Al-AlusiAn‑Nazi'at · 79:42–46

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nazi'at 79:42–46

79:42Page 584

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَا ٤٢

They ask you, [O Muḥammad], about the Hour: when is its arrival?1

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ أيْ: مَتى إرْساؤُها؛ أيْ إقامَتُها يُرِيدُونَ مَتى يُقِيمُها اللَّهُ تَعالى ويُكَوِّنُها ويُثَبِّتُها، فالمَرْسى مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن سارَ بِمَعْنى ثَبَتَ ومِنهُ الجِبالُ الرَّواسِي، وحاصِلُ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ السُّؤالُ عَنْ زَمانِ ثُبُوتِها ووُجُودِها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَرْسى بِمَعْنى المُنْتَهى؛ أيْ: مَتى مُنْتَهاها ومُسْتَقَرُّها كَما أنَّ مَرْسى السَّفِينَةِ تَنْتَهِي إلَيْهِ وتَسْتَقِرُّ فِيهِ كَذا قِيلَ. وتَقْدِيرُ الِاسْتِفْهامِ بِمَتى يَقْتَضِي أنَّ المَرْسى اسْمُ زَمانٍ، وقَوْلُهُ: كَما أنَّ... إلَخْ ظاهِرٌ في أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ، ولِذا قِيلَ: الكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ يَجْعَلُ اليَوْمَ المُتَباعِدَ فِيهِ كَشَخْصٍ سائِرٍ لا يُدْرَكُ ويُوصَلُ إلَيْهِ ما لَمْ يَسْتَقِرَّ في مَكانٍ فَجُعِلَ الظّاهِرُ عَلى ما قِيلَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ إمّا تَقْرِيرٌ وتَأْكِيدٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ الإنْذارُ مِن سُرْعَةِ مَجِيءِ المُنْذَرِ بِهِ لا سِيَّما عَلى الوَجْهِ الثّانِي، والمَعْنى: كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَ الإنْذارِ إلّا قَلِيلًا، وإمّا رَدٌّ لِما أدْمَجُوهُ في سُؤالِهِمْ؛ فَإنَّهم كانُوا يَسْألُونَ عَنْها بِطَرِيقِ الِاسْتِبْطاءِ مُسْتَعْجِلِينَ بِها وإنْ كانَ عَلى نَهْجِ الِاسْتِهْزاءِ بِها ( ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) والمَعْنى كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَ الوَعِيدِ بِها إلّا عَشِيَّةً إلَخْ. وهَذا الكَلامُ عَلى ما نُقِلَ عَنِالزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ أصْلٌ وهو لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ عَشِيَّتَهُ أوْ ضُحاهُ، فَوُضِعَ هَذا المُخْتَصَرُ مَوْضِعَهُ، وإنَّما أفادَتِ الإضافَةُ ذَلِكَ كَما في الكَشْفِ مِن حَيْثُ إنَّكَ إذا قُلْتَ: «لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحًى» احْتَمَلَ أنْ تَكُونَ العَشِيَّةُ مِن يَوْمٍ والضُّحى مِن آخَرَ؛ فَيُتَوَهَّمُ الِاسْتِمْرارُ مِن ذَلِكَ الزَّمانِ إلى مِثْلِهِ مِنَ اليَوْمِ الآخِرِ، أمّا إذا قُلْتَ عَشِيَّتَهُ أوْ ضُحاهُ لَمْ يَحْتَمِلْ ذَلِكَ البَتَّةَ وفي قَوْلِكَ: ضُحى تِلْكَ العَشِيَّةِ ما يُغْنِي عَنْ قَوْلِكَ: عَشِيَّةَ ذَلِكَ النَّهارِ أوْ ضُحاهُ. وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ مِنَ المُحْتَمَلِ أنْ يُرادَ بِالعَشِيَّةِ أوِ الضُّحى كُلُّ اليَوْمِ مَجازًا، فَلَمّا أُضِيفَ أفادَ التَّأْكِيدَ ونَفْيُ ذَلِكَ الِاحْتِمالُ وجَعْلُهُ مِن بابِ: رَأيْتُهُ بِعَيْنِي وهو حَسَنٌ ولَكِنَّ السّابِقَ أبْعَدُ مِنَ التَّكَلُّفِ ولا مَنعَ مِنَ الجَمْعِ، وزادَ الإضافَةَ حُسْنًا كَوْنُ الكَلِمَةِ فاصِلَةً، واعْتُبِرَ جَمْعُ كَوْنِ اللُّبْثِ في الدُّنْيا وبَعْضُهم كَوْنَهُ في القُبُورِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ فِيهِما واخْتارَ في الإرْشادِ ما قَدَّمْنا وقالَ: إنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ اعْتِبارُ كَوْنِهِ بَعْدَ الإنْذارِ أوْ بَعْدَ الوَعِيدِ تَحْقِيقًا لِلْإنْذارِ ورَدًّا لِاسْتِبْطائِهِمْ، والجُمْلَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: تُنْذِرُهم مُشَبَّهِينَ يَوْمَ يَرَوْنَها في الِاعْتِقادِ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ بَعْدَ الإنْذارِ بِها إلّا تِلْكَ المُدَّةَ اليَسِيرَةَ، وعَلى الثّانِي مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، هَذا ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الوَجْهَ الثّانِيَ وإنْ كانَ حَسَنًا في نَفْسِهِ لَكِنَّهُ مِمّا لا يَتَبادَرُ إلى الفَهْمِ وعَلَيْهِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى.

79:43Page 584

فِيمَ أَنتَ مِن ذِكۡرَىٰهَآ ٤٣

In what [position] are you that you should mention it?1

﴿فِيمَ﴾ ثُمَّ يُسْتَأْنَفُ: ﴿أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ لِئَلّا يُلْبَسَ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِيمَ﴾ إلَخْ مُتَّصِلٌ بِسُؤالِهِمْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ يَسْألُونَكَ... إلَخْ. أوْ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: يَسْألُونَكَ عَنْ زَمانِ قِيامِ السّاعَةِ ويَقُولُونَ لَكَ في أيِّ مَرْتَبَةٍ ﴿أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ أيْ: عِلْمِها؛ أيْ: ما مَبْلَغُ عِلْمِكَ فِيها، أوْ يَسْألُونَكَ عَنْ ذَلِكَ قائِلِينَ لَكَ: في أيِّ مَرْتَبَةٍ أنْتَ إلَخْ. والجَوابُ عَلَيْهِ.

79:44Page 584

إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَىٰهَآ ٤٤

To your Lord is its finality.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ ولا يَخْفى ضَعْفُ ذَلِكَ.

وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ما زالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَسْألُ عَنِ السّاعَةِ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ فانْتَهى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ يَسْألْ بَعْدَها».

وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَ السّاعَةِ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ فَكَفَّ عَنْها».

وعَلى هَذا فَهو تَعْجِيبٌ مِن كَثْرَةِ ذِكْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَها كَأنَّهُ قِيلَ: في أيِّ شُغْلٍ واهْتِمامٍ أنْتَ مِن ذِكْرِها والسُّؤالِ عَنْها، والمَعْنى أنَّهم يَسْألُونَكَ عَنْها فَلِحِرْصِكَ عَلى جَوابِهِمْ لا تَزالُ تَذْكُرُها وتَسْألُ عَنْها، ونَظَرَ فِيهِ ابْنُ المُنَيِّرِ بِأنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَسْألُونَكَ﴾ كَأنَّكَ وقْتَ إدْراكِهِ مُسْتَقِرًّا لَهُ فَتَدَبَّرْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ إنْكارٌ ورَدَ لِسُؤالِ المُشْرِكِينَ عَنْها؛ أيْ: في أيِّ شَيْءٍ أنْتَ مِن أنْ تَذْكُرَ لَهم وقْتَها وتُعْلِمَهم بِهِ حَتّى يَسْألُوكَ بَيانَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ فالِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ و«فِيمَ» خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و«أنْتَ» مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ و«مِن ذِكْراها» عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: ذِكْرى وقْتِها مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ وقِيلَ: «فِيمَ» إنْكارٌ لِسُؤالِهِمْ وما بَعْدَهُ اسْتِئْنافُ تَعْلِيلٍ لِلْإنْكارِ وبَيانٌ لِبُطْلانِ السُّؤالِ؛ أيْ: فِيمَ هَذا السُّؤالُ ثُمَّ ابْتُدِئَ فَقِيلَ: ﴿أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ أيْ: إرْسالُكَ وأنْتَ خاتَمُ الأنْبِياءِ المَبْعُوثُ في نَسَمِ السّاعَةِ عَلامَةٌ مِن عَلامَتِها ودَلِيلٌ يَدُلُّهم عَلى العِلْمِ بِوُقُوعِها عَنْ قَرِيبٍ فَحَسْبُهم هَذِهِ المَرْتَبَةُ مِنَ العِلْمِ، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ إلَيْهِ تَعالى يَرْجِعُ مُنْتَهى عِلْمِها؛ أيْ: عِلْمِها بِكُنْهِها وتَفاصِيلِ أمْرِها ووَقْتِ وُقُوعِها لا إلى أحَدٍ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وإنَّما وظِيفَتُهم أنْ يَعْلَمُوا بِاقْتِرابِها ومُشارَفَتِها وقَدْ حَصَلَ لَهم ذَلِكَ بِمَبْعَثِكَ فَما مَعْنى سُؤالِهِمْ عَنْها بَعْدَ ذَلِكَ؟ وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَمَعْناهُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ انْتِهاءُ عِلْمِها لَيْسَ لِأحَدٍ مِنهُ شَيْءٌ كائِنًا ما كانَ فَلِأيِّ شَيْءٍ يَسْألُونَكَ عَنْها.

79:45Page 584

إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخۡشَىٰهَا ٤٥

You are only a warner for those who fear it.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ عَلَيْهِ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ وتَحْقِيقٌ لِما هو المُرادُ مِنهُ وبَيانٌ لِوَظِيفَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في ذَلِكَ الشَّأْنِ؛ فَإنَّ إنْكارَ كَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في شَيْءٍ مِن ذِكْراها مِمّا يُوهِمُ بِظاهِرِهِ أنْ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَذْكُرَها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَأُزِيحَ ذَلِكَ بِبَيانِ أنَّ المَنفِيَّ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذِكْراها لَهم بِتَعْيِينِ وقْتِها حَسْبَما كانُوا يَسْألُونَهُ عَنْها، فالمَعْنى: إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها ويَخافُ أهْوالَها، وظِيفَتُكَ الِامْتِثالُ بِما أُمِرْتَ بِهِ مِن بَيانِ اقْتِرابِها وتَفْصِيلِ ما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ كَما تُحِيطُ بِهِ لا مُعْلِمٌ بِتَعْيِينِ وقْتِها الَّذِي لَمْ يُفَوَّضْ إلَيْكَ فَما لَهم يَسْألُونَكَ عَمّا لَمْ تُبْعَثْ لَهُ ولَمْ يُفَوَّضْ إلَيْكَ أمْرُهُ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي هو تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ بِبَيانِ أنَّ إرْسالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو خاتَمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُنْذِرٌ بِمَجِيءِ السّاعَةِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ إنْ كادَتْ لَتَسْبِقُنِي»».

والظّاهِرُ عَلى الأوَّلِ أنَّ القَصْرَ مِن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ، والمَعْنى: ما أنْتَ إلّا مُنْذِرٌ لا مُعْلِمٌ بِالوَقْتِ مُبَيِّنٌ لَهُ. وإنَّما ذَكَرَ صِلَةَ المُنْذِرِ إظْهارًا لِكَوْنِها ذاتَ مَدْخَلٍ في القَصْرِ لِكَوْنِ الكَلامِ في القَصْرِ عَلى مُنْذِرٍ خاصٍّ ونَفْيِ إعْلامٍ خاصٍّ يُقابِلُهُ، وكَوْنُهُ مِن قَصْرِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ بِناءً عَلى ما يَتَبادَرُ إلى الفَهْمِ مِن كَلامِ السَّكّاكِيِّ أنَّ المَعْنى إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ الخاشِي دُونَ مَن لا يَخْشى؛ أيْ: ما أنْتَ مُنْذِرٌ إلّا مَن يَخْشى دُونَ غَيْرِهِ، مُناسِبٌ لِلْمَقامِ عَلى أنَّهُ

صفحة 38

قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ مَن يَخْشى «مَن» صِلَةُ «مُنْذِرُ» لَيْسَ مِن مُتَعَلِّقِ «إنَّما» في شَيْءٍ، لِيُجْعَلَ الجُزْءُ الأخِيرُ المَقْصُورُ عَلَيْهِ الإنْذارَ وهَذا إنْ صَحَّ اسْتَلْزَمَ عَدَمَ صِحَّةِ ما قُرِّرَ لَكِنْ في صِحَّتِهِ مَقالٌ؛ إذْ يَسْتَلْزِمُ أيْضًا أنْ لا يَصِحَّ: إنَّما هو غُلامُ زَيْدٍ لا عَمْرٍو وإنَّما هو ضارِبٌ عَمْرًا لا زَيْدًا مَعَ شُهْرَةِ اسْتِعْمالِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ فَتَأمَّلْ.

والظّاهِرُ عَلى الثّانِي أنَّ «إنَّما» لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ زِيادَةً في الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ ولَيْسَتْ لِلْحَصْرِ؛ إذْ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ عَلَيْهِ بِحَسْبِ الظّاهِرِ عَلى ما قِيلَ.

79:46Page 584

كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَهَا لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوۡ ضُحَىٰهَا ٤٦

It will be, on the Day they see it,1 as though they had not remained [in the world] except for an afternoon or a morning thereof.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ إمّا تَقْرِيرٌ وتَأْكِيدٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ الإنْذارُ مِن سُرْعَةِ مَجِيءِ المُنْذَرِ بِهِ لا سِيَّما عَلى الوَجْهِ الثّانِي، والمَعْنى: كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَ الإنْذارِ إلّا قَلِيلًا، وإمّا رَدٌّ لِما أدْمَجُوهُ في سُؤالِهِمْ؛ فَإنَّهم كانُوا يَسْألُونَ عَنْها بِطَرِيقِ الِاسْتِبْطاءِ مُسْتَعْجِلِينَ بِها وإنْ كانَ عَلى نَهْجِ الِاسْتِهْزاءِ بِها ( ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ) والمَعْنى كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَ الوَعِيدِ بِها إلّا عَشِيَّةً إلَخْ. وهَذا الكَلامُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ أصْلٌ وهو لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ عَشِيَّتَهُ أوْ ضُحاهُ، فَوُضِعَ هَذا المُخْتَصَرُ مَوْضِعَهُ، وإنَّما أفادَتِ الإضافَةُ ذَلِكَ كَما في الكَشْفِ مِن حَيْثُ إنَّكَ إذا قُلْتَ: «لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحًى» احْتَمَلَ أنْ تَكُونَ العَشِيَّةُ مِن يَوْمٍ والضُّحى مِن آخَرَ؛ فَيُتَوَهَّمُ الِاسْتِمْرارُ مِن ذَلِكَ الزَّمانِ إلى مِثْلِهِ مِنَ اليَوْمِ الآخِرِ، أمّا إذا قُلْتَ عَشِيَّتَهُ أوْ ضُحاهُ لَمْ يَحْتَمِلْ ذَلِكَ البَتَّةَ وفي قَوْلِكَ: ضُحى تِلْكَ العَشِيَّةِ ما يُغْنِي عَنْ قَوْلِكَ: عَشِيَّةَ ذَلِكَ النَّهارِ أوْ ضُحاهُ. وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ مِنَ المُحْتَمَلِ أنْ يُرادَ بِالعَشِيَّةِ أوِ الضُّحى كُلُّ اليَوْمِ مَجازًا، فَلَمّا أُضِيفَ أفادَ التَّأْكِيدَ ونَفْيُ ذَلِكَ الِاحْتِمالُ وجَعْلُهُ مِن بابِ: رَأيْتُهُ بِعَيْنِي وهو حَسَنٌ ولَكِنَّ السّابِقَ أبْعَدُ مِنَ التَّكَلُّفِ ولا مَنعَ مِنَ الجَمْعِ، وزادَ الإضافَةَ حُسْنًا كَوْنُ الكَلِمَةِ فاصِلَةً، واعْتُبِرَ جَمْعُ كَوْنِ اللُّبْثِ في الدُّنْيا وبَعْضُهم كَوْنَهُ في القُبُورِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ فِيهِما واخْتارَ في الإرْشادِ ما قَدَّمْنا وقالَ: إنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ اعْتِبارُ كَوْنِهِ بَعْدَ الإنْذارِ أوْ بَعْدَ الوَعِيدِ تَحْقِيقًا لِلْإنْذارِ ورَدًّا لِاسْتِبْطائِهِمْ، والجُمْلَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: تُنْذِرُهم مُشَبَّهِينَ يَوْمَ يَرَوْنَها في الِاعْتِقادِ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ بَعْدَ الإنْذارِ بِها إلّا تِلْكَ المُدَّةَ اليَسِيرَةَ، وعَلى الثّانِي مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، هَذا ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الوَجْهَ الثّانِيَ وإنْ كانَ حَسَنًا في نَفْسِهِ لَكِنَّهُ مِمّا لا يَتَبادَرُ إلى الفَهْمِ وعَلَيْهِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى ( فِيمَ ) ثُمَّ يُسْتَأْنَفُ: ﴿أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ لِئَلّا يُلْبَسَ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( فِيمَ ) إلَخْ مُتَّصِلٌ بِسُؤالِهِمْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ يَسْألُونَكَ... إلَخْ. أوْ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: يَسْألُونَكَ عَنْ زَمانِ قِيامِ السّاعَةِ ويَقُولُونَ لَكَ في أيِّ مَرْتَبَةٍ ﴿أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ أيْ: عِلْمِها؛ أيْ: ما مَبْلَغُ عِلْمِكَ فِيها، أوْ يَسْألُونَكَ عَنْ ذَلِكَ قائِلِينَ لَكَ: في أيِّ مَرْتَبَةٍ أنْتَ إلَخْ. والجَوابُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ ولا يَخْفى ضَعْفُ ذَلِكَ.

وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ما زالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَسْألُ عَنِ السّاعَةِ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ فانْتَهى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ يَسْألْ بَعْدَها».

وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَ السّاعَةِ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ فَكَفَّ عَنْها».

وعَلى هَذا فَهو تَعْجِيبٌ مِن كَثْرَةِ ذِكْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَها كَأنَّهُ قِيلَ: في أيِّ شُغْلٍ واهْتِمامٍ أنْتَ مِن ذِكْرِها والسُّؤالِ عَنْها، والمَعْنى أنَّهم يَسْألُونَكَ عَنْها فَلِحِرْصِكَ عَلى جَوابِهِمْ لا تَزالُ تَذْكُرُها وتَسْألُ عَنْها، ونَظَرَ فِيهِ ابْنُ المُنَيِّرِ بِأنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ يَرُدُّهُ إذِ المُرادُ أنَّكَ لا تَحْتَفِي بِالسُّؤالِ عَنْها ولا تَهْتَمُّ بِذَلِكَ وهم يَسْألُونَكَ كَما يُسْألُ الحَفِيُّ عَنِ الشَّيْءِ أيِ الكَثِيرُ السُّؤالِ عَنْهُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لا احْتِفاءَ ثُمَّ كانَ، وإنَّ سُؤالَهم هَذا ونُزُولَ الآيَةِ بَعْدَ وُقُوعِ الِاحْتِفاءِ وأنْتَ تَعْلَمُ ما في ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وخالِدٌ الحَذّاءُ وابْنُ هُرْمُزَ وعِيسى وطَلْحَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ مُقْسِمٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ: «مُنْذِرٌ» بِالتَّنْوِينِ والإعْمالِ وهو الأصْلُ في مِثْلِهِ بَعْدَ اعْتِبارِ

صفحة 39

المُشابَهَةِ، والإضافَةُ لِلتَّخْفِيفِ فَلا يُنافِي أنَّ الأصْلَ في الأسْماءِ عَدَمُ الإعْمالِ، والإعْمالُ عارِضٌ لِلشَّبَهِ، والوَصْفُ عِنْدَ إعْمالِهِ وإضافَتِهِ لِلتَّخْفِيفِ صالِحٌ لِلْحالِ والِاسْتِقْبالِ، وإذا أُرِيدَ الماضِي فَلَيْسَ إلّا الإضافَةُ كَقَوْلِكَ: هو مُنْذِرُ زَيْدٍ أمْسِ. وهو هُنا عَلى ما قِيلَ: لِلْحالِ لِمُقارَنَةِ «يَخْشى» ولا يُنافِي أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُنْذِرٌ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ حَتّى يُقالَ: المُناسِبُ لِحالِ الرِّسالَةِ الِاسْتِمْرارُ ومِثْلُهُ ويَجُوزُ فِيهِ الإعْمالُ وعَدَمُهُ ثُمَّ المُرادُ بِالحالِ حالُ الحُكْمِ لا حالُ التَّكَلُّمِ وفي ذَلِكَ كَلامٌ في كُتُبِ الأُصُولِ فَلا تَغْفُلْ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском