Al-AlusiAl‑Insan · 76:24–31

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Insan 76:24–31

76:24Page 579

فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعۡ مِنۡهُمۡ ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورٗا ٢٤

So be patient for the decision of your Lord and do not obey from among them a sinner or ungrateful [disbeliever].

﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ بِتَأْخِيرِ نَصْرِكَ عَلى الكُفّارِ فَإنَّ لَهُ عاقِبَةً حَمِيدَةً ﴿ولا تُطِعْ﴾ قِلَّةَ صَبْرٍ مِنكَ عَلى أذاهم وضَجَرًا مِن تَأخُّرِ نَصْرِكَ ﴿مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ قِيلَ إنَّ ( أوْ ) لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ في جَمِيعِ مَواقِعِها، ويَعْرِضُ لَها مَعانٍ أُخَرُ كالشَّكِّ والإباحَةِ وغَيْرِهِما فَيَكُونُ أصْلُ المَعْنى هُنا ﴿ولا تُطِعْ مِنهُمْ﴾ أحَدَ النَّوْعَيْنِ ولَمّا كانَ أحَدٌ الأغْلَبُ عَلَيْهِ في غَيْرِ الإثْباتِ العُمُومُ واحْتِمالُ غَيْرِهِ احْتِمالٌ مَرْجُوحٌ صارَ المَعْنى عَلى النَّهْيِ عَنْ إطاعَةِ هَذا وهَذا، ولَمْ يُؤْتَ بِالواوِ لِاحْتِمالِ الكَلامِ عَلَيْهِ النَّهْيَ عَنِ المَجْمُوعِ ويَحْصُلُ امْتِثالُهُ بِالِانْتِهاءِ عَنْ واحِدٍ دُونَ الآخَرِ، فَلا يُرِدْ أنْ لا تَطَلَّعَ أحَدَ النَّوْعَيْنِ يَحْصُلُ الِامْتِثالُ بِهِ بِتَرْكِ إطاعَةِ واحِدٍ مِن إطاعَةِ الآخَرِ إذْ يُقالُ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ إنَّهُ لَمْ يُطِعْ أحَدَهُما، ومِن هُنا قِيلَ إنَّ ( أوْ ) في الإثْباتِ تُفِيدُ أحَدَ الأمْرَيْنِ، وفي النَّفْيِ تُفِيدُ نَفْيَ كِلا الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، ولَعَلَّ ما ذُكِرَ في مَعْنى كَلامِ ابْنِ الحاجِبِ حَيْثُ قالَ: إنَّ وضْعَ ( أوْ ) لِإثْباتِ الحُكْمِ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ إلّا أنَّهُ إنْ حَصَلَتْ قَرِينَةٌ يُفْهَمُ مَعَها أنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ غَيْرُ حاجِزٍ عَنِ الآخَرِ مِثْلَ قَوْلِكَ جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ سُمِّيَ إباحَةً وإنْ حَجَرَ فَهو لِأحَدِ الأمْرَيْنِ. واسْتَشْكَلَ بَعْضُهم وُقُوعَها في النَّهْيِ كَـ لا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا إذا لَوِ انْتَهى عَنْ أحَدِهِما لَمْ يَمْتَثِلْ.

ومِن ثَمَّ حَمَلَها بَعْضُهم يَعْنِي أبا عُبَيْدَةَ عَلى أنَّها بِمَعْنى الواوِ والأوَّلُ أنْ تَبْقى عَلى بابِها وإنَّما جاءَ التَّعْمِيمُ فِيها مِن وراءِ ذَلِكَ وهو النَّهْيُ الَّذِي فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ لِأنَّ المَعْنى قَبْلَ وُجُودِ النَّهْيِ تُطِيعُ آثِمًا أوْ كَفُورًا أيْ واحِدًا مِنهُما، فَإذا جاءَ النَّهْيُ ورَدَ عَلى ما كانَ ثابِتًا في المَعْنى فَيَصِيرُ المَعْنى ولا تُطِعْ واحِدًا مِنهُما فَيَجِيءُ التَّعْمِيمُ فِيهِما مِن جِهَةِ النَّهْيِ وهي عَلى بابِها فِيما ذَكَرَ لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ الِانْتِهاءُ عَنْ أحَدِهِما حَتّى يَنْتَهِيَ عَنْهُما بِخِلافِ الإثْباتِ فَإنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ انْتَهى.

وعَلَيْهِ ما قِيلَ إنَّ إفادَةَ العُمُومِ في النَّفْيِ والنَّهْيِ الَّذِي في مَعْناهُ لَمّا أنْ تَقَيَّضَ الإيجابُ الجُزْئِيُّ السَّلْبَ الكُلِّيَّ. وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ قَوْلُ الزَّجّاجِ إنَّ ( أوْ ) هاهُنا أوْكَدُ مِنَ الواوِ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا فَأطاعَ أحَدَهُما كانَ غَيْرَ عاصٍ، فَإذا أبْدَلْتَها بَأْوْ فَقَدْ دَلَّلَتْ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ لِأنْ يُعْصى ويُعْلَمُ مِنهُ النَّهْيُ عَنْ إطاعَتِهِما مَعًا كَما لا يَخْفى. وأفادَ جارُ اللَّهِ أنَّ ( أوْ ) باقِيَةٌ عَلى حَقِيقَتِها وأنَّ النَّهْيَ عَنْ إطاعَتِهِما جَمِيعًا إنَّما جاءَ مِن دَلالَةِ النَّصِّ وهي المُسَمّى مَفْهُومَ المُوافَقَةِ بِقِسْمَيْهِ الأوَّلِيِّ والمُساوِيِّ فَتَأمَّلْ.

والمُرادُ بِالآثِمِ والكَفُورِ جِنْسُهُما وتَعْلِيقُ النَّهْيِ بِذَلِكَ مُشْعِرٌ بِعَلِيَّةِ الوَصْفَيْنِ لَهُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الإطاعَةِ في الإثْمِ والكُفْرِ لا فِيما لَيْسَ بِإثْمٍ ولا كُفْرٍ، والمُرادُ ولا تُطِعْ مُرْتَكِبَ الإثْمِ الدّاعِيَ لَكَ إلَيْهِ أوْ مُرْتَكِبَ الكُفْرِ الدّاعِيَ إلَيْهِ أيْ لا تَتْبَعْ أحَدًا مِنَ الآثِمِ إذا دَعاكَ إلى الإثْمِ، ومِنَ الكَفُورِ إذا دَعاكَ إلى الكُفْرِ فَإنَّهُ إذا قِيلَ لا تُطِعْ

صفحة 166

الظّالِمَ فُهِمَ مِنهُ لا تَتْبَعُهُ في الظُّلْمِ إذا دَعاكَ إلَيْهِ ومَنعُ هَذا الفَهْمِ مُكابَرَةٌ فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى عَدَمِ جَوازِ الِاقْتِداءِ بِالفاسِقِ إذا صَلّى إمامًا ثُمَّ إنَّ التَّقْسِيمَ بِاعْتِبارِ ما يَدْعُوانِ إلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والإثْمِ المُقابِلِ لَهُ لا بِاعْتِبارِ الذَّواتِ حَتّى يَكُونَ بَعْضُهم آثِمًا وبَعْضُهم كَفُورًا فَيُقالُ: كَيْفَ ذَلِكَ وكُلُّهم كَفَرَةٌ والمُبالَغَةُ في «كَفُورٍ» قِيلَ لِمُوافَقَةِ الواقِعِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آلِ عِمْرانَ: 130] واعْتِبارُ رُجُوعِها إلى النَّهْيِ كاعْتِبارِ رُجُوعِها إلى النَّفْيِ عَلى ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فُصِّلَتْ: 46] كَما تَرى، وقِيلَ الآثِمُ المُنافِقُ والكَفُورُ المُشْرِكُ المُجاهِرُ. وقِيلَ الآثِمُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والكَفُورُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ لِأنَّ عُتْبَةَ كانَ رَكّابًا لِلْمَآثِمِ مُتَعاطِيًا لِأنْواعِ الفُسُوقِ، وكانَ الوَلِيدُ غالِيًا في الكُفْرِ شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ في العُتُوِّ وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُما قالا لَهُ ﷺ: ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ ونَحْنُ نُرْضِيكَ بِالمالِ والتَّزْوِيجِ فَنَزَلَتْ

وقِيلَ الكَفُورُ أبُو جَهْلٍ والآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِ والأوْلى ما تَقَدَّمَ. وفي النَّهْيِ مَعَ العِصْمَةِ إرْشادٌ لِغَيْرِ المَعْصُومِ إلى التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى والرَّغْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ في الحِفْظِ عَنِ الوُقُوعِ فِيما لا يَنْبَغِي.

76:25–26Page 579

وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٢٥

And mention the name of your Lord [in prayer] morning and evening

وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَٱسۡجُدۡ لَهُۥ وَسَبِّحۡهُ لَيۡلٗا طَوِيلًا ٢٦

And during the night prostrate to Him and exalt [i.e., praise] Him a long [part of the] night.

﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ وداوِمْ عَلى ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ في جَمِيعِ الأوْقاتِ أوْ دُمْ عَلى صَلاةِ الفَجْرِ والظَّهْرِ والعَصْرِ فَإنَّ الأصِيلَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى ما بَعْدَ الزَّوالِ إلى المَغْرِبِ فَيَنْتَظِمُهُما ﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾ أيْ بَعْضِهِ فاسْجُدْ فَصَلِّ لَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى أنَّ السُّجُودَ مُجازٍ عَنِ الصَّلاةِ بِذِكْرِ الجُزْءِ وإرادَةِ الكُلِّ وحَمْلُ ذَلِكَ عَلى صَلاةِ المَغْرِبِ والعَشاءِ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاعْتِناءِ والِاهْتِمامِ لِما في صَلاةِ اللَّيْلِ مِن مَزِيدِ كُلْفَةٍ وخُلُوصٍ ﴿وسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾ وتَهَجَّدْ لَهُ تَعالى قَطْعًا مِنَ اللَّيْلِ طَوِيلًا فَهو أمْرٌ بِالتَّهَجُّدِ عَلى ما اخْتارَ لَهُ بَعْضُهم.

وتَنْوِينُ ﴿لَيْلا﴾ لِلتَّبْعِيضِ وأصْلُ التَّسْبِيحِ التَّنْزِيهُ ويُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ العِبادَةِ القَوْلِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ وغَيْرِهِ أنَّ ذَلِكَ كانَ فَرْضًا ونُسِخَ فَلا فَرْضَ اليَوْمَ إلّا الخَمْسُ وقالَ قَوْمٌ: هو مُحْكَمٌ في شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ آخَرُونَ: هو كَذَلِكَ مُطْلَقًا عَلى وجْهِ النَّدْبِ وفي تَأْخِيرِ الظَّرْفِ قِيلَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ كالَّذِي قَبْلَهُ وكَذا في التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالتَّسْبِيحِ وفِيهِ نَظَرٌ وقالَ الطِّيبِيُّ: الأقْرَبُ مِن حَيْثُ النَّظْمُ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى حَبِيبَهُ ﷺ عَنْ إطاعَةِ الآثِمِ والكَفُورِ وحَثِّهِ عَلى الصَّبْرِ عَلى أذاهم وإفْراطِهِمْ في العَداوَةِ، وأرادَ سُبْحانَهُ أنْ يُرْشِدَهُ إلى مُتارَكَتِهِمْ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِاسْتِغْراقِ أوْقاتِهِ بِالعِبادَةِ لَيْلًا ونَهارًا بِالصَّلَواتِ كُلِّها مِن غَيْرِ اخْتِصاصٍ وبِالتَّسْبِيحِ بِما يُطِيقُ عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحِجْرِ: 97، 98] انْتَهى. وهو حَسَنٌ.

76:27Page 580

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمۡ يَوۡمٗا ثَقِيلٗا ٢٧

Indeed, these [disbelievers] love the immediate and leave behind them1 a grave Day.

﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ الكَفَرَةَ ﴿يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ويَنْهَمِكُونَ في لَذّاتِها الفانِيَةِ ﴿ويَذَرُونَ وراءَهُمْ﴾ أيْ أمامَهم ﴿يَوْمًا ثَقِيلا﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ وكَوْنُهُ أمامَهم ظاهِرٌ أوْ يَذْرُوَنَ وراءَ ظُهُورِهِمْ يَوْمًا ثَقِيلًا لا يَعْبَئُونَ بِهِ فالظَّرْفُ قِيلَ عَلى الأوَّلِ حالٌ مِن ﴿يَوْمًا﴾ وعَلى هَذا ظَرْفُ ( يَذَرُونَ ) ولَوْ جُعِلَ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ في التَّعَلُّقِ صَحَّ أيْضًا ووَصْفُ اليَوْمِ بِالثَّقِيلِ لِتَشْبِيهِ شِدَّتِهِ وهو لَهُ بِثِقَلِ شَيْءٍ قادِحٍ باهِظٍ لِحامِلِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، والجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ كَأنَّهُ قِيلَ لا نُطِعْهم واشْتَغَلَ بِالأهَمِّ مِنَ العِبادَةِ لِأنَّ هَؤُلاءِ تَرَكُوا الآخِرَةَ لِلدُّنْيا فاتْرُكْ أنْتَ الدُّنْيا وأهْلَها لِلْآخِرَةِ وقِيلَ: إنَّ هَذا يُفِيدُ تَرْهِيبَ مُحِبِّ العاجِلِ وتَرْغِيبَ مُحِبِّ الآجِلِ والأوَّلُ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ عَنْ إطاعَةِ الآثِمِ والكَفُورِ والثّانِي عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِالعِبادَةِ.

76:28Page 580

نَّحۡنُ خَلَقۡنَٰهُمۡ وَشَدَدۡنَآ أَسۡرَهُمۡۖ وَإِذَا شِئۡنَا بَدَّلۡنَآ أَمۡثَٰلَهُمۡ تَبۡدِيلًا ٢٨

We have created them and strengthened their forms, and when We will, We can change their likenesses with [complete] alteration.

﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ﴾ لا غَيْرُنا ﴿وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ أيْ أحْكَمْنا رَبْطَ مَفاصِلِهِمْ بِالأعْصابِ والعُرُوقِ والأسْرُ في الأصْلِ الشَّدُّ والرَّبْطُ وأُطْلِقَ عَلى ما يُشَدُّ بِهِ ويُرْبَطُ كَما هُنا، وإرادَةُ الأعْصابِ والعُرُوقِ لِشُبَهِها بِالحِبالِ المَرْبُوطِ بِها ووَجْهُ الشَّبَهِ ظاهِرٌ ومِن هُنا قَدْ يَقُولُ العارِفُ مَن كانَ أسْرُهُ مِن ذاتِهِ وسِجْنُهُ دُنْياهُ في حَياتِهِ فَلْيَشْكُ مُدَّةَ عُمْرِهِ ولِيَتَأسَّفْ عَلى وُجُودِهِ بِأسْرِهِ والمُرادُ شِدَّةُ الخُلُقِ وكَوْنُهُ مُوَثِّقًا

صفحة 167

حَسَنًا.

ومِنهُ فَرَسٌ مَأْسُورُ الخُلُقِ إذا كانَ مُوَثِّقَهُ حَسَنًا. وعَنْ مُجاهِدٍ الأسْرُ الشَّرَجُ وفَسَّرَ بِمَجْرى الفَضْلَةِ وشَدُّ ذَلِكَ جَعْلُهُ بِحَيْثُ إذا خَرَجَ الأذى انْقَبَضَ.

ولا يَخْفى أنَّ هَذا داخِلٌ في شِدَّةِ الخُلُقِ وكَوْنِهِ مُوَثِّقًا حَسَنًا ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ﴾ أيْ أهْلَكْناهم وبَدَّلْنا أمْثالَهم في شِدَّةِ الخُلُقِ ﴿تَبْدِيلا﴾ بَدِيعًا لا رَيْبَ فِيهِ يَعْنِي البَعْثَ والنَّشْأةَ الأُخْرى فالتَّبْدِيلُ في الصِّفاتِ لِأنَّ المَعادَ هو المُبْتَدَأُ ولِكَوْنِ الأمْرِ مُحَقَّقًا كائِنًا جِيءَ بِإذا وذِكْرُ المَشِيئَةِ لِإبْهامِ وقْتِهِ ومِثْلُهُ شائِعٌ كَما يَقُولُ العَظِيمُ لِمَن يَسْألُهُ الإنْعامَ إذا شِئْتُ أُحْسِنْ إلَيْكَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى وإذا شِئْنا أهْلَكْناهم وبَدَّلْنا غَيْرَهم مِمَّنْ يُطِيعُ فالتَّبْدِيلُ في الذَّواتِ وإذا لِتَحَقُّقِ قُدْرَتِهِ تَعالى عَلَيْهِ وتَحَقُّقِ ما يَقْتَضِيهِ مِن كُفْرِهِمُ المُقْتَضِي لِاسْتِئْصالِهِمْ فَجَعَلَ ذَلِكَ المَقْدُورَ المُهَدَّدَ بِهِ كالمُحَقَّقِ وعَبَّرَ عَنْهُ بِما يُعَبَّرُ بِهِ عَنْهُ ولَعَلَّهُ الَّذِي أرادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِما نَقَلَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ إنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّهُ وعِيدٌ جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ كَأنَّ لَهُ وقْتًا مُعَيَّنًا ولا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: 38] لِأنَّ النِّكاتِ لا يَلْزَمُ اطِّرادُها فافْهَمْ. والوَجْهُ الأوَّلُ أوْفَقُ بِسِياقِ النَّظْمِ الجَلِيلِ.

76:29Page 580

إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٢٩

Indeed, this is a reminder, so he who wills may take to his Lord a way.

﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ إشارَةٌ إلى السُّورَةِ أوِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ أيْ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلَيْهِ تَعالى سَبِيلًا أيْ وسِيلَةً تُوَصِّلُهُ إلى ثَوابِهِ اتَّخَذَهُ أيْ تَقَرَّبَ إلَيْهِ بِالطّاعَةِ فَهو تَوَصِّلُ أيْضًا السَّبِيلَ لِلْمَقاصِدِ ﴿وما تَشاءُونَ﴾ أيْ شَيْئًا أوِ اتِّخاذَ السَّبِيلِ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِمَشِيئَتِكم.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ﴿وما تَشاءُونَ﴾ الطّاعَةَ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ تَعالى قَسْرَكم عَلَيْها وهو تَحْرِيفٌ لِلْآيَةِ بِلا دَلِيلٍ، ويَلْزَمُهُ عَلى ما في الِانْتِصافِ أنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ لا يُوجَدُ إلّا إذا انْتَفَتْ وهو عَنْ مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ بِمَعْزِلٍ وأبْعَدَ مَنزِلٍ.

والظّاهِرُ ما قَرَّرْنا لِأنَّ المَفْعُولَ المَحْذُوفَ هو المَذْكُورُ أوَّلًا كَما تَقُولُ: لَوْ شِئْتُ لَقَتَلْتُ زَيْدًا أيْ لَوْ شِئْتُ القَتْلَ لا لَوْ شِئْتُ زَيْدًا ولا يُمْكِنُ لِلْمُعْتَزِلَةِ أنْ يُنازِعُوا أهْلَ الحَقِّ- في ذَلِكَ لَأنَّ المَشِيئَةَ لَيْسَتْ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ وإلّا لَتَسَلْسَلَتْ بَلِ الفِعْلُ المَقْرُونُ بِها مِنها فَدَعْوى اسْتِقْلالِ العَبْدِ مُكابَرَةٌ وكَذَلِكَ دَعْوى الجَبْرِ المُطْلَقِ مُهاتَرَةٌ والأمْرُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِإثْباتِ المَشِيئَتَيْنِ وحاصِلُهُ عَلى ما حَقَّقَهُ الكَوْرانِيُّ أنَّ العَبْدَ مُخْتارٌ في أفْعالِهِ وغَيْرُ مُخْتارٍ في اخْتِيارِهِ والثَّوابُ والعِقابُ لِحُسْنِ الِاسْتِعْدادِ النَّفْسِ الأمْرِيِّ وسُوئِهِ فَكُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ وسُبْحانَ مَن أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى.

وفِي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَلاطَمَتْ فِيها أمْواجُ القَدَرِ والجَبْرِ فالقَدَرِيُّ يَتَمَسَّكُ بِالجُمْلَةِ الأُولى ويَقُولُ إنَّ مُفادَها كَوْنُ مَشِيئَةِ العَبْدِ مُسْتَلْزَمَةً لِلْفِعْلِ وهو مَذْهَبِي والجَبْرِيُّ يَتَمَسَّكُ بِضَمِّ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ ويَقُولُ إنَّ مُفادَها أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى مُسْتَلْزَمَةٌ لِمَشِيئَةِ العَبْدِ فَيَتَحَصَّلُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى مُسْتَلْزَمَةٌ لِمَشِيئَةِ العَبْدِ وأنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ مُسْتَلْزَمَةٌ لِفِعْلِ العَبْدِ كَما تُؤْذِنُ بِهِ الشَّرْطِيَّةُ فَإذَنْ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى مُسْتَلْزَمَةٌ لِفِعْلِ العَبْدِ لِأنَّ مُسْتَلْزَمَ المُسْتَلْزَمِ مُسْتَلْزَمٌ وذَلِكَ هو الجَبْرُ وهو صَرِيحُ مَذْهَبِي وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ بِالجَبْرِ المَحْضِ المَسْلُوبِ مَعَهُ الِاخْتِيارُ بِالكُلِّيَّةِ بَلْ يَرْجِعُ أيْضًا إلى أمْرٍ بَيْنَ أمْرَيْنِ وقَدَّرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ مَفْعُولَ ( يَشاءَ ) الِاتِّخاذَ والتَّحْصِيلَ رَدًّا لِلْكَلامِ عَلى الصَّدْرِ. فَقالَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ.

76:30Page 580

وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٣٠

And you do not will except that Allāh wills. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.

﴿وما تَشاءُونَ﴾ إلَخِ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ بِبَيانِ أنَّ مُجَرَّدَ مَشِيئَتِهِمْ غَيْرُ كافِيَةٍ في اتِّخاذِ السَّبِيلِ كَما هو المَفْهُومُ مِن ظاهِرِ الشِّرْطِيَّةِ أيْ وما تَشاؤُونَ اتِّخاذَ السَّبِيلِ ولا تَقْدِرُونَ عَلى تَحْصِيلِهِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ مَشِيئَتِهِ تَعالى اتِّخاذَهُ وتَحْصِيلَهُ لَكم إذْ لا دَخْلَ لِمَشِيئَةِ العَبْدِ إلّا مِنَ الكَسْبِ وإنَّما التَّأْثِيرُ والخَلْقُ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وفِيهِ نَوْعُ مُخالَفَةٍ لِلظّاهِرِ كَما لا يَخْفى.

نَعَمْ قِيلَ إنَّ ظاهِرَ الشَّرْطِيَّةِ أنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ مُطْلَقًا مُسْتَلْزَمَةٌ لِلْفِعْلِ فَيَلْزَمُ أنَّهُ مَتى شاءَ فِعْلًا فَعَلَهُ مَعَ أنَّ الواقِعَ خِلافُهُ فَلا بُدَّ مِمّا قالَهُ هَذا البَعْضُ، وجَعَلَ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وأُجِيبُ بِأنَّها لِلتَّحْقِيقِ عَلى وجْهٍ آخَرَ وذَلِكَ أنَّ الأُولى أفْهَمَتِ الِاسْتِلْزامَ والثّانِيَةَ بَيَّنَتْ أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ المُسْتَلْزَمَةَ لا تَتَحَقَّقُ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاها

صفحة 168

فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما تَشاؤُونَ مَشِيئَةً تَسْتَلْزِمُ الفِعْلَ إلّا وقْتَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى مَشِيئَتَكم تِلْكَ فَتَأمَّلْ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ مِن مَحارِ الأفْهامِ ومَزالِّ أقْدامِ أقْوامٍ بَعْدَ أقْوامٍ وأقْوى شُبَهِ الجَبْرِيَّةِ أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ الشَّيْءَ ما لَمْ يَجِبْ لَمْ يُوجَدْ فَإنْ وجَبَ صُدُورُ الفِعْلِ فَلا اخْتِيارَ.

وإلّا فَلا صُدُورَ وبِعِبارَةٍ أُخْرى أنَّ جَمِيعَ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الفِعْلُ إذا تَحَقَّقَ فَإمّا أنْ يَلْزَمَ الفِعْلُ فَيَلْزَمُ الِاضْطِرارُ أوَّلًا فَيَلْزَمُ جَوازُ تَخَلُّفِ المَعْلُولِ عَنْ عِلَّتِهِ التّامَّةِ بَلْ مَعَ الصُّدُورِ التَّرَجُّحُ بِلا مُرَجِّحٍ فَقَدْ قِيلَ إنَّها نَحْوُ شُبْهَةِ ابْنِ كَمُّونَةَ في التَّوْحِيدِ يَصْعُبُ التَّفَصِّي عَنْها ولِلْفَقِيرِ العاجِزِ جَبَرَ اللَّهُ تَعالى فَقْرَهُ ويَسَّرَ أمْرَهُ عَزَمَ عَلى تَأْلِيفِ رِسالَةٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ سالِكًا فِيها بِتَوْفِيقِهِ سُبْحانَهُ أحْسَنَ المَسالِكِ وإنْ كانَ الكُورانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ لَمْ يَدَعْ فِيها مَقالًا وأوْشَكَ أنْ يَدَعَ كُلَّ مَن جاءَ بَعْدُ فِيها بِشَيْءٍ عَلَيْهِ عِيالًا واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

وقَرَأ العَرَبِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ «وما يَشاؤُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ «إلّا ما يَشاءُ اللهُ» وما فِيهِ مَصْدَرِيَّةٌ كَأنْ في قِراءَةِ الجَماعَةِ وقَدْ أشَرْنا إلى أنَّ المَصْدَرَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ السّادِّ هو مَسَدَّهُ وهو ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ بِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَقُومُ مَقامَ الظَّرْفِ إلّا المَصْدَرُ المُصَرَّحُ فَلا يَجُوزُ أجِيئُكَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ أوْ ما يَصِيحُ الدِّيكُ وإنَّما يَجُوزُ أجِيئُكَ صِياحَ الدِّيكِ وكَأنَّهُ لِهَذا قِيلَ إنَّ ﴿أنْ يَشاءَ﴾ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ والِاسْتِثْناءِ مِن أعْلَمِ الأسْبابِ أيْ ﴿وما تَشاءُونَ﴾ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِأنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ فَيَعْلَمُ مَشِيئاتِ العِبادِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأفْعالِ الَّتِي سَألُوها بِألْسِنَةِ اسْتِعْداداتِهِمْ ﴿حَكِيمًا﴾ مُبالِغًا في الحِكْمَةِ فَيَفِيضُ عَلى كُلِّ ما هو الأوْفَقُ بِاسْتِعْدادِهِ وما هو عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ مِنَ المَشِيئَةِ أوْ أنَّهُ تَعالى مُبالِغٌ في العِلْمِ والحِكْمَةِ فَيَعْلَمُ ما يَسْتَأْهِلُهُ كُلُّ أحَدٍ مِنَ الطّاعَةِ وخِلافِها فَلا يَشاءُ لَهم إلّا ما يَسْتَدْعِيهِ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ وتَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ عَزَّ وجَلَّ وقِيلَ ﴿عَلِيمًا﴾ أيْ يَعْلَمُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَشِيئَةُ العِبادِ مِنَ الأعْمالِ ﴿حَكِيمًا﴾ لا يَشاءُ إلّا عَلى وفْقِ حِكْمَتِهِ وهو أنْ يَشاءَ العَبْدُ فَيَشاءَ الرَّبُّ سُبْحانَهُ وتَعالى لا العَكْسُ لِيَتَأتّى التَّكْلِيفُ مِن غَيْرِ انْفِرادٍ لِأحَدِ المَشِيئَتَيْنِ عَنِ الأُخْرى وفِيهِ بَحْثُ.

76:31Page 580

يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمَۢا ٣١

He admits whom He wills into His mercy; but the wrongdoers - He has prepared for them a painful punishment.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ إلَخِ بَيانٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ قِيلَ أيْ يُدْخِلُ سُبْحانَهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ أنْ يُدْخِلَهُ فِيها وهو الَّذِي عَلِمَ فِيهِ الخَيْرَ حَيْثُ يُوَفِّقُهُ لِما يُؤَدِّي إلى دُخُولِ الجَنَّةِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿والظّالِمِينَ﴾ أيْ لِأنْفُسِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ فِيهِمُ الشَّرَّ ﴿أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ مُتَناهِيًا في الإيلامِ ونَصْبُ ( الظّالِمِينَ ) بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ أعَدَّ إلَخِ وقُدِّرَ يُعَذِّبُ وقَدْ يُقَدَّرُ أوْعَدَ أوْ كافَأ أوْ شِبْهَ ذَلِكَ ولَمْ يَقَدَّرْ أعَدَّ لِأنَّهُ لا يَتَعَدّى بِاللّامِ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «والظّالِمُونَ» عَلى الِابْتِداءِ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أحْسَنُ.

وإنْ أوْجَبَتْ تَقْدِيرًا لِلطِّباقِ فِيها وذَهابَهُ في هَذِهِ إذِ الجُمْلَةُ عَلَيْها اسْمِيَّةٌ والأُولى فِعْلِيَّةٌ. ولا يُقالُ زِيادَةُ التَّأْكِيدِ في طَرَفِ الوَعِيدِ مَطْلُوبَةٌ لِأنّا نَقُولُ الأمْرَ بِالعَكْسِ لَوْ حَقَّقَ لَسَبَقَ الرَّحْمَةَ الغَضَبُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «ولِلظّالِمِينَ» بِلامِ الجَرِّ فَقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. وقِيلَ هو بِتَقْدِيرِ أعَدَّ لِلظّالِمِينَ ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾ والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ ثُمَّ إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ وإنْ تَضَمَّنَتْ مِن سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما تَضَمَّنَتْ إلّا أنَّها أشارَتْ مِن عَظِيمِ جَلالِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى ما أشارَتْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَةَ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ حَتّى خَتَمَها ثُمَّ قالَ: «إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدًا لِلَّهِ تَعالى واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ ولَخَرَجْتُمْ إلى الصَّعَداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» .

وهَذا كالظّاهِرِ فِيما قُلْنا نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَنا مِنَ الأبْرارِ والمُقَرَّبِينَ الأخْيارِ فَيَرْزُقَنا جَنَّةً وحَرِيرًا ويَجْعَلَ سَعْيَنا لَدَيْهِ مَشْكُورًا بِحُرْمَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ

صفحة 169

عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأهْلِ بَيْتِهِ المُطَهَّرِينَ مِنَ الرِّجْسِ تَطْهِيرًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском