Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Naba 78:18–28
78:18Page 582
يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأۡتُونَ أَفۡوَاجٗا ١٨
The Day the Horn is blown and you will come forth in multitudes
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ أيِ النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ ( ويَوْمَ ) بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ أوْ عَطْفُ بَيانٍ مُفِيدٌ لِزِيادَةِ تَفْخِيمِهِ وتَهْوِيلِهِ ولا ضَيْرَ في تَأخُّرِ الفَصْلِ عَنِ النَّفْخِ فَإنَّهُ زَمانٌ مُمْتَدٌّ يَقَعُ في مَبْدَئِهِ النَّفْخُ وفي بَقِيَّتِهِ الفَصْلُ ومَبادِئُهُ وآثارُهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الصُّورِ، وقَرَأ أبُو عِياضٍ: «فِي الصَّوَرِ» بِفَتْحِ الواوِ جَمْعِ صُورَةٍ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ أيْضًا.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَأْتُونَ﴾ فَصِيحَةٌ تُفْصِحُ عَنْ جُمْلَةٍ قَدْ حُذِفَتْ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْها وإيذانًا بِغايَةِ سُرْعَةِ الإتْيانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ أيْ: فَتَحْيَوْنَ فَتُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم فَتَأْتُونَ إلى المَوْقِفِ عَقِيبَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ لُبْثٍ أصْلًا.
﴿أفْواجًا﴾ أيْ: أُمَمًا كُلُّ أُمَّةٍ بِإمامِها كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ أوْ زُمَرًا وجَماعاتٍ مُخْتَلِفَةَ الأحْوالِ مُتَبايِنَةَ الأوْضاعِ حَسَبَ اخْتِلافِ الأعْمالِ وتَبايُنِها.
واسْتَدَلَّ لِهَذا بِما خَرَّجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ «أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ ؟ فَقالَ: «يا مُعاذُ، سَألْتَ عَنْ عَظِيمٍ مِنَ الأُمُورِ». ثُمَّ أرْسَلَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «عَشَرَةُ أصْنافٍ قَدْ مَيَّزَهم عَزَّ وجَلَّ مِن جَماعَةِ المُسْلِمِينَ فَبَدَّلَ صُوَرَهُمْ، فَبَعْضُهم عَلى صُورَةِ القِرَدَةِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ الخَنازِيرِ، وبَعْضُهم مُنَكَّسِينَ أرْجُلُهم فَوْقُ، وُجُوهُهم أسْفَلُ يُسْحَبُونَ عَلَيْها، وبَعْضُهم عُمْيٌ يَتَرَدَّدُونَ، وبَعْضُهم صُمٌّ بُكْمٌ لا يَعْقِلُونَ، وبَعْضُهم يَمْضُغُونَ ألْسِنَتَهم وهي مُدَلّاةٌ عَلى صُدُورِهِمْ يَسِيلُ القَيْحُ مِن أفْواهِهِمْ لُعابًا يَتَقَذَّرُهم أهْلُ الجَمْعِ، وبَعْضُهم مُقَطَّعَةٌ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ، وبَعْضُهم مُصَلَّبُونَ عَلى جُذُوعٍ مِن نارٍ، وبَعْضُهم أشَدُّ نَتِنًا مِنَ الجِيَفِ، وبَعْضُهم مُلْبَسُونَ جِبابًا سابِغَةً مِن قَطْرانٍ لازِقَةً بِجُلُودِهِمْ، فَأمّا الَّذِينَ عَلى صُورَةِ القِرَدَةِ فالقَتّاتُ مِنَ النّاسِ، وأمّا الَّذِينَ عَلى صُورَةِ الخَنازِيرِ فَأكَلَةُ السُّحْتِ، وأمّا المُنَكَّسُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ فَأكَلَةُ الرِّبا، وأمّا العُمْيُ فالَّذِينَ يَجُورُونَ في الحُكْمِ، وأمّا الصُّمُّ البُكْمُ فالمُعْجَبُونَ بِأعْمالِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ يَمْضُغُونَ ألْسِنَتَهم فالعُلَماءُ والقَصّاصُ الَّذِينَ خالَفَ أقْوالَهم أعْمالُهُمْ، وأمّا الَّذِينَ قُطِّعَتْ أيْدِيهم وأرْجُلُهم فَهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الجِيرانَ، وأمّا المُصَلَّبُونَ عَلى جُذُوعٍ مِن نارٍ فالسّاعُونَ بِالنّاسِ إلى السُّلْطانِ، وأمّا الَّذِينَ هم أشَدُّ نَتِنًا مِنَ الجِيَفِ فالَّذِينَ يَتَمَتَّعُونَ بِالشَّهَواتِ واللَّذّاتِ ويَمْنَعُونَ حَقَّ اللَّهِ تَعالى مِن أمْوالِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الجِبابَ فَأهْلُ الكِبْرِ والخُيَلاءِ والفَخْرِ».» وهَذا كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ: حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ، وآثارُ الوَضْعِ لائِحَةٌ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ قِيلَ: لا بُدَّ مِنَ التَّغْلِيبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( تَأْتُونَ )؛ إذْ لا يُمْكِنُ الإتْيانُ لِلْمَصْلُوبِ والمَسْحُوبِ عَلى الوَجْهِ ولا لِمَن قُطِّعَتْ يَداهُ ورِجْلاهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ فَإنَّ أُمُورَ الآخِرَةِ لا تُقاسُ عَلى أُمُورِ الدُّنْيا، والقادِرُ عَلى البَعْثِ قادِرٌ عَلى جَعْلِهِمْ ماشِينَ بِلا أيْدٍ وأرْجُلٍ، وأنْ تَمْشِيَ بِهِمْ عُمَدُ النّارِ الَّتِي صُلِبُوا عَلَيْها مَعَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَأْتُوا بِأنْفُسِهِمْ لِجَوازِ أنْ تَأْتِيَ بِهِمُ الزَّبانِيَةُ.
78:19Page 582
وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ أَبۡوَٰبٗا ١٩
And the heaven is opened and will become gateways
﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يُنْفَخُ﴾ عَلى ما قِيلَ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فَتَأْتُونَ﴾ ولَيْسَ بِشَرْطٍ أنْ يَتَوافَقا في الزَّمانِ كَما يَظُنُّ مَن لَيْسَ بِنَحْوِيٍّ، وأقَرَّهُ في الكَشْفِ وقالَ: الشَّرْطُ في حُسْنِهِ أنْ يَكُونَ مُقَرَّبًا مِنَ الحالِ أوْ يَكُونَ المُضارِعُ حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ وما نَحْنُ فِيهِ مُضارِعٌ جِيءَ بِهِ بِلَفْظِ الماضِي تَفْخِيمًا وتَحْقِيقًا لِوُقُوعِهِ فَهو أقْرَبُ
صفحة 13
قَرِيبٍ مِنهُ. ولَوْ جُعِلَ حالًا عَلى مَعْنى: فَتَأْتُونَ وقَدْ فُتِحَتِ السَّماءُ لَكانَ وجْهًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ -أيْ: مَن عَدا الكُوفِيِّينَ- «فُتِّحَتْ» بِالتَّشْدِيدِ، قِيلَ: وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكانَتْ أبْوابًا﴾ وفُسِّرَ الفَتْحُ بِالشَّقِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وجاءَ الفَتْحُ بِهَذا المَعْنى كَفَتْحِ الجُسُورِ وما ضاهاها، ولَعَلَّ نُكْتَةَ التَّعْبِيرِ بِهِ عَنْهُ الإشارَةُ إلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى حَتّى كانَ شِقُّ هَذا الجِرْمِ العَظِيمِ كَفَتْحِ البابِ سُهُولَةً وسُرْعَةً، وكانَ مَعْنى صارَ ولِدَلالَتِها عَلى الِانْتِقالِ مِن حالٍ إلى أُخْرى، وكَوْنُ السَّماءِ بِالشِّقِّ لا تَصِيرُ أبْوابًا حَقِيقَةً قالُوا: إنَّ الكَلامَ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ؛ أيْ: فَصارَتْ شُقُوقُها لِسِعَتِها كالأبْوابِ أوْ فَصارَتْ مِن كَثْرَةِ الشُّقُوقِ كَأنَّ الكُلَّ أبْوابٌ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: فَصارَتْ ذاتَ أبْوابٍ، وقِيلَ: الفَتْحُ عَلى ظاهِرِهِ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ إلى السَّماءِ؛ أيْ: فُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ فَصارَتْ كَأنَّ كُلَّها أبْوابٌ، ويُجامِعُ ذَلِكَ شِقُّها فَتُشَقُّ وتُفْتَحُ أبْوابُها، وتُعُقِّبَ بِأنَّ شَقَّها لِنُزُولِ المَلائِكَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ فَإذا شُقِّقَتْ لا يُحْتاجُ لِفَتْحِ الأبْوابِ وأيْضًا فَتْحُ أبْوابِها لَيْسَ مِن خَواصِّ يَوْمِ الفَصْلِ وفِيهِ بَحْثٌ، نَعَمْ إنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ أوْلى وقِيلَ المَعْنى بِفَتْحِ مَكانِ السَّماءِ بِالكَشْطِ فَتَصِيرُ كُلُّها طُرُقًا لا يَسُدُّها شَيْءٌ وفِيهِ بُعْدٌ، وعَلى ما تَقَدَّمَ في الآيَةِ رَدٌّ عَلى زاعِمِي امْتِناعِ الخَرْقِ عَلى السَّماءِ وفِيها عَلى هَذا رَدٌّ لِزاعِمِي كَشْطِها كَما هو المَشْهُورُ عَنِ الفَلاسِفَةِ المُتَقَدِّمِينَ وإنْ حَقَّقَ المَلَأُ صَدْرًا في الأسْفارِ أنَّ أساطِنَتَهم عَلى خِلافِ ذَلِكَ والفَلاسِفَةُ اليَوْمَ يَنْفُونَ السَّماءَ المَعْرُوفَةَ عِنْدَ المُسْلِمِينَ ولَمْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ تُؤَوَّلُ لَهُ الآياتُ والأخْبارُ الصَّحِيحَةُ في صِفَتِها كَما لا يَخْفى عَلى الذَّكِيِّ المُنْصِفِ.
78:20Page 582
وَسُيِّرَتِ ٱلۡجِبَالُ فَكَانَتۡ سَرَابًا ٢٠
And the mountains are removed and will be [but] a mirage.
﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ أيْ: في الجَوِّ عَلى هَيْئَتِها بَعْدَ تَفَتُّتِها وبَعْدَ قَلْعِها مِن مَقارِّها كَما يُعْرَبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ وأُدْمِجَ فِيهِ تَشْبِيهُ الجِبالِ بِحِبالِ السَّحابِ في تَخَلْخُلِ الأجْزاءِ وانْتِفاشِها كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ .
﴿فَكانَتْ سَرابًا﴾ أيْ: فَصارَتْ بَعْدَ تَسْيِيرِها مِثْلَ سَرابٍ فَتَرى بَعْدَ تَفَتُّتِها وارْتِفاعِها في الهَواءِ كَأنَّها جِبالٌ ولَيْسَتْ بِجِبالٍ بَلْ غُبارٌ غَلِيظٌ مُتَراكِمٌ يُرى مِن بَعِيدٍ كَأنَّهُ جَبَلٌ كالسَّرابِ يُرى كَأنَّهُ بَحْرٌ مَثَلًا ولَيْسَ بِهِ، فالكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، والجامِعُ أنَّ كُلًّا مِنَ الجِبالِ والسَّرابِ يُرى عَلى كُلِّ شَيْءٍ ولَيْسَ هو بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ وجْهُ الشَّبَهِ التَّخَلْخُلَ؛ إذْ تَكُونُ بَعْدَ تَسْيِيرِها غُبارًا مُنْتَشِرًا كَما قالَ تَعالى: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ والمُسْتَفادُ مِنَ الأزْهارِ البَدِيعَةِ في عِلْمِ الطَّبِيعَةِ لِمُحَمَّدٍ الهَرّاوِيِّ أنَّ السَّرابَ هَواءٌ تَسَخَّنَتْ طَبَقَتُهُ السُّفْلى الَّتِي تَلِي الأرْضَ لِتَسْخَنَ الأرْضُ مِن حَرِّ الشَّمْسِ فَتَخَلْخَلَتْ وصَعِدَ جُزْءٌ مِنها إلى ما فَوْقَها مِنَ الطَّبَقاتِ فَكانَ أكْثَفَ مِمّا تَحْتَهُ، وخَرَجَ بِذَلِكَ التَّسَخُّنُ عَنْ مَوْقِعِهِ الطَّبِيعِيِّ مِنَ الأرْضِ ولِانْعِكاسِ الأشِعَّةِ الضَّوْئِيَّةِ وانْكِسارِها فِيهِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ مُبَيَّنٍ في الكِتابِ المَذْكُورِ مَعَ انْعِكاسِ لَوْنِ السَّماءِ يُظَنُّ ماءً، وتُرى فِيهِ صُورَةُ الشَّيْءِ مُنْقَلِبَةً، وقَدْ تُرى فِيهِ صُوَرٌ سابِحَةٌ كَقُصُورٍ وعُمُدٍ ومَساكِنَ جَمِيلَةٍ مُسْتَغْرَبَةٍ وأشْباحٍ سائِرَةٍ تَتَغَيَّرُ هَيْئَتُها في كُلِّ لَحْظَةٍ وتَنْتَقِلُ عَنْ مَحالِّها ثُمَّ تَزُولُ وما هي إلّا صُوَرٌ حاصِلَةٌ مِنَ انْعِكاسِ صُوَرٍ مَرْئِيَّةٍ بَعِيدَةٍ جِدًّا أوْ مُتَراكِبَةٍ في طَبَقاتِ الهَواءِ المُخْتَلِفَةِ الكَثافَةِ فاعْتِبارُ التَّخَلْخُلِ فَقَطْ في وجْهِ الشَّبَهِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، وأيًّا ما كانَ فَهَذا بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ عِنْدَ حَشْرِ الخَلْقِ، فاللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يُسَيِّرُ الجِبالَ ويَجْعَلُها هَباءً مُنْبَثًّا ويُسَوِّي الأرْضَ يَوْمَئِذٍ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فَإنَّ «اتِّباعَ» الدّاعِي الَّذِي هو إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبُرُوزَ الخَلْقِ لِلَّهِ تَعالى لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وأمّا انْدِكاكُ الجِبالِ وانْصِداعُها فَعِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى، وقِيلَ: إنَّ تَسْيِيرَها وصَيْرُورَتَها
صفحة 14
سَرابًا عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أيْضًا ويَأْباهُ ظاهِرُ الآيَةِ، نَعَمْ لَوْ جُعِلَتِ الجُمْلَةُ حالِيَّةً أيْ: فَتَأْتُونَ أفْواجًا وقَدْ سُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا لَكانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا، والظّاهِرُ أنَّها تَصِيرُ سَرابًا لِتَسْوِيَةِ الأرْضِ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِ حِكَمٌ أُخْرى، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّها تَجْرِي جَرَيانَ الماءِ وتَسِيلُ سَيَلانَهُ كالسَّرابِ فَيَزِيدُ ذَلِكَ في اضْطِرابِ مُتَعَطَّشِي المَحْشَرِ وغَلَبَةِ شَوْقِهِمْ إلى الماءِ خِلافُ الظّاهِرِ.
﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ أحْكامِ الفَصْلِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ اليَوْمَ إثْرَ بَيانِ هَوْلِهِ، والمِرْصادُ اسْمُ مَكانٍ كالمِضْمارِ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي تُضَمَّرُ فِيهِ الخَيْلُ ومِفْعالٌ يَكُونُ كَذَلِكَ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الرّاغِبُ والجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُما، كَما يَكُونُ اسْمَ آلَةٍ وصِفَةً مُشَبَّهَةً لِلْمُبالَغَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الجَمِيعِ؛ أيْ: مَوْضِعَ رَصْدٍ وتَرَقُّبٍ تَرْصُدُ فِيهِ خَزَنَةُ النّارِ الكُفّارَ لِيُعَذِّبُوهم. وقِيلَ: تَرْصُدُ فِيهِ خَزَنَةُ الجَنَّةِ المُؤْمِنِينَ لِيَحْرُسُوهم مِن فَيْحِها في مَجازِهِمْ عَلَيْها. وقِيلَ: تَرْصُدُ فِيهِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الطّائِفَتَيْنِ لِتُعَذِّبَ إحْداهُما وهي المُؤْمِنَةُ، وتُعَذِّبَ الأُخْرى وهي الكافِرَةُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِيغَةَ مُبالَغَةٍ كَمِنحارٍ؛ أيْ مُجِدَّةً في تَرَصُّدِ الكَفَرَةِ لِئَلّا يَشِذَّ مِنهم واحِدٌ أوْ مُجِدَّةً في تَرَصُّدِ المُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَتَضَرَّرَ أحَدٌ مِنهم مِن فَيْحِها أوْ مُجِدَّةً في تَرَصُّدِ الطّائِفَتَيْنِ عَلى نَحْوِ ما سَمِعْتَ آنِفًا، وإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْها مَجازٌ أوْ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ.
وفِي البَحْرِ: إنَّ ﴿مِرْصادًا﴾ مَعْنى النَّسَبِ؛ أيْ: ذاتَ رَصَدٍ، وقَدْ يُفَسَّرُ المِرْصادُ بِمُطْلِقِ الطَّرِيقِ وهو أحَدُ مَعانِيهِ فَيَكُونُ لِلطّائِفَتَيْنِ، ومِن هُنا قالَ الحَسَنُ كَما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في الآيَةِ، لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أحَدٌ حَتّى يَجْتازَ النّارَ. وقالَ قَتادَةُ كَما أخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا: اعْلَمُوا أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى الجَنَّةِ حَتّى تُقْطَعَ النّارُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلطّاغِينَ﴾ أيِ المُتَجاوِزِينَ الحَدَّ في الطُّغْيانِ، مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ إمّا نَعْتٌ لِ ﴿مِرْصادًا﴾ أيْ: كائِنًا لِلطّاغِينَ، وإمّا حالٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَآبًا﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً، ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ؛ أيْ: كانَتْ مَرْجِعًا ومَأْوًى كائِنًا لَهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ ويَأْوُونَ لا مَحالَةَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا آخَرَ لِ «كانَتْ» أوْ مُتَعَلِّقًا بِ «مَآبًا» أوْ بِمِرْصادٍ، وعَلَيْهِ قِيلُ: مَعْنى ﴿مِرْصادًا﴾ لَهم مُعَدَّةٌ لَهم مِن قَوْلِهِمْ: أرْصَدْتُ لَهُ؛ أيْ: أعْدَدْتُ وكافَأْتُهُ بِالخَيْرِ أوْ بِالشَّرِّ و«مَآبًا» قِيلَ: بَدَلٌ مِن «مِرْصادًا» عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ، بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ وقِيلَ: هو خَبَرٌ ثانٍ لِ «كانَتْ» أوْ صِفَةٌ لِ «مِرْصادًا».
و«لِلطّاغِينَ» مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ حالٌ مِنهُ عَلى بَعْضِ التَّفاسِيرِ السّابِقَةِ في ﴿كانَتْ مِرْصادًا﴾ فَتَأمَّلْ. وقَرَأ أبُو عُمَرَ والمِنقَرِيُّ وابْنُ يَعْمُرُ: «أنَّ جَهَنَّمَ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ بِتَقْدِيرِ لامِ جَرٍّ لِتَعْلِيلِ قِيامِ السّاعَةِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ، والمَعْنى: كانَ ذَلِكَ لِإقامَةِ الجَزاءِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَنْبَغِي حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ: «أنَّ لِلْمُتَّقِينَ» أيْضًا بِالفَتْحِ ومَعْطُوفًا عَلى ما هُنا؛ لِأنَّهُ بِكِلَيْهِما يَتِمُّ التَّعْلِيلُ بِإقامَةِ الجَزاءِ إلّا أنْ يُقالَ: تُرِكَ العَطْفُ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الجَزاءَيْنِ في اسْتِدْعاءِ قِيامِ السّاعَةِ وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ بِذاكَ يَتِمُّ الجَزاءُ، وأمّا نَفْسُ إقامَتِهِ فَيَكْفِي في تَعْلِيلِها ما ذُكِرَ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ فِيما سَبَقَ كانَتْ مِرْصادًا لِلْفَرِيقَيْنِ عَلى ما سَمِعْتَ لا يَتَسَنّى هَذا الكَلامُ أصْلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها﴾ أيْ: مُقِيمِينَ في جَهَنَّمَ مُلازِمِينَ لَها، حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ المُسْتَكِنَّ فِي: ﴿لِلطّاغِينَ﴾ .
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ وثّابٍ وعَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ وابْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ وقُتَيْبَةُ وسَوْرَةُ ورَوْحٌ: «لَبِثِينَ» بِغَيْرِ ألِفٍ بَعْدِ اللّامِ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في ﴿لابِثِينَ﴾ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ فاعِلًا يَدُلُّ عَلى مَن وُجِدَ مِنهُ الفِعْلُ وفَعِلًا يَدُلُّ عَلى مَن شَأْنُهُ ذَلِكَ كَحاذِرٍ وحَذِرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْقابًا﴾ ظَرْفٌ لِلُبْثِهِمْ وهو وكَذا أحْقُبٌ جَمْعُ حُقُبٍ بِالضَّمِّ وبِضَمَّتَيْنِ وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بِزَمانٍ غَيْرِ مَحْدُودٍ ونَحْوُهُ تَفْسِيرُ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ لَهُ بِالدَّهْرِ، وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: الحُقُبُ الواحِدُ ثَمانُونَ سَنَةً، وأخْرَجَ نَحْوَهُ البَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ،
صفحة 15
وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ورُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ السَّلَفِ بَيْدَ أنَّهم قالُوا: إنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِنهُ؛ أيْ: هُنا مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أنَّهُ بِضْعٌ وثَمانُونَ سَنَةً كُلُّ سَنَةٍ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ يَوْمًا، واليَوْمُ ألْفُ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ.
وقِيلَ: أرْبَعُونَ سَنَةً، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ فِيهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ سَبْعُونَ ألْفَ سَنَةٍ. واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ تَفْسِيرَهُ بِالدَّهْرِ وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ مُتَتابِعَةً كُلَّما مَضى حِقْبٌ تَبِعَهُ حِقْبٌ آخَرُ، وإفادَةُ التَّتابُعِ في الِاسْتِعْمالِ بِشَهادَةِ الِاشْتِقاقِ؛ فَإنَّهُ مِنَ الحَقِيبَةِ وهي ما يُشَدُّ خَلْفَ الرّاكِبِ، والمُتَتابِعاتُ يَكُونُ أحَدُها خَلْفَ الآخَرِ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى خُرُوجِ الكَفَرَةِ مِنَ النّارِ وعَدَمِ خُلُودِهِمْ فِيها لِمَكانِ فَهْمِ التَّتابُعِ في الِاسْتِعْمالِ، وصِيغَةُ القِلَّةِ لا تُنافِي عَدَمَ التَّناهِي؛ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ تَتابُعِ الأحْقابِ الكَثِيرَةِ إلى ما لا يَتَناهى، وتَتابُعُ الأحْقابِ القَلِيلَةِ كَذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ الصِّيغَةَ هُنا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ القِلَّةِ والكَثْرَةِ؛ إذْ لَيْسَ لِلْحِقَبِ جَمْعُ كَثْرَةٍ فَلْيُرَدَّ بِها بِمَعُونَةِ المَقامِ جَمْعُ الكَثْرَةِ، وتُعُقِّبَ بِثُبُوتِ جَمْعِ الكَثْرَةِ لَهُ وهو الحُقُبُ كَما ذَكَرَ الرّاغِبُ، والَّذِي رَأيْتُهُ في مُفْرَداتِهِ أنَّ الحِقَبَ؛ أيْ بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ القافِ الحِقْبَةُ المُفَسَّرَةُ بِثَمانِينَ عامًا، نَعَمْ قِيلَ: إنَّهُ يُنافِيهِ ما ورَدَ أنَّهُ «يُخْرَجُ أُناسٌ مِن أهْلِ النّارِ مِنَ النّارِ ويُقَرَّبُونَ مِنَ الجَنَّةِ حَتّى إذا اسْتَنْشَقُوا رِيحَها ورَأوْا ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ فِيها نُودُوا أنِ اصْرِفُوهم عَنْها لا نَصِيبَ لَهم فِيها، فَيُرَدُّونَ إلى النّارِ بِحَسْرَةٍ ما رَجَعَ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ بِمِثْلِها،» وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ صَحَّ إنَّما يُنافِيهِ لَوْ كانَ الخُرُوجُ حِقَبًا تامًّا، أمّا لَوْ كانَ في بَعْضِ أجْزاءِ الحِقَبِ فَلا لِبَقاءِ تَتابُعِ الأحْقابِ جُمْلَةً سَلَّمْنا لَكِنَّ هَذا الإخْراجَ الَّذِي يَسْتَعْقِبُ الرَّدَّ لِزِيادَةِ التَّعْذِيبِ كاللُّبْثِ في النّارِ أشَدُّ، والكَلامُ مِن بابِ التَّغْلِيبِ ولَيْسَ فِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، ثُمَّ إنْ وُجِدَ أنَّ في الآيَةِ ما يَقْتَضِي الدَّلالَةَ عَلى التَّناهِي والخُرُوجِ مِنَ النّارِ ولَوْ بَعْدَ زَمانٍ طَوِيلٍ فَهو مَفْهُومٌ مُعارَضٌ بِالمَنطُوقِ الصَّرِيحِ بِخِلافِهِ كَآياتِ الخُلُودِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وإنْ جُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى:
78:24–25Page 582
لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا ٢٤
They will not taste therein [any] coolness or drink.
إِلَّا حَمِيمٗا وَغَسَّاقٗا ٢٥
Except scalding water and [foul] purulence -
﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ ﴿إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ حالًا مِنَ المُسْتَكِنَّ في ﴿لابِثِينَ﴾ فَيَكُونُ قَيْدًا لِلُّبْثِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَلْبَثُوا فِيها أحْقابًا غَيْرَ ذائِقِينَ إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا، ثُمَّ يَكُونُ لَهم بَعْدَ الأحْقابِ لُبْثٌ عَلى حالٍ آخَرَ مِنَ العَذابِ، وكَذا إنْ جُعِلَ ﴿أحْقابًا﴾ مَنصُوبًا بِ: ﴿لا يَذُوقُونَ﴾ قَيْدًا لَهُ إلّا أنَّ فِيهِ بُعْدًا، ومِثْلُهُ لَوْ جُعِلَ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها﴾ إلَخْ صِفَةً لِ ﴿أحْقابًا﴾ وضَمِيرُ ( فِيها ) لَها لا لِجَهَنَّمَ لَكِنَّهُ أبْعَدُ مِن سابِقِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالطّاغِينَ ما يُقابِلُ المُتَّقِينَ فَيَشْمَلُ العُصاةَ والتَّناهِيَ بِالنَّظَرِ إلى المَجْمُوعِ وهو كَما تَرى.
وقَوْلُ مُقاتِلٍ: إنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا﴾ فاسِدٌ كَما لا يَخْفى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿أحْقابًا﴾ جَمْعَ حَقِبٍ كَحَذِرٍ مِن حَقِبَ الرَّجُلُ إذا أخْطَأهُ الرِّزْقُ، وحَقِبَ العامُ إذا قَلَّ مَطَرُهُ وخَيْرُهُ، والمُرادُ: مَحْرُومِينَ مِنَ النَّعِيمِ وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ مُعاقَبِينَ فَيَكُونُ حالًا مِن ضَمِيرِ: ﴿لابِثِينَ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ﴾ صِفَةٌ كاشِفَةٌ أوْ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وهو عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ خَبَرٌ عَنْهُمْ، والمُرادُ بِالبَرْدِ ما يُرَوِّحُهم ويُنَفِّسُ عَنْهم حَرَّ النّارِ فَلا يُنافِي أنَّهم قَدْ يُعَذَّبُونَ بِالزَّمْهَرِيرِ، والشَّرابُ مَعْرُوفٌ، والحَمِيمُ الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ، والغَسّاقُ ما يَقْطُرُ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ مِنَ الصَّدِيدِ؛ أيْ: لا يَذُوقُونَ فِيهِ شَيْئًا ما مِن رُوحٍ يُنَفَّسُ عَنْهم حَرُّ النّارِ، ولا مِن شَرابٍ يُسَكِّنُ عَطَشَهم لَكِنْ يَذُوقُونَ ماءً حارًّا وصَدِيدًا.
وفِي الحَدِيثِ: ««إنَّ الرَّجُلَ مِنهم إذا أدْنى ذَلِكَ مِن فِيهِ سَقَطَ فَرْوَةُ وجْهِهِ حَتّى يَبْقى عِظامًا تَقَعْقَعُ»».
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ البَرْدَ الشَّرابُ البارِدُ المُسْتَلَذُّ. ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ:
يُسْقَوْنَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمُ بَرْدًا يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
صفحة 16
وقَوْلُ الآخَرِ:
أمانِيَّ مِن سُعْدى حِسانٌ كَأنَّما ∗∗∗ سَقَتْكَ بِها سُعْدى عَلى ظَمًا بَرْدا
فَيَكُونُ ﴿ولا شَرابًا﴾ مِن نَفْيِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ والفَضْلُ بْنُ خالِدٍ ومُعاذٌ النَّحْوِيُّ: البَرْدُ: النَّوْمُ، والعَرَبُ تُسَمِّيهِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُبَرِّدُ سَوْرَةَ العَطَشِ، ومِن كَلامِهِمْ: مَنَعَ البَرْدُ، وقالَ الشّاعِرُ:
فَلَوْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكم ∗∗∗ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدا
أيْ: وهو مَجازٌ في ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضٍ، ونَقَلَ في البَحْرِ عَنْ كِتابِ اللُّغاتِ في القُرْآنِ أنَّ البَرْدَ هو النَّوْمُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي العالِيَةِ: الغَسّاقُ الزَّمْهَرِيرُ، وهو عَلى ما قِيلَ مُسْتَثْنًى مِن ﴿بَرْدًا﴾ إلّا أنَّهُ أُخِّرَ لِتَوافُقِ رُؤُوسِ الآيِ فَلا تَغْفُلْ.
وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ: «غَساقًا» بِالتَّخْفِيفِ.
﴿جَزاءً﴾ أيْ: جُوزُوا بِذَلِكَ جَزاءً فَ ( جَزاءً ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وجَعْلُهُ خَبَرًا آخَرَ لَكانَتْ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وِفاقًا﴾ مَصْدَرٌ وافَقَهُ صِفَةٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: ذا وِفاقٍ أوْ بِتَأْوِيلِهِ بِاسْمِ الفاعِلِ أوْ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ عَلى ما عُرِفَ في أمْثالِهِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ جَزاءً مُوافِقًا لِأعْمالِهِمْ عَلى مَعْنى أنَّهُ بِقَدْرِها في الشِّدَّةِ والضَّعْفِ بِحَسَبِ اسْتِحْقاقِهِمْ كَما يَقْتَضِيهِ عَدْلُهُ وحِكْمَتُهُ تَعالى، والجُمْلَةُ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ ومَعْمُولِهِ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ: ﴿وِفاقًا﴾ مَصْدَرًا مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْضًا؛ أيْ: وافَقَها وِفاقًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِ «جَزاءً». وقالَ الفَرّاءُ: هو جَمْعُ وِفْقٍ ولا يَخْفى ما في جَعْلِهِ حِينَئِذٍ صِفَةً لِجَزاءٍ مِنَ الخَفاءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «وِفّاقًا» بِكَسْرِ الواوِ وتَشْدِيدِ الفاءِ؛ مِن وفَقِهُ يَفِقَهُ كَوَرِثَهُ يَرِثُهُ وجَدَهُ مُوافِقًا لِحالِهِ. وفي الكَشْفِ: وفَقَهُ بِمَعْنى وافَقَهُ ولَيْسَ وصْفُ الجَزاءِ بِهِ وصْفًا بِحالِ صاحِبِهِ كَما لا يَخْفى. وحَكى ابْنُ القُوطِيَّةِ: وفَقَ أمْرُهُ؛ أيْ: حَسُنَ، ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ.
﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِ العَذابِ المَذْكُورِ أيْ: كانُوا لا يَخافُونَ أنْ يُحاسَبُوا بِأعْمالِهِمْ.
﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ أوْ بِهِ وبِغَيْرِهِ مِمّا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ﴿كِذّابًا﴾ أيْ: تَكْذِيبًا مُفْرِطًا، وفِعّالٌ بِمَعْنى تَفْعِيلٍ في مَصْدَرِ فِعْلٍ مُطَّرِدٍ شائِعٌ في كَلامِ فُصَحاءِ العَرَبِ. وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ فَصِيحَةٌ، وقالَ لِي أعْرابِيٌّ عَلى جَبَلِ المَرْوَةِ يَسْتَفْتِينِي: آلْحَلْقُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ القِصّارُ؟ ومِن تِلْكَ اللُّغَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
لَقَدْ طالَ ما ثَبَّطَتْنِي عَنْ صَحابَتِي وعَنْ حاجَةٍ قَضاؤُها مِن شِفائِيا
وقالَ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ: إنَّهُ قَلِيلٌ. وقَرَأ: عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وعَوْفٌ الأعْرابِيُّ وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ وعِيسى بِخِلافٍ عَنْهُ في التَّخْفِيفِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وذَلِكَ لُغَةُ اليَمَنِ؛ يَجْعَلُونَ مَصْدَرَ كَذِبَ مُخَفَّفًا كِذّابًا بِالتَّخْفِيفِ مِثْلَ كَتَبَ كِتابًا، فَكِذّابًا بِمَعْنى كَذِبًا وعَلَيْهِ قَوْلُ الأعْشى:
فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها ∗∗∗ والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذابُهُ
والكَلامُ هُنا عَلَيْهِ مِن بابِ ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ فَفِعْلُهُ الثُّلاثِيُّ أما مُقَدَّرٌ أيْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وكَذَّبُوا كِذّابًا، أوْ هو مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ مَعْنى كَذِبَ الثُّلاثِيِّ؛ فَإنَّ تَكْذِيبَهُمُ الحَقَّ الصَّرِيحَ يَسْتَلْزِمُ أنَّهم كاذِبُونَ، وأيًّا ما كانَ يَدُلُّ عَلى كَذِبِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُكاذَبَةً كَقِتالٍ بِمَعْنى مُقاتَلَةٍ فَهو مِن بابِ المُفاعَلَةِ عَلى مَعْنى أنَّ كُلًّا مِنهم ومِنَ المُسْلِمِينَ اعْتَقَدَ كَذِبَ الآخَرِ بِتَنْزِيلِ تَرْكِ الِاعْتِقادِ مَنزِلَةَ الفِعْلِ لا عَلى مَعْنى أنَّ كُلًّا كَذَّبَ الآخَرَ حَقِيقَةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُفاعَلَةُ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ عَنِ الجِدِّ والِاجْتِهادِ في الفِعْلِ، ويَحْتَمِلُ الِاسْتِعارَةَ؛ فَإنَّهم كانُوا مُبالِغِينَ في الكَذِبِ مُبالَغَةَ المُغالِبِينَ فِيهِ، وعَلى المَعْنَيَيْنِ كَوْنُهُ بِمَعْنى الكَذِبِ وكَوْنُهُ بِمَعْنى المُكاذَبَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى كاذِبِينَ أوْ مُكاذِبِينَ عَلى اعْتِبارِ المُشارَكَةِ وعَدَمِ اعْتِبارِها.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والماجَشُونُ: «كُذّابًا» بِضَمِّ الكافِ وتَشْدِيدِ الذّالِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كاذِبٍ كَفُسّاقٍ جَمْعِ فاسِقٍ فَيَكُونُ حالًا أيْضًا وكَذَبُوا في حالِ كَذِبِهِمْ نَظِيرُ إذا جاءَ حِينَ يَأْتِي عَلى ما قِيلَ في قَوْلِهِ طَرَفَةَ:
صفحة 17
إذا جاءَ ما لا بُدَّ مِنهُ فَمَرْحَبًا ∗∗∗ بِهِ حِينَ يَأْتِي لا كِذابَ ولا عِلَلْ
وفِيهِ بَحْثٌ ظاهِرٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا صِيغَةَ مُبالَغَةٍ كَكُبّارٍ وحَسّانٍ فَيَكُونُ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: تَكْذِيبًا كِذّابًا فَيُفِيدُ المُبالَغَةَ والدَّلالَةَ عَلى الإفْراطِ في الكَذِبِ لِأنَّهُ كَلَيْلٍ ألْيَلَ وظَلامٍ مُظْلِمٍ، والإسْنادُ فِيهِ مَجازِيٌّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences