Al-AlusiAn‑Naba · 78:1–9

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

النبإ

An-Naba

The Tidings · Meccan · 40 ayahs

78:1Page 582

عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ ١

About what are they asking one another?

صفحة 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ النَّبَإ

وتُسَمّى سُورَةَ عَمَّ، وعَمَّ يَتَساءَلُونَ، والتَّساؤُلِ، والمُعْصِراتِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ، وآيُها إحْدى وأرْبَعُونَ في المَكِّيِّ والبَصْرِيِّ، وأرْبَعُونَ في غَيْرِهِما. ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها اشْتِمالُها عَلى إثْباتِ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ الَّذِي دَلَّ ما قَبْلُ عَلى تَكْذِيبِ الكَفَرَةِ بِهِ، وفي تَناسُقِ الدُّرَرِ وجْهُ اتِّصالِها بِما قَبْلُ تَناسُبُها مَعَها في الجُمَلِ؛ فَإنَّ في تِلْكَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ إلَخْ، وفي هَذِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ إلَخْ. مَعَ اشْتِراكِها والأرْبَعِ قَبْلَها في الِاشْتِمالِ عَلى وصْفِ الجَنَّةِ والنّارِ وما وُعِدَ المُدَّثِّرُ، وأيْضًا في سُورَةِ المُرْسَلاتِ: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾ وفي هَذِهِ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ إلَخْ. فَفِيها شَرْحُ يَوْمِ الفَصْلِ المُجْمَلِ ذِكْرُهُ فَيا قَبْلَها اه.

وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَتَمَ تِلْكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ وكانَ المُرادُ بِالحَدِيثِ فِيهِ القُرْآنَ افْتَتَحَ هَذِهِ بِتَهْوِيلِ التَّساؤُلِ عَنْهُ والِاسْتِهْزاءِ بِهِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما رُوِيَ عَنِابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِالنَّبَإ العَظِيمِ القُرْآنُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ البَعْثُ؛ وهو الأنْسَبُ بِالآياتِ بَعْدُ كَما سَتَعْرِفُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿عَمَّ﴾ أصْلُهُ: عَمّا عَلى أنَّهُ حَرْفُ جَرٍّ دَخَلَ عَلى «ما» الِاسْتِفْهامِيَّةِ فَحُذِفَتِ الألِفُ وعُلِّلَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَها وبَيْنَ الخَبَرِيَّةِ والإيذانِ بِشِدَّةِ الِاتِّصالِ وكَثْرَةِ الدَّوَرانِ، وحالُ العِلَلِ النَّحْوِيَّةِ مَعْلُومٌ. وقَدْ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ، وعِكْرِمَةُ وعِيسى بِالألِفِ عَلى الأصْلِ وهو قَلِيلُ الِاسْتِعْمالِ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ:

صفحة 3

إثْباتُ الألِفِ أضْعَفُ اللُّغَتَيْنِ. وعَلَيْهِ قَوْلُهُ:

عَلاَمَ قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ

والِاسْتِفْهامُ بِالإيذانِ بِفَخامَةِ شَأْنِ المَسْؤُولِ عَنْهُ وهو لَهُ، وخُرُوجُهُ عَنْ حُدُودِ الأجْناسِ المَعْهُودَةِ؛ أيْ عَنْ أيِّ شَيْءٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِأهْلِ مَكَّةَ، وإنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهم لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِحُضُورِهِمْ حِسًّا مَعَ ما في التَّرْكِ عَلى ما قِيلَ مِنَ التَّحْقِيرِ والإهانَةِ لِإشْعارِهِ بِأنَّ ذِكْرَهم مِمّا يُصانُ عَنْهُ ساحَةُ الذِّكْرِ الحَكِيمِ، ولا يُتَوَهَّمُ العَكْسُ لِمَنعِ المَقامِ عَنْهُ، وكانُوا يَتَساءَلُونَ عَنِ البَعْثِ فِيما بَيْنَهم ويَخُوضُونَ فِيهِ إنْكارًا واسْتِهْزاءً، لَكِنْ لا عَلى طَرِيقَةِ التَّساؤُلِ عَنْ حَقِيقَتِهِ ومُسَمّاهُ بَلْ عَنْ وُقُوعِهِ الَّذِي هو حالٌ مِن أحْوالِهِ ووَصْفٌ مِن أوْصافِهِ.

و«ما» كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ وإنِ اشْتُهِرَتْ في طَلَبِ حَقائِقِ الأشْياءِ ومُسَمَّياتِ أسْمائِها لَكِنَّها قَدْ يُطْلَبُ بِها الصِّفَةُ والحالُ فَيُقالُ: ما زَيْدٌ؟ ويُجابُ بِعالِمٍ أوْ طَبِيبٍ، وقِيلَ: كانُوا يَتَساءَلُونَ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ اسْتِهْزاءً، فالتَّساؤُلُ مُتَعَدٍّ ومَفْعُولُهُ مُقَدَّرٌ هُنا وحُذِفَ لِظُهُورِهِ أوْ لِأنَّ المُسْتَعْظِمَ السُّؤالَ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمَّنْ سَألَ أوْ لِصَوْنِ المَسْؤُولِ عَنْ ذِكْرِهِ مَعَ هَذا السّائِلِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ عَلى ما في الإرْشادِ أنَّ صِيغَةَ التَّفاعُلِ في الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ لِإفادَةِ صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ ووُقُوعِهِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ فاعِلًا ومَفْعُولًا مَعًا، لَكِنَّهُ يُرْفَعُ المُتَعَدِّدُ عَلى الفاعِلِيَّةِ تَرْجِيحًا لِجانِبِ فاعِلِيَّتِهِ، وتُحالُ مَفْعُولِيَّتُهُ عَلى دَلالَةِ الفِعْلِ كَما في قَوْلِكَ: تَراءى القَوْمُ، أيْ: رَأى كُلُّ واحِدٍ مِنهُمُ الآخَرَ، وقَدْ تَجَرَّدَ عَنِ المَعْنى الثّانِي فَيُرادُ بِها مُجَرَّدُ صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ عارِيًا عَنِ اعْتِبارِ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ فَيُذْكَرُ لِلْفِعْلِ حِينَئِذٍ مَفْعُولٌ كَما في قَوْلِكَ: تَراءُوا الهِلالَ. وقَدْ يُحْذَفُ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ؛ فالمَعْنى: عَنْ أيِّ شَيْءٍ يَسْألُ هَؤُلاءِ القَوْمُ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ، ورُبَّما تَجَرَّدَ عَنْ صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ أيْضًا فَيُرادُ بِها تَعَدُّدُهُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مُتَعَلِّقِهِ مَعَ وحْدَةِ الفاعِلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِصِيغَةِ التَّفاعُلِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مَفْعُولٌ أيْضًا لَكِنَّهُ غَيْرُ الَّذِي فَعَلَ بِهِ مِثْلَ فِعْلِهِ كَما فِي: تَعاطَيا الكَأْسَ، وتَفاوَضا الحَدِيثَ، وعَلَيْهِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

فَلَمّا تَنازَعْنا الحَدِيثَ وأسْمَحَتْ ∗∗∗ هَصَرْتُ بِغُصْنٍ ذِي شَمارِيخَ مَيّالِ

فَمَن قالَ إنَّ تَفاعَلَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اثْنَيْنِ ولا يَكُونُ إلّا لازِمًا فَقَطْ غَلِطَ كَما قالَ البَطْلَيُوسِيُّ في شَرْحِ أدَبِ الكاتِبِ إنْ أرادَ ذَلِكَ عَلى الإطْلاقِ ولَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ أنَّ مَجِيءَ تَفاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ غَيْرِ مُتَعَدِّدِ الفاعِلِ كَتَوانى زَيْدٌ وتَدانى الأمْرُ وتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ كَثِيرٌ جِدًّا، وكَذا مَجِيئُهُ مُتَعَدِّيًا إلى غَيْرِ الَّذِي فَعَلَ بِهِ مِثْلَ فِعْلِهِ كَما سَمِعْتَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ: ( يَتَساءَلُونَ ) لِلنّاسِ عُمُومًا سَواءٌ كانُوا كُفّارَ مَكَّةَ وغَيْرَهم مِنَ المُسْلِمِينَ، وسُؤالُ المُسْلِمِينَ لِيَزْدادُوا خَشْيَةً وإيمانًا، وسُؤالُ غَيْرِهِمُ اسْتِهْزاءً لِيَزْدادُوا كُفْرًا وطُغْيانًا وهو خِلافُ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآياتِ بَعْدُ. وقِيلَ: كانَ التَّساؤُلُ عَنِ القُرْآنِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ﴾ إلَخْ ظاهِرٌ في أنَّهُ كانَ عَنِ البَعْثِ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا لِأنَّهُ مِن أدِلَّتِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ تَساؤُلَهم عَنْهُ واسْتِهْزاؤُهم بِهِ واخْتِلافَهم فِيهِ بِأنَّهُ سِحْرٌ أوْ شِعْرٌ كانَ لِاشْتِمالِهِ عَلى الإخْبارِ بِالبَعْثِ فَبَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما يُفِيدُ اسْتِعْظامَ التَّساؤُلِ عَنْهُ تَعَرَّضَ الدَّلِيلُ ما هو مَنشَأٌ لِذَلِكَ التَّساؤُلِ وفِيهِ بُعْدٌ.

78:2Page 582

عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلۡعَظِيمِ ٢

About the great news1 -

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ بَيانٌ لِشَأْنِ المَسْؤُولِ عَنْهُ إثْرَ تَفْخِيمِهِ بِإبْهامِ أمْرِهِ وتَوْجِيهِ أذْهانِ السّامِعِينَ نَحْوَهُ وتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ المُسْتَفْهِمِينَ فَإنَّ إيرادَهُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لِانْقِطاعِ قَرِينِهِ وانْعِدامِ نَظِيرِهِ خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ الخَلْقِ خَلِيقٌ بِأنْ يُعْتَنى بِمَعْرِفَتِهِ ويُسْألَ عَنْهُ كَأنَّهُ قِيلَ: عَنْ أيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُونَ؟ هَلْ أخْبَرَكم بِهِ ثُمَّ قِيلَ بِطَرِيقِ الجَوابِ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ عَلى

صفحة 4

مِنهاجِ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فَعَنْ مُتَعَلِّقَةٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ مِن مُضْمَرٍ حَقُّهُ عَلى ما قِيلَ أنْ يُقَدَّرَ بَعْدَها مُسارَعَةً إلى البَيانِ ومُراعاةً لِتَرْتِيبِ السُّؤالِ وإلى تَعَلُّقِهِ بِما ذُكِرَ ذَهَبَ الزَّجّاجُ وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ. وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّ ذَلِكَ بَدَلٌ مِن ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ؛ فَإنَّ مَعْنى الأوَّلِ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ أمْ عَنْ غَيْرِهِ والبَدَلُ لا يُطابِقُهُ أُعِيدَ الِاسْتِفْهامُ أوَّلًا.

وقالَ الخَفاجِيُّ: البَدَلِيَّةُ جائِزَةٌ ولا يَلْزَمُ إعادَةُ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولا أنْ يَكُونَ البَدَلُ عَيْنَ الأوَّلِ لِجَوازِ كَوْنِهِ بَدَلَ بَعْضٍ. وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ المَذْكُورِ و﴿عَمَّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مُفَسَّرٍ بِهِ وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقِراءَةِ الضَّحّاكِ ويَعْقُوبَ وابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ «عَمَّهْ» بِهاءِ السَّكْتِ، ووَجَّهَهُ أنَّهُ عَلى الوَقْفِ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالمَذْكُورِ؛ لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ الوَقْفُ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ ومُتَعَلِّقِهِ لِعَدَمِ تَمامِ الكَلامِ، ولَعَلَّ مَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ يَقُولُ: إنَّ إلْحاقَ الهاءِ مَبْنِيٌّ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ وقِيلَ: عَنِ الأُولى لِلتَّعْلِيلِ وهي والثّانِيَةُ مُتَعَلِّقَتانِ بِ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ المَذْكُورِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ. ونَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أكْثَرِ النُّحاةِ وقِيلَ: ﴿عَنِ النَّبَإ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وهُناكَ اسْتِفْهامٌ مُضْمَرٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ أيُتَساءَلُونَ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ ووُصِفَ النَّبَأُ وهو الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ بِالعَظِيمِ لِتَأْكِيدِ خَطَرِهِ.

78:3Page 582

ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ مُخۡتَلِفُونَ ٣

That over which they are in disagreement.

ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ والإشْعارِ بِمَدارِ التَّساؤُلِ عَنْهُ و«فِيهِ» مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿مُخْتَلِفُونَ﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ اهْتِمامًا بِهِ ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ، وجَعْلُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ؛ أيْ: هم راسِخُونَ في الِاخْتِلافِ فِيهِ، فَمِن جازِمٍ بِاسْتِحالَتِهِ يَقُولُ: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾ إلَخْ. وشاكٍ يَقُولُ: ﴿ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ وقِيلَ: مِنهم مَن يُنْكِرُ المُعادِينَ مَعًا كَهَؤُلاءِ ومِنهم مَن يُنْكِرُ المَعادَ الجُسْمانِيَّ فَقَطْ كَجُمْهُورِ النَّصارى. وقَدْ حُمِلَ الِاخْتِلافُ عَلى الِاخْتِلافِ في كَيْفِيَّةِ الإنْكارِ، فَمِنهم مَن يُنْكِرُهُ لِإنْكارِهِ الصّانِعَ المُخْتارَ تَعالى شَأْنُهُ، ومِنهم مَن يُنْكِرُهُ بِناءً عَلى اسْتِحالَةِ إعادَةِ المَعْدُومِ بِعَيْنِهِ، وقِيلَ: الِاخْتِلافُ بِالإقْرارِ والإنْكارِ أوْ بِزِيادَةِ الخَشْيَةِ والِاسْتِهْزاءِ عَلى أنَّ ضَمِيرَ: ( يَتَساءَلُونَ ) وضَمِيرَهم لِلنّاسِ عامَّةً، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاخْتِلافُ بِالإقْرارِ والإنْكارِ عَلى كَوْنِ ضَمِيرِ ( يَتَساءَلُونَ ) لِلْكُفّارِ أيْضًا بِأنْ يُجْعَلَ ضَمِيرُهم لِلسّائِلِينَ والمَسْؤُولِينَ والكُلُّ كَما تَرى وإنْ تَفاوَتَتْ مَراتِبُ الضَّعْفِ والمُعَوَّلِ عَلَيْهِ الأوَّلِ. وقالَ مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّحْقِيقُ ويَسْتَدْعِيهِ النَّظَرُ الدَّقِيقُ أنْ يُحْمَلَ اخْتِلافُهم في البَعْثِ عَلى مُخالَفَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ بِأنْ يُعْتَبَرَ في الِاخْتِلافِ مَحْضُ صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ حَسْبَما قِيلَ في التَّساؤُلِ؛ فَإنَّ الِافْتِعالَ والتَّفاعُلَ صِيغَتانِ مُتَآخِيَتانِ كالِاسْتِباقِ والتَّسابُقِ والِانْتِضالِ والتَّناضُلِ يَجْرِي في كُلٍّ مِنهُما ما يَجْرِي في الأُخْرى لا عَلى مُخالَفَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلى أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الجانِبَيْنِ مُخالِفًا اسْمَ فاعِلٍ ومُخالِفًا اسْمَ مَفْعُولٍ؛ لِأنَّ الكُلَّ وإنِ اسْتَحَقَّ ما يُذْكَرُ بَعْدُ مِنَ الرَّدْعِ والوَعِيدِ لَكِنَّ اسْتِحْقاقَ كُلِّ جانِبٍ لَهُما لَيْسَ لِمُخالَفَتِهِ لِلْجانِبِ الآخَرِ؛ إذْ لا حَقِّيَّةَ في شَيْءٍ مِنهُما حَتّى يَسْتَحِقَّ مَن يُخالِفُهُ المُؤاخَذَةُ بَلْ لِمُخالَفَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: «الَّذِي هم فِيهِ مُخالِفُونَ» لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ انْتَهى. وفِيهِ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ وما ذَكَرَهُ مِنَ التَّعْلِيلِ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ جُبَيْرٍ: «تَسّاءَلُونَ» بِغَيْرِ ياءٍ وشَدِّ السِّينِ عَلى أنَّ أصْلَهُ تَتَساءَلُونَ بِتاءِ الخِطابِ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في السِّينِ.

78:4Page 582

كـَلَّا سَيَعۡلَمُونَ ٤

No! They are going to know.

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنِ التَّساؤُلِ عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ فِيهِ، وقِيلَ عَنْهُ وعَنِ الِاخْتِلافِ بِمَعْنى مُخالَفَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أمْرِ البَعْثِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي تَضَمَّنَتْهُ لَمْ تُقْصَدْ لِذاتِها فَيَبْعُدُ اعْتِبارُ الرَّدْعِ إلى ما فِيها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ لِأُولَئِكَ المُتَسائِلِينَ المُسْتَهْزِئِينَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، وتَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ، والسِّينُ لِلتَّقَرُّبِ والتَّأْكِيدِ، ومَفْعُولُ «يَعْلَمُونَ» مَحْذُوفٌ؛ وهو ما يُلاقُونَهُ مِن فُنُونِ الدَّواهِي والعُقُوباتِ، والتَّعْبِيرُ

صفحة 5

عَنْ لِقائِهِ بِالعِلْمِ لِوُقُوعِهِ في مَعْرِضِ التَّساؤُلِ، والمَعْنى لِيَرْتَدِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ فَإنَّهم سَيَعْلَمُونَ عَمّا قَلِيلٍ حَقِيقَةَ الحالِ إذا حَلَّ بِهِمُ العَذابُ والنَّكالُ ومِثْلُ هَذا تَقْدِيرُ المَفْعُولِ جَزاءَ التَّساؤُلِ. وقِيلَ: هو ما يُنْبِئُ عَنْهُ الظّاهِرُ وهو وُقُوعُ ما يَتَساءَلُونَ عَنْهُ عَلى مَعْنى: سَيَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَيَخْجَلُونَ مِن تَساؤُلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ، وإلّا لَمْ يَظْهَرْ كَوْنُ ما ذُكِرَ وعِيدًا ومَن جَعَلَ ضَمِيرَ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ لِلنّاسِ عامَّةً جَعَلَ ما هُنا مِن بابِ التَّغْلِيبِ؛ لِأنَّهُ لِغَيْرِ المُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ الجازِمِينَ بِهِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ﴿كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ رَدْعًا ووَعْدًا عَلى الِارْتِداعِ والمُرادُ: لِيَرْتَدِعُوا فَإنَّهم سَيَعْلَمُونَ مَثُوباتِ الِارْتِداعِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ شائِعٌ في الوَعِيدِ وهو المُتَبادِرُ مِنهُ في أمْثالِ هَذِهِ المَقاماتِ.

78:5Page 582

ثُمَّ كـَلَّا سَيَعۡلَمُونَ ٥

Then, no! They are going to know.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ قِيلَ: تَكْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الرَّدْعِ والوَعِيدِ لِلْمُبالَغَةِ. و﴿ثُمَّ﴾ لِلتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَهم يَوْمَ القِيامَةِ رَدْعٌ وعَذابٌ شَدِيدانِ بَلْ لَهم يَوْمَئِذٍ أشَدُّ وأشَدُّ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ صارَ كَأنَّهُ مُغايِرٌ لِما قَبْلَهُ فَعُطِفَ عَلَيْهِ، وابْنُ مالِكٍ يَقُولُ في مِثْلِهِ: إنَّهُ مِنَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ وإنْ تَوَسَّطَ حَرْفُ العَطْفِ فَلا تَغْفُلْ. وقِيلَ: الأوَّلُ إشارَةٌ إلى ما يَكُونُ عِنْدَ النَّزْعِ وخُرُوجِ الرُّوحِ مِن زَجْرِ مَلائِكَةِ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومُلاقاةِ كُرُباتِ المَوْتِ وشَدائِدِهِ وانْكِشافِ الغِطاءِ، والثّانِي إشارَةٌ إلى ما يَكُونُ في القِيامَةِ مِن زَجْرِ مَلائِكَةِ العَذابِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومُلاقاةِ شَدِيدِ العِقابِ فَ «ثُمَّ» في مَحَلِّها لِما بَيْنَهُما مِنَ البُعْدِ الزَّمانِيِّ ولا تَكْرارَ فِيهِ.

والظّاهِرُ أنَّ العَطْفَ عَلى هَذا وما قَبْلَهُ عَلى مَجْمُوعِ ﴿كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ وتَوَهَّمَ بَعْضُهم مِن كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ أنَّ العَطْفَ عَلى ( سَيَعْلَمُونَ ) وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ «ثُمَّ» إذا كانَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ يَلْزَمُ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِأجْنَبِيٍّ بِخِلافِ ما إذا كانَتْ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، ووُجِّهَ لِدَفْعِ التَّخْصِيصِ بِلا مُخَصِّصٍ أنَّهُ عَلى الثّانِي يُفْهَمُ تَفاوُتُ الرُّتْبَةِ بَيْنَ الرَّدْعَيْنِ كَتَفاوُتِها بَيْنَ الوَعِيدَيْنِ لِتَبَعِيَّةِ الرَّدْعِ لِلْوَعِيدِ فَلا تَكُونُ «كَلّا» الثّانِيَةُ أجْنَبِيَّةً بِخِلافِ الأوَّلِ؛ فَإنَّ التَّراخِيَ عَلَيْهِ إنَّما يَتَحَقَّقُ فِيما يَتَحَقَّقُ فِيهِ الزَّمانُ ولَيْسَ هو إلّا ( سَيَعْلَمُونَ ) دُونَ ( كَلّا ) فَتَكُونُ هي أجْنَبِيَّةً ثُمَّ قالَ ذَلِكَ المُتَوَهِّمُ ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: الرَّدْعُ الأوَّلُ عَنِ التَّساؤُلِ والثّانِي عَنِ الإنْكارِ أيِ الصَّرِيحِ، وتَفاوُتُ ما بَيْنَهُما يَقْتَضِي العَطْفَ بِثُمَّ والكُلُّ كَما تَرى. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ العِلْمِ في الأوَّلِ البَعْثُ وفي الثّانِي الجَزاءُ عَلى إنْكارِهِ، و﴿ثُمَّ﴾ في مَحَلِّها أيْ ﴿كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ حَقِيقَةَ البَعْثِ إذا بُعِثُوا ﴿ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ الجَزاءَ عَلى إنْكارِهِ إذا دَخَلُوا النّارَ وعُوقِبُوا. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُتَعَلِّقُ مُخْتَلِفًا و( ثُمَّ ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ؛ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى: سَيُعْلَمُ الكُفّارُ أحْوالَهم ثُمَّ سَيَعْلَمُونَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ، والأوَّلُ إشارَةٌ إلى العَذابِ الجُسْمانِيِّ والثّانِي إلى العَذابِ الرُّوحانِيِّ الَّذِي هو أشَدُّ وأخْزى، وأنْ يَكُونَ فاعِلُ سَيَعْلَمُ في المَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِفًا بِناءً عَلى أنَّ ضَمِيرَ ( يَتَساءَلُونَ ) لِلنّاسِ عامَّةً و( ثُمَّ ) لِذَلِكَ أيْضًا؛ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى: سَيُعْلَمُ المُؤْمِنُونَ عاقِبَةَ تَصْدِيقِهِمْ، ثُمَّ سَيَعْلَمُ الكُفّارُ عاقِبَةَ تَكْذِيبِهِمْ، فَيَكُونُ الأوَّلُ وعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ والآخَرُ وعِيدًا لِلْكافِرِينَ، وهُما مُتَفاوِتانِ رُتْبَةً، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما في ذَلِكَ.

وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ وابْنُ مُقْسِمٍ والحُسْنُ وابْنُ عامِرٍ «سَتَعْلَمُونَ» في المَوْضِعَيْنِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى نَهْجِ الِالتِفاتِ إلى الخِطابِ المُوافِقِ لِما بَعْدَهُ مِنَ الخِطاباتِ تَشْدِيدًا لِلرَّدْعِ والوَعِيدِ لا عَلى تَقْدِيرِ: قُلْ لَهم كَلّا سَتَعْلَمُونَ إلَخْ. فَإنَّهُ لَيْسَ بِذاكَ وإنْ كانَ فِيهِ نَوْعُ حُسْنٍ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ يَسْألُونَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قَرَأ الأوَّلَ بِتاءِ الخِطابِ والثّانِيَ بِياءِ الغَيْبَةِ.

78:6Page 582

أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ مِهَٰدٗا ٦

Have We not made the earth a resting place?

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ النَّبَأِ المُتَساءَلِ عَنْهُ بِتَعْدادِ بَعْضِ الشَّواهِدِ النّاطِقَةِ بِحَقِّيَّتِهِ إثْرَ ما نَبَّهَ عَلَيْها بِما ذُكِرَ مِنَ الرَّدْعِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ: قُلْ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ كَيْفَ تُنْكِرُونَ أوْ تَشُكُّونَ في البَعْثِ وقَدْ عايَنْتُمْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ والعِلْمِ المُحِيطِ والحِكْمَةِ الباهِرَةِ المُقْتَضِيَةِ أنْ لا يَكُونَ ما خُلِقَ عَبَثًا وفِيهِ أنَّ مَن كانَ عَظِيمَ الشَّأْنِ باهِرَ القُدْرَةِ يَنْبَغِي أنْ يُخافَ ويُخْشى ويُتَأثَّرَ مِن زَجْرِهِ ووَعِيدِهِ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ بِما بَعْدَ النَّفْيِ و(المِهادُ: الفِراشُ المُوَطَّأُ).

وفِي القامُوسِ: المَهْدُ المَوْضِعُ الَّذِي يُهَيَّأُ لِلصَّبِيِّ

صفحة 6

كالمِهادِ وعَلَيْهِ فالمَهْدُ والمِهادُ بِمَعْنًى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مُجاهِدٍ وعِيسى الهَمْدانِيِّ «مَهْدًا» وفي الآيَةِ حِينَئِذٍ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، وكُلٌّ مِنهُما مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُمَهَّدُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، والوَصْفُ بِالمَصْدَرِ كَثِيرٌ، أوْ لِتَقْدِيرِ ذاتِ مِهادٍ أوْ مَهْدٍ. وقِيلَ: كَما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المِهادُ مَصْدَرًا سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعالًا أيِ اسْمًا عَلى زِنَتِهِ يُؤْخَذُ لِلْمَفْعُولِ كالإلَهِ والإمامِ، وجَعَلَ الأرْضَ مِهادًا إمّا في أصْلِ الخِلْقَةِ أوْ بَعْدَها، وأيًّا ما كانَ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى ما يُنافِي كُرِيَّتَها كَما هو المَشْهُورُ مِن عِدَّةِ مَذاهِبِ أهْلِ الهَيْئَةِ المُحْدَثِينَ أنَّها مُسَطَّحَةٌ عِنْدَ القُطْبَيْنِ لِأنَّها كانَتْ لَيِّنَةً جِدًّا في مَبْدَأِ الأمْرِ لِظُهُورِ غايَةِ الحَرارَةِ الكامِنَةِ فِيها اليَوْمَ فِيها إذْ ذاكَ وقَدْ تَحَرَّكَتْ عَلى مِحْوَرِها فاقْتَضى مَجْمُوعُ ذَلِكَ صَيْرُورَتَها مُسَطَّحَةً عِنْدَهُما عِنْدَهُمْ، وأهْلُ الشَّرْعِ لا يَقُولُونَ بِذَلِكَ ولا يَتِمُّ لِلْقائِلِ بِهِ دَلِيلٌ حَتّى يَرِثَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ ومَن عَلَيْها.

78:7Page 582

وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا ٧

And the mountains as stakes?1

﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ أيْ: كالأوْتادِ فَفِيهِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ أيْضًا والمُرادُ أرْسَيْنا الأرْضَ بِالجِبالِ كَما يُرْسى البَيْتُ بِالأوْتادِ قالَ الأفْوَهُ:

والبَيْتُ لا يُبْتَنى إلّا لَهُ عُمُدٌ ولا عِمادَ إذا لَمْ تُرْسَ أوْتادُ

وفِي الحَدِيثِ: ««خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ فَجَعَلَتْ تَمِيدُ، فَوَضَعَ عَلَيْها الجِبالَ فاسْتَقَرَّتْ فَقالَتِ المَلائِكَةُ: رَبَّنا هَلْ خَلَقْتَ خَلْقًا أشَدَّ مِنَ الجِبالِ؟ قالَ: نَعَمِ الحَدِيدُ، فَقالَتْ: رَبَّنا هَلْ خَلَقْتَ خَلْقًا أشَدَّ مِنَ الحَدِيدِ؟ قالَ: نَعَمْ. النّارُ، فَقالُوا: رَبَّنا هَلْ خَلَقْتَ خَلْقًا أشَدَّ مِنَ النّارِ؟ قالَ: نَعَمْ. الماءُ، فَقالُوا: رَبَّنا هَلْ خَلَقْتَ خَلْقًا أشَدَّ مِنَ الماءِ؟ قالَ: نَعَمْ. الهَواءُ، فَقالُوا: رَبَّنا هَلْ خَلَقْتَ خَلْقًا أشَدَّ مِنَ الهَواءِ؟ قالَ: نَعَمْ. ابْنُ آدَمَ؛ يَتَصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فَيُخْفِي ذَلِكَ عَنْ شِمالِهِ»».

وظاهِرُهُ كَغَيْرِهِ أنَّ خَلْقَ الجِبالِ بِهِ خَلْقُ الأرْضِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَلاسِفَةُ المُتَقَدِّمُونَ والمُحْدَثُونَ وهي مُتَفاوِتَةٌ عِنْدَهم في الحُدُوثِ تَقَدُّمًا وتَأخُّرًا وجاءَ في حَدِيثٍ رَواهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ أوَّلَ جَبَلٍ أبُو قُبَيْسٍ، وفي كَيْفِيَّةِ حُدُوثِها مُنْذُ حَدَثَتْ خِلافٌ عِنْدَهُمْ، وقَدْ يَتَلاشى ما حَدَثَ مِنها بِطُولِ الزَّمانِ:

إنَّ الجَدِيدَيْنِ إذا ما اسْتَوْ ∗∗∗ لَيا عَلى جَدِيدٍ أسْلَماهُ لِلْبِلى

ورُبَّما يُشاهَدُ حُدُوثُ بَعْضِ تِلاعٍ حَجَرِيَّةٍ مِنَ انْجِمادِ بَعْضِ المِياهِ، واسْتُشْكِلَ احْتِياجُها لِلْإرْساءِ بِالجِبالِ مَعَ طَلَبِها لِلْمَرْكَزِ بِثِقْلِها المُطْلَقِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّها سَتَكُونُ ويَكُونُ عَلَيْها مِنَ الأثْقالِ ما يَكُونُ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّها حِينَئِذٍ يَكُونُ لَها مَرْكَزانِ مَرْكَزُ حَجْمٍ ومَرْكَزُ ثِقَلٍ، والَّذِي يَنْطَبِقُ مِنهُما عَلى مَرْكَزِ العالَمِ إنَّما هو مَرْكَزُ الثِّقَلِ فَيَلْزَمُ مِن تَحَرُّكٍ ثَقِيلٍ إلى جِهَةِ المَشْرِقِ أوِ المَغْرِبِ مَثَلًا عَلَيْها تَحَرُّكُها لِاخْتِلافِ مَرْكَزِ ثِقَلِها ولُزُومِ انْطِباقِهِ عَلى مَرْكَزِ العالَمِ فَيَحْصُلُ المَيْدُ ولَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ بِحَيْثُ لا يَكُونُ لِما يَكُونُ عَلَيْها مِن أثْقالٍ سَكَنَتْها قَدْرٌ يُحَسُّ بِهِ فَوُضِعَتْ عَلَيْها الجِبالُ وانْطَبَقَ مَرْكَزُ ثِقَلِها عَلى مَرْكَزِ العالَمِ وصارَ مَجْمُوعُ الأرْضِ والجِبالِ بِحَيْثُ لا يَظْهَرُ لِلْمُتَحَرِّكِ بَعْدَ قَدْرٍ يُحِسُّ بِهِ. وقِيلَ: إنَّها كانَتْ لِخِفَّتِها بِحَيْثُ يُحَرِّكُها أمْواجُ البَحْرِ المُحِيطِ بِها فَيَحْصُلُ المَيْدُ فَثَقُلَتْ بِالجِبالِ مَعَ ما في الجِبالِ مِنَ المَنافِعِ الجَمَّةِ الَّتِي لَمْ تُخْلَقِ الأرْضُ لِأجْلِها بِحَيْثُ لا تُحَرِّكُها الأمْواجُ. وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ حَسْبَما كُنّا واقِفِينَ عَلَيْهِ قَدْ مَرَّ فَتَذَكَّرْ. وحُكِيَ عَنْ بَعْضٍ أنَّ جَعْلَها كَذَلِكَ بِمَعْنى جَعْلِها سَبَبًا لِانْتِظامِ أهْلِ الأرْضِ بِما أُودِعَ فِيها مِنَ المَنافِعِ ولَوْلاها لَمادَتْ بِهِمْ؛ أيْ: لَما تَهَيَّأتْ لِلِانْتِفاعِ بِها ولاخْتَلَّ أمْرُ سُكْناهم إيّاها وهو تَأْوِيلٌ مُنافٍ لِلظَّواهِرِ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ ما لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ القَطْعِيُّ عَلى مُحالِيَّةِ إرادَةِ الظّاهِرِ. نَعَمْ قِيلَ: إنَّ هَذا أقْرَبُ لِلتَّقْرِيرِ؛ فَإنَّ جَعْلَها أوْتادًا بِهَذا المَعْنى أظْهَرُ مِن جَعْلِهِ كَذَلِكَ بِذَلِكَ المَعْنى وأقْرَبُ إلى العِلْمِ بِهِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّهُ أوْفَقُ لِتَرْكِ إعادَةِ العامِلِ ومَن لا يَراهُ يَجْعَلُ النُّكْتَةَ فِيهِ قُوَّةَ ما بَيْنَ الأرْضِ والجِبالِ مِنَ الِاشْتِراكِ والِارْتِباطِ فافْهَمْ.

78:8Page 582

وَخَلَقۡنَٰكُمۡ أَزۡوَٰجٗا ٨

And We created you in pairs

﴿وخَلَقْناكُمْ﴾ عُطِفَ عَلى المُضارِعِ المَنفِيِّ بِلَمْ داخِلٌ في حُكْمِهِ؛ فَإنَّهُ في قُوَّةِ إمّا جَعَلْنا إلَخْ. أوْ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الإنْكارُ التَّقْرِيرِيُّ فَإنَّهُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: قَدْ جَعَلْنا إلَخْ والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ هُنا بِناءً عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ في ( سَيَعْلَمُونَ )

صفحة 7

لِلْمُبالَغَةِ في الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ ﴿أزْواجًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: مُزْدَوِجَيْنِ ذِكْرًا وأُنْثى لِيَتَسَنّى التَّناسُلُ ويَنْتَظِمَ أمْرُ المَعاشِ، وقِيلَ: أصْنافًا في اللَّوْنِ والصُّورَةِ واللِّسانِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الخَلْقِ أزْواجًا الخَلْقَ مِن مَنِيَّيْنِ مَنِيِّ الرَّجُلِ ومَنِيِّ المَرْأةِ خَلَقْنا كُلَّ واحِدٍ مِنكم أزْواجًا بِاعْتِبارِ مادَّتِهِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ مَنِيَّيْنِ فَيَكُونُ ( خَلَقْناكم أزْواجًا ) مِن قَبِيلِ مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ وتَوْزِيعِ الأفْرادِ عَلى الأفْرادِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ولا داعِيَ إلَيْهِ

78:9Page 582

وَجَعَلۡنَا نَوۡمَكُمۡ سُبَاتٗا ٩

And made your sleep [a means for] rest

﴿وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ أيْ كالسُّباتِ فَفي الكَلامِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ كَما تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِالسُّباتِ المَوْتُ، وقَدْ ورَدَ في اللُّغَةِ بِهَذا المَعْنى ووَجْهُ تَشْبِيهِ النَّوْمِ بِهِ ظاهِرٌ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ وهو عَلى بِناءِ الأدْواءِ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّبْتِ بِمَعْنى القَطْعِ لِما فِيهِ مِن قَطْعِ العَمَلِ والحَرَكَةِ، ويُقالُ: سَبَتَ شَعْرَهُ إذا حَلَقَهُ، وأنْفَهُ إذا اصْطَلَمَهُ. وزَعَمَ ابْنُ الأنْبارِيِّ كَما في الدُّرَرِ أنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ السَّبْتَ بِمَعْنى القَطْعِ وكَأنَّهُ كانَ أصَمَّ. وقِيلَ: أصْلُ السَّبْتِ التَّمَدُّدُ كالبَسْطِ يُقالُ: سَبَتَ الشَّعْرَ إذا حَلَّ عِقاصَهُ، وعَلَيْهِ تَفْسِيرُ السُّباتِ بِالنَّوْمِ الطَّوِيلِ المُمْتَدِّ والِامْتِنانِ بِهِ لِما فِيهِ مِن عَدَمِ الِانْزِعاجِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم حَمْلَهُ عَلى النَّوْمِ الخَفِيفِ بِناءً عَلى ما في القامُوسِ مِن إطْلاقِهِ عَلَيْهِ عَلى أنَّ المَعْنى جَعَلَنا نَوْمَكم نَوْمًا خَفِيفًا غَيْرَ مُمْتَدٍّ فَيَخْتَلُّ بِهِ أمْرُ مَعاشِكم ومَعادِكم وفي البَحْرِ سُباتًا أيْ سُكُونًا وراحَةً. يُقالُ: سَبَتِ الرَّجُلُ إذا اسْتَراحَ. وزَعَمَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أيْضًا عَدَمَ سَماعِ سَبَتَ بِهَذا المَعْنى، ورَدَّ عَلَيْهِ المُرْتَضى بِأنَّهُ أُرِيدَ الرّاحَةُ اللّازِمَةُ لِلنَّوْمِ وقَطْعِ الإحْساسِ؛ فَإنَّ في ذَلِكَ راحَةَ القُوى الحَيَوانِيَّةِ مِمّا عَراها في اليَقَظَةِ مِنَ الكَلالِ، ومِنهُ: سُمِّيَ اليَوْمُ المَعْرُوفُ سَبْتًا لِفَراغٍ وراحَةٍ لَهم فِيهِ، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَدَأ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ يَوْمَ الأحَدِ فَخَلَقَها في سِتَّةِ أيّامٍ كَما ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ فَقَطَعَ عَمَلَهُ سُبْحانَهُ يَوْمَ السَّبْتِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ، واخْتارَ المُحَقِّقُونَ كَوْنَ السُّباتِ هُنا بِمَعْنى المَوْتِ؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ كَما لا يَخْفى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском