Al-AlusiAn‑Nazi'at · 79:11–29

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nazi'at 79:11–29

79:11Page 583

أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا نَّخِرَةٗ ١١

Even if we should be decayed bones?"1

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ تَأْكِيدًا لِإنْكارِ البَعْثِ بِذِكْرِ حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ. والعامِلُ في «إذا» مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ «مَرْدُودُونَ» أيْ: أئِذا كُنّا عِظامًا بالِيَةً نُرَدُّ ونُبْعَثُ مَعَ كَوْنِهِ أبْعَدَ شَيْءٍ مِنَ الحَياةِ، وقَرَأ

صفحة 28

نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: «إذا كُنّا» بِإسْقاطِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَقِيلَ: يَكُونُ خَبَرَ اسْتِهْزاءٍ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، واسْتُظْهِرَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِ «مَرْدُودُونَ». وقَرَأ عُمَرُ وأُبَيُّ وعَبْدُ اللَّهِ وابْنُ الزُّبَيْرِ وابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ ومُجاهِدٌ والأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: «ناخِرَةً» بِالألِفِ وهو كَنَخِرَةٍ مِن نَخَرَ العَظْمُ؛ أيْ: بَلِيَ وصارَ أجْوَفَ تَمُرُّ بِهِ الرِّيحُ فَيُسْمَعُ لَهُ نَخِيرٌ؛ أيْ: صَوْتٌ، وقِراءَةُ الأكْثَرِينَ أبْلَغُ؛ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ فَعِلًا أبْلَغُ مِن فاعِلٍ وإنْ كانَتْ حُرُوفُهُ أكْثَرَ، وقَوْلُهُمْ: زِيادَةُ المَبْنى تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى أغْلَبِيٌّ، أوْ إذا اتَّحَدَ النَّوْعُ لا إذا اخْتَلَفَ؛ كَأنْ كانَ فاعِلٌ اسْمَ فاعِلٍ، وفَعِلَ صِفَةً مُشَبَّهَةً، نَعَمْ تِلْكَ القِراءَةُ أوْفَقُ بِرُؤُوسِ الآيِ واخْتِيارُها لِذَلِكَ لا يُفِيدُ اتِّحادَها مَعَ الأُخْرى في المُبالَغَةِ كَما وهِمَ وإلى الأبْلَغِيَّةِ ذَهَبَ المُعْظَمُ، وفُسِّرَتِ النَّخِرَةُ عَلَيْهِ بِالأشَدِّ بِلًى، وقالَ عَمْرُو بْنُ العَلاءِ: النَّخِرَةُ الَّتِي قَدْ بَلِيَتْ، والنّاخِرَةُ الَّتِي لَمْ تَنْخُرْ بَعْدُ، ونُقِلَ اتِّحادُ المَعْنى عَنِ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ وأبِي حاتِمٍ وآخَرِينَ،

79:12Page 583

قَالُواْ تِلۡكَ إِذٗا كَرَّةٌ خَاسِرَةٞ ١٢

They say, "That, then, would be a losing return."1

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا﴾ حِكايَةً لِكُفْرٍ آخَرَ لَهم مُتَفَرِّعٍ عَلى كُفْرِهِمُ السّابِقِ، ولَعَلَّ تَوْسِيطَ قالُوا بَيْنَهُما لِلْإيذانِ بِأنَّ صُدُورَ هَذا الكُفْرِ عَنْهم لَيْسَ بِطَرِيقِ الِاطِّرادِ والِاسْتِمْرارِ مِثْلَ كُفْرِهِمُ السّابِقِ المُسْتَمِرِّ صُدُورُهُ عَنْهم في كافَّةِ أوْقاتِهِمْ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ حِكايَتُهُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ أيْ: قالُوا بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ مُشِيرِينَ إلى ما أنْكَرُوهُ مِنَ الرَّدِّ في الحافِرَةِ مُشْعِرِينَ بِغايَةِ بُعْدِهِ عَنِ الوُقُوعِ: ﴿تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ أيْ: ذاتُ خُسْرٍ أوْ خاسِرٌ أصْحابُها؛ أيْ: إذا صَحَّتْ تِلْكَ الرَّجْعَةُ فَنَحْنُ خاسِرُونَ لِتَكْذِيبِنا بِها وأبْرَزُوا ما قَطَعُوا بِانْتِفائِهِ واسْتِحالَتِهِ في صُورَةِ ما يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ وُقُوعُهُ لِمَزِيدِ الِاسْتِهْزاءِ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿خاسِرَةٌ﴾ كاذِبَةٌ؛ أيْ: بِكائِنَةٍ، فَكانَ المَعْنى: تِلْكَ إذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً كَرَّةٌ لَيْسَتْ بِكائِنَةٍ.

79:13Page 583

فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ ١٣

Indeed, it will be but one shout,

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ إنْكارُهم ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ لَمّا كانَ مَدارُهُ اسْتِصْعابَهُمُ الكَرَّةَ رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَقِيلَ: لا تَحْسَبُوا تِلْكَ الكَرَّةَ صَعْبَةً؛ فَإنَّما هي صَيْحَةٌ واحِدَةٌ أيْ: حاصِلَةٌ بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ عَبَّرَ عَنْها بِها تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ اتِّصالِها بِها كَأنَّها عَيْنُها، وقِيلَ: هي راجِعٌ إلى الرّادِفَةِ.

79:14Page 583

فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ ١٤

And suddenly they will be [alert] upon the earth's surface.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ حِينَئِذٍ بَيانٌ لِتَرَتُّبِ الكَرَّةِ عَلى الزَّجْرَةِ مُفاجَأةً؛ أيْ: فَإذا هم أحْياءٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ بَعْدَ ما كانُوا أمْواتًا في بَطْنِها، وعَلى الأوَّلِ بَيانٌ لِحُضُورِهِمُ المَوْقِفَ عَقِيبَ الكَرَّةِ الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِالزَّجْرَةِ، والسّاهِرَةُ قِيلَ: وجْهُ الأرْضِ والفَلاةِ، وأنْشَدُوا قَوْلَ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:

وفِيها لَحْمُ ساهِرَةٍ وبَحْرٍ وما فاهُوا بِهِ أبَدًا مُقِيمُ

وفِي الكَشّافِ: الأرْضُ البَيْضاءُ أيِ الَّتِي لا نَباتَ فِيها المُسْتَوِيَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ السَّرابَ يَجْرِي فِيها مِن قَوْلِهِمْ: عَيْنٌ ساهِرَةٌ جارِيَةُ الماءِ وفي ضِدِّها نائِمَةٌ، قالَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ:

وساهِرَةٍ يُضْحِي السَّرابُ مُجَلِّلًا ∗∗∗ لِأقْطارِها قَدْ جُبْتُها مُتَلَثِّما

أوْ لِأنَّ سالِكَها لا يَنامُ خَوْفَ الهَلَكَةِ، وفي الأوَّلِ مَجازٌ عَلى المَجازِ، وعَلى الثّانِي السَّهَرُ عَلى حَقِيقَتِهِ والتَّجَوُّزُ في الإسْنادِ، وحَكى الرّاغِبُ فِيها قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ أنَّها وجْهُ الأرْضِ، والثّانِي أنَّها أرْضُ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ:

وحَقِيقَتُها الَّتِي يَكْثُرُ الوَطْءُ بِها؛ فَكَأنَّها سَهِرَتْ مِن ذَلِكَ إشارَةً إلى نَحْوِ ما قالَ الشّاعِرُ:

تَحَرَّكَ يَقْظانُ التُّرابِ ونائِمُهْ

ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السّاهِرَةَ أرْضٌ مِن فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها قَطُّ يَخْلُقُها عَزَّ وجَلَّ حِينَئِذٍ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّها أرْضُ مَكَّةَ، وقِيلَ: وهي الأرْضُ السّابِعَةُ يَأْتِي اللَّهُ تَعالى بِها فَيُحاسِبُ الخَلائِقَ عَلَيْها؛ وذَلِكَ حِينَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: جَبَلٌ بِالشّامِ يَمُدُّهُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ لِحَشْرِ النّاسِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ وسُفْيانُ: أرْضٌ قَرِيبَةٌ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: السّاهِرَةُ بِمَعْنى الصَّحْراءِ عَلى شَفِيرِ جَهَنَّمَ، وقالَ قَتادَةُ: وهي جَهَنَّمُ؛ لِأنَّهُ لا نَوْمَ لِمَن فِيها.

79:15Page 583

هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ١٥

Has there reached you the story of Moses? -

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وارِدٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِهِ وتَهْدِيدِهِمْ عَلَيْهِ بِأنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ مَن كانَ أقْوى مِنهم وأعْظَمَ، ومَعْنى: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ أنِ اعْتُبِرَ أنَّ هَذا أوَّلُ ما أتاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حَدِيثِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ

صفحة 29

تَرْغِيبٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في اسْتِماعِ حَدِيثِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ أتاكَ حَدِيثُهُ أنا أُخْبِرُكَ بِهِ وإنِ اعْتُبِرَ إتْيانُهُ قَبْلَ هَذا وهو المُتَبادِرُ مِنَ الإيجازِ في الِاقْتِصاصِ ألَيْسَ قَدْ أتاكَ حَدِيثُهُ ولَيْسَ هَلْ بِمَعْنى قَدْ عَلى شَيْءٍ مِنَ الوَجْهَيْنِ.

79:16Page 584

إِذۡ نَادَىٰهُ رَبُّهُۥ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوًى ١٦

When his Lord called to him in the sacred valley of Ṭuwā,

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ ظَرْفٌ لِلْحَدِيثِ لا لِلْإتْيانِ لِاخْتِلافِ وقْتَيْهِما، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَفْعُولَ اذْكُرْ مُقَدَّرًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الوادِ المُقَدَّسِ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِي: ﴿طُوًى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، والتَّقْدِيرُ: وقالَ لَهُ أوْ قائِلًا لَهُ.

79:17Page 584

ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ١٧

"Go to Pharaoh. Indeed, he has transgressed.

﴿اذْهَبْ﴾ إلَخْ.

وقِيلَ: هو تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ أيْ: ناداهُ اذْهَبْ وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ «أنْ» المُفَسِّرَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: «أنِ اذْهَبْ» لِأنَّ في النِّداءِ مَعْنى القَوْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ المَصْدَرِيَّةِ قَبْلَها حَرْفُ جَرٍّ ﴿إنَّهُ طَغى﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ.

79:18Page 584

فَقُلۡ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ ١٨

And say to him, 'Would you [be willing to] purify yourself

﴿فَقُلْ﴾ بَعْدَ ما أتَيْتَهُ ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ أيْ: هَلْ لَكَ مَيْلٌ إلى أنْ تَتَزَكّى فَلَكَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و﴿إلى أنْ تَزَكّى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

فَهَلْ لَكم فِيها إلَيَّ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِما أعْيا النِّطاسِيَّ حِذْيَما

قَدْ يُقالُ: هَلْ لَكَ في كَذا فَيُؤْتى بِفي ويُقَدَّرُ المُبْتَدَأُ رَغْبَةٌ ونَحْوُهُ مِمّا يَتَعَدّى بِها، ومِنهم مَن قَدَّرَهُ هُنا «رَغْبَةٌ» لِأنَّها تُعَدّى بِها أيْضًا، وقالَ أبُو البَقاءِ: لَمّا كانَ المَعْنى: أدْعُوكَ جِيءَ بِإلى ولَعَلَّهُ جَعَلَ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقًا بِمَعْنى الكَلامِ أوْ بِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، و﴿تَزَكّى﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ؛ أيْ: تَتَطَهَّرُ مِن دَنَسِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عُمَرَ بِخِلافٍ «تَزَّكّى» بِتَشْدِيدِ الزّايِ وأصْلُهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ تَتَزَكّى فَأُدْغِمَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في الزّايِ.

79:19Page 584

وَأَهۡدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخۡشَىٰ ١٩

And let me guide you to your Lord so you would fear [Him]?'"

﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ: أُرْشِدُكَ إلى مَعْرِفَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَتَعْرِفُهُ ﴿فَتَخْشى﴾ إذِ الخَشْيَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ وجَعَلَ الخَشْيَةَ غايَةً لِلْهِدايَةِ لِأنَّها مِلاكُ الأمْرِ، مَن خَشِيَ اللَّهَ تَعالى أتى مِنهُ كُلُّ خَيْرٍ، ومَن أمِنَ اجْتَرَأ عَلى كُلِّ شَرٍّ. ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: ««مَن خافَ أدْلَجَ، ومَن أدْلَجَ بَلَغَ المَنزِلَ»».

وفِي الِاسْتِفْهامِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّلَطُّفِ في الدَّعْوَةِ والِاسْتِنْزالِ عَنِ العُتُوِّ وهَذا ضَرْبُ تَفْصِيلٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ وتَقْدِيمُ التَّزْكِيَةِ عَلى الهِدايَةِ لِأنَّها تَخْلِيَةٌ.

79:20Page 584

فَأَرَىٰهُ ٱلۡأٓيَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٢٠

And he showed him the greatest sign,1

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ فَصِيحَةٌ تُفْصِحُ عَنْ جُمَلٍ قَدْ طُوِيَتْ تَعْوِيلًا عَلى تَفْصِيلِها في مَوْضِعٍ آخَرَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَذَهَبَ وكانَ كَيْتَ وكَيْتَ فَأراهُ. واقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الحَواشِي عَلى تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ فَقالَ: إنَّ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ فَأراهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اذْهَبْ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَهو عَلى نَحْوِ: ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْبَجَسَتْ﴾ والإراءَةُ إمّا بِمَعْنى التَّعْرِيفِ فَإنَّ اللَّعِينَ حِينَ أبْصَرَها عَرَفَها، وادِّعاءُ سِحْرِيَّتِها إنَّما كانَ إظْهارًا لِلتَّجَلُّدِ ونِسْبَتُها إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّظَرِ إلى الظّاهِرِ كَما أنَّ نِسْبَتَها إلى نُونِ العَظَمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا﴾ بِالنَّظَرِ إلى الحَقِيقَةِ والمُرادُ بِالآيَةِ الكُبْرى عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قَلْبُ العَصا حَيَّةً؛ فَإنَّها كانَتِ المُقَدِّمَةَ والأصْلَ، والأُخْرى كالتَّبَعِ لَها، وعَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ ذَلِكَ واليَدُ البَيْضاءُ فَإنَّهُما بِاعْتِبارِ الدَّلالَةِ كالآيَةِ الواحِدَةِ وقَدْ عَبَّرَ عَنْهُما بِصِيغَةِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ بِاعْتِبارِ ما في تَضاعِيفِهِما مِن بَدائِعِ الأُمُورِ الَّتِي كُلٌّ مِنها آيَةٌ بَيِّنَةٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها مَجْمُوعُ مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والوَحْدَةُ بِاعْتِبارِ ما ذُكِرَ والفاءُ لِتَعْقِيبِ أوَّلِها، أوْ مَجْمُوعُها بِاعْتِبارِ أوَّلِها، وكَوْنُها كُبْرى بِاعْتِبارِ مُعْجِزاتِ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ هو لِلزِّيادَةِ المُطْلَقَةِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ويَزِيدُهُ بُعْدًا تَرْتِيبُ حَشْرِ السِّحْرِ بَعْدُ فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلّا عَلى إراءَةِ تِينِكَ الآيَتَيْنِ، وإدْبارُهُ عَنِ العَمَلِ بِمُقْتَضاهُما، وأمّا ما عَداهُما مِنَ التِّسْعِ فَإنَّما ظَهَرَ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما غَلَبَ السَّحَرَةُ عَلى مَهْلٍ في نَحْوٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً، وزَعَمَ غُلاةُ

صفحة 30

الشِّيعَةِ أنَّ الآيَةَ الكُبْرى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، أراهُ إيّاهُ مُتَطَوِّرَةً رُوحُهُ الكَرِيمَةُ بِأعْظَمِ طَوْرٍ، وهو هَذَيانٌ وراءَ طَوْرِ العَقْلِ وطَوْرِ النَّقْلِ.

79:21Page 584

فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ٢١

But he [i.e., Pharaoh] denied and disobeyed.

﴿فَكَذَّبَ﴾ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَمّى مُعْجِزَتَهُ سِحْرًا، ﴿وعَصى﴾ اللَّهَ تَعالى بِالتَّمَرُّدِ بَعْدَ ما عَلِمَ صِحَّةَ الأمْرِ ووُجُوبِ الطّاعَةِ، أشَدَّ عِصْيانٍ وأقْبَحَهُ حَيْثُ اجْتَرَأ عَلى إنْكارِ وُجُودِ رَبِّ العالَمِينَ رَأْسًا، وكانَ اللَّعِينُ وقَوْمُهُ مَأْمُورِينَ بِعِبادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَرْكِ العَظَمَةِ الَّتِي يَدَّعِيها الطّاغِيَةُ ويَقْبَلُها مِنهُ فِئَتُهُ الباغِيَةُ لا بِإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأسْرِ والقَسْرِ فَقَطْ، وفي جَعْلِ مُتَعَلِّقِ التَّكْذِيبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومُتَعَلِّقِ العِصْيانِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ما لَيْسَ في جَعْلِهِما مُوسى كَما قِيلَ فَكَذَّبَ مُوسى عَصاهُ مِنَ الذَّمِّ كَما لا يَخْفى.

79:22Page 584

ثُمَّ أَدۡبَرَ يَسۡعَىٰ ٢٢

Then he turned his back, striving [i.e., plotting].1

﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾ تَوَلّى عَنِ الطّاعَةِ ﴿يَسْعى﴾ أيْ ساعِيًا مُجْتَهِدًا في إبْطالِ أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومُعارَضَةِ الآيَةِ، وثُمَّ لِأنَّ إبْطالَ ذَلِكَ ونَقْضَهُ يَقْتَضِي زَمانًا طَوِيلًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإدْبارُ عَلى حَقِيقَتِهِ أيْ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنِ المَجْلِسِ ساعِيًا في إبْطالِ ذَلِكَ، وقِيلَ: أدْبَرَ يَسْعى هارِبًا مِنَ الثُّعْبانِ؛ فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا ألْقى العَصا انْقَلَبَتْ ثُعْبانًا أشْعَرَ فاغِرًا فاهُ بَيْنَ لَحْيَيْهِ ثَمانُونَ ذِراعًا فَوَضَعَ لَحْيَهُ الأسْفَلَ عَلى الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ فَهَرَبَ فِرْعَوْنُ وأحْدَثَ وانْهَزَمَ النّاسُ مُزْدَحِمِينَ فَماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا مِن قَوْمِهِ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّها انْقَلَبَتْ حَيَّةً وارْتَفَعَتْ في السَّماءِ قَدْرَ مِيلٍ ثُمَّ انْحَطَّتْ مُقْبِلَةً نَحْوَ فِرْعَوْنَ وجَعَلَتْ تَقُولُ: يا مُوسى، مُرْنِي بِما شِئْتَ، يَقُولُ فِرْعَوْنُ: أنْشُدُكَ بِالَّذِي أرْسَلَكَ إلّا أخَذْتَهُ فَأخَذَهُ فَعادَ عَصًى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا إنْ كانَ بَعْدَ حَشْرِ السَّحَرَةِ لِلْمُعارَضَةِ كَما هو المَشْهُورُ فَلا تَظْهَرُ صِحَّةُ إرادَتِهِ هاهُنا إذا أُرِيدَ بِالحَشْرِ بَعْدَ حَشْرِهِمْ وإنْ كانَ بَعْدَ التَّكْذِيبِ والعِصْيانِ وقَبْلَ الحَشْرِ فَلا يَظْهَرُ تَراخِيهِ عَنِ الأوَّلَيْنِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ ثُمَّ عَلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِبْعادِ إدْبارِهِ مَرْعُوبًا مُسْرِعًا مَعَ زَعْمِهِ الإلَهِيَّةَ وقِيلَ: أُرِيدَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾ ثُمَّ أقْبَلَ يَفْعَلُ؛ أيْ: أنْشَأ، لَكِنْ جَعَلَ الإدْبارَ مَوْضِعَ الإقْبالِ تَلْمِيحًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ كانَ عَلَيْهِ دَمارًا وإدْبارًا.

79:23–24Page 584

فَحَشَرَ فَنَادَىٰ ٢٣

And he gathered [his people] and called out

فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٢٤

And said, "I am your most exalted lord."

﴿فَحَشَرَ﴾ أيْ: فَجَمَعَ السَّحَرَةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ أيْ: ما يَكادُ بِهِ مِنَ السَّحَرَةِ وآلاتِهِمْ وقِيلَ: جَمَعَ جُنُودَهُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ جَمَعَ أهْلَ مَمْلَكَتِهِ.

﴿فَنادى﴾ في المَجْمَعِ نَفْسِهِ أوْ بِواسِطَةِ المُنادِي وأُيِّدَ الأوَّلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ وعَلى الثّانِي فِيهِ تَقْدِيرٌ؛ أيْ: فَقالَ: يَقُولُ فِرْعَوْنُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ﴾ إلَخْ. مَعَ ما في الثّانِي مِنَ التَّجَوُّزِ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ قامَ فِيهِمْ خَطِيبًا فَقالَ تِلْكَ العَظِيمَةَ، وأرادَ اللَّعِينُ تَفْضِيلَ نَفْسِهِ عَلى كُلِّ مَن يَلِي أُمُورَهم.

79:25Page 584

فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلۡأٓخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰٓ ٢٥

So Allāh seized him in exemplary punishment for the last and the first [transgression].1.

﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ النَّكالُ بِمَعْنى التَّنْكِيلِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ؛ وهو التَّعْذِيبُ الَّذِي يُنَكِّلُ مَن رَآهُ أوْ سَمِعَهُ ويَمْنَعُهُ مِن تَعاطِي ما يُفْضِي إلَيْهِ وهو نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ كِ ( وعْدَ اللَّهِ ) و﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: نَكَّلَ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى، وهو الإحْراقُ في الآخِرَةِ والإغْراقُ والإذْلالُ في الدُّنْيا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِأخَذَ؛ أيْ: أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى أخْذَ نَكالِ الآخِرَةِ... إلَخْ. وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ أيْ: أخَذَهُ لِأجْلِ نَكالٍ إلَخْ. وأنْ يَكُونَ نَصْبًا بِنَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ: أخَذَهُ بِنَكالِ الآخِرَةِ والأُولى، وإضافَتُهُ إلى الدّارَيْنِ بِاعْتِبارِ وُقُوعِ نَفْسِ الأخْذِ فِيهِما لا بِاعْتِبارِ أنَّ ما فِيهِ مِن مَعْنى المَنعِ يَكُونُ فِيهِما؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُتَصَوَّرُ في الآخِرَةِ بَلْ في الدُّنْيا؛ فَإنَّ العُقُوبَةَ الأُخْرَوِيَّةَ تُنَكِّلُ مَن سَمِعَها وتَمْنَعُهُ مِن تَعاطِي ما يُؤَدِّي إلَيْها فِيها، وأنْ يَكُونَ في تَأْوِيلِ المُشْتَقِّ حالًا، وإضافَتُهُ عَلى مَعْنى فِي؛ أيْ: مُنَكِّلًا لِمَن رَآهُ أوْ سَمِعَ بِهِ في الآخِرَةِ والأُولى، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ عَلَيْهِ لامِيَّةً، وحَمْلُ الآخِرَةِ والأُولى عَلى الدّارَيْنِ هو الظّاهِرُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ زَيْدٍ وغَيْرِهِما، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ والشَّعْبِيِّ أنَّ الآخِرَةَ قَوْلَتُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ والأُولى قَوْلَتُهُ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ وقِيلَ بِالعَكْسِ فَهُما كَلِمَتانِ

صفحة 31

وكانَ بَيْنَهُما عَلى ما قالُوا أرْبَعُونَ سَنَةً، وقالَ أبُو رَزِينٍ: «الأُولى» حالَةُ كُفْرِهِ وعِصْيانِهِ، «والآخِرَةُ» قَوْلَتُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُما عِبارَتانِ عَنْ أوَّلِ مَعاصِيهِ وآخِرِها؛ أيْ؛ نُكِّلَ بِالجَمِيعِ، والإضافَةُ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ مِن إضافَةِ المُسَبَّبِ إلى السَّبَبِ، ومَآلُ مَن يَقُولُ بِقَبُولِ إيمانِ فِرْعَوْنَ إلى هَذِهِ الأقْوالِ، وجُعِلَ ذَلِكَ النَّكالُ الإغْراقَ في الدُّنْيا وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في هَذا المَقامِ.

79:26Page 584

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰٓ ٢٦

Indeed in that is a lesson [i.e., warning] for whoever would fear [Allāh].

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وما فَعَلَ وما فُعِلَ بِهِ ﴿لَعِبْرَةً﴾ عَظِيمَةً ﴿لِمَن يَخْشى﴾ أيْ: لِمَن شَأْنُهُ أنْ يَخْشى وهو مَن مِن شَأْنِهِ المَعْرِفَةُ، وهَذا إمّا لِأنَّ مَن كانَ في خَشْيَةٍ لا يَحْتاجُ لِلِاعْتِبارِ أوْ لِيَشْمَلَ مَن يَخْشى بِالفِعْلِ ومَن كانَ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ.

79:27Page 584

ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُۚ بَنَىٰهَا ٢٧

Are you a more difficult creation or is the heaven? He [i.e., Allāh] constructed it.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا﴾ خِطابٌ لِلْمُخاطَبِينَ في جَوابِ القَسَمِ؛ أعْنِي: لَتُبْعَثُنَّ مِن أهْلِ مَكَّةَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ بِناءً عَلى صُعُوبَتِهِ في زَعْمِهِمْ بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ بَعْدَ ما بُيِّنَ كَمالُ سُهُولَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ ونُصِبَ ﴿خَلْقًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ وهو مُحَوَّلٌ عَنِ المُبْتَدَأِ؛ أيْ: أخَلْقُكم بَعْدَ مَوْتِكم ﴿أشَدُّ﴾ أيْ: أشَقُّ وأصْعَبُ في تَقْدِيرِكم ﴿أمِ السَّماءُ﴾ أيْ: أمْ خَلْقُ السَّماءِ عَلى عِظَمِها وانْطِوائِها عَلى تَعاجِيبِ البَدائِعِ الَّتِي تَحارُ العُقُولُ عَنْ مُلاحَظَةِ أدْناها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَناها﴾ إلَخْ... بَيانٌ وتَفْصِيلٌ لِكَيْفِيَّةِ خَلْقِها المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ السَّماءُ﴾ .

وفِي عَدَمِ ذِكْرِ الفاعِلِ فِيهِ وفِيما عُطِفَ مِنَ الأفْعالِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى تَعْيِينِهِ وتَفْخِيمِ شَأْنِهِ عَزَّ وجَلَّ ما لا يَخْفى.

79:28Page 584

رَفَعَ سَمۡكَهَا فَسَوَّىٰهَا ٢٨

He raised its ceiling and proportioned it.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ بَيانٌ لِلْبِناءِ؛ أيْ: جَعَلَ مِقْدارَ ارْتِفاعِها مِنَ الأرْضِ وذَهابِها إلى سَمْتِ العُلُوِّ مَدِيدًا رَفِيعًا، وجُوِّزَ أنْ يُفَسَّرَ السُّمْكُ بِالثَّخَنِ؛ فالمَعْنى: جَعَلَ ثَخَنَها مُرْتَفِعًا في جِهَةِ العُلُوِّ. ويُقالُ لِلثَّخَنِ سُمْكٌ لِما فِيهِ مِنَ ارْتِفاعِ السَّطْحِ الأعْلى عَنِ السَّطْحِ الأسْفَلِ، وإذا لُوحِظَ هَذا الِامْتِدادُ العُلُوُّ لِلسُّفْلِ قِيلَ: لَهُ عُمْقٌ، ونَظِيرُ ذَلِكَ الدُّرْجُ والدَّرْكُ، وقَدْ جاءَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ أنَّ ارْتِفاعَ السَّماءِ الدُّنْيا عَنِ الأرْضِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وارْتِفاعَ كُلِّ سَماءٍ عَنْ سَماءٍ وثَخَنَ كُلٍّ كَذَلِكَ، والظّاهِرُ تَقْدِيرُ ذَلِكَ بِالسَّيْرِ المُتَعارَفِ، وأنَّ المُرادَ بِالعَدَدِ المَذْكُورِ التَّحْدِيدُ دُونَ التَّكْثِيرِ ونَحْنُ مَعَ الظّاهِرِ إلّا أنْ يَمْنَعَ عَنْهُ مانِعٌ.

﴿فَسَوّاها﴾ أيْ: جَعَلَها سَواءً فِيما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ فَلَمْ يَخْلُ عَزَّ وجَلَّ قِطْعَةً مِنها عَمّا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فِيها، ومِن ذَلِكَ تَزْيِينُها بِالكَواكِبِ، وقِيلَ: تَسْوِيَتُها جَعْلُها مَلْساءَ لَيْسَ في سَطْحِها انْخِفاضٌ وارْتِفاعٌ، وقِيلَ: جَعَلَها بَسِيطَةً مُتَشابِهَةَ الأجْزاءِ والشَّكْلِ فَلَيْسَ بَعْضُها سَطْحًا وبَعْضُها زاوِيَةً وبَعْضُها خَطًّا، وهو قَوْلٌ بِكُرِّيَّتِها الحَقِيقِيَّةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ كَثِيرٌ. وقالُوا: وحَكاهُ الإمامُ لِما ثَبَتَ أنَّها مُحْدَثَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلى فاعِلٍ مُخْتارٍ فَأيُّ ضَرَرٍ في الدِّينِ يَنْشَأُ مِن كَوْنِها كُرِّيَّةً، وقِيلَ: تَسْوِيَتُها تَتْمِيمُها بِما يَتِمُّ بِهِ كَمالُها مِنَ الكَواكِبِ والمُتَمِّماتِ والتَّداوِيرِ وغَيْرِها مِمّا بُيِّنَ في عِلْمِ الهَيْئَةِ مِن قَوْلِهِمْ: «سَوّى أمْرَهُ» أيْ: أصْلَحَهُ أوْ مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَوَتِ الفاكِهَةُ إذا نَضِجَتْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا مَعَ بِنائِهِ عَلى اتِّحادِ السَّماواتِ والأفْلاكِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ في الصَّدْرِ الأوَّلِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِعَدَمِ وُرُودِهِ عَنْ صاحِبِ المِعْراجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَدَمِ ظُهُورِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، والأدِلَّةُ الَّتِي يَذْكُرُها الهَيْئَةُ لِتِلْكَ الأُمُورِ لا يَخْفى حالُها، ولِذا لَمْ يَقُلْ بِما تَقْتَضِيهِ مُخالِفُوهم مِن أهْلِ الهَيْئَةِ اليَوْمَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

79:29Page 584

وَأَغۡطَشَ لَيۡلَهَا وَأَخۡرَجَ ضُحَىٰهَا ٢٩

And He darkened its night and extracted its brightness.1

﴿وأغْطَشَ لَيْلَها﴾ أيْ: جَعَلَهُ مُظْلِمًا، يُقالُ: غَطَشَ اللَّيْلُ وأغْطَشَهُ اللَّهُ تَعالى كَما يُقالُ: ظَلَمَ وأظْلَمَهُ، ويُقالُ أيْضًا: أغْطَشَ اللَّيْلَ كَما يُقالُ: أظْلَمَ، وجاءَ: لَيْلَةٌ غَطْشاءُ، ولَيْلٌ أغْطَشُ وغَطِشٌ، قالَ الأعْشى:

عَقَرْتُ لَهم ناقَتِي مُوهِنًا فَلَيْلُهم مُدْلَهِمٌّ غَطِشْ

وفِي البَحْرِ عَنْ كِتابِ اللُّغاتِ في القُرْآنِ: ( أغْطَشَ ) أظْلَمَ بِلُغَةِ أنْمارَ وأشْعَرَ.

﴿وأخْرَجَ ضُحاها﴾ أيْ: أبْرَزَ نَهارَها، والضُّحى في الأصْلِ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ الرّاغِبِ انْبِساطُ الشَّمْسِ وامْتِدادُ النَّهارِ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الوَقْتُ

صفحة 32

المَعْرُوفُ، وشاعَ في ذَلِكَ وتُجُوِّزَ بِهِ عَنِ النَّهارِ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: ضُحى شَمْسِها أيْ: ضَوْءُ شَمْسِها وكَنّى بِذَلِكَ عَنِ النَّهارِ، والأوَّلُ أقْرَبُ، وعَبَّرَ عَنِ النَّهارِ بِالضُّحى لِأنَّهُ أشْرَفُ أوْقاتِهِ وأطْيَبُها وفِيهِ مِنَ انْتِعاشِ الأرْواحِ ما لَيْسَ في سائِرِها فَكانَ أوْفَقَ لِمَقامِ تَذْكِيرِ الحُجَّةِ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ وإعادَةِ الأرْواحِ إلى أبْدانِها. وقِيلَ: إنَّهُ لِذَلِكَ كانَ أحَقَّ بِالذِّكْرِ في مَقامِ الِامْتِنانِ وإضافَةُ اللَّيْلِ والضُّحى إلى السَّماءِ لِأنَّهُما يَحْدُثانِ بِسَبَبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ وطُلُوعِها وهي سَماوِيَّةٌ، أوْ وهُما إنَّما يَحْصُلانِ بِسَبَبِ حَرَكَتِها عَلى القَوْلِ بِحَرَكَتِها لِاتِّحادِها مَعَ الفَلَكِ أوْ وهُما إنَّما يَحْصُلانِ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الشَّمْسِ في فَلَكِها فِيها عَلى القَوْلِ بِأنَّ السَّماءَ والفَلَكَ مُتَغايِرانِ، والمُتَحَرِّكُ إنَّما هو الكَوْكَبُ في الفَلَكِ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وإنَّ الفَلَكَ لَيْسَ إلّا مَجْرى الكَوْكَبِ في السَّماءِ، وقِيلَ: أُضِيفا إلَيْها لِأنَّهُما أوَّلُ ما يَظْهَرانِ مِنها؛ إذْ أوَّلُ اللَّيْلِ بِإقْبالِ الظَّلامِ مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، وأوَّلُ النَّهارِ بِطُلُوعِ الفَجْرِ وإقْبالِ الضِّياءِ مِنهُ، وفي الكَشّافِ: أُضِيفَ اللَّيْلُ والشَّمْسُ إلى السَّماءِ لِأنَّ اللَّيْلَ ظِلُّها، والشَّمْسُ هي السِّراجُ المُثَقَّبُ في جَوِّها، واعْتُرِضَ بِأنَّ اللَّيْلَ ظِلُّ الأرْضِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ اعْتِبارٌ بِمَرْأى النّاظِرِ كَذَلِكَ كَما أنَّ زِينَةَ السَّماءِ الدُّنْيا أيْضًا اعْتِبارٌ بِمَرْأى النّاظِرِ. وقِيلَ: إضافَتُهُما إلَيْها بِاعْتِبارِ أنَّهُما إنَّما يَحْدُثانِ تَحْتَها وشَمَلا بِهَذا الِاعْتِبارِ ما لَمْ يَكَدْ يَخْطُرُ في أذْهانِ العَرَبِ مِن لَيْلٍ ونَهارٍ طُولُ كُلٍّ مِنهُما سِتَّةُ أشْهُرٍ، وهُما لَيْلٌ ونَهارٌ عَرْضُ تِسْعِينَ حَيْثُ الدَّوْرُ رَحَوِيٌّ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهم قالُوا: إنَّ ظِلَّ الأرْضِ المَخْرُوطِيَّ يَنْتَهِي إلى فَلَكِ الزُّهْرَةِ وهي في السَّماءِ الثّالِثَةِ فالحَصْرُ غَيْرُ تامٍّ وفِيهِ نَظَرٌ فَتَأمَّلْ، وبِالجُمْلَةِ الإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском