Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nazi'at 79:30–41
﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن خَلْقِ السَّماءِ وإغْطاشِ اللَّيْلِ وإخْراجِ النَّهارِ دُونَ خَلْقِ السَّماءِ فَقَطْ، وانْتِصابُ ( الأرْضِ ) بِمُضْمَرٍ قِيلَ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: تَذَكَّرْ أوْ تَدَبَّرْ أوِ اذْكُرْ وسَتَعْلَمُ ما في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿دَحاها﴾ بَسَطَها ومَدَّها لِسُكْنى أهْلِها وتَقَلُّبِهِمْ في أقْطارِها مِنَ الدَّحْوِ أوِ الدَّحْيِ بِمَعْنى البَسْطِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
وبَثَّ الخَلْقَ فِيها إذْ دَحاها فَهم قُطّانُها حَتّى التَّنادِي
وقِيلَ: ﴿دَحاها﴾ سَوّاها، وأنْشَدُوا قَوْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:
وأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ ∗∗∗ لَهُ الأرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقالا
دَحاها فَلَمّا اسْتَوَتْ شَدَّها ∗∗∗ بِأيْدٍ وأرْسى عَلَيْها الجِبالا
والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ، وأنْشَدَ الإمامُ بَيْتَ زَيْدٍ فِيهِ، والظّاهِرُ أنَّ دَحْوَها بَعْدَ خَلْقِها، وقِيلَ: مَعَ خَلْقِها فالمُرادُ خَلْقُها مَدْحُوَّةً، ورُوِيَ الأوَّلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ودُفِعَ بِهِ تَوَهُّمُ تَعارُضٍ بَيْنَ آيَتَيْنِ، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: آيَتانِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى تُخالِفُ إحْداهُما الأُخْرى، فَقالَ: إنَّما أُتِيتَ مِن قِبَلِ رَأْيِكَ؛ اقْرَأْ قالَ: ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ - حَتّى بَلَغَ - ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماءَ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ ثُمَّ دَحا الأرْضَ بَعْدَ ما خَلَقَ السَّماءَ، وإنَّما قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿دَحاها﴾ بَسَطَها، وتَعَقَّبَهُ الإمامُ بِأنَّ الجِسْمَ العَظِيمَ يَكُونُ ظاهِرُهُ كالسَّطْحِ المُسْتَوِي ويَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ هَذا الجِسْمُ العَظِيمُ مَخْلُوقًا ولا يَكُونُ ظاهِرُهُ مَدَحُوًّا مَبْسُوطًا، وأُجِيبَ أنَّهُ لَعَلَّ مُرادَ القائِلِ بِخَلْقِها أوَّلًا ثُمَّ دَحْوِها ثانِيًا خَلْقُ مادَّتِها أوَّلًا ثُمَّ تَرْكِيبُها وإظْهارُها عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ والشَّكْلِ مَدْحُوَّةً مَبْسُوطَةً، وهَذا كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ إنَّ السَّماءَ خُلِقَتْ مادَّتُها أوَّلًا ثُمَّ سُوِّيَتْ وأُظْهِرَتْ عَلى صُورَتِها اليَوْمَ، وعَنِ الحَسَنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ يَوْمَ خُلِقَتْ قَبْلَ الدَّحْوِ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ، ويُشْعِرُ بِأنَّها لَمْ تَكُنْ عَلى عِظَمِها اليَوْمَ، وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِشَيْءٍ آخَرَ؛ وهو أنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة 33
﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ الآيَةَ. فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ خَلْقَ ما في الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ خَلْقَ ما فِيها إنَّما هو بَعْدَ الدَّحْوِ فَكَيْفَ يَكُونُ الدَّحْوُ بَعْدَ خَلْقِ السَّماواتِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ( خَلَقَ ) في الآيَةِ بِمَعْنى قَدَّرَ أوْ أرادَ الخَلْقَ ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ فِيها الإيجادُ بِالفِعْلِ ضَرُورَةَ أنَّ جَمِيعَ المَنافِعِ الأرْضِيَّةِ يَتَجَدَّدُ إيجادُها أوَّلًا فَأوَّلًا سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ الإيجادُ بِالفِعْلِ لَكِنْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ خَلْقَ مادَّةِ ذَلِكَ بِالفِعْلِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ ( ثُمَّ ) عَلى التَّراخِي الرُّتَبِيِّ لِأنَّ خَلْقَ السَّماءِ أعْجَبُ مِن خَلْقِ الأرْضِ، وقالَ عِصامُ الدِّينِ: إنَّ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ هُنا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ يَعْنِي: فَعَلَ بِالأرْضِ ما فَعَلَ بَعْدَ ما سَمِعَتْ في السَّماءِ، والمُرادُ التَّأْخِيرُ في الأخْبارِ فَخَلْقُ الأرْضِ ودَحْوُها وإخْراجُ مائِها ومَرْعاها وإرْساءُ الجِبالِ عَلَيْها عِنْدَهُ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ آيَةِ البَقَرَةِ وظاهِرُ آيَةِ الدُّخانِ، وأُيِّدَ حَمْلُ البَعْدِيَّةِ عَلى ما ذُكِرَ بِأنَّ حَمْلَها عَلى ظاهِرِها مَعَ حَمْلِ الإشارَةِ عَلى الإشارَةِ إلى مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ مِمّا سَمِعْتَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنَّ إغْطاشَ اللَّيْلِ وإبْرازَ النَّهارِ كانا قَبْلَ خَلْقِ الأرْضِ ودَحْوِها وذَلِكَ مِمّا لا يَتَسَنّى عَلى تَقْدِيرِ أنَّها غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ أصْلًا، ومِمّا يَبْعُدُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها مَخْلُوقَةٌ غَيْرُ عَظِيمَةٍ، وأيْضًا قِيلَ: لَوْ لَمْ تَحْمِلِ البَعْدِيَّةُ ما ذُكِرَ وقِيلَ بِنَحْوِ ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ مِن تَأخُّرِ الدَّحْوِ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ مَعَ تَقَدُّمِ خَلْقِ الأرْضِ مِن غَيْرِ دَحْوٍ عَلى خَلْقِها لَمْ تَنْحَسِمْ مادَّةُ الإشْكالِ؛ إذْ آيَةُ الدُّخانِ ظاهِرَةٌ في أنَّ جَعْلَ الرَّواسِي في الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ وتَسْوِيَتِها، وهَذِهِ الآيَةُ إلى آخِرِها ظاهِرَةٌ في أنَّ جَعْلَ الرَّواسِي بَعْدُ، وبِالجُمْلَةِ أنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في أنَّ خَلْقَ السَّماءِ مُقَدَّمٌ عَلى خَلْقِ الأرْضِ أوْ مُؤَخَّرٌ؟ فَقالَ ابْنُ الطّاشْكَبْرِي: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ خَلْقَ السَّماءِ مُقَدَّمٌ عَلى خَلْقِ الأرْضِ، واخْتارَهُ جَمْعٌ لَكِنَّهم قالُوا: إنَّ خَلْقَ ما فِيها مُؤَخَّرٌ، وأجابُوا عَمّا هُنا، وآيَةُ البَقَرَةِ بِأنَّ الخَلْقَ فِيها بِمَعْنى التَّقْدِيرِ أوْ بِمَعْنى الإيجادِ وتَقْدِيرِ الإرادَةِ، وأنَّ البَعْدِيَّةَ هاهُنا لِإيجادِ الأرْضِ وجَمِيعِ ما فِيها وعَمّا هُنا، وآيَةُ الدُّخانِ بِنَحْوِ ذَلِكَ فَقَدَّرُوا الإرادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ وقالُوا: يُؤَيِّدُ ما ذُكِرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ ﴿ائْتِيا﴾ في الوُجُودِ ولَوْ كانَتِ الأرْضُ مَوْجُودَةً سابِقَةً لَما صَحَّ هَذا فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي أرادَ إيجادَ الأرْضِ وما فِيها مِنَ الرَّواسِي والأقْواتِ في أرْبَعَةِ أيّامٍ ثُمَّ قَصَدَ إلى السَّماءِ فَتَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِإيجادِ السَّماءِ والأرْضِ فَأطاعا لِأمْرِ التَّكْوِينِ فَأوْجَدَ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ، وأوْجَدَ الأرْضَ وما فِيها في أرْبَعَةِ أيّامٍ، ونُكْتَةُ تَقْدِيمِ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها في الظّاهِرِ في سُورَتَيِ البَقَرَةِ والدُّخانِ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والعَكْسِ هاهُنا أنَّ المَقامَ في الأوَّلَيْنِ مَقامُ الِامْتِنانِ وتَعْدادِ النِّعَمِ عَلى أهْلِ الكُفْرِ والإيمانِ، فَمُقْتَضاهُ تَقْدِيمُ ما هو نِعْمَةٌ بِالنَّظَرِ إلى المُخاطَبِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: هو الَّذِي دَبَّرَ أمْرَكم قَبْلَ السَّماءِ ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ. والمَقامُ هُنا مَقامُ بَيانِ كَمالِ القُدْرَةِ فَمُقْتَضاهُ تَقْدِيمُ ما هو أدَلُّ انْتَهى.
وفِي الكَشْفِ: أطْبَقَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّهُ تَمَّ خَلْقُ الأرْضِ وما فِيها في أرْبَعَةِ أيّامٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ في يَوْمَيْنِ إلّا ما نَقَلَ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ خَلْقَ السَّماءِ مُقَدَّمٌ عَلى إيجادِ الأرْضِ فَضْلًا عَنْ دَحْوِها، والكَلامُ مَعَ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الإيجادِ والدَّحْوِ وما قِيلَ إنَّ دَحْوَ الأرْضِ مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ لا عَنْ تَسْوِيَتِها يُرَدُّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى السّابِقِ وهو رَفْعُ السُّمْكِ والتَّسْوِيَةُ، والجَوابُ بِتَراخِي الرُّتْبَةِ لا يَتِمُّ لِما نُقِلَ مِن إطْباقِ المُفَسِّرِينَ، فالوَجْهُ أنْ يُجْعَلَ «الأرْضَ» مَنصُوبًا بِمُضْمَرٍ نَحْوَ: تَذَكَّرْ وتَدَبَّرْ واذْكُرِ الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ، وإنَّ جُعِلَ مُضْمَرًا عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ جُعِلَ بَعْدَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المَذْكُورِ سابِقًا مِن ذِكْرِ خَلْقِ السَّماءِ لا خَلْقِ السَّماءِ نَفْسِهِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ مُتَأخِّرٌ في الذِّكْرِ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ قاصِرٌ في الدَّلالَةِ عَنِ الأوَّلِ لَكِنَّهُ تَتْمِيمٌ كَما تَقُولُ جُمَلًا ثُمَّ تَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ كَيْتَ وكَيْتَ، وهَذا كَثِيرٌ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ والعَجَمِ وكانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِهَذا
صفحة 34
المَعْنى عَكْسُهُ إذا اسْتُعْمِلَ لِتَراخِي الرُّتْبَةِ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ «ثُمَّ» بِهَذا المَعْنى وكَذا الفاءُ وهَذا لا يُنافِي قَوْلَ الحَسَنِ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ في مَوْضِعِ بَيْتِ المَقْدِسِ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ عَلَيْها دُخانٌ مُلْتَزِقٌ بِها ثُمَّ أصْعَدَ الدُّخانَ وخَلَقَ مِنهُ السَّماواتِ وأمْسَكَ الفِهْرَ في مَوْضِعِها وبَسَطَ مِنها الأرْضَ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ الآيَةَ.
فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَ السَّماءِ دُخانًا سابِقٌ عَلى دَحْوِ الأرْضِ وتَسْوِيَتِها وهو كَذَلِكَ بَلْ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وإيجادُ الجَوْهَرَةِ النُّورِيَّةِ والنَّظَرُ إلَيْها بِعَيْنِ الجَلالِ المُبَطَّنِ بِالرَّحْمَةِ والجَمالِ وذَوْبُها وامْتِيازُ لَطِيفِها عَنْ كَثِيفِها وصُعُودُ المادَّةِ الدُّخانِيَّةِ اللَّطِيفَةِ وبَقاءُ الكَثِيفِ هَذا كُلُّهُ سابِقٌ عَلى الأيّامِ السِّتَّةِ، وثَبَتَ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ ولا يُنافِي الآياتِ، وأمّا ما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ واخْتارَهُ الإمامُ فَلا إشْكالَ فِيهِ، ويَتَعَيَّنُ ثَمَّ في سُورَتَيِ البَقَرَةِ والسَّجْدَةِ عَلى تَراخِي الرُّتْبَةِ وهو أوْفَقُ لِمَشْهُورِ قَواعِدِ الحُكَماءِ، لَكِنْ لا يُوافِقُ ما رُوِيَ «أنَّهُ تَعالى خَلَقَ جِرْمَ الأرْضِ يَوْمَ الأحَدِ ويَوْمَ الِاثْنَيْنِ، ودَحاها وخَلَقَ ما فِيها يَوْمَ الثُّلاثاءِ ويَوْمَ الأرْبِعاءِ، وخَلَقَ السَّماواتِ وما فِيها في يَوْمِ الخَمِيسِ والجُمْعَةِ، وفي آخِرِ يَوْمِ الجُمْعَةِ ثُمَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ» انْتَهى. والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ تَسْوِيَةَ السَّماءِ بِما فِيها سابِقَةٌ عَلى تَسْوِيَةِ الأرْضِ بِما فِيها؛ لِظُهُورِ أمْرِ العِلِّيَّةِ في الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ وأمْرِ المَعْلُولِيَّةِ في الأجْرامِ السُّفْلِيَّةِ، ويُعْلَمُ تَأْوِيلُ ما يُنافِي ذَلِكَ مِمّا سَمِعْتَ، وأمّا الخَبَرُ الأخِيرُ فَفي صِحَّتِهِ مَقالٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ، وقَدْ مَرَّ شَيْءٌ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ، وإنَّما أعَدْنا الكَلامَ فِيهِ تَذْكِيرًا لِذَوِي الأفْهامِ فَتَأمَّلْ. واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِتَحْصِيلِ المَرامِ.
79:31Page 584
أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَآءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا ٣١
He extracted from it its water and its pasture,
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها﴾ بِأنْ فَجَرَ مِنها عُيُونًا وأجْرى أنْهارًا ﴿ومَرْعاها﴾ يَقَعُ عَلى الرِّعْيِ بِالكَسْرِ وهو الكَلَأُ والرَّعْيِ بِالفَتْحِ وهو المَصْدَرُ وكَذا عَلى المَوْضِعِ والزَّمانِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ في الأصْلِ لِلْمَوْضِعِ ولَعَلَّهُ أرادَ أنَّهُ أشْهَرُ مَعانِيهِ والمُناسِبُ لِلْمَقامِ المَعْنى الأوَّلُ لَكِنَّهُ قِيلَ إنَّهُ خاصٌّ بِما يَأْكُلُهُ الحَيَوانُ غَيْرُ الإنْسانِ وتُجُوِّزَ بِهِ عَنْ مُطْلَقِ المَأْكُولِ لِلْإنْسانِ وغَيْرِهِ؛ فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ مِن قَبِيلِ المَرْسَنِ. وقالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً مُصَرِّحَةً لِأنَّ الكَلامَ مَعَ مُنْكِرِي الحَشْرِ بِشَهادَةِ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّها المُعانِدُونَ المَلْزُوزُونَ في قَرْنِ البَهائِمِ في التَّمَتُّعِ بِالدُّنْيا والذُّهُولِ عَنِ الآخِرَةِ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِدَحاها وتَكْمِلَةٌ لَهُ؛ فَإنَّ السُّكْنى لا تَتَأتّى بِمُجَرَّدِ البَسْطِ والتَّمْهِيدِ بَلْ لا بُدَّ مِن تَسْوِيَةِ أمْرِ المَعاشِ مِنَ المَأْكَلِ والمَشْرَبِ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ وكِلا الوَجْهَيْنِ مُقْتَضٍ لِتَجْرِيدِ الجُمْلَةِ عَنِ العاطِفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجِبالَ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أرْساها﴾ أيْ: أثْبَتَها وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الرُّسُوَّ المَنسُوبَ إلَيْها في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّنْزِيلِ لَيْسَ مِن مُقْتَضَياتِ ذاتِها ولِلْفَلاسِفَةِ المُحْدَثِينَ كَلامٌ في أمْرِ الأرْضِ وكَيْفِيَّةِ بَدْئِها لا مُسْتَنَدَ لَهم فِيهِ إلّا آثارٌ أرْضِيَّةٌ يَزْعُمُونَ دَلالَتَها عَلى ذَلِكَ هي في أسْفَلِ الأرْضِ عَنْ ساحَةِ القَبُولِ، وقَرَأ عِيسى بِرَفْعِ «الأرْضُ» والحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو السَّمّالِ بِرَفْعِ «الأرْضُ» «والجِبالُ» وهو عَلى ما قِيلَ عَلى الِابْتِداءِ، وتَعَقَّبَهُ الزَّجّاجُ بِأنَّ ذَلِكَ مَرْجُوحٌ؛ لِأنَّ العَطْفَ عَلى فِعْلِيَّةٍ وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بَناها﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ خَلْقِ السَّماءِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ بَيانٌ لِلْبِناءِ ولَيْسَ لِدَحْوِ الأرْضِ وما بَعْدَهُ دَخَلَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَكَيْفَ يُعْطَفُ عَلَيْهِ ما هو مَعْطُوفٌ عَلى المَجْمُوعِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والمُعْتَبَرُ فِيهِ تَناسُبُ القِصَّتَيْنِ وهو حاصِلٌ هُنا فَلا ضَيْرَ في الِاخْتِلافِ بَلْ فِيهِ نَوْعُ تَنْبِيهٍ عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضَ﴾ إلَخْ عَلى القِراءَتَيْنِ لَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ لِأنَّها لا تَصْلُحُ بَيانًا لِبِناءِ السَّماءِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ وحِينَئِذٍ يُقَدَّرُ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ؛ أيْ: فَعَلَ ما فَعَلَ في السَّماءِ، وجُمْلَةً اسْمِيَّةً عَلى قِراءَةِ الآخَرِينَ أيِ السَّماءُ وما يَتَعَلَّقُ بِها مَخْلُوقٌ لَهُ تَعالى، وجُوِّزَ عَطْفُ «الأرْضُ» بِالرَّفْعِ عَلى «السَّماءُ» مِن حَيْثُ المَعْنى؛ كَأنَّهُ قِيلَ: السَّماءُ أشَدُّ خَلْقًا والأرْضُ بَعْدَ ذَلِكَ أيْ والأرْضُ بَعْدَ
صفحة 35
ما ذُكِرَ مِنَ السَّماءِ أشَدُّ خَلْقًا فَيَكُونُ وِزانَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿دَحاها﴾ إلَخْ وِزانَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَناها﴾ إلَخْ. وحِينَئِذٍ فَلا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ مُشْعِرًا بِتَأخُّرِ دَحْوِ الأرْضِ عَنْ بِناءِ السَّماءِ.
79:33Page 584
مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ ٣٣
As enjoyment [i.e., provision] for you and your grazing livestock.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾ قِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ؛ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ تَمْتِيعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ؛ لِأنَّ فائِدَةَ ما ذُكِرَ مِنَ الدَّحْوِ وإخْراجِ الماءِ والمَرْعى واصِلَةٌ إلَيْهِمْ ولِأنْعامِهِمْ؛ فَإنَّ المَرْعى كَما سَمِعْتَ مَجازٌ عَمّا يَأْكُلُهُ الإنْسانُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ المُضْمَرِ؛ أيْ: مَتَّعَكم بِذَلِكَ مَتاعًا أوْ مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ في مَعْنى: مَتَّعَ بِذَلِكَ، وأُورِدَ عَلى الأوَّلِ أنَّ الخِطابَ لِمُنْكِرِي البَعْثِ، والمَقْصُودُ هو تَمْتِيعُ المُؤْمِنِينَ فَلا يُلائِمُ جَعْلَ تَمْتِيعِ الآخَرِينَ كالغَرَضِ؛ فالأوْلى ما بَعْدَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ خِطابَ المُشافَهَةِ وإنْ كانَ خاصًّا بِالحاضِرِينَ إلّا أنَّ حُكْمَهُ عامٌّ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، فالمَآلُ إلى تَمْتِيعِ الجِنْسِ، وأيْضًا النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلِهِ المُقَدَّرِ لا يَدْفَعُ المَحْذُورَ؛ لِكَوْنِهِ اسْتِئْنافًا لِبَيانِ المَقْصُودِ ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ المَقْصُودِ هو تَمْتِيعُ المُؤْمِنِينَ مَحَلُّ بَحْثٍ.
79:34Page 584
فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٣٤
But when there comes the greatest Overwhelming Calamity1 -
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ إلَخْ شُرُوعٌ في بَيانِ مَعادِهِمْ إثْرَ بَيانِ أحْوالِ مَعاشِهِمْ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَتاعًا﴾ إلَخْ. والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها عَلى ما قِيلَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ لَفْظُ المَتاعِ، والطّامَّةُ أعْظَمُ الدَّواهِي؛ لِأنَّهُ مِن طَمَّ بِمَعْنى عَلا كَما ورَدَ في المَثَلِ: جَرى الوادِي فَطَمَّ عَلى القُرى، وجاءَ السَّيْلُ فَطَمَّ الرَّكِيَّ. وعُلُوُّها عَلى الدَّواهِي غَلَبَتُها عَلَيْها فَيَرْجِعُ لِما ذُكِرَ قَبْلُ، فَوَصْفُها «بِالكُبْرى» لِلتَّأْكِيدِ ولَوْ فُسِّرَ كَوْنُها طامَّةً بِكَوْنِها غالِبَةً لِلْخَلائِقِ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها لَكانَ الوَصْفُ مُخَصِّصًا، وقِيلَ: كَوْنُها طامَّةً بِاعْتِبارِ أنَّها تَغْلِبُ وتَفُوقُ ما عَرَفُوهُ مِن دَواهِي الدُّنْيا، وكَوْنُها كُبْرى بِاعْتِبارِ أنَّها أعْظَمُ مِن جَمِيعِ الدَّواهِي مُطْلَقًا، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ﴿الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ صارَتْ كالعَلَمِ لِلْقِيامَةِ، ورُوِيَ كَوْنُها اسْمًا مِن أسْمائِها هُنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وعَنْهُ أيْضًا وعَنِ الحَسَنِ أنَّها النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ القاسِمِ بْنِ الوَلِيدِ الهَمْدانِيِّ أنَّها السّاعَةُ الَّتِي يُساقُ فِيها أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ إلى النّارِ، وأخْرَجا عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الكِنْدِيِّ أنَّها ساعَةٌ يُساقُ أهْلُ النّارِ إلى النّارِ وفي مَعْناهُ قَوْلُ مُجاهِدٍ: هي إذا دُفِعُوا إلى مالِكٍ خازِنِ جَهَنَّمَ.
79:35Page 584
يَوۡمَ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا سَعَىٰ ٣٥
The Day when man will remember that for which he strove,
﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى﴾ بَدَلُ كُلٍّ أوْ بَعْضٍ مِن: إذا جاءَتْ، عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن ﴿الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ فَيَكُونُ مَرْفُوعَ المَحَلِّ، وفُتِحَ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ وتَكُونُ الطّامَّةُ حَقِيقَةَ التَّذَكُّرِ والبُرُوزِ لِأنَّ حُسْنَ العَمَلِ يَغْلِبُ كُلَّ لَذَّةٍ، وسِواهُ كُلُّ مَشَقَّةٍ، وكَذا بُرُوزُ الجَحِيمِ مَعَ الِابْتِلاءِ بِهِ يَغْلِبُ كُلَّ مَشَقَّةٍ ومَعَ النَّجاةِ عَنْهُ كُلَّ لَذَّةٍ. ولا يَخْفى تَعَسُّفُهُ، وقِيلَ: ظَرْفٌ لِ ( جاءَتْ ) وعَلَيْهِ الطَّبَرْسِيُّ واسْتَظْهَرَ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِ «أعْنِي» تَفْسِيرًا لِلطّامَّةِ الكُبْرى، وما مَوْصُولَةٌ.
( وسَعى ) بِمَعْنى عَمِلَ، والعائِدُ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: لَهُ والمُرادُ يَوْمُ يَتَذَكَّرُ كُلُّ أحَدٍ ما عَمِلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ بِأنْ يُشاهِدَهُ مُدَوَّنًا في صَحِيفَتِهِ، وقَدْ كانَ نَسِيَهُ مِن فَرْطِ الغَفْلَةِ أوْ طُولِ الأمَدِ أوْ شِدَّةِ ما لَقِيَ أوْ كَثْرَتِهِ الَّتِي تُعْجِزُ الحافِظَ عَنِ الضَّبْطِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَذَكَّرَهُ بِوَجْهٍ آخَرَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً؛ أيْ: يَتَذَكَّرُ فِيهِ سَعْيَهُ.
79:36Page 584
وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ ٣٦
And Hellfire will be exposed for [all] those who see -
﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ﴾ عُطِفَ عَلى: ﴿جاءَتِ﴾ وقِيلَ عَلى: ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ وقِيلَ: حالٌ مِنَ الإنْسانِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، والمَوْصُولُ بَعْدُ مُغْنٍ عَنِ العائِدِ، وكِلا القَوْلَيْنِ عَلى ما في الإرْشادِ عَلى تَقْدِيرِ الجَوابِ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ونَحْوُهُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَلا تَغْفُلْ.
ومَعْنى: «بُرِّزَتِ» أُظْهِرَتْ إظْهارًا بَيِّنًا لا يَخْفى عَلى أحَدٍ ﴿لِمَن يَرى﴾ كائِنًا مَن كانَ يُرْوى أنَّهُ يُكْشَفُ عَنْها فَتَتَلَظّى فَيَراها كُلُّ ذِي بَصَرٍ، وخُصَّ بَعْضُ «مِن» بِالكافِرِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وقَرَأتْ عائِشَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةُ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ «وبَرَزَتِ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مُخَفَّفًا «لِمَن تَرى» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فِيهِ ضَمِيرَ جَهَنَّمَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ وإسْنادُ الرُّؤْيَةِ لَها مَجازًا وهو حَقِيقَةٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فِيها، ويَجُوزَ أنْ
صفحة 36
تَكُونَ خِطابًا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ راءٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ﴾ أيْ: لِمَن تَراهُ مِنَ الكُفّارِ. وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ وأبُو السَّمّالِ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «وبُرِزَتِ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ إلَخْ جَوابُ «إذا» عَلى أنَّها شَرْطِيَّةٌ لا ظَرْفِيَّةٌ كَما جُوِّزَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ الآيَةَ.
وقَوْلُكَ: إذا جاءَكَ بَنُو تَمِيمٍ فَأمّا العاصِي فَأهِنْهُ وأمّا الطّائِعُ فَأكْرِمْهُ، واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ وقِيلَ: جَوابُها مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإذا جاءَتْ وقَعَ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأمّا﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ وفي جَعْلِهِ جَوابًا غُمُوضٌ، وهو وجْهٌ وجِيهٌ بَيْدَ أنَّهُ لا غُمُوضَ في ذاكَ بَعْدَ تَحَقُّقِ اسْتِقامَةِ أنْ يُقالَ: فَإذا جاءَتْ فَإنَّ الطّاغِيَ الجَحِيمُ مَأْواهُ وغَيْرُهُ في الجَنَّةِ مَثْواهُ، وزِيادَةُ أمّا لَمْ تُفِدْ إلّا زِيادَةَ المُبالَغَةِ وتَحْقِيقُ التَّرَتُّبِ والثُّبُوتِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ، والتَّقْدِيرُ: ظَهَرَتِ الأعْمالُ ونُشِرَتِ الصُّحُفُ أوْ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى أوْ لِدَلالَةِ ما بَعْدُ، والتَّقْدِيرُ: انْقَسَمَ الرّاءُونَ قِسْمَيْنِ ولَيْسَ بِذاكَ؛ أيْ: فَأمّا مَن عَتا وتَمَرَّدَ عَنِ الطّاعَةِ وجاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ حَتّى كَفَرَ.
﴿وآثَرَ﴾ أيِ اخْتارَ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ الفانِيَةَ الَّتِي هي عَلى جَناحِ الفَواتِ فانْهَمَكَ فِيما مُتِّعَ بِهِ فِيها ولَمْ يَسْتَعِدَّ لِلْحَياةِ الآخِرَةِ الأبَدِيَّةِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ.
﴿فَإنَّ الجَحِيمَ﴾ الَّتِي ذُكِرَ شَأْنُها ﴿هِيَ المَأْوى﴾ أيْ مَأْواهُ عَلى ما رَآهُ الكُوفِيُّونَ مِن أنَّ «ألْ» في مِثْلِهِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ الضَّمِيرُ وبِها يَحْصُلُ الرَّبْطُ أوِ المَأْوى لَهُ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ مِن عَدِّ كَوْنِها عِوَضًا ورابِطًا، وهَذا الحَذْفُ هُنا لِلْعِلْمِ بِأنَّ الطّاغِيَ هو صاحِبُ المَأْوى، وحَسَّنَهُ وُقُوعُ المَأْوى فاصِلَةً؛ وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهي إمّا ضَمِيرُ فَصْلٍ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ أوْ ضَمِيرُ جَهَنَّمَ مُبْتَدَأٌ، والكَلامُ دالٌّ عَلى الحَصْرِ؛ أيْ: كَأنَّهُ قِيلَ؛ فَإنَّ الجَحِيمَ هي مَأْواهُ أوِ المَأْوى لَهُ لا مَأْوى لَهُ سِواها.
79:40Page 584
وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ ٤٠
But as for he who feared the position of his Lord1 and prevented the soul from [unlawful] inclination,
﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ أيْ: مَقامَهُ بَيْنَ يَدَيْ مالِكِ أمْرِهِ يَوْمَ الطّامَّةِ الكُبْرى يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى عَلى أنَّ الإضافَةَ مِثْلُها في رُقُودِ حَلْبٍ، أوْ وأمّا مِن خافَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ لَفْظَ ﴿مَقامَ﴾ مُقْحَمٌ، والكَلامُ مَعَهُ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ وإثْباتٌ لِلْخَوْفِ مِنَ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ بَلِيغٍ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ﴾ . وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ.
﴿ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ أيْ: زَجَرَها وكَفَّها عَنِ الهَوى المُرْدِي وهو المَيْلُ إلى الشَّهَواتِ وضَبْطُها بِالصَّبْرِ والتَّوْطِينِ عَلى إيثارِ الخَيْراتِ ولَمْ يَعْتَدَّ بِمَتاعِ الدُّنْيا وزَهْرَتِها ولَمْ يَغْتَرَّ بِزَخارِفِها وزِينَتِها عِلْمًا بِوَخامَةِ عاقِبَتِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ: إنَّهُ الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ مَقامَهُ لِلْحِسابِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ سُبْحانَهُ فَيَخافُ فَيَتْرُكُها، وأصْلُ الهَوى مُطْلَقُ المَيْلِ وشاعَ في المَيْلِ إلى الشَّهْوَةِ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ لِأنَّهُ يَهْوِي بِصاحِبِهِ في الدُّنْيا إلى كُلِّ واهِيَةٍ، وفي الآخِرَةِ إلى الهاوِيَةِ، ولِذَلِكَ مُدِحَ مُخالِفُهُ. قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: إذا أرَدْتَ الصَّوابَ فانْظُرْ هَواكَ فَخالِفْهُ.
وقالَ الفُضَيْلُ: أفْضَلُ الأعْمالِ مُخالَفَةُ الهَوى، وقالَ أبُو عِمْرانَ المِيرِتْلِيُّ:
فَخالِفْ هَواها واعْصِها إنَّ مَن يُطِعْ هَوى نَفْسِهِ تَنْزِعْ بِهِ شَرَّ مَنزَعِ
ومِن يُطِعِ النَّفْسَ اللَّجُوجَةَ تُرْدِهِ ∗∗∗ وتَرْمِ بِهِ في مَصْرَعٍ أيَّ مَصْرَعِ
إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ قارَبَ أنْ يَكُونَ قُبْحُ مُوافَقَةِ الهَوى وحُسْنُ مُخالَفَتِهِ ضَرُورِيَّيْنِ إلّا أنَّ السّالِمَ مِنَ المُوافَقَةِ قَلِيلٌ، قالَ سَهْلٌ: لا يَسْلَمُ مِنَ الهَوى إلّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَعْضُ الصِّدِّيقِينَ فَطُوبى لِمَن سَلِمَ مِنهُ.
﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ لَهُ لا غَيْرُها، والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّفْصِيلَ عامٌّ في أهْلِ النّارِ وأهْلِ الجَنَّةِ.
«وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في أبِي عُزَيْرِ بْنِ عُمَيْرٍ وأخِيهِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ؛ كانَ الأوَّلُ طاغِيًا مُؤْثِرَ الحَياةِ الدُّنْيا، وكانَ مُصْعَبٌ خائِفًا مُقامَ رَبِّهِ ناهِيًا النَّفْسَ عَنِ الهَوى، وقَدْ وقى
صفحة 37
رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِنَفْسِهِ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ تَفَرَّقَ النّاسُ عَنْهُ حَتّى نَفَذَتِ المَشاقِصُ أيِ السِّهامُ في جَوْفِهِ، فَلَمّا رَآهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَشَحِّطًا في دَمِهِ قالَ: «عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أحْتَسِبُكَ» وقالَ لِأصْحابِهِ: «لَقَدْ رَأيْتُهُ وعَلَيْهِ بُرْدانِ ما تُعْرَفُ قِيمَتُهُما، وإنَّ شِراكَ نَعْلِهِ مِن ذَهَبٍ، ولَمّا أُسِرَ أخُوهُ أبُو عُزَيْرٍ ولَمْ يُشَدَّ وِثاقُهُ إكْرامًا لَهُ وأُخْبِرَ بِذَلِكَ قالَ: ما هو لِي بِأخٍ؛ شُدُّوا أسِيرَكُمْ؛ فَإنَّ أُمَّهُ أكْثَرُ أهْلِ البَطْحاءِ حُلِيًّا ومالًا».
وفِي الكَشّافِ أنَّهُ قَتَلَ أخاهُ أبا عَزِيرٍ يَوْمَ أُحُدٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُما نَزَلَتا في أبِي جَهْلٍ وفي مُصْعَبٍ، وقِيلَ: نَزَلَتِ الأُولى في النَّضِرِ وابْنِهِ الحارِثِ المَشْهُورَيْنِ بِالغُلُوِّ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences