهِرٌ.

76:9Page 579

إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا ٩

[Saying], "We feed you only for the face [i.e., approval] of Allāh. We wish not from you reward or gratitude.

﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ عَلى إرادَةِ قَوْلِ هو في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ﴿يُطْعِمُونِ﴾ أيْ قائِلِينَ ذَلِكَ بِلِسانِ الحالِ لِما يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن أماراتِ الإخْلاصِ وعَنْ مُجاهِدٍ إمّا إنَّهم ما تَكَلَّمُوا بِهِ ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم فَأثْنى سُبْحانَهُ بِهِ عَلَيْهِمْ لِيَرْغَبَ فِيهِ راغِبٌ أوْ بِلِسانِ المَقالِ إزاحَةً لِتَوَهُّمِ المَنِّ المُبْطِلِ لِلصَّدَقَةِ وتَوَقُّعِ المُكافَأةِ المُنَقِّصَةِ لِلْأجْرِ وعَنِ الصَّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها كانَتْ تَبْعَثُ بِالصَّدَقَةِ إلى أهْلِ بَيْتٍ ثُمَّ تَسْألُ الرَّسُولَ ما قالُوا فَإذا ذَكَرَ دُعاءً دَعَتْ لَهم بِمِثْلِهِ لِيَبْقى لَها ثَوابُ الصَّدَقَةِ خالِصًا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وجُوِّزَ أنَّ يَكُونَ قَوْلُهم هَذا لَهم لُطْفًا وتَفْقِيهًا وتَنْبِيهًا عَلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَن أخْلَصَ لِلَّهِ تَعالى ولَيْسَ بِذاكَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً﴾ بِالأفْعالِ ﴿ولا شُكُورًا﴾ ولا شُكْرًا وثَناءً بِالأقْوالِ تَقْرِيرٌ وتَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ.

76:10Page 579

إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوۡمًا عَبُوسٗا قَمۡطَرِيرٗا ١٠

Indeed, We fear from our Lord a Day austere and distressful."

﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا﴾ أيْ عَذابَ يَوْمٍ فَهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ أنَّ خَوْفَهُ كِنايَةٌ عَنْ خَوْفِ ما فِيهِ ﴿عَبُوسًا﴾ تَعْبِسُ فِيهِ الوُجُوهُ عَلى أنَّهُ مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ كَما في نَهارَهُ صائِمٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الكافِرَ يَعْبِسُ يَوْمَئِذٍ حَتّى يَسِيلَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ عَرَقٌ مِثْلُ القَطْرانِ أوْ يُشْبِهُ الأسَدَ العَبُوسَ عَلى أنَّهُ مِنَ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ التَّخْيِيلِيَّةِ لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ العُبُوسَ لَيْسَ مِن لَوازِمِ الأسَدِ وإنَّما اشْتُهِرَ وصْفُهُ بِهِ فَفي التَّخْيِيلِيَّةِ ضَعْفٌ ما وقِيلَ إنَّهُ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ شَدِيدَ العُبُوسِ ويُقالُ شَدِيدًا صَعْبًا كَأنَّهُ التَفَّ شَرُّهُ بِعْضُهُ بِبَعْضٍ وقِيلَ طَوِيلًا وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجاءَ قَماطِرَ وأنْشَدُوا لِأسَدِ بْنِ ناغِصَةَ:

واصْطَلَيْتُ الحُرُوبَ في كُلِّ يَوْمٍ باسِلَ الشَّرِّ قَمْطَرِيرَ الصَّباحِ

بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ عَلَيْكم إذا ما كانَ يَوْمٌ قَماطِرُ

وقَوْلٌ آخَرُ:

وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ فَقالَ: القَمْطَرِيرُ الَّذِي يَعْبِسُ حَتّى يَجْتَمِعَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ويُقالُ: اقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها وزَمَّتْ بِأنْفِها وجَمَعَتْ قُطْرَيْها أيْ جانِبَيْها كَأنَّها تَفْعَلُ ذَلِكَ إذا لَحِقَتْ كِبَرًا.

وقِيلَ: لِتَضَعَ حَمْلَها فاشْتِقاقُهُ عِنْدَهُ عَلى ما قِيلَ مِن قُطْرٍ بِالِاشْتِقاقِ الكَبِيرِ والمِيمُ زائِدَةٌ وهَذا لا يَلْزَمُ الزَّجّاجَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا كَذَلِكَ مِنَ القَمْطِ، ويُقالُ: قَمَطَهُ إذا شَدَّهُ وجَمَعَ أطْرافَهُ وفي البَحْرِ يُقالُ: اقْمَطَرَّ فَهو مُقَمْطَرٌ وقَمْطَرِيرٌ وقُماطِرُ إذا صَعُبَ واشْتَدَّ واخْتَلَفَ في هَذا الوَزْنِ وأكْثَرُ النُّحاةِ لا يَثْبُتُونَ افْمَعَلَّ في أوْزانِ الأفْعالِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ عِلَّةً لِإحْسانِهِمْ وفِعْلِهِمُ المَذْكُورِ كَأنَّهُ قِيلَ نَفْعَلُ بِكم ما نَفْعَلُ لِأنّا نَخافُ يَوْمًا صِفَتُهُ كَيْتَ وكَيْتَ، فَنَحْنُ نَرْجُو بِذَلِكَ أنْ يَقِيَنا رَبُّنا جَلَّ وعَلا شَرَّهُ، وأنْ تَكُونَ عِلَّةً لِعَدَمِ إرادَةِ الجَزاءِ والشَّكُورِ أيْ إنّا لا نُرِيدُ مِنكُمُ المُكافَأةَ لِخَوْفِ عِقابِ اللَّهِ تَعالى عَلى طَلَبِ المُكافَأةِ بِالصَّدَقَةِ وإلى الوَجْهَيْنِ أشارَ في الكَشّافِ وقالَ في الكَشْفِ: الثّانِي أوْجَهُ لِيَبْقى قَوْلُهُ لِوَجْهِ اللَّهِ خالِصًا غَيْرَ مَشُوبٍ بِحَظِّ النَّفْسِ مِن جَلْبٍ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ ولَوْ جُعِلَ عِلَّةً لِلْإطْعامِ المُعَلَّلِ عَلى المَعْنى إنَّما خَصَّصْنا الإحْسانَ لِوَجْهِهِ تَعالى لِأنّا نَخافُ يَوْمَ جَزائِهِ ومَن خافَهُ لازَمَ الإخْلاصَ لَكانَ وجْهًا.

76:11Page 579

فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمِ وَلَقَّىٰهُمۡ نَضۡرَةٗ وَسُرُورٗا ١١

So Allāh will protect them from the evil of that Day and give them radiance and happiness

﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ﴾ بِسَبَبِ خَوْفِهِمْ وتَحَفُّظِهِمْ عَنْهُ. وقَرَأ أبُو

صفحة 157

جَعْفَرٍ فَوَقّاهم بِشَدِّ القافِ وهو أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ أيْ أعْطاهم بَدَلَ عُبُوسِ الفُجّارِ وحُزْنِهِمْ نَضْرَةً في الوُجُوهِ وسُرُورًا في القُلُوبِ.

76:12Page 579

وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةٗ وَحَرِيرٗا ١٢

And will reward them for what they patiently endured [with] a garden [in Paradise] and silk [garments].

﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ بِصَبْرِهِمْ عَلى مَشاقَّ الطّاعاتِ ومُهاجَرَةِ هَوى النَّفْسِ في اجْتِنابِ المُحَرَّماتِ وإيثارِ الأمْوالِ مَأْكَلًا ومَلْبَسًا ﴿جَنَّةً﴾ بُسْتانًا عَظِيمًا يَأْكُلُونَ مِنهُ ما شاؤُوا ﴿وحَرِيرًا﴾ يَلْبَسُونَهُ ويَتَزَيَّنُونَ بِهِ

ومِن رِوايَةِ عَطاءٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ مَرِضا فَعادَهُما جَدُّهُما مُحَمَّدٌ ﷺ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وعادَهُما مَن عادَهُما مِنَ الصَّحابَةِ فَقالُوا لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: يا أبا الحَسَنِ لَوْ نَذَرْتَ عَلى ولَدَيْكَ فَنَذَرَ عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وفِضَّةٌ جارِيَةٌ لَهُما إنْ بَرَآ مِمّا بِهِما أنْ يَصُومُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ شُكْرًا فَألْبَسَ اللَّهُ تَعالى الغُلامَيْنِ ثَوْبَ العافِيَةِ.

ولَيْسَ عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ فانْطَلَقَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ إلى شَمْعُونَ اليَهُودِيِّ الخَيْبَرَيِّ فاسْتَقْرَضَ مِنهُ ثَلاثَةَ أصْوُعٍ مِن شَعِيرٍ فَجاءَ بِها فَقامَتْ فاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها إلى صاعٍ فَطَحَنَتْهُ وخَبَزَتْ مِنهُ خَمْسَةَ أقْراصٍ عَلى عَدَدِهِمْ وصَلّى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ المَغْرِبَ ثُمَّ أتى المَنزِلَ فَوَضَعَ الطَّعامَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَوَقَفَ بِالبابِ سائِلٌ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم يا أهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أنا مِسْكِينٌ مِن مَساكِينِ المُسْلِمِينَ أطْعِمُونِي أطْعَمَكُمُ اللَّهُ تَعالى مِن مَوائِدِ الجَنَّةِ، فَآثَرُوهُ وباتُوا لَمْ يَذُوقُوا شَيْئًا إلّا الماءَ وأصْبَحُوا صِيامًا، ثُمَّ قامَتْ فاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها إلى صاعٍ آخَرَ فَطَحَنَتْهُ وخَبَزَتْهُ وصَلّى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ المَغْرِبَ ثُمَّ أتى المَنزِلَ فَوَضَعَ الطَّعامَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَوَقَفَ يَتِيمٌ بِالبابِ، وقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم يا أهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، يَتِيمٌ مِن أوْلادِ المُهاجِرِينَ أطْعِمُونِي أطْعَمَكُمُ اللَّهُ تَعالى مِن مَوائِدِ الجَنَّةِ، فَآثَرُوهُ ومَكَثُوا يَوْمَيْنِ ولَيْلَتَيْنِ لَمْ يَذُوقُوا شَيْئًا إلّا الماءَ القِراحَ وأصْبَحُوا صِيامًا فَلَمّا كانَ يَوْمُ الثّالِثِ قامَتْ فاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها إلى الصّاعِ الثّالِثِ وطَحَنَتْهُ وخَبَزَتْهُ وصَلّى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ المَغْرِبَ فَأتى المَنزِلَ فَوَضَعَ الطَّعامَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَوَقَفَ أسِيرٌ بِالبابِ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم يا أهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أنا أسِيرُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أطْعِمُونِي أطْعَمَكُمُ اللَّهُ، فَآثَرُوهُ وباتُوا لَمْ يَذُوقُوا إلّا الماءَ القِراحَ.

فَلَمّا أصْبَحُوا أخَذَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ الحَسَنَ والحُسَيْنَ وأقْبَلُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَآهم يَرْتَعِشُونَ كالفِراخِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ قالَ: يا أبا الحَسَنِ ما أشَدَّ ما يَسُوءُنِي ما أرى بِكم وقامَ فانْطَلَقَ مَعَهم إلى فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَرَآها في مِحْرابِها قَدِ التَصَقَ بَطْنُها بِظَهْرِها وغارَتْ عَيْناها مِن شِدَّةِ الجُوعِ فَرَقَّ لِذَلِكَ ﷺ وساءَهُ ذَلِكَ فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: خُذْها يا مُحَمَّدُ هَنّاكَ اللَّهُ تَعالى في أهْلِ بَيْتِكَ قالَ: وما آخُذُ يا جِبْرِيلُ فَأقْرَأْهُ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾» السُّورَةَ.

وفِي رِوايَةِ ابْنِ مَهْرانَ «فَوَثَبَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى دَخَلَ عَلى فاطِمَةَ فَأكَبَّ عَلَيْها يَبْكِي فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ﴾ إلى آخِرِهِ» وفي رِوايَةٍ عَنْ عَطاءٍ «أنَّ الشَّعِيرَ كانَ عَنْ أُجْرَةِ سَقْيِ نَخْلٍ وأنَّهُ جُعِلَ في كُلِّ يَوْمٍ ثُلُثٌ مِنهُ عَصِيدَةً فَآثَرُوا بِها» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ويُطْعِمُونَ﴾ إلَخِ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وفاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلَيْهِمْ وسَلَّمَ ولَمْ يَذْكُرِ القِصَّةَ والخَبَرُ مَشْهُورٌ بَيْنَ النّاسِ وذَكَرَهُ الواحِدِيُّ في كِتابِ البَسِيطِ وعَلَيْهِ قَوْلُ بَعْضِ الشِّيعَةِ:

إلامَ أُلامَ وحَتّى مَتى أُعاتَبُ في حُبِّ هَذا الفَتى

وهَلْ زُوِّجَتْ غَيْرَهُ فاطِمُ ∗∗∗ وفي غَيْرِهِ هَلْ أتى هَلْ أتى

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خَبَرٌ مَوْضُوعٌ مُفْتَعَلٌ كَما ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ الجَوْزِيِّ وآثارُ الوَضْعِ ظاهِرَةٌ عَلَيْهِ

صفحة 158

لَفْظًا ومَعْنًى، ثُمَّ إنَّهُ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً لِأنَّ بِناءَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها كانَ بِالمَدِينَةِ وهي عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ المَرْوِيُّ هو عَنْهُ عَلى ما أخْرَجَ النَّحاسُ مَكِّيَّةٌ وكَذا عِنْدَ الجُمْهُورِ في قَوْلٍ.

وأقُولُ أمْرُ مَكِّيَّتِها ومَدَنِيَّتِها مُخْتَلَفٌ فِيهِ جِدًّا كَما سَمِعْتَ فَلا جَزْمَ فِيهِ بِشَيْءٍ وابْنُ الجَوْزِيِّ نَقَلَ الخَبَرَ في تَبْصِرَتِهِ ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ عَلى أنَّهُ مِمَّنْ يَتَساهَلُ في أمْرِ الوَضْعِ حَتّى قالُوا إنَّهُ لا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ في هَذا البابِ فاحْتِمالُ أصْلِ النُّزُولِ في الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وفاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قائِمٌ ولا جَزْمَ بِنَفْيٍ ولا إثْباتٍ لِتُعارِضِ الأخْبارِ ولا يَكادُ يَسْلَمُ المُرَجَّحُ عَنْ قِيلٍ وقالَ، نَعَمْ لَعَلَّهُ يَتَرَجَّحُ عَدَمُ وُقُوعِ الكَيْفِيَّةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الرِّوايَةُ الأُولى، ثُمَّ إنَّهُ عَلى القَوْلِ بِنُزُولِها فِيهِما لا يَتَخَصَّصُ حُكْمُها بِهِما بَلْ يَشْمَلُ كُلَّ مَن فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ كَما ذَكَرَهُ الطَّبَرْسِيُّ مِنَ الشِّيعَةِ في مَجْمَعِ البَيانِ راوِيًا لَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وعَلى القَوْلِ بِعَدَمِ النُّزُولِ فِيهِما لا يَتَطامَنُ مَقامُهُما ولا يَنْقُصُ قَدْرُهُما إذْ دُخُولُهُما في الأبْرارِ أمْرٌ جَلِيٌّ بَلْ هو دُخُولٌ أوْلى فَهُما هُما وماذا عَسى يَقُولُ امْرُؤٌ فِيهِما سِوى أنْ عَلَّيا مَوْلى المُؤْمِنِينَ ووَصِيُّ النَّبِيِّ وفاطِمَةَ البِضْعَةُ الأحْمَدِيَّةُ والجُزْءُ المُحَمَّدِيُّ وأمّا الحَسَنانِ فالرَّوْحُ والرَّيْحانُ وسَيِّدا شَبابِ الجِنانِ ولَيْسَ هَذا مِنَ الرَّفْضِ بِشَيْءٍ بَلْ ما سِواهُ عِنْدِي هو الغَيُّ:

أنا عَبْدُ الحَقِّ لا عَبْدَ الهَوى ∗∗∗ لَعَنَ اللَّهُ الهَوى فِيمَن لَعَنَ

ومِنَ اللَّطائِفِ عَلى القَوْلِ بِنُزُولِها فِيهِمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيها الحُورَ العِينَ وإنَّما صَرَّحَ عَزَّ وجَلَّ بِوِلْدانٍ مُخَلَّدِينَ رِعايَةً لِحُرْمَةِ البَتُولِ وقُرَّةِ عَيْنِ الرَّسُولِ لِئَلّا تَثُورَ غَيْرَتُها الطَّبِيعِيَّةُ إذا أحَسَّتْ بِضُرَّةٍ وهي في أفْواهِ تَخَيُّلاتِ الطِّباعِ البَشَرِيَّةِ ولَوْ في الجَنَّةِ مَرَّةً. ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ هَذا زَهْرَةُ رَبِيعٍ ولا تَتَحَمَّلُ الفَرْكَ ثُمَّ التَّذْكِيرُ عَلى ذَلِكَ أيْضًا مِن بابِ التَّغْلِيبِ.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «جازاهُمْ»

عَلى وزْنِ فاعَلَ.

76:13Page 579

مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۖ لَا يَرَوۡنَ فِيهَا شَمۡسٗا وَلَا زَمۡهَرِيرٗا ١٣

[They will be] reclining therein on adorned couches. They will not see therein any [burning] sun or [freezing] cold.

﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ حالٌ مِن هم في جَزاهم والعامِلُ جَزى وخُصَّ الجَزاءُ بِهَذِهِ الحالَةِ لِأنَّها أتَمُّ حالاتِ المُتَنَعِّمِ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿بِما صَبَرُوا﴾ لِأنَّ الصَّبْرَ في الدُّنْيا وما تُسُبِّبَ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ وقِيلَ صِفَةُ الجَنَّةِ ولَمْ يَبْرُزِ الضَّمِيرُ مَعَ أنَّ الصِّفَةَ جارِيَةٌ عَلى غَيْرِ مَن هي عَلَيْهِ فَلَمْ يَقْلْ مُتَّكِئِينَ هم فِيها لِعَدَمِ الإلْباسِ كَما في قَوْلِهِ:

قَوْمِي ذُرى المَجْدِ بانُوها وقَدْ عَلِمَتْ بِكُنْهِ ذَلِكَ عَدْنانُ وقَحْطانُ

وأنْتَ تَعْلَمُ هَذا رَأْيُ الكُوفِيَّةِ ومَذْهَبُ البَصْرِيَّةِ وُجُوبُ إبْرازِ الضَّمِيرِ في ذَلِكَ مُطْلَقًا وفي البَيْتِ كَلامٌ وقِيلَ يَجُوزُ كَوْنُهُ حالًا مُقَدَّرَةً مِن ضَمِيرِ ﴿صَبَرُوا﴾ ولَيْسَ بِذاكَ ( والأرائِكِ ) جَمْعُ أرِيكَةٍ وهي السَّرِيرُ في الحَجْلَةِ مِن دُونِهِ سَتْرٌ ولا يُسَمّى مُفْرَدًا أرِيكَةً وقِيلَ هو كُلُّ ما اتُّكِئَ عَلَيْهِ مِن سَرِيرٍ أوْ فِراشٍ أوْ مِنَصَّةٍ وكانَ تَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَكانًا لِلْإقامَةِ أخْذًا مِن قَوْلِهِمْ أرَكَ بِالمَكانِ أُرُوكًا أقامَ، وأصْلُ الأُرُوكِ الإقامَةُ عَلى رَعْيِ الأراكِ الشَّجَرِ المَعْرُوفِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في غَيْرِهِ مِنَ الإقاماتِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ إمّا حالٌ ثانِيَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وجُوِّزَ فِيهِ كَوْنُهُ صِفَةً لِجَنَّةٍ أيْضًا والمُرادُ مِن ذَلِكَ أنَّ هَواءَها مُعْتَدِلٌ لا حَرَّ شَمْسٍ يَحْمِي ولا شِدَّةَ بَرْدٍ يُؤْذِي. وفي الحَدِيثِ: «هَواءُ الجَنَّةِ سَجْسَجُ لا حَرَّ ولا قَرَّ» فَقَصَدَ بِنَفْيٍ الشَّمْسِ نَفْيَها ونَفْيَ لازِمِها مَعًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ولا زَمْهَرِيرًا﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ لا يَرَوْنَ فِيها حَرًّا ولا قَرّا.

وقِيلَ الزَّمْهَرِيرُ القَمَرُ وعَنْ ثَعْلَبٍ أنَّهُ في لُغَةِ طَيِّئٍ وأنْشَدَ:

ولَيْلَةٍ ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرَ ∗∗∗ قِطْعَتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرَرَ

ولَيْسَ هَذا لِأنَّ طَبِيعَتَهُ بارِدَةٌ كَما قِيلَ لِأنَّهُ في حَيِّزِ المَنعِ بَلْ قِيلَ إنَّهُ بَرْهَنَ عَلى أنَّ الأنْوارَ كُلَّها حارَةٌ فَيُحْتَمَلُ أنْ ذَلِكَ لِلَمَعانِهِ أخْذًا لَهُ مِنِ ازْمَهَرَّ الكَوْكَبُ لَمَعَ، والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ هَواءَها مُضِيءٌ بِذاتِهِ لا يَحْتاجُ إلى شَمْسٍ ولا قَمَرٍ. وفي الحَدِيثِ:

صفحة 159

«إنَّ الجَنَّةَ لا خَطَرَ بِها هي ورَبِّ الكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ ورَيْحانَةٌ تَهْتَزُّ وقَصْرُ مَشِيدٌ» الحَدِيثُ ثُمَّ إنَّها مَعَ هَذا قَدْ يَظْهَرُ فِيها نُورٌ أقْوى مِن نُورِها كَما تَشْهَدُ بِهِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ. وفي بَعْضِ الآثارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بَيْنا أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ إذْ رَأوْا ضَوْءًا كَضَوْءِ الشَّمْسِ وقَدْ أشْرَقَتِ الجِنانُ بِهِ فَيَقُولُ أهْلُ الجَنَّةِ: يا رِضْوانُ ما هَذا وقَدْ قالَ رَبُّنا ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ فَيَقُولُ لَهم رِضْوانُ: لَيْسَ هَذا بِشَمْسٍ ولا قَمَرٍ ولَكِنَّ عَلِيًّا وفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ضَحِكا فَأشْرَقَتِ الجِنانُ مِن نُورِ ثَغْرَيْهِما.

76:14Page 579

وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلٗا ١٤

And near above them are its shades, and its [fruit] to be picked will be lowered in compliance.

﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ وحالُها حالُها أوْ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى جَنَّةٍ فِيما سَبَقَ أيْ وجْنَةٍ أُخْرى دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها عَلى أنَّهم وُعِدُوا جَنَّتَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: 46] وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «دانِيَةٌ» بِالرَّفْعِ وخُرِّجَ عَلى أنَّ دانِيَةً خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِظِلالِها والجُمْلَةُ في حَيِّزِ الحالِ عَلى أنَّ الواوَ عاطِفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ أوْ في حَيِّزِ الصِّفَةِ عَلى أنَّ الواوَ عاطِفَةٌ أيْضًا أوْ لِلْإلْصاقِ عَلى ما يَراهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وقالَ الأخْفَشُ «ظِلالُها» مَرْفُوعٌ بِدانِيَةٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى جَوازِ عَمِلِ اسْمِ الفاعِلِ مِن غَيْرِ اعْتِمادٍ نَحْوَ قائِمٌ الزَّيْدُونَ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلالِ لِقِيامِ ذَلِكَ الِاحْتِمالِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ فَيَعْتَمِدُ أيْ وهي دانِيَةٌ عَلَيْهِمْ ظِلالُها. وقَرَأ أُبَيٌّ ودِانٍ كَقاضٍ ولا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِهِ لِلْأخْفَشِ أيْضًا وإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما تَقَدَّمَ فَرْقٌ ما. وقَرَأ الأعْمَشُ «ودانِيًا عَلَيْهِمْ» نَحْوَ خاشِعًا أبْصارُهم والمُرادُ أنَّ ظِلالَ أشْجارِ الجَنَّةِ قَرِيبَةٌ مِنَ الأبْرارِ مِظَلَّةٌ عَلَيْهِمْ زِيادَةً في نَعِيمِهِمْ ﴿وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا﴾ أيْ سُخِّرَتْ ثِمارُها لِمُتَناوِلِها وسَهْلٌ أخْذُها مِنَ الذُّلِّ وهو ضِدُّ الصُّعُوبَةِ. قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ وسُفْيانُ: إنْ كانَ الإنْسانُ قائِمًا تَناوَلَ الثَّمَرَ دُونَ كُلْفَةٍ، وإنْ كانَ قاعِدًا أوْ مُضْطَجِعًا فَكَذَلِكَ فَهَذا تَذْلِيلُها لا يَرُدُّ اليَدَ عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( دانِيَةً ) أيْ تَدْنُو ظِلالُها عَلَيْهِمْ مُذَلِّلَةً لَهم قُطُوفَها أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها وهي فِعْلِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى اسْمِيَّةٍ في قِراءَةِ «دانِيةٌ» بِالرَّفْعِ ونُكْتَةُ التَّخالُفِ أنَّ اسْتِدامَةَ الظِّلِّ مَطْلُوبَةٌ هُنالِكَ والتَّجَدُّدَ في تَذْلِيلِ القُطُوفِ عَلى حَسَبِ الحاجَةِ.

76:15Page 579

وَيُطَافُ عَلَيۡهِم بِـَٔانِيَةٖ مِّن فِضَّةٖ وَأَكۡوَابٖ كَانَتۡ قَوَارِيرَا۠ ١٥

And there will be circulated among them vessels of silver and cups having been [created] clear [as glass],

﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ﴾ جَمْعُ إناءٍ كَكِساءٍ وأكْسِيَةٍ، وهو ما يُوضَعُ فِيهِ الشَّيْءُ والأوانِي جَمْعُ الجَمْعِ ﴿مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ﴾ جَمْعُ كُوبٍ وهو قَدَحٌ لا عُرْوَةَ لَهُ كَما قالَ الرّاغِبُ وفي القامُوسِ: كُوزٌ لا عُرْوَةَ لَهُ أوْ لا خُرْطُومَ لَهُ، وقِيلَ: الكُوزُ العَظِيمُ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ ولا عُرْوَةَ ﴿كانَتْ﴾ أيْ تِلْكَ الأكْوابُ ﴿قَوارِيرا﴾ جَمْعُ قارُورَةٍ وهي إناءٌ رَقِيقٌ مِنَ الزُّجاجِ يُوضَعُ فِيهِ الأشْرِبَةُ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ فَإنَّ كانَ تامَّةٌ وهو كَما تَقُولُ خُلِقَتْ قَوارِيرُ.

76:16Page 579

قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٖ قَدَّرُوهَا تَقۡدِيرٗا ١٦

Clear glasses [made] from silver of which they have determined the measure.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قَوارِيرا مِن فِضَّةٍ﴾ بَدَلٌ والكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ فالمُرادُ تَكَوَّنَتْ جامِعَةً بَيْنَ صَفاءِ الزُّجاجَةِ وشَفِيفِها ولِينِ الفِضَّةِ وبَياضِها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ أخَذْتَ فِضَّةً مِن فِضَّةِ الدُّنْيا فَضَرَبْتَها حَتّى جَعَلْتَها مِثْلَ جَناحِ الذُّبابِ لَمْ يُرَ الماءُ مِن ورائِها ولَكِنْ قَوارِيرُ الجَنَّةِ بِبَياضِ الفِضَّةِ مَعَ صَفاءِ القَوارِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ شَيْءٌ إلّا قَدْ أُعْطِيتُمْ في الدُّنْيا شَبَهَهُ إلّا قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ.

وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ بِتَنْوِينِ «قَوارِيرَ» في المَوْضِعَيْنِ وصْلًا وإبْدالِهِ ألِفًا وقْفًا وابْنُ كَثِيرٍ يَمْنَعُ صَرْفَ الثّانِي ويَصْرِفُ الأوَّلَ لِوُقُوعِهِ في الفاصِلَةِ وآخِرِ الآيَةِ، وقَفَ عَلَيْهِ بِألْفٍ مُشاكَلَةً لِغَيْرِهِ مِن كَلِماتِ الفَواصِلِ والتَّنْوِينُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ في الأوَّلِ بَدَلٌ مِن ألْفِ الإطْلاقِ كَما في قَوْلِهِ:

يا صاحِ ما هاجَ العُيُونَ الذَّرْفَنْ

وفِي الثّانِي لِلِاتِّباعِ فَتَذَكَّرْ، والقِراءَةُ بِمَنعِ صَرْفِهِما لِحَفْصٍ وابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ وأبِي عَمْرٍو وقَرَأ الأعْمَشُ الثّانِي «قَوارِيرُ» بِالرَّفْعِ أيْ هي قَوارِيرُ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ أيْ قَدَّرُوا تِلْكَ القَوارِيرَ في أنْفُسِهِمْ فَجاءَتْ حَسَبَ ما قَدَّرُوا لا مَزِيدَ عَلى ذَلِكَ ولا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ زِيادَةٌ عَلَيْهِ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ الطّائِيِّ:

ولَوْ صَوَّرَتْ نَفْسَكَ لَمْ تَزِدْها ∗∗∗ عَلى ما فِيكَ مِن كَرَمِ الطِّباعِ

صفحة 160

فَإنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ كَوْنِ نَفْسِهِ خُلِقَتْ عَلى أتَمِّ ما يَنْبَغِي مِن مَكارِمِ الصِّفاتِ بِحَيْثُ لا مَزِيدَ عَلى ذَلِكَ فَضَمِيرُ ﴿قَدَّرُوها﴾ لِلْأبْرارِ المُطافِ عَلَيْهِمْ أوْ قَدَّرُوا شَرابَها عَلى قَدْرِ الرَّيِّ وهو ألَذُّ لِلشّارِبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أتَوْا بِها عَلى الحاجَةِ لا يُفَضِّلُونَ شَيْئًا ولا يَشْتَهُونَ بَعْدَها شَيْئًا وعَنْ مُجاهِدٍ تَقْدِيرُها أنَّها لَيْسَتْ بِالمَلْأى الَّتِي تَفِيضُ ولا بِالنّاقِصَةِ الَّتِي تَغِيضُ، فالضَّمِيرُ عَلى ما هو الظّاهِرُ لِلسُّقاةِ الطّائِفِينَ بِها المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ( يُطافُ عَلَيْهِمْ) .

وقَدْ رَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ قَدَّرَتْها السُّقاةُ وقِيلَ: المَعْنى قَدَّرُوها بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ فَجاءَتْ عَلى حَسَبِها والضَّمِيرُ عَلى هَذا قِيلَ لِلْمَلائِكَةِ وقِيلَ لِلسُّقاةِ. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ والسِّلْمِيُّ والشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والجَحْدَرِيُّ والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو وابْنِ عَبْدِ الخالِقِ عَنْ يَعْقُوبَ وغَيْرِهِمْ «قَدَّرُوها» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ واخْتُلِفَ في تَخْرِيجِها فَقالَ أبُو عَلِيٍّ: كانَ اللَّفْظُ قَدَّرُوا عَلَيْها، وفي المُغْنِي قَلْبٌ لِأنَّ حَقِيقَتَهُ أنْ يُقالَ قَدَرْتُ عَلَيْهِمْ فَهو نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ [القَصَصِ: 76] وقَوْلِ العَرَبِ إذا طَلَعَتِ الجَوْزاءُ ارْتَقى العُودُ عَلى الحِرْباءِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجْهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِن قَدَرْتَ الشَّيْءَ بِالتَّخْفِيفِ أيْ بَيَّنْتَ مِقْدارَهُ فَنُقِلَ إلى التَّفْعِيلِ فَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ أحَدُهُما الضَّمِيرُ النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ، والثّانِي ها والمَعْنى جَعَلُوا قادِرِينَ لَها كَما شاؤُوا وأطْلَقَ لَهم أنْ يُقَدِّرُوا عَلى حَسَبِ ما اشْتَهَوْا وقالَ أبُو حاتِمٍ: قُدِّرَتِ الأوانِي عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ فَفَسَّرَ بَعْضُهم هَذا بِأنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو أنَّهُ كانَ قَدْرٌ عَلى قَدْرِ رَيِّهِمْ إيّاها فَحُذِفَ عَلى فَصارَ قَدْرُ نائِبَ الفاعِلِ ثُمَّ حُذِفَ فَصارَ رَيُّهم نائِبَ الفاعِلِ ثُمَّ حُذِفَ وصارُوا والجَمْعُ نائِبَ الفاعِلِ واتَّصَلَ المَفْعُولُ الثّانِي بِقَدْرٍ فَصارَ قَدْرُها وقالَ أبُو حَيّانٍ الأقْرَبُ أنْ يَكُونَ الأصْلُ قَدْرَ رَيِّهِمْ مِنها تَقْدِيرًا فَحُذِفَ المُضافُ وهو الرَّيُّ وأُقِيمَ الضَّمِيرُ مَقامَهُ فَصارَ قَدَّرُوا مِنها ثُمَّ اتَّسَعَ في الفِعْلِ فَحُذِفَتْ مِن ووَصَلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ بِنَفْسِهِ فَصارَ ﴿قَدَّرُوها﴾ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ إلّا حَذْفُ مُضافٍ واتِّساعٌ في المَجْرُورِ.

ولا يَخْفى أنَّ القَلْبَ زَيْفٌ وما قَرَّرَهُ البَعْضُ تَكَلُّفٌ جِدًّا وفي كَوْنِ ما اخْتارَهُ أبُو حَيّانٍ أقْرَبَ مِمّا اخْتارَهُ جارُ اللَّهِ نَظَرٌ ولَعَلَّهُ أكْثَرُ تَكَلُّفًا مِنهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском