Al-AlusiAl‑Insan · 76:17–23

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Insan 76:17–23

76:17–18Page 579

وَيُسۡقَوۡنَ فِيهَا كَأۡسٗا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا ١٧

And they will be given to drink a cup [of wine] whose mixture is of ginger

عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا ١٨

[From] a fountain within it [i.e., Paradise] named Salsabeel.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا﴾ ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلا﴾ يَجْرِي فِيهِ مُعْظَمُ ما جَرى في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ إلَخِ مِنَ الأوْجُهِ والزَّنْجَبِيلِ قالَ الدِّينَوَرِيُّ نَبْتٌ في أرْضِ عَمّانَ وهو عُرُوقٌ تَسْرِي في الأرْضِ ولَيْسَ بِشَجَرَةٍ ومِنهُ ما يُحْمَلُ مِن بِلادِ الزِّنْجِ والصِّينِ وهو الأجْوَدُ وكانَتِ العَرَبُ تُحِبُّهُ لِأنَّهُ يُوجِبُ لَذْعًا في اللِّسانِ إذا مُزِجَ بِالشَّرابِ فَيَلْتَذُّونَ ولِذا يَذْكُرُونَهُ في وصْفِ رُضابِ النِّساءِ قالَ الأعْشى:

كَأنَّ القَرَنْفُلَ والزَّنْجَبِيلَ باتًّا بِفِيها وأرْيًا مُسَوَّرًا

وقالَ عَمْرُو المُسَيِّبُ بْنُ عَلْسٍ:

وكَأنَّ طَعْمَ الزَّنْجَبِيلِ بِهِ ∗∗∗ إذْ ذُقْتَهُ وسُلافَةَ الخَمْرِ

وعَدَّهُ بَعْضُهم في المُعْرَباتِ وكَوْنُ الزَّنْجَبِيلِ اسْمًا لَعِينٍ في الجَنَّةِ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ وقالَ: يَشْرَبُ مِنها المُقَرَّبُونَ صَرْفًا وتُمْزَجُ لِسائِرِ أهْلِ الجَنَّةِ، والظّاهِرُ أنَّهم تارَةً يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ مِزاجُها كافُورٌ وتارَةً يُسْقَوْنَ مِن كَأْسٍ مِزاجُها زَنْجَبِيلٌ، ولَعَلَّ ذِكْرَ ( يُسْقَوْنَ ) هُنا دُونَ ﴿يَشْرَبُونَ﴾ لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِما تَقَدَّمَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ إلَخِ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ هَذِهِ الكَأْسَ أعْلى شَأْنًا مِنَ الكَأْسِ الأُولى.

وعَنِ الكَلْبِيِّ يُسْقى بِجامَيْنِ الأوَّلُ مِزاجُهُ الكافُورُ والثّانِي مِزاجُهُ الزَّنْجَبِيلُ، والسَّلْسَبِيلُ كالسَّلْسَلِ والسَّلْسالِ قالَ الزَّجّاجُ: ما كانَ مِنَ الشَّرابِ غايَةً في السَّلاسَةِ وسُهُولَةِ الِانْحِدارِ في الحَلْقِ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لَمْ أسْمَعِ السَّلْسَبِيلَ إلّا في القُرْآنِ وكَأنَّ العَيْنَ إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَلاسَتِها وسُهُولَةِ مَساغِها قالَ عِكْرِمَةُ: عَيْنٌ سَلْسَلٌ ماؤُها، وقالَ مُجاهِدٌ: حَدِيدَةُ الجَرْيِ سِلْسِلَةٌ سَهْلَةُ المَساغِ، وقالَ مُقاتِلٌ: عَيْنٌ يَتَسَلْسَلُ عَلَيْهِمْ ماؤُها في مَجالِسِهِمْ كَيْفَ شاؤُوا وهي عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ عَيْنٌ تَنْبُعُ

صفحة 161

مِن تَحْتِ العَرْشِ مِن جَنَّةِ عَدْنٍ تَتَسَلْسَلُ إلى الجِنانِ.

وفِي البَحْرِ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ العَيْنَ تُسَمّى سَلْسَبِيلًا بِمَعْنى تُوصَفُ بِأنَّها سَلِسَةُ الِانْسِياغِ سَهْلَةٌ في المَذاقِ ولا يُحْمَلُ سَلْسَبِيلُ عَلى أنَّهُ اسْمُ حَقِيقَةٍ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ كانَ مَمْنُوعَ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ والعَلَمِيَّةِ وقَدْ رُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ أنَّهُ قَرَأهُ بِغَيْرِ ألْفٍ جَعَلَهُ عَلَمًا لَها فَإنْ كانَ عَلَمًا فَوَجْهُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالتَّنْوِينِ المُناسِبِ لِلْفَواصِلِ كَما قِيلَ في «سَلاسِلا» «وقَوارِيرا» وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الباءَ زِيدَتْ فِيهِ حَتّى صارَتِ الكَلِمَةُ خُماسِيَّةً، فَإنْ عَنى أنَّها زِيدَتْ حَقِيقَةً فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ الباءَ لَيْسَتْ مِن حُرُوفِ الزِّيادَةِ المَعْهُودَةِ وإنْ عَنى أنَّها حَرْفٌ جاءَ في سَنَحَ الكَلِمَةِ ولَيْسَ في سَلْسَلٍ ولا في سِلْسالٍ صَحَّ ويَكُونُ مِمّا اتَّفَقَ مَعْناهُ وكانَ مُخْتَلِفًا في المادَّةِ انْتَهى.

وفِي الكَشْفِ لا يُرِيدُ الزِّيادَةَ المُصْطَلِحَةَ ألا تُرى إلى قَوْلِهِ حَتّى صارَتْ خُماسِيَّةً وهو أيْضًا مِنَ الِاشْتِقاقِ الأكْبَرِ فَلا تَغْفُلْ. وقالَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ ﴿سَلْسَبِيلا﴾ أمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِأُمَّتِهِ بِسُؤالِ السَّبِيلِ إلَيْها وعَزَوْهُ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وهو غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ بِظاهِرِهِ إلّا أنْ يُرادَ أنَّ جُمْلَةَ قَوْلِ القائِلِ ﴿سَلْسَبِيلا﴾ جُعِلَتْ اسْمًا لِلْعَيْنِ كَما قِيلَ تَأبَّطَ شَرّا وذُرى حُبّا، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَشْرَبُ مِنها إلّا مَن سالَ إلَيْها سَبِيلًا بِالعَمَلِ الصّالِحِ وهو مَعَ اسْتِقامَتِهِ في العَرَبِيَّةِ تَكَلُّفُ وابْتِداعٌ، وعَزْوُهُ إلى مِثْلِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أبْدَعُ ونَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ افْتِراءٌ عَلَيْهِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وفي شِعْرِ ابْنِ مُطْرانَ الشّاشِيِّ:

سَلْسَبِيلًا فِيها إلى راحَةِ النَّفْسِ ∗∗∗ بِراحٍ كَأنَّها سَلْسَبِيلُ

وفِيهِ الجِناسُ المُلَفَّقُ واسْتَعْمَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحْدَثِينَ.

76:19Page 579

۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيۡتَهُمۡ حَسِبۡتَهُمۡ لُؤۡلُؤٗا مَّنثُورٗا ١٩

There will circulate among them young boys made eternal. When you see them, you would think them [as beautiful as] scattered pearls.

﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ لِلْخِدْمَةِ ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أيْ دائِمُونَ عَلى ما هم فِيهِ مِنَ الطَّراوَةِ والبَهاءِ وقِيلَ مُقَرَّطُونَ بِخَلَدَةٍ وهي ضَرْبٌ مِنَ القِرَطَةِ

وجاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: «إنَّهم ألْفُ خادِمٍ» .

وفِي بَعْضِ الآثارِ أضْعافُ ذَلِكَ:

والجُودُ أعْظَمُ والمَواهِبُ أوْسَعُ ويَخْتَلِفُ ذَلِكَ قِلَّةً وكَثْرَةً بِاخْتِلافِ أعْمالِ المَخْدُومِينَ ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ لِحُسْنِهِمْ وصَفاءِ ألْوانِهِمْ وإشْراقِ وُجُوهِهِمْ وانْبِثاثِهِمْ في مَجالِسِهِمْ ومَنازِلِهِمْ وانْعِكاسِ أشِعَّةِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، وقِيلَ شُبِّهُوا بِاللُّؤْلُؤِ الرُّطَبِ إذا نُثِرَ مِن صَدَفِهِ لِأنَّهُ أحْسَنُ وأكْثَرُ ماءً وعَلَيْهِ هو مِن تَشْبِيهِ المُفْرَدِ لِأنَّ الِانْبِثاثَ غَيْرُ مَلْحُوظٍ والخِطابَ في ﴿رَأيْتَهُمْ﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ أوْ لِكُلِّ واقِفٍ عَلَيْهِ وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى.

76:20Page 579

وَإِذَا رَأَيۡتَ ثَمَّ رَأَيۡتَ نَعِيمٗا وَمُلۡكٗا كَبِيرًا ٢٠

And when you look there [in Paradise], you will see pleasure and great dominion.

﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ﴾ أيْ هُناكَ يَعْنِي في الجَنَّةِ وهو في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِ، ورَأيْتَ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَيُفِيدُ العُمُومَ في المَقامِ الخِطابِيِّ فالمَعْنى أنَّ بَصَرَكَ أيْنَما وقَعَ في الجَنَّةِ ﴿رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ عَظِيمَ القَدْرِ لا تُحِيطُ بِهِ عَبّارَةٌ وهو يَشْمَلُ المَحْسُوسَ والمَعْقُولَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الكَلْبِيُّ: عَرِيضًا واسِعًا يُبْصِرُ أدْناهم مَنزِلَةً في الجَنَّةِ في مُلْكٍ مَسِيرَةَ ألْفِ عامٍ يَرى أقْصاهُ كَما يَرى أدْناهُ وذَلِكَ لِما يُعْطى مِن حِدَّةِ النَّظَرِ أوْ هو مِن خَصائِصِ الجَنَّةِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هو اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ إلّا بِإذْنٍ. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: وأظُنُّهُ كَما ظَنَّ أبُو حَيّانٍ الحَكِيمُ لا أبا عِيسى المُحَدِّثَ صاحِبَ الجامِعِ هو مِلْكُ التَّكْوِينِ والمَشِيئَةِ إذا أرادُوا شَيْئًا كانَ، وقِيلَ هو النَّظَرُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وقِيلَ المُلْكُ الدّائِمُ الَّذِي لا زَوالَ لَهُ.

وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ المَعْنى وإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ رَأيْتَ إلَخِ وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ أرادَ أنَّ ﴿ثَمَّ﴾ ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِلَةً لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ هو مَفْعُولُ ﴿رَأيْتَ﴾ والتَّقْدِيرُ وإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا إلَخِ فَحُذِفَ ما كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنْعامِ: 94] أيْ ما بَيْنَكم وتَعَقَّبَهُ الزَّجاجُ ثُمَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ خَطَأٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ إسْقاطُ المَوْصُولِ وتَرْكُ الصِّلَةِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الكُوفِيِّينَ يُجِيزُونَ ذَلِكَ ومِنهُ قَوْلُهُ:

فَمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ

أرادَ ومَن يَمْدَحُهُ فَحَذَفَ المَوْصُولَ وأبْقى صِلَتَهُ وقَدْ يُقالُ إنَّ ذَلِكَ إنَّما يَرِدُ لَوْ أرادَ أنَّ المَوْصُولَ مُقَدَّرٌ أمّا لَوْ أرادَ المَعْنى وأنَّ الظَّرْفَ يُغْنِي غَناءَ المَفْعُولِ بِهِ فَهو كَلامٌ صَحِيحٌ لَأنَّ الظَّرْفَ والمَرْئِيَّ كِلَيْهِما الجَنَّةُ. وقَرَأ حَمِيدٌ الأعْرَجُ «﴿ثَمَّ﴾» بِضَمِّ

صفحة 162

الثّاءِ حَرْفُ عَطْفٍ، وجَوابُ ﴿إذا﴾ عَلى هَذا المَحْذُوفِ يُقَدَّرُ بِنَحْوِ تَحَيَّرَ فِكْرُكَ أوْ بِنَحْوِ رَأيْتَ عامِلًا في نَعِيمًا.

76:21Page 579

عَٰلِيَهُمۡ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ وَإِسۡتَبۡرَقٞۖ وَحُلُّوٓاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٖ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابٗا طَهُورًا ٢١

Upon them [i.e., the inhabitants] will be green garments of fine silk and brocade. And they will be adorned with bracelets of silver, and their Lord will give them a purifying drink.

﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ قِيلَ عالِيَهم ظَرْفٌ بِمَعْنى فَوْقَهم عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ( وثِيابُ ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ﴿عالِيَهُمْ﴾ فَهي شَرْحٌ لِحالِ الأبْرارِ المُطَوِّفِ عَلَيْهِمْ.

وقالَ أبُو حَيّانٍ: إنَّ عالِيَ نَفْسِهِ حالٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ وهو اسْمُ فاعِلٍ ( وثِيابُ ) مَرْفُوعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِهِ ويَحْتاجُ في إثْباتِ كَوْنِهِ ظَرْفًا إلى أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِن كَلامِ العَرَبِ عالِيَكَ ثَوْبٌ مَثَلًا ومِثْلُهُ فِيما ذُكِرَ عالِيَةً. وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ لَقّاهم أوْ مِن ضَمِيرِ جَزاهم وقِيلَ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ والكُلُّ بَعِيدٌ وجُوِّزَ كَوْنُ الحالِ مِن مُضافٍ مُقَدَّرٍ قَبْلَ ﴿نَعِيمًا﴾ أوْ قَبْلَ ( مُلْكًا ) أيْ رَأيْتَ أهْلَ نَعِيمٍ أوْ أهْلَ مُلْكٍ عالِيَهم إلَخِ وهو تَكَلُّفٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ.

وقِيلَ: صاحِبُ الحالِ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾ فَهي شَرْحٌ لِحالِ الطّائِفِينَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ لِما فِيهِ مِن لُزُومِ التَّفْكِيكِ ضَرُورَةَ أنَّ ضَمِيرَ ( سَقاهم )فِيما بَعْدُ كالمُتَعَيِّنِ عَوْدُهُ عَلى الأبْرارِ وكَوْنُهُ مِنَ التَّفْكِيكِ مَعَ القَرِينَةِ المُعَيَّنَةِ وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ مَمْنُوعٌ.

واعْتُرِضَ أيْضًا أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ يَصِيرُ داخِلًا تَحْتَ الحُسْبانِ وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وهم لابِسُونَ الثِّيابَ حَقِيقَةً بِخِلافِ كَوْنِهِمْ لُؤْلُؤًا فَإنَّهُ عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ المُقْتَضِي لِقُرْبِ شَبَهِهِمْ بِاللُّؤْلُؤِ أنْ يُحْسَبُوا لُؤْلُؤًا. وأُجِيبُ بِأنَّ الحُسْبانَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ لا يَقْتَضِي دُخُولَ الحالِ تَحْتَ الحُسْبانِ ورَفْعُ ﴿خُضْرٌ﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ( ثِيابٌ وإسْتَبْرَقٌ ) عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿ثِيابُ﴾ والمُرادُ وثِيابٌ إسْتَبْرَقٌ. والسُّنْدُسُ قالَ ثَعْلَبٌ: ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، وقِيلَ: ما رَقَّ مِن ثِيابِ الحَرِيرِ والفَرْقُ أنَّ الدِّيباجَ ضَرْبٌ مِنَ الحَرِيرِ المَنسُوجِ يَتْلُونَ ألْوانًا.

وقالَ اللَّيْثُ: هو ضَرْبٌ مِنَ البَزْيُونِ يُتَّخَذُ مِنَ المَرْعَزِ وهو مُعَرَّبٌ بِلا خِلافٍ بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ عَلى ما في القامُوسِ وغَيْرِهِ. وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مُعَرَّبًا أصْلُهُ سَنَدِيٌّ بِياءِ النِّسْبَةِ لِأنَّهُ يُجْلَبُ مِنَ السِّنْدِ فَأُبْدِلَتِ الياءُ سِينًا كَما قالَ في سادِيٍّ سادِسٍ وهو كَما تَرى. والإسْتَبْرَقُ قِيلَ: ما غَلُظَ مِن ثِيابِ الحَرِيرِ، وقالَ أبُو إسْحاقَ: الدِّيباجُ الصَّفِيقُ الغَلِيظُ الحَسَنُ، وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: ثِيابُ حَرِيرٍ نَحْوَ الدِّيباجِ.

وعَنِ ابْنِ عَبادَةَ هو بُرْدَةٌ حَمْراءُ وقِيلَ هو المَنسُوجُ مِنَ الذَّهَبِ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ عِنْدَ جَمْعِ أصْلِهِ بِالفارِسِيَّةِ اسْتَبَرَهُ، وفي القامُوسِ مُعَرَّبُ اسْتُرُوهُ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ وأنَّهُ قالَ: إنَّهُ سُرْيانِيٌّ وقِيلَ مُعَرَّبُ اسْتَفْرَهَ وما في صُورَةِ الفاءِ لَيْسَتْ فاءً خالِصَةً وإنَّما هي بَيْنَ الفاءِ والباءِ، وقِيلَ: عَرَبِيٌّ وافَقَتْ لُغَةَ العَرَبِ فِيهِ لُغَةُ غَيْرِهِمْ واسْتَصْوَبَهُ الأزْهَرِيُّ وكَما اخْتَلَفُوا فِيهِ هَلْ هو مُعَرَّبٌ أوْ عَرَبِيٌّ اخْتَلَفُوا هَلْ هو نَكِرَةٌ أوْ عِلْمُ جِنْسٍ مَبْنِيٌّ أوْ مُعَرَّبٌ أوْ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ وهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ قَطْعٍ أوْ وصْلٍ، والصَّحِيحُ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ أنَّهُ نَكِرَةٌ مُعْرَّبٌ مَصْرُوفٌ مَقْطُوعُ الهَمْزَةِ كَما يَشْهَدُ بِهِ القِراءَةُ المُتَواتِرَةُ، وسَيُعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى حالُ ما يُخالِفُها وفي جامِعِ التَّعْرِيبِ أنَّ جَمْعَهُ أبارِقُ وتَصْغِيرَهُ أُبَيْرَقٌ حُذِفَتِ السِّينُ والتّاءُ في التَّكْسِيرِ لِأنَّهُما زِيدَتا مَعًا فَأُجْرِيَ مَجْرى الزِّيادَةِ الواحِدَةِ وفي المَسْألَةِ خِلافٌ أيْضًا مَذْكُورٌ في مَحَلِّهِ ولَمْ يَذْكُرْ لَوْنَ هَذا الإسْتَبْرَقِ. وأشارَ ناصِرُ الدِّينِ إلى أنَّهُ الخُضْرَةُ فَخُضْرٌ وإنَّ تَوَسَّطَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَهو لَهُما وعَلى كُلِّ حالٍ هَذِهِ الثِّيابُ لِباسٌ لَهم ورُبَّما تُشْعِرُ الآيَةُ بِأنَّ تَحْتَها ثِيابًا أُخْرى وقِيلَ عَلى وجْهِ الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أنَّ المُرادَ فَوْقَ حِجالِهِمُ المَضْرُوبَةِ عَلَيْهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ إلَخْ. وحاصِلُهُ أنْ حِجالَهم مُكَلَّلَةٌ بِالسُّنْدُسِ والإسْتَبْرَقِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عَنْهُ والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ عالِيهِمْ بِسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ وهي رِوايَةُ أبانَ عَنْ عاصِمٍ فَهو مَرْفُوعٌ بِضَمَّةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلى الياءِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ «وثِيابُ» خَبَرُهُ وعِنْدَ الأخْفَشِ فاعِلٌ سَدَّ مَسَدَّ الخَبَرِ وقِيلَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ «وثِيابُ» مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وأخْبَرَ بِهِ عَنِ النَّكِرَةِ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ وإضافَتُهُ لَفْظِيَّةٌ وهو في مَعْنى الجَماعَةِ كَما في ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: 67] عَلى ما صَرَّحَ بِهِ مَكِّيٌّ ولا حاجَةَ إلى التِزامِهِ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ. وقِيلَ: هو باقٍ عَلى النَّصْبِ والفَتْحَةُ مُقَدَّرَةٌ عَلى الياءِ وأنْتَ تَعْلَمُ

صفحة 163

أنَّ مِثْلَهُ شاذٌّ أوْ ضَرُورَةٌ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُخْرَّجَ عَلَيْهِ القِراءَةُ المُتَواتِرَةُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «عالِيَتُهُمْ» بِالياءِ والتّاءُ مَضْمُومَةٌ وعَنِ الأعْمَشِ أيْضًا وأبانَ عَنْ عاصِمٍ فَتْحُ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ وتَخْرِيجُهُما كَتَخْرِيجِ «عالِيَهُمْ» بِالسُّكُونِ والنَّصْبِ. وقَرَأ ابْنُ سَيْرَيْنَ ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ وقَتادَةُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ وأبانُ أيْضًا «عَلَيْهِمْ» جارًّا ومَجْرُورًا فَهو خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ( وثِيابُ ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ. وقَرَأتْ عائِشَةُ «عَلَتْهُمْ» بِتاءِ التَّأْنِيثِ فِعْلًا ماضِيًا «فَثِيابُ» فاعِلٌ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ «ثِيابٌ سُنْدُسٌ» بِتَنْوِينِ «ثِيابٍ» ورَفْعِ «سُنْدُسٌ» عَلى أنَّهُ وصْفٌ لَها وهَذا كَما نَقُولُ ثَوْبٌ حَرِيرٌ تُرِيدُ مِن هَذا الجِنْسَ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ ونافِعٌ في رِوايَةِ «وإسْتِبْرَقٍ» بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى «سُنْدُسٍ» . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ بِجَرِّ «خُضْرٍ» صِفَةً لِسُنْدُسٍ وهو في مَعْنى الجَمْعِ.

وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ وصْفَ اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ واحِدِهِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ بِالجَمْعِ جائِزٌ فَصِيحٌ وعَلَيْهِ ﴿ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ [الرَّعْدِ: 12] ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ [ق: 10] وقَدْ جاءَ «سُنْدُسَةٌ» في الواحِدَةِ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وجُوِّزَ كَوْنُهُ صِفَةً لِثِيابِ وجَرُّهُ لِلْجِوارِ وفِيهِ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ مَعْنًى إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ. وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ والحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ» بِجَرِّهِما وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ «وإسْتَبْرَقٌ» بِوَصْلِ الألِفِ وفَتْحِ القافِ كَما في عامَّةِ كُتُبِ القِراءاتِ ويُفْهَمُ مِنَ الكَشّافِ أنَّهُ قَرَأ بِالقَطْعِ والفَتْحِ وأنَّ غَيْرَهُ قَرَأ بِما تَقَدَّمَ وهو خِلافُ المَعْرُوفِ، وخُرِّجَ الفَتْحُ عَلى المَنعِ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ وغَلَّظَ بِأنَّهُ نَكِرَةٌ يَدْخُلُهُ حَرْفُ التَّعْرِيفِ فَيُقالُ: الإسْتَبْرَقُ وقِيلَ إنَّ ذاكَ كَذا والوَصْلُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُسَمّى بِاسْتَفْعَلَ مِنَ البَرِيقِ يُقالُ بَرِقَ وإسْتَبْرَقِ كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ فَهو في الأصْلِ فِعْلٌ ماضٍ ثُمَّ جُعِلَ عَلَمًا لِهَذا النَّوْعِ مِنَ الثِّيابِ فَمُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ دُونَ العُجْمَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَوْنَهُ مُعْرَبًا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُنْكَرَ.

وقِيلَ هو مَبْنِيٌّ مَنقُولٌ مِن جُمْلَةِ فِعْلٍ وضَمِيرٍ مُسْتَتِرٍ وحالُهُ لا يَخْفى. واخْتارَ أبُو حَيّانٍ أنْ «إسْتَبْرَقَ» عَلى قِراءَةِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ فِعْلٌ ماضٍ مِنَ البَرِيقِ كَما سَمِعْتَ وأنَّهُ باقٍ عَلى ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ ولَمْ يُجْعَلْ عَلَمًا لِلنَّوْعِ المَعْرُوفِ مِنَ الثِّيابِ وفِيهِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى السُّنْدُسِ أوْ عَلى الأخْضَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿خُضْرٌ﴾ كَأنَّهُ لَمّا وُصِفَ بِالخُضْرَةِ وهي مِمّا يَكُونُ فِيها لِشِدَّتِها دُهْمَةٌ وغَبَشٌ أخْبَرَ أنَّ في ذَلِكَ اللَّوْنِ بَرِيقًا وحُسْنًا يُزِيلُ غَبَشَهُ فَقِيلَ ﴿وإسْتَبْرَقٌ﴾ أيْ بَرْقٌ ولَمْعٌ لَمَعانًا شَدِيدًا ثُمَّ قالَ مُعَرِّضًا بِمَن غَلَّطَهُ كَأبِي حاتِمٍ والزَّمَخْشَرِيِّ وهَذا التَّخْرِيجُ أوْلى مِن تَلْحِينِ قارِئٍ جَلِيلٍ مَشْهُورٍ بِمَعْرِفَةِ العَرَبِيَّةِ وتَوْهِيمِ ضابِطٍ ثِقَةٍ قَدْ أخَذَ عَنْ أكابِرِ العُلَماءِ انْتَهى.

وقِيلَ: الجُمْلَةُ عَلَيْهِ مُعْتَرِضَةٌ أوْ حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ ﴿وحُلُّوا أساوِرَ﴾ جَمْعُ سُوارٍ وهو مَعْرُوفٌ وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ مُعَرَّبُ دُسْتُوارَهْ ﴿مِن فِضَّةٍ﴾ هي فِضَّةٌ لائِقَةٌ بِتِلْكَ الدّارِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا عَطْفٌ عَلى ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ واخْتِلافُهُما بِالمُضِيِّ والمُضارَعَةِ لِأنَّ الحالِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى الطَّوافِ المُتَجَدِّدِ ولا يُنافِي ما هُنا قَوْلُهُ تَعالى ( أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ) [الكَهْفِ: 31، الحَجِّ: 23، فاطِرٍ: 33] لِإمْكانِ الجَمْعِ بِتَعَدُّدِ الأساوِرِ لِكُلٍّ والمُعاقَبَةِ بِلَبْسِ الذَّهَبِ تارَةً والفِضَّةِ أُخْرى، والتَّبْعِيضِ بِأنْ يَكُونَ أساوِرُ بَعْضٍ ذَهَبًا وبَعْضٍ فِضَّةً لِاخْتِلافِ الأعْمالِ.

وقِيلَ: هو حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿عالِيَهُمْ﴾ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ فَإنْ كانَ الضَّمِيرُ لِلطّائِفِينَ عَلى أنْ يَكُونَ ﴿عالِيَهُمْ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ حِسِبْتَهم جازَ أنْ يُقالَ الفِضَّةُ لِلْخَدَمِ والذَّهَبُ لِلْمَخْدُومِينَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأساوِرِ الأنْوارَ الفائِضَةَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ المُتَفاوِتَةِ لِتَفاوُتِ الأعْمالِ تَفاوُتَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والتَّعْبِيرُ عَنْها بِأساوِرِ الأيْدِي لِأنَّهُ جَزاءُ ما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِمّا لا يَلِيقُ بِالتَّفْسِيرِ. وحَرِيٌّ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإشارَةِ ثُمَّ إنَّ التَّحْلِيَةَ إنْ كانَتْ لِلْوِلْدانِ فَلا كَلامَ ويَكُونُونَ عَلى القَوْلِ الثّانِي في ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ مُسَوَّرِينِ (مُقَرَّطِينَ وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ وإنْ كانَتْ لِأهْلِ الجَنَّةِ المَخْدُومِينَ فَقَدِ اسْتَشْكَلَ بِأنَّها لا تَلِيقُ بِالرِّجالِ وإنَّما تَلِيقُ بِالنِّساءِ والوالِدانِ، وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ العاداتِ والطَّبائِعِ ونَشْأةُ الآخِرَةِ غَيْرُ هَذِهِ النَّشْأةِ ومِنَ المَشاهِدِ في الدُّنْيا أنَّ بَعْضَ مُلُوكِها يَتَحَلَّوْنَ بِأعْضادِهِمْ وعَلى تِيجانِهِمْ وعَلى صُدُورِهِمْ بِبَعْضِ أنْواعِ الحُلِيِّ مِمّا هو

صفحة 164

عِنْدَ بَعْضِ الطِّباعِ أوْلى بِالنِّساءِ ولِلصِّبْيانِ ولا يَرَوْنَ ذَلِكَ بِدَعًا ولا نَقْصًا كُلُّ ذَلِكَ لِمَكانِ الإلْفِ والعادَةِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مِن طِباعِ أهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ المَيْلُ إلى الحُلِيِّ مُطْلَقًا لا سِيَّما وهم جُرْدٌ مُرْدٌ أبْناءُ ثَلاثِينَ.

وقِيلَ إنَّ الأساوِرَ إنَّما تَكُونُ لِنِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ والصِّبْيانِ فَقَطْ لَكِنْ غَلَبَ في اللَّفْظِ جانِبُ التَّذْكِيرِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ هو نَوْعٌ آخَرُ يَفُوقُ النَّوْعَيْنِ السّابِقَيْنِ، وهُما ما مُزِجَ بِالكافُورِ وما مُزِجَ بِالزَّنْجَبِيلِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ إسْنادُ سَقْيِهِ إلى رَبِّ العالَمِينَ ووَصْفِهِ بِالطَّهُورِيَّةِ. قالَ أبُو قِلابَةَ: يُؤْتَوْنَ بِالطَّعامِ والشَّرابِ فَإذا كانَ آخِرُ ذَلِكَ أُتُوا بِالشَّرابِ الطَّهُورِ فَيُطَهِّرُ بِذَلِكَ قُلُوبَهم وبُطُونَهم ويَفِيضُ عَرَقًا مِن جُلُودِهِمْ مِثْلَ رِيحِ المِسْكِ. وعَنْ مُقاتِلٍ هو ماءُ عَيْنٍ عَلى بابِ الجَنَّةِ مِن ساقِ شَجَرَةٍ مَن شَرِبَ مِنهُ نَزَعَ اللَّهُ تَعالى ما كانَ في قَلْبِهِ مِن غِشٍّ وغِلٍّ وحَسَدٍ وما كانَ في جَوْفِهِ مِن قَذَرٍ وأذًى أيْ إنْ كانَ فالطَّهُورُ عَلَيْهِما بِمَعْنى المُطَهِّرِ وقَدْ تَقَدَّمَ في ذَلِكَ كَلامٌ فَتَذَكَّرْ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ أُرِيدَ أنَّهُ في غايَةِ الطَّهارَةِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِرِجْسٍ كَخَمْرِ الدُّنْيا الَّتِي هي في الشَّرْعِ رِجْسٌ لِأنَّ الدّارَ لَيْسَتْ دارَ تَكْلِيفٍ أوْ لِأنَّهُ لَمْ يُعْصَرْ فَتَمَسُّهُ الأيْدِي الوَضِرَةُ وتَدُوسُهُ الأقْدامُ الدَّنِسَةُ. ولَمْ يُجْعَلْ في الدِّنانِ والأبارِيقِ الَّتِي لَمْ يَعِنَّ بِتَنْظِيفِها أوْ لِأنَّهُ لا يُؤَوَّلُ إلى النَّجاسَةِ لِأنَّهُ يُرْشَحُ عَرَقًا مِن أبْدانِهِمْ لَهُ رِيحٌ كَرِيحِ المِسْكِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِذاكَ الشَّرابُ الرُّوحانِيُّ لا المَحْسُوسَ وهو عِبارَةٌ عَنِ التَّجَلِّي الرَّبّانِيِّ الَّذِي يُسْكِرُهم عَمّا سِواهُ:

صَفاءٌ ولا ماءَ ولُطْفٌ ولا هَوا ونُورٌ ولا نارَ ورُوحٌ ولا جِسْمَ

ولَعَلَّ كُلَّ ما ذَكَرَهُ ابْنُ الفارِضِ في خَمْرِيَّتِهِ الَّتِي لَمْ يُفْرَغْ مِثْلُها في كَأْسٍ إشارَةٌ إلى هَذا الشَّرابِ وإيّاهُ عَنى بِقَوْلِهِ:

سَقَوْنِي وقالُوا لا تُغَنِّ ولَوْ سَقَوْا ∗∗∗ جِبالَ حَنِينٍ ما سَقَوْنِي لَغَنَّتْ

ويُحْكى أنَّهُ سُئِلَ أبُو يَزِيدَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ سَقاهم شَرابًا طَهَّرَهم بِهِ عَنْ مَحَبَّةِ غَيْرِهِ ثُمَّ قالَ: إنَّ للَّهِ تَعالى شَرابًا ادَّخَرَهُ لِأفاضِلِ عِبادِهِ يَتَوَلّى سَقْيَهم إيّاهُ فَإذا شَرِبُوا طاشُوا وإذا طاشُوا طارُوا وإذا طارُوا وصَلُوا وإذا وصَلُوا اتَّصَلُوا فَهم ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القَمَرِ: 55] وحَمَلَ بَعْضُهم جَمِيعَ الأشْرِبَةِ عَلى غَيْرِ المُتَبادِرِ مِنها، فَقالَ: إنَّ الأنْوارَ الفائِضَةَ مِن جَواهِرِ أكابِرِ المَلائِكَةِ وعُظَمائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى هَذِهِ الأرْواحِ مُشَبَّهَةٌ بِالماءِ العَذْبِ الَّذِي يُزِيلُ العَطَشُ ويُقَوِّي البَدَنَ، وكَما أنَّ العُيُونَ مُتَفاوِتَةٌ في الصَّفاءِ والكَثْرَةِ والقُوَّةِ فَكَذا يَنابِيعُ الأنْوارِ العُلْوِيَّةِ مُخْتَلِفَةٌ فَبَعْضُها كافُورِيَّةٌ عَلى طَبْعِ البَرْدِ واليُبْسِ ويَكُونُ صاحِبُ ذَلِكَ في الدُّنْيا في مَقامِ الحُزْنِ والبُكاءِ والِانْقِباضِ، وبَعْضُها يَكُونُ زَنْجَبِيلِيًّا عَلى طَبْعِ الحَرِّ واليَبْسِ ويَكُونُ صاحِبُهُ قَلِيلَ الِالتِفاتِ إلى السَّوِيِّ قَلِيلَ المُبالاةِ بِالأجْسامِ والجُسْمانِيّاتِ ثُمَّ لا يَزالُ الرُّوحُ البَشَرِيُّ مُنْتَقِلًا مِن يَنْبُوعٍ إلى يَنْبُوعٍ ومِن نُورٍ إلى نُورٍ ولا شَكَّ أنَّ الأسْبابَ والمُسَبِّباتِ مُتَناهِيَةٌ في ارْتِقائِها إلى واجِبِ الوُجُودِ الَّذِي هو النُّورُ المُطْلَقُ جَلَّ جَلالُهُ، فَإذا وصَلَ إلى ذَلِكَ المَقامِ وشَرِبَ ذَلِكَ الشَّرابَ انْهَضَمَتْ تِلْكَ الأشْرِبَةُ المُتَقَدِّمَةُ بَلْ فَنِيَتْ لِأنَّ نُورَ ما سِوى اللَّهِ يَضْمَحِلُّ في مُقابَلَةِ نُورِ جَلالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وكِبْرِيائِهِ وذَلِكَ آخِرُ سَيْرِ الصَّدِيقِينَ ومُنْتَهى دَرَجاتِهِمْ في الِارْتِقاءِ والكَمالِ، ولِهَذا خَتَمَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ ثَوابِ الأبْرارِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ .

76:22Page 579

إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا ٢٢

[And it will be said], "Indeed, this is for you a reward, and your effort has been appreciated."

﴿إنَّ هَذا﴾ الَّذِي ذَكَرَ مِن فُنُونِ الكَراماتِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ ﴿كانَ لَكم جَزاءً﴾ بِمُقابَلَةِ أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ الَّتِي اقْتَضاها حُسْنُ اسْتِعْدادِكم واخْتِيارِكُمْ، والظّاهِرُ أنَّ المَجِيءَ بِالفِعْلِ لِلتَّحْقِيقِ والدَّوامِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ كانَ في عِلْمِي وحُكْمِي وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ أيْ مَرْضِيًّا مَقْبُولًا أوْ مُجازًى عَلَيْهِ غَيْرَ مُضَيَّعٍ، والكَلامُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ ويُقالُ لَهم بَعْدَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ ومُشاهَدَتِهِمْ ما أعَدَّ لَهم إنَّ هَذا إلَخِ والغَرَضُ أنْ يَزْدادَ سُرُورُهم فَإنَّهُ يُقالُ لِلْمُعاقَبِ هَذا بِعَمَلِكَ الرَّدِيءِ فَيَزْدادُ غَمُّهُ ولِلْمُثابِ هَذا بِطاعَتِكَ وعَمَلِكَ الحَسَنِ فَيَزْدادُ سُرُورُهُ ويَكُونُ ذَلِكَ تَهْنِئَةً لَهُ

صفحة 165

، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ اللَّهِ تَعالى في الدُّنْيا كَأنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ شَرَحَ ثَوابَ أهْلِ الجَنَّةِ قالَ: إنَّ هَذا كانَ في عِلْمِي وحُكْمِي جَزاءً لَكم يا مَعْشَرَ عِبادِي وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا، وقِيلَ: وهو لا يُغْنِي عَنِ الإضْمارِ لِيَرْتَبِطَ بِما قَبْلَهُ وقَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِنَ الجَزاءِ ما تَهُشُّ لَهُ الألْبابُ وأعْقَبَهُ جَلَّ وعَلا بِما يَدُلُّ عَلى الرِّضا الَّذِي هو أعْلى وأغْلى لَدى الأحْبابِ:

إذا كُنْتَ عَنِّي يا مُنى القَلْبِ راضِيًا أرى كُلَّ مَن في الكَوْنِ لِي يَتَبَسَّمُ

ورُوِيَ مِن طُرُقٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ وقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ وعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ أسْوَدُ، فَلَمّا بَلَغَ صِفَةَ الجِنانِ زَفَرَ زَفْرَةً خَرَجَتْ نَفْسُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أخْرَجَ نَفْسَ صاحِبِكُمُ الشَّوْقُ إلى الجَنَّةِ» .

76:23Page 579

إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلٗا ٢٣

Indeed, it is We who have sent down to you, [O Muḥammad], the Qur’ān progressively.

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أوَّلًا حالَ الإنْسانِ وقَسَّمَهُ إلى الطّائِعِ والعاصِي وأمْعَنَ جَلَّ شَأْنُهُ فِيما أعَدَّهُ لِلطّائِعِ مُشِيرًا إلى عِظَمِ سِعَةِ الرَّحْمَةِ ذَكَرَ ما شَرَّفَ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ إزالَةً لِوَحْشَتِهِ وتَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا﴾ أيْ أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا في نَحْوِ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً لِحِكَمٍ بالِغَةٍ مُقْتَضِيَةٍ لَهُ لا غَيْرُنا كَما يُعْرِبُ عَنْهُ تَكْرِيرُ الضَّمِيرِ مَعَ أنَّ سَواء ٌكانَ المُنْفَصِلُ تَأْكِيدًا أوْ فَصْلًا أوْ مُبْتَدَأً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском