Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Mursalat 77:45–50
77:45–46Page 581
وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ٤٥
Woe, that Day, to the deniers.
كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجۡرِمُونَ ٤٦
[O disbelievers], eat and enjoy yourselves a little; indeed, you are criminals.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حَيْثُ نالَ أعْداؤُهم هَذا الثَّوابَ العَظِيمَ وهم بَقُوا في العَذابِ الألِيمِ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ حالٌ مِنَ المُكَذِّبِينَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ أيِ الوَيْلُ ثابِتٌ لَهم في حالٍ ما يُقالُ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرًا لِما كانَ يُقالُ لَهم في الدُّنْيا ولِما كانُوا أحِقّاءَ بِأنْ يُخاطَبُوا بِهِ حَيْثُ تَرَكُوا الحَظَّ الكَثِيرَ إلى النَّزْرِ الحَقِيرِ فَيُفِيدُ التَّحْسِيرَ والتَّخْسِيرَ وعَلى طَرِيقَتِهِ قَوْلُهُ:
إخْوَتِي لا تَبْعُدُوا أبَدًا وبَلى واللَّهِ قَدْ بَعُدُوا
فَهُوَ دُعاءٌ لِإخْوَتِهِ بِعَدَمِ الهَلَكَةِ بَعْدَ هَلاكِهِمْ تَقْرِيرًا بِأنَّهم كانُوا أحِقّاءَ بِذَلِكَ الدُّعاءِ في حَياتِهِمْ وأنَّ هَلاكَهم لِحَيْنُونَةِ الأجَلِ المُسَمّى لا لِأنَّهم كانُوا أحِقّاءَ بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ.
وذَهَبَ أبُو حَيّانٍ إلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ خُوطِبَ بِهِ المُكَذِّبُونَ في الدُّنْيا والأمْرُ فِيهِ أمْرُ تَحْسِيرٍ وتَهْدِيدٍ وتَخْسِيرٍ، ولَمْ يُعْتَبَرِ التَّهْدِيدُ عَلى الأوَّلِ لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ في الآخِرَةِ ورُجِّحَ بِأنَّهُ أبْعَدُ مِنَ التَّعَسُّفِ وأوْفَقُ لِتَأْلِيفِ النَّظْمِ وفِيهِ نَظَرٌ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿إنَّكُمْ﴾ إلَخِ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ كُلَّ مُجْرِمٍ نِهايَتُهُ تَمَتُّعُ أيّامٍ قَلِيلَةٍ ثُمَّ يَبْقى في عَذابٍ وهَلاكٍ أبَدًا.
77:47–48Page 581
وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ٤٧
Woe, that Day, to the deniers.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرۡكَعُواْ لَا يَرۡكَعُونَ ٤٨
And when it is said to them, "Bow [in prayer]," they do not bow.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ أيْ أطِيعُوا اللَّهَ تَعالى واخْشَعُوا وتَواضَعُوا لَهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَبُولِ وحْيِهِ تَعالى واتِّباعِ دِينِهِ سُبْحانَهُ وارْفُضُوا هَذا الِاسْتِكْبارَ والنَّخْوَةَ ﴿لا يَرْكَعُونَ﴾ لا يَخْشَعُونَ ولا يَقْبَلُونَ ذَلِكَ ويُصِرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ، وقِيلَ: أيْ إذا أمَرَ بِالصَّلاةِ أوْ بِالرُّكُوعِ فِيها لا يَفْعَلُونَ إذْ رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ «أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ قالُوا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: حُطَّ عَنّا الصَّلاةَ فَإنّا لا نُجْبى فَإنَّها مَسَبَّةٌ عَلَيْنا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ» ورَواهُ أيْضًا أبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ هَذا يَوْمَ القِيامَةِ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ السُّجُودَ مِن أجْلِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ في الدُّنْيا. واتِّصالُ الآيَةِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلَّذِينَ كَذَّبُوا والَّذِينَ إذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أيْضًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ كَأنَّهُ قِيلَ هم أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ لَهم ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ وبِكَوْنِهِمْ إذا قِيلَ لَهم صَلُّوا لا يُصَلُّونَ واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ وإنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ.
77:49–50Page 581
وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ٤٩
Woe, that Day, to the deniers.
فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ ٥٠
Then in what statement after it [i.e., the Qur’ān] will they believe?
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أيْ بَعْدَ القُرْآنِ النّاطِقِ بِأحادِيثِ الدّارَيْنِ وأخْبارِ النَّشْأتَيْنِ عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ مُعْجِزٍ مُؤَسَّسٍ عَلى حُجَجٍ قاطِعَةٍ وبَراهِينَ ساطِعَةٍ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ والتَّعْبِيرُ بِبَعْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا حَدِيثَ يُساوِيهِ في الفَضْلِ أوْ يُدانِيهِ فَضْلًا أوْ يَفُوتُهُ ويُعالِيهِ فَلا حَدِيثَ أحَقُّ بِالإيمانِ
صفحة 179
مِنهُ فالبُعْدِيَّةُ لِلتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ كَما قالُوا في ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القَلَمِ: 13] وكانَ الفاءُ لِما أنَّ المَعْنى إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وقَدِ اشْتَمَلَ القُرْآنُ عَلى البَيانِ الشّافِي والحَقِّ الواضِحِ فَما بالُهم لا يُبادِرُونَ الإيمانَ بِهِ قَبْلَ الفَوْتِ وحُلُولِ الوَيْلِ وعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِعَسى ولَعَلَّ ولَيْتَ. وقَرَأ يَعْقُوبُ وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ «تُؤْمِنُونَ» عَلى الخِطابِ هَذا ولَمّا أوْجَزَ في سُورَةِ الإنْسانِ في ذِكْرِ أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ وأطْنَبَ في وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فِيها عَكَسَ الأمْرَ في هَذِهِ السُّورَةِ فَوَقَعَ الِاعْتِدالُ بِذَلِكَ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَتَيْنِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
تَمَّ والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى الجُزْءُ التّاسِعُ والعِشْرُونَ ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ الثَّلاثِينَ وأوَّلُهُ (سُورَةُ النَّبَأِ)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences