Al-AlusiAn‑Naba · 78:29–39

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Naba 78:29–39

78:29Page 582

وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ كِتَٰبٗا ٢٩

But all things We have enumerated in writing.

﴿وكُلَّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أعْمالُهم. وقالَ أبُو حَيّانَ: أيْ: كُلُّ شَيْءٍ مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ فَهو عامٌّ مَخْصُوصٌ وانْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿أحْصَيْناهُ﴾ أيْ: حَفِظْناهُ وضَبَطْناهُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.

﴿كِتابًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِ ﴿أحْصَيْناهُ﴾ فَإنَّ الإحْصاءَ والكُتُبَ يَتَشارَكانِ في مَعْنى الضَّبْطِ، فَإمّا أنْ يُؤَوَّلَ ﴿أحْصَيْناهُ﴾ بِ «كَتَبْناهُ» أوْ ﴿كِتابًا﴾ بِإحْصاءٍ، وجُوِّزَ الِاحْتِباكُ عَلى الحَذْفَيْنِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ أوْ حالٌ بِمَعْنى مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ أوْ صُحُفِ الحَفَظَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الكَلامَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الظّاهِرُ أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِصُورَةِ ضَبْطِ الأشْياءِ في عِلْمِهِ تَعالى بِضَبْطِ المُحْصِي المُجِدِّ المُتْقِنِ لِلضَّبْطِ بِالكِتابَةِ وإلّا فَهو عَزَّ وجَلَّ مُسْتَغْنٍ عَنِ الضَّبْطِ بِالكِتابَةِ وهَذا التَّمْثِيلُ لِتَفْهِيمِنا وإلّا فالِانْضِباطُ في عِلْمِهِ تَعالى أجَلُّ وأعْلى مِن أنْ يُمَثَّلَ بِشَيْءٍ، والمَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ ما قَدَّمْنا ولَيْسَ ذَلِكَ لِلِاحْتِياجِ وإنَّما هو لِحُكْمٍ تَقْصُرُ عَنْها العُقُولُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ السّابِقِ؛ بِأنَّ ذَلِكَ كائِنٌ لا مَحالَةَ لاحِقٌ بِهِمْ؛ لِأنَّ مَعاصِيَهم مَضْبُوطَةٌ مَكْتُوبَةٌ يُكْفَحُونَ بِها يَوْمَ الجَزاءِ. وقِيلَ: لِتَأْكِيدِ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ بِأنَّهُما مَحْفُوظانِ لِلْجَزاءِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقالَ البَعْضُ: الأوْجُهُ عِنْدِي أنَّ «كُلَّ شَيْءٍ» مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى اسْمِ إنَّ في ﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ و﴿أحْصَيْناهُ كِتابًا﴾ عَطْفٌ عَلى خَبَرِهِ والرَّفْعُ عَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، والجُمَلُ بَيانٌ لِكَوْنِ الجَزاءِ المَذْكُورِ مُوافِقًا لِأعْمالِهِمْ لِأنَّ الجَزاءَ المُوافِقَ إنَّما يَكُونُ لِصُدُورِ أفْعالٍ مُوجِبَةٍ لَهُ عَنْهم وضَبْطُها وعَدَمُ فَوْتِها عَلى المُجازِي فالجُمْلَتانِ الأُولَيانِ لِإفادَةِ صُدُورِ المُوجِبِ وهو الكُفْرُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِعَدَمِ رَجاءِ الحِسابِ والتَّكْذِيبِ بِالآياتِ لِما أنَّ ذَلِكَ كالعِلْمِ فِيهِ والأخِيرَةُ لِإفادَةِ الضَّبْطِ وعَدَمِ الفَوْتِ؛ أيْ: مَعَ إدْماجِ الإشارَةِ إلى باقِي المَعاصِي فِيها ولَيْسَتِ اعْتِراضًا انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ.

78:30Page 582

فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمۡ إِلَّا عَذَابًا ٣٠

"So taste [the penalty], and never will We increase you except in torment."1

﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ كُفْرِهِمْ بِالحِسابِ وتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ وتُسَبُّبُ الذَّوْقِ والأمْرُ بِهِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا﴾ إلَخْ؛ أيْ: إذا ذاقُوا الحَمِيمَ والغَسّاقَ فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ﴾ إلَخْ. وحِينَئِذٍ الجُمَلُ بَيْنَهُما اعْتِراضِيَّةٌ، وفِيهِ أنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ مَعَ ما فِيهِ مِن كَثْرَةِ الِاعْتِراضِ ومَجِيئِهِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ لِلْمُبالَغَةِ لِتَقْدِيرِ إحْضارِهِمْ وقْتَ الأمْرِ لِيُخاطَبُوا بِالتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وهو أعْظَمُ في الإهانَةِ والتَّحْقِيرِ، ولَوْ قُدِّرَ القَوْلُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ التِفاتٌ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: سَألْتُ أبا بَرْزَةَ الأسْلَمِيَّ عَنْ أشَدِّ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ النّارِ، فَقالَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا﴾ ووَجْهُ الأشَدُّيَّةِ عَلى ما قِيلَ إنَّهُ تَقْرِيعٌ في يَوْمِ الفَصْلِ وغَضَبٌ مِن أرْحَمِ الرّاحِمِينَ وتَأْيِيسٌ لَهم مَعَ ما فِي: «لَنْ» أيْ عَلى القَوْلِ بِإفادَتِها التَّأْبِيدَ مِن أنَّ تَرْكَ الزِّيادَةِ كالمُحالِ الَّذِي لا يَدْخُلُ تَحْتَ الصِّحَّةِ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ أشَدُّ حُجَجِ القُرْآنِ عَلى أهْلِ النّارِ فَإنَّهُ إذا بَلَغَهم في الدُّنْيا هَذا الوَعِيدُ ولَمْ يَخافُوا مِنهُ فَقَدْ قَبِلُوا العَذابَ الأبَدِيَّ في مُقابَلَةِ الكُفْرِ فَلا عُذْرَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ في الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِخُلُودِ النّارِ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، واسْتُشْكِلَ أمْرُ زِيادَةِ العَذابِ بِمُنافاتِها كَوْنَ الجُزْءِ مُوافِقًا لِلْأعْمالِ وأُجِيبَ بِأنَّها لِحِفْظِ الأصْلِ إذْ لَوْلاها لَألِفُوا ما أصابَهم مِنَ العَذابِ أوَّلَ مَرَّةٍ ولَمْ يَتَألَّمُوا بِهِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّ العَذابَ لَمّا كانَ لِلْكُفْرِ والمَعاصِي وهي مُتَزايِدَةٌ في القُبْحِ في كُلِّ آنٍ فالكُفْرُ مَثَلًا في الزَّمَنِ الثّانِي أقْبَحُ مِنهُ في الزَّمَنِ الأوَّلِ وهَكَذا، وعَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِنهم لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ اسْتِمْرارَهم عَلى ذَلِكَ اقْتَضى ذَلِكَ زِيادَةَ العَذابِ وشِدَّتَهُ يَوْمًا فَيَوْمًا وقِيلَ:

صفحة 18

لَمّا كانَ كُفْرُهم أعْظَمَ كُفْرٍ اقْتَضى أشَدَّ عَذابٍ، والعَذابُ المُزادُ يَوْمًا فَيَوْمًا مِن أشَدِّ العَذابِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. فَلْيُتَأمَّلْ.

78:31Page 583

إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ مَفَازًا ٣١

Indeed, for the righteous is attainment1 -

﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَحاسِنَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ إثْرَ بَيانِ سُوءِ أحْوالِ الكافِرِينَ و﴿مَفازًا﴾ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوِ اسْمُ مَكانٍ، أيْ: إنَّ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ عَمَلَ الكُفْرِ فَوْزًا وظَفَرًا بِمَساعِيهِمْ أوْ مَوْضِعَ فَوْزٍ، وقِيلَ: نَجاةً مِمّا فِيهِ أُولَئِكَ أوْ مَوْضِعَ نَجاةٍ.

78:32Page 583

حَدَآئِقَ وَأَعۡنَٰبٗا ٣٢

Gardens and grapevines

﴿حَدائِقَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ﴿مَفازًا﴾ عَلى الأوَّلِ وبَدَلُ البَعْضِ عَلى الثّانِي، والرّابِطُ مُقَدَّرٌ وتَقْدِيرُهُ: حَدائِقُ فِيهِ أوْ هي في مَحَلِّهِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ كُلٍّ عَلى الِادِّعاءِ أوْ مَنصُوبًا بِ «أعْنِي» مُقَدَّرًا وهو جَمْعُ حَدِيقَةٍ: بُسْتانٌ فِيها أنْواعُ الشَّجَرِ المُثْمِرِ زادَ بَعْضُهم والرَّياحِينُ والزَّهْرُ، وقالَ الرّاغِبُ: قِطْعَةٌ مِنَ الأرْضِ ذاتُ ماءٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا بِحَدَقَةِ العَيْنِ في الهَيْئَةِ وحُصُولِ الماءِ فِيها، وكَأنَّهُ أرادَ: ذاتُ ماءٍ وشَجَرٍ.

﴿وأعْنابًا﴾ جَمْعُ عِنَبٍ ويُقالُ لِلْكَرْمِ نَفْسِهِ ولِثَمَرَتِهِ، والمُتَبادَرُ عَطْفُهُ عَلى «حَدائِقَ» قَبْلَهُ وهو بَعْضٌ مِنها إذا أُرِيدَ بِهِ الكُرُومُ، وبِها الأشْجارُ ومَوْضِعُها، وخُصَّ بِالذِّكْرِ اعْتِناءً بِهِ، وأمّا إنْ أُرِيدَ بِهِ الكُرُومُ وبِها المَوْضِعُ فَقَطْ فَلا، ويَتَعَيَّنُ الِاشْتِمالُ كَما إذا أُرِيدَ بِهِ ثَمَراتُ الكُرُومِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو وكَذا ما بَعْدُ عَطْفًا عَلى «مَفازًا».

78:33Page 583

وَكَوَاعِبَ أَتۡرَابٗا ٣٣

And young women [companions] of equal age.

«﴿وكَواعِبَ﴾» جَمْعِ كاعِبٍ وهي المَرْأةُ الَّتِي «تَكَعَّبَ» ثَدْياها واسْتَدارَ مَعَ ارْتِفاعٍ يَسِيرٍ ويَكُونُ ذَلِكَ في سِنِّ البُلُوغِ وأحْسَنِ التَّسْوِيَةِ.

﴿أتْرابًا﴾ أيْ: لِداتٍ يَنْشَأْنَ مَعًا تَشْبِيهًا في التَّساوِي والتَّماثُلِ بِالتَّرائِبِ الَّتِي هي ضُلُوعُ الصَّدْرِ أوْ لِوُقُوعِهِنَّ مَعًا عَلى التُّرابِ أيِ الأرْضِ، وفي بَعْضِ التَّفاسِيرِ: نِساءُ الجَنَّةِ كُلُّهُنَّ بَناتُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، ورِجالُهُنَّ أبْناءُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ.

78:34Page 583

وَكَأۡسٗا دِهَاقٗا ٣٤

And a full cup.1

﴿وكَأْسًا دِهاقًا﴾ أيْ: مُتْرَعَةً. يُقالُ: دَهَقَ فُلانٌ الحَوْضَ وأدْهَقَهُ أيْ: مَلَأهُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ وأنْشَدَ قَوْلَهُ الشّاعِرَ:

أتانا عامِرٌ يَبْغِي قِرانا فَأتْرَعْنا لَهُ كَأْسًا دِهاقا

وفِي البَحْرِ: الدِّهاقُ المَلْأى؛ مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّهْقِ وهو ضَغْطُ الشَّيْءِ وشَدُّهُ بِاليَدِ كَأنَّهُ لِامْتِلائِهِ انْضَغَطَ، وعَنْ مُجاهِدٍ وجَماعَةٍ تَفْسِيرُهُ بِالمُتَتابِعَةِ، وصَحَّحَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ قالَ: هي المُمْتَلِئَةُ المُتْرَعَةُ المُتَتابِعَةُ، ورُبَّما سَمِعْتُ العَبّاسَ يَقُولُ: يا غُلامُ، اسْقِنا وادْهِقْ لَنا، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: أيْ: صافِيَةً ولا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ.

78:35Page 583

لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا كِذَّٰبٗا ٣٥

No ill speech will they hear therein or any falsehood -

﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ، وقِيلَ: في الكَأْسِ، وجُعِلَتِ الفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ ﴿لَغْوًا﴾ هو ما لا يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الكَلامِ وهو عَلى ما قالَ الرّاغِبُ الَّذِي يُورِدُ لا عَنْ رَوِيَّةٍ وفِكْرٍ فَيُجْرى مَجْرى اللُّغا وهو صَوْتُ العَصافِيرِ ونَحْوِها مِنَ الطَّيْرِ، وقَدْ يُسَمّى كُلُّ كَلامٍ قَبِيحٍ لَغْوًا، وكَذا ما لا يُعْتَدُّ بِهِ مُطْلَقًا.

﴿ولا كِذّابًا﴾ أيْ: تَكْذِيبًا وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ؛ أيْ: «كِذابًا» أوْ «مُكاذَبَةً» وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ المَذْكُوراتُ أنْواعًا مِنَ الذّاتِ الحِسِّيَّةِ كَما لا يَخْفى.

78:36Page 583

جَزَآءٗ مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَابٗا ٣٦

[As] reward from your Lord, [a generous] gift [made due by] account,1

﴿جَزاءً مِن رَبِّكَ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مَنصُوبٌ بِمَعْنى أنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا؛ فَإنَّهُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: جازى المُتَّقِينَ بِ «مَفازًا» جَزاءً كائِنًا مِن رَبِّكَ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ حَصَلَ بِتَرْتِيبِهِ وإرْشادِهِ تَعالى، وإضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَهم لِتَشْرِيفِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ: «مِن رَبِّهِمْ» لِئَلّا يَحْمِلَهُ المُشْرِكُونَ عَلى أصْنامِهِمْ وهو بَعِيدٌ جِدًّا، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا وجْهَ تَرْكِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ وعَدَمُ التَّعَرُّضِ هُناكَ لِنِسْبَةِ الجَزاءِ إلَيْهِ تَعالى بِعُنْوانٍ آخَرَ قِيلَ مِن بابِ: «اللَّهُمَّ إنَّ الخَيْرَ بِيَدَيْكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ». وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَطاءً﴾ أيْ: تَفَضُّلًا وإحْسانًا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ؛ إذْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ بَدَلَ مِن «جَزاءً»، فَمَعْنى كَوْنِهِ جَزاءً أنَّهُ كَذَلِكَ بِمُقْتَضى وعْدِهِ جَلَّ وعَلا.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِ «جَزاءً» نَصَبَ المَفْعُولَ بِهِ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ( جَزاءً ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والمَصْدَرُ المُؤَكِّدُ لا يَعْمَلُ بِلا خِلافٍ لِعِلْمِهِ عِنْدَ النُّحاةِ لِأنَّهُ لا يَنْحَلُّ لِفِعْلٍ وحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ، ورُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ النّاصِبُ لِلْمَفْعُولِ المُطْلَقِ مَذْكُورًا، أمّا

صفحة 19

إذا حُذِفَ مُطْلَقًا فَفِيهِ خِلافٌ؛ هَلْ هو العالِمُ أوِ الفِعْلُ. وقالَ الشِّهابُ:

الحَقُّ ما قالَ أبُو حَيّانَ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ هُنا هو المَصْدَرُ المُؤَكِّدُ لِنَفْسِهِ أوْ لِغَيْرِهِ والَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ النُّحاةُ هو المَصْدَرُ الآتِي بَدَلًا مِنَ اللَّفْظِ بِفِعْلِهِ:

كَ نَدْلًا زُرَيْقُ المالِ نَدْلَ الثَّعالِبِ وقَوْلُهُ:

يا قابِلَ التَّوْبِ غُفْرانًا مَآثِمَ قَدْ أسْلَفْتُها أنا مِنها خائِفٌ وجِلُ

فَلْيُعْرَفْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حِسابًا﴾ صِفَةُ «عَطاءً» بِمَعْنى كافِيًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الوَصْفِ، أوْ بُولِغَ فِيهِ أوْ هو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: أحْسَبَهُ الشَّيْءَ إذا كَفاهُ حَتّى قالَ: حَسْبِي، وقِيلَ: عَلى حَسَبِ أعْمالِهِمْ أيْ مُقَسَّطًا عَلى قَدْرِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْمُجاهِدٍ وكَأنَّ المُرادَ مُقَسَّطًا بَعْدَ التَّضْعِيفِ عَلى ذَلِكَ فَيَنْدَفِعُ ما قِيلَ إنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِتَضْعِيفِ الحَسَناتِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ: «وِفاقًا» كَما في السّابِقِ، ودُفِعَ أيْضًا بِأنَّ هَذا بَيانٌ لِما هو الأصْلُ لا لِلْجَزاءِ مُطْلَقًا وقِيلَ: المَعْنى عَطاءً مَفْرُوغًا عَنْ حِسابِهِ لا كَنِعَمِ الدُّنْيا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ اللَّفْظِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيهامِ، وقَرَأ ابْنُ قُطَيْبٍ: «حَسّابًا» بِفَتْحِ الحاءِ وشَدِّ السِّينِ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: بَنى فِعالًا مِن أفْعَلَ كَدِراكٍ مِن أدْرَكَ، فَمَعْناهُ مُحْسِبًا؛ أيْ كافِيًا. ومَنَعَ بَعْضُهم مَجِيءَ فِعالًا مِنَ الأفْعالِ ودِراكٍ مِن دَرْكٍ فَلْيُحَرَّرْ، وقَرَأ شُرَيْحُ بْنُ يَزِيدَ الحِمْصِيُّ، وأبُو البَرَهْسَمِ بِكَسْرِ الحاءِ وشَدِّ السِّينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَكِذّابٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: «حُسْنًا» بِالنُّونِ مِنَ الحُسْنِ، وحَكى المَهْدَوِيُّ: «حَسْبًا» بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ السِّينِ والباءِ المُوَحَّدَةِ نَحْوَ قَوْلِكَ: حَسْبُكَ كَذا؛ أيْ كافِيكَ.

78:37Page 583

رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلرَّحۡمَٰنِۖ لَا يَمۡلِكُونَ مِنۡهُ خِطَابٗا ٣٧

[From] the Lord of the heavens and the earth and whatever is between them, the Most Merciful. They possess not from Him [authority for] speech.1

﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ بَدَلٌ مِن لَفْظِ ﴿رَبِّكَ﴾ وفي إبْدالِهِ تَعْظِيمٌ لا يَخْفى وإيماءٌ عَلى ما قِيلَ إلى ما رُوِيَ في كُتُبِ الصُّوفِيَّةِ مِنَ الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: ««لَوْلاكَ لَما خُلِقَتِ الأفْلاكُ»».

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ صِفَةٌ لِرَبِّكَ أوْ لِرَبِّ السَّماواتِ عَلى الأصَحِّ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مِن جَوازِ وصْفِ المُضافِ إلى ذِي اللّامِ بِالمُعَرَّفِ بِها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ وهَلْ يَكُونُ بَدَلًا مِن لَفْظِ «رَبِّكَ». قالَ في البَحْرِ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ البَدَلَ لا يَتَكَرَّرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما أفادَتْهُ الرُّبُوبِيَّةُ العامَّةُ مِن غايَةِ العَظَمَةِ واسْتِقْلالًا لَهُ تَعالى بِما ذُكِرَ مِنَ الجَزاءِ والعَطاءِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ، والقِراءَةُ كَذَلِكَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ، وقَرَأ الأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وأبُو عَمْرٍو والحَرَمِيّانِ بِرَفْعِ الِاسْمَيْنِ فَقِيلَ: عَلى أنَّهُما خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ؛ أيْ: هو رَبُّ السَّماواتِ إلَخْ. وقِيلَ: الأوَّلُ هو الخَبَرُ والثّانِي صِفَةٌ لَهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وقِيلَ: الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ، والثّانِي خَبَرُهُ. و﴿لا يَمْلِكُونَ مِنهُ﴾ خَبَرٌ آخَرُ أوْ هو الخَبَرُ، والثّانِي نَعْتٌ لِلْأوَّلِ أوْ عَطْفُ بَيانٍ وقِيلَ: ( لا يَمْلِكُونَ ) حالٌ لازِمَةٌ. وقِيلَ: الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ أوَّلُ، والثّانِي مُبْتَدَأٌ ثانٍ، و( لا يَمْلِكُونَ ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْأوَّلِ، وحَصَلَ الرَّبْطُ بِتَكْرِيرِ المُبْتَدَأِ بِمَعْناهُ عَلى رَأْيِ مَن يَقُولُ بِهِ، واخْتِيرَ أنْ يَكُونَ كِلاهُما مَرْفُوعًا عَلى المَدْحِ أوْ يَكُونَ الثّانِي صِفَةً لِلْأوَّلِ، و( لا يَمْلِكُونَ ) اسْتِئْنافًا عَلى حالِهِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن تَوافُقِ القِراءَتَيْنِ مَعْنًى، وقَرَأ الأخَوانِ والحَسَنُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِخِلافٍ عَنْهُما بِجَرِّ الأوَّلِ عَلى ما سَمِعْتَ ورَفْعِ الثّانِي عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ ما بَعْدَهُ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ وما بَعْدَهُ اسْتِئْنافٌ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ، وضَمِيرُ ( لا يَمْلِكُونَ ) لِأهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ و( مِنهُ ) بَيانٌ لِ: ﴿خِطابًا﴾ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ؛ أيْ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يُخاطِبُوهُ تَعالى مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ لَفْظُ المَلِكِ خِطابًا ما في شَيْءٍ ما، والمُرادُ نَفْيُ قُدْرَتِهِمْ عَلى أنْ يُخاطِبُوهُ عَزَّ وجَلَّ بِشَيْءٍ مِن نَقْصِ العَذابِ أوْ زِيادَةِ الثَّوابِ مِن غَيْرِ إذْنِهِ تَعالى عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ «مِنهُ» صِلَةَ ( يَمْلِكُونَ ) و«مِن» ابْتِدائِيَّةٌ، والمَعْنى: لا يَمْلِكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى خِطابًا واحِدًا؛ أيْ: لا يُمَلِّكُهُمُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فَلا يَكُونُ في أيْدِيهِمْ خِطابٌ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ تَصَرُّفَ المُلّاكِ فَيَزِيدُونَ في الثَّوابِ أوْ يُنْقِصُونَ مِنَ العِقابِ، وهَذا كَما تَقُولُ: مَلَكْتُ مِنهُ دِرْهَمًا وهو أقَلُّ تَكَلُّفًا وأظْهَرُ مِن جَعْلِ ( مِنهَ ) حالًا مِن ﴿خِطابًا﴾ مُقَدَّمًا وإضْمارِ مُضافٍ؛ أيْ: خِطابًا

صفحة 20

مِن خِطابِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ المَعْنى: لا يَمْلِكُونَ خِطابًا واحِدًا مِن جُمْلَةِ ما يُخاطَبُ بِهِ اللَّهُ تَعالى ويَأْمُرُ بِهِ في أمْرِ الثَّوابِ والعِقابِ، وظاهِرُ كَلامِ البَيْضاوِيِّ حَمْلُ الخِطابِ عَلى خِطابِ الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ في ثَوابٍ أوْ عِقابٍ ومِنهُ عَلى ما سَمِعْتَ مِنّا أوَّلًا لا يَمْلِكُونَ خِطابَهُ تَعالى والِاعْتِراضَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ في ثَوابٍ أوْ عِقابٍ؛ لِأنَّهم مَمْلُوكُونَ لَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى الإطْلاقِ فَلا يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ اعْتِراضًا أصْلًا، وأيًّا ما كانَ فالآيَةُ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ بِإذْنِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ضَمِيرَ ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ، وعَدَمُ الصَّلاحِيَةِ عَلَيْهِ أظْهَرُ.

78:38Page 583

يَوۡمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ صَفّٗاۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَقَالَ صَوَابٗا ٣٨

The Day that the Spirit [i.e., Gabriel] and the angels will stand in rows, they will not speak except for one whom the Most Merciful permits, and he will say what is correct.

﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ قِيلَ: ﴿الرُّوحُ﴾ خَلْقٌ أعْظَمُ مِنَ المَلائِكَةِ وأشْرَفُ مِنهم وأقْرَبُ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: هو مَلِكٌ ما خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ العَرْشِ خَلْقًا أعْظَمَ مِنهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ قامَ هو وحْدَهُ صَفًّا والمَلائِكَةُ صَفًّا، وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ لَوْ فَتَحَ فاهُ لَوَسِعَ جَمِيعَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««الرَّوْحُ جُنْدٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ تَعالى لَيْسُوا مَلائِكَةً لَهم رُؤُوسٌ وأيْدٍ وأرْجُلٌ».

وفِي رِوايَةِ: «يَأْكُلُونَ الطَّعامَ» ثُمَّ قَرَأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ وقالَ: «هَؤُلاءِ جُنْدٌ، وهَؤُلاءِ جُنْدٌ»».

ورُوِيَ القَوْلُ بِهَذا عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي صالِحٍ. وقِيلَ: هم أشْرافُ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: هم حَفَظَةُ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: مَلِكٌ مُوَكَّلٌ عَلى الأرْواحِ، قالَ في الأحْياءِ: المَلِكُ الَّذِي يُقالُ لَهُ الرُّوحُ هو الَّذِي يُولِجُ الأرْواحَ في الأجْسامِ؛ فَإنَّهُ يَتَنَفَّسُ فَيَكُونُ في كُلِّ نَفَسٍ مِن أنْفاسِهِ رُوحٌ في جِسْمٍ، وهو حَقٌّ يُشاهِدُهُ أرْبابُ القُلُوبِ بِبَصائِرِهِمْ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلٌ لِابْنِ عَبّاسٍ؛ فَقَدْ أخْرَجَ هو عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُومُ القِيامَةَ لِقائِمٍ بَيْنَ يَدَيْ الجَبّارِ تَرْعَدُ فَرائِصُهُ فَرَقًا مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى يَقُولُ: سُبْحانَكَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ ما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ، وإنَّ ما بَيْنَ مَنكِبَيْهِ كَما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ .

وفِي رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ أنَّ المُرادَ بِهِ أرْواحُ النّاسِ، وأنَّ قِيامَها مَعَ المَلائِكَةِ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ قَبْلَ أنْ تُرَدَّ إلى الأجْسادِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ في الآيَةِ جِدًّا، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنِ الحَبْرِ، وقِيلَ: القُرْآنُ وقِيامُهُ مَجازٌ عَنْ ظُهُورِ آثارِهِ الكائِنَةِ عَنْ تَصْدِيقِهِ أوْ تَكْذِيبِهِ وفِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعَ ما لا يَخْفى، ولَمْ يَصِحَّ عِنْدِي فِيهِ هُنا شَيْءٌ.

و( يَوْمَ ) ظَرْفٌ لِ ( لا يَمْلِكُونَ ) و( صَفًّا ) حالٌ؛ أيْ: مُصْطَفِّينَ، قِيلَ: هُما صَفّانِ الرُّوحُ صَفٌّ واحِدٌ أوْ مُتَعَدِّدٌ، والمَلائِكَةُ صَفٌّ آخَرُ، وقِيلَ: صُفُوفٌ، وهو الأوْفَقُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وقِيلَ: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ الكُلُّ صَفًّا واحِدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ وهو عائِدٌ إلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ، وذِكْرُ قِيامِهِمْ مُصْطَفِّينَ لِتَحْقِيقِ عَظَمَةِ سُلْطانِهِ تَعالى وكِبْرِياءِ رُبُوبِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَهْوِيلِ يَوْمِ البَعْثِ الَّذِي عَلَيْهِ مَدارُ الكَلامِ مِن مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إلى مَقْطَعِها، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ( لا يَمْلِكُونَ ) إلَخْ. ومُؤَكِّدٌ لَهُ عَلى مَعْنى أنَّ أهْلَ السَّماواتِ والأرْضِ إذا لَمْ يَقْدِرُوا حِينَئِذٍ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِشَيْءٍ مِن جِنْسِ الكَلامِ إلّا مَن أذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنهم في التَّكَلُّمِ مُطْلَقًا، وقالَ ذَلِكَ المَأْذُونُ لَهُ بَعْضَ الإذْنِ في مُطْلَقِ التَّكَلُّمِ قَوْلًا صَوابًا؛ أيْ: حَقًّا مِنَ الشَّفاعَةِ لِمَنِ ارْتَضى فَكَيْفَ يَمْلِكُونَ خِطابَ رَبِّ العِزَّةِ جَلَّ جَلالُهُ مَعَ كَوْنِهِ أخَصَّ مِن مُطْلَقِ الكَلامِ وأعَزَّ مِنهُ مَرامًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ إلى: ﴿الرُّوحُ والمَلائِكَةُ﴾ والكَلامُ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ( لا يَمْلِكُونَ ) إلَخْ أيْضًا لَكِنْ عَلى مَعْنى أنَّ الرُّوحَ والمَلائِكَةَ مَعَ كَوْنِهِمْ أفْضَلَ الخَلائِقِ وأقْرَبَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى إذا لَمْ يَقْدِرُوا أنْ يَتَكَلَّمُوا بِما هو صَوابٌ مِنَ الشَّفاعَةِ لِمَنِ ارْتَضى إلّا بِإذْنِهِ فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ غَيْرُهم وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ فَتُعَقِّبُ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ مِن كَوْنِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أفْضَلَ مِنَ البَشَرِ مُطْلَقًا،

صفحة 21

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِن أهْلِ السُّنَّةِ أيْضًا مَن ذَهَبَ إلى هَذا كَأبِي عَبْدِ اللَّهِ الحَلِيمِيِّ والقاضِي أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ والإمامِ الرّازِيِّ، ونُسِبَ إلى القاضِي البَيْضاوِيِّ، وكَلامُهُ في التَّفْسِيرِ هُنا لا يَخْلُو عَنْ إغْلاقٍ، وتَصَدّى مَن تَصَدّى لِتَوْجِيهِهِ وأطالُوا في ذَلِكَ عَلى أنَّ الخِلافَ في أفْضَلِيَّتِهِمْ بِمَعْنى كَثْرَةِ الثَّوابِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِن كَوْنِهِمْ أكْرَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى وأحَبَّهم إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا بِمَعْنى قُرْبِ المَنزِلَةِ ودُخُولِ حَظائِرِ القُدْسِ ورَفْعِ سِتارَةِ المَلَكُوتِ بِالِاطِّلاعِ عَلى ما غابَ عَنّا، والمُناسَبَةُ في النَّزاهَةِ وقِلَّةِ الوَسائِطِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَإنَّهم بِهَذا الِاعْتِبارِ أفْضَلُ بِلا خِلافٍ، وكَلامُ ذَلِكَ البَعْضِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ، وهَذا كَما نُشاهِدُهُ مِن حالِ خُدّامِ المَلِكِ وخاصَّةً حَرَمُهُ فَإنَّهم أقْرَبُ إلَيْهِ مِن وُزَرائِهِ والخارِجِينَ مِن أقْرِبائِهِ ولَيْسُوا عِنْدَهُ بِمَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، وإنْ زادا في التَّبَسُّطِ والدَّلالِ عَلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ضَمِيرَ ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ لِلنّاسِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿إلا مَن أذِنَ﴾ إلَخْ مَنصُوبًا عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، والمَعْنى: لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا في حَقِّ شَخْصٍ أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ، وقالَ ذَلِكَ الشَّخْصُ في الدُّنْيا صَوابًا أيْ حَقًّا هو التَّوْحِيدُ وقَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وعَلَيْهِ قِيلَ:

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ( قالَ صَوابًا ) في مَوْضِعِ الحالِ مِمَّنْ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ لا عَطْفًا عَلى ( أذِنَ ) ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ الحالِيَّةَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا لَكِنْ مِن ضَمِيرِ ﴿يَتَكَلَّمُونَ﴾ بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ أوْ بِاعْتِبارِ المَجْمُوعِ وظَنُّ أنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمُ المَعْنى لا يَتَكَلَّمُونَ بِالصَّوابِ إلّا بِإذْنِهِ لا يَتِمُّ بِدُونِ ذَلِكَ وفِيهِ ما فِيهِ، وقِيلَ: جُمْلَةُ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ حالٌ مِن: ﴿الرُّوحُ والمَلائِكَةُ﴾ أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ فِي: ﴿صَفًّا﴾ والجُمْهُورُ عَلى ما تَقَدَّمَ، وإظْهارُ الرَّحْمَنِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَناطَ الإذْنِ هو الرَّحْمَةُ البالِغَةُ لا أنَّ أحَدًا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما أنَّ ذِكْرَهُ فِيما تَقَدَّمَ بِالإشارَةِ إلى أنَّ الرَّحْمَةَ مَناطُ تَرْبِيَتِهِ عَزَّ وجَلَّ.

78:39Page 583

ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ مَـَٔابًا ٣٩

That is the True [i.e., certain] Day; so he who wills may take to his Lord a [way of] return.1

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى يَوْمِ قِيامِهِمْ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الهَوْلِ والفَخامَةِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمُ﴾ المَوْصُوفُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الحَقُّ﴾ أوْ هو الخَيْرُ، واليَوْمُ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ والمُرادُ بِالحَقِّ الثّابِتُ المُتَحَقِّقُ؛ أيْ: ذَلِكَ اليَوْمُ الثّابِتُ الكائِنُ لا مَحالَةَ، والجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلُ؛ ولِذا لَمْ تُعْطَفْ، والفاءُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا﴾ فَصِيحَةٌ تُفْصِحُ عَنْ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الجَزاءُ و﴿إلى رَبِّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ اهْتِمامًا بِهِ ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن تَحَقُّقِ الأمْرِ المَذْكُورِ لا مَحالَةَ فَمَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ مَرْجِعًا إلى ثَوابِ رَبِّهِ الَّذِي ذُكِرَ شَأْنُهُ العَظِيمُ فَعَلَ ذَلِكَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، وقالَ قَتادَةُ فِيما رَواهُ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ: ﴿مَآبًا﴾ أيْ: سَبِيلًا، وتَعَلَّقَ الجارُّ بِهِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الإفْضاءِ والإيصالِ، والأوَّلُ أظْهَرُ. وتَقْدِيرُ المُضافِ أعْنِي الثَّوابَ قِيلَ لِاسْتِحالَةِ الرُّجُوعِ إلى ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: لِأنَّ رُجُوعَ كُلِّ أحَدٍ إلى رَبِّهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ بِمَشِيئَتِهِ؛ إذْ لا بُدَّ مِنهُ شاءَ أمْ لا، والمُعَلَّقُ بِالمَشِيئَةِ الرُّجُوعُ إلى ثَوابِهِ تَعالى؛ فَإنَّ العَبْدَ مُخْتارٌ في الإيمانِ والطّاعَةِ ولا ثَوابَ بِدُونِهِما، وقِيلَ: لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ فَإنَّ لَهم مَرْجِعًا لِلَّهِ تَعالى أيْضًا لَكِنْ لِلْعِقابِ لا لِلثَّوابِ ولِكُلِّ وُجْهَةٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском