Al-AlusiAl‑Anfal · 8:23–25

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:23–25

8:23Page 179

وَلَوۡ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمۡ خَيۡرٗا لَّأَسۡمَعَهُمۡۖ وَلَوۡ أَسۡمَعَهُمۡ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣

Had Allāh known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.

﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ﴾ أيْ: في هَؤُلاءِ الصُّمِّ البُكْمِ ﴿خَيْرًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِن جِنْسِ الخَيْرِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ صَرْفُ قُواهم إلى تَحَرِّي الحَقِّ واتِّباعِ الهُدى ﴿لأسْمَعَهُمْ﴾ سَماعَ تَدَبُّرٍ وتَفَهُّمٍ ولَوَقَفُوا عَلى الحَقِّ وآمَنُوا بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأطاعُوهُ ﴿ولَوْ أسْمَعَهُمْ﴾ سَماعَ تَفَهُّمٍ وتَدَبُّرٍ وقَدْ عَلِمَ أنْ لا خَيْرَ فِيهِمْ ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ وارْتَدَوْا بَعْدَ التَّصْدِيقِ والقَبُولِ ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ لِعِنادِهِمْ، والجُمْلَةُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مَعَ اقْتِرانِها بِالواوِ، ومِمّا ذُكِرَ يُعْلَمُ الجَوابُ عَمّا قِيلَ: إنَّ الآيَةَ قِياسٌ اقْتِرانِيٌّ مِن شَرْطِيَّتَيْنِ، ونَتِيجَتُهُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِما أنَّهُ أُشِيرَ فِيهِ أوَّلًا إلى مَنعِ القَصْدِ إلى القِياسِ لِفَقْدِ الكُلِّيَّةِ الكُبْرى، وثانِيًا إلى مَنعِ فَسادِ النَّتِيجَةِ إذِ اللّازِمُ: لَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ خَيْرًا في وقْتٍ لَتَوَلَّوْا بَعْدَهُ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وفي المَعْنى والجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ؛ اثْنانِ يَرْجِعانِ إلى مَنعِ كَوْنِ المَذْكُورِ قِياسًا؛ وذَلِكَ لِاخْتِلافِ الوَسَطِ، أحَدُهُما: أنَّ التَّقْدِيرَ لَأسْمَعَهم سَماعًا نافِعًا ولَوْ أسْمَعُهم سَماعًا غَيْرَ نافِعٍ لَتَوَلَّوْا. والثّانِي: أنْ يُقَدَّرَ: ولَوْ أسْمَعْتُهم عَلى تَقْدِيرِ عِلْمِ عَدَمِ الخَيْرِ فِيهِمْ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ. والثّالِثُ: إلى مَنعِ اسْتِحالَةِ النَّتِيجَةِ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ قِياسِيًّا مُتَّحِدَ الوَسَطِ، إذِ التَّقْدِيرُ: ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ خَيْرًا في وقْتٍ ما لَتَوَلَّوْا بَعْدَ ذَلِكَ، ولا يَخْفى ضَعْفُ الجَوابِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلى تَقْيِيدِ: لَوْ أسْمَعَهم بِالسَّماعِ الغَيْرِ النّافِعِ ولِأنَّهُ يُحَقِّقُ فِيهِمُ الإسْماعُ الغَيْرُ النّافِعِ إلّا أنْ يُقَيَّدَ بِالأسْماعِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وكَذا ضَعُفَ الثّالِثُ لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِالخَيْرِ ولَوْ في وقْتٍ لا يَسْتَلْزِمُ التَّوَلِّيَ بَلْ عَدَمَهُ. وأمّا الجَوابُ الثّانِي فَهو قَوِيٌّ لِأنَّ الشَّرْطِيَّةَ الأُولى قَرِينَةٌ عَلى تَقْيِيدِ الإسْماعِ في الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ بِتَقْدِيرِ عِلْمِ عَدَمِ الخَيْرِ فِيهِمْ، وذَكَرَ بَعْضُهم في الجَوابِ أنَّ الشَّرْطِيَّتَيْنِ مُهْمَلَتانِ وكُبْرى الشَّكْلِ الأوَّلِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ كُلِّيَّةً ولَوْ سُلِّمَ فَإنَّما يُنْتِجانِ أيِ: اللُّزُومِيَّةَ لَوْ كانَتا لُزُومِيَّتَيْنِ وهو مَمْنُوعٌ ولَوْ سُلِّمَ فاسْتِحالَةُ النَّتِيجَةِ مَمْنُوعَةٌ، أيْ: لا نُسَلِّمُ اسْتِحالَةَ الحُكْمِ بِاللُّزُومِ بَيْنَ المُقَدَّمِ والتّالِي وإنْ كانَ الطَّرَفانِ مُحالَيْنِ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ خَيْرًا مُحالٌ والمَحالُّ جازَ أنْ يَسْتَلْزِمَ المُحالَ وإنْ لَمْ يُوجَدْ بَيْنَهُما عَلاقَةٌ عَقْلِيَّةٌ عَلى ما هو التَّحْقِيقُ مِن عَدَمِ اشْتِراطِ العَلاقَةِ في اسْتِلْزامِ المُحالِ لِلْمُحالِ.

واعْتُرِضَ عَلى أصْلِ السُّؤالِ بِأنَّ لَفْظَ (لَوْ) لَمْ يُسْتَعْمَلْ في فَصِيحِ الكَلامِ في القِياسِ الِاقْتِرانِيِّ وإنَّما يُسْتَعْمَلُ في القِياسِ الِاسْتِثْنائِيِّ المُسْتَثْنى فِيهِ نَقِيضُ التّالِي لِأنَّها لِامْتِناعِ الشَّيْءِ غَيْرُهُ، ولِهَذا لا يُصَرِّحُ بِاسْتِثْناءٍ نَقِيصِ التّالِي، وعَلى الجَوابِ بِأنَّ فِيهِ تَسْلِيمَ كَوْنِ ما ذُكِرَ قِياسًا ومَنَعَ كَوْنَهُ مُنْتِجًا لِانْتِفاءِ شَرائِطِ الإنْتاجِ وكَيْفَ يَصِحُّ اعْتِقادُ وُقُوعِ قِياسٍ في كَلامِ الحَكِيمِ تَعالى أُهْمِلَتْ فِيهِ شَرائِطُ الإنْتاجِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُرادُهُ تَعالى قِياسِيَّتَهُ، وذُكِرَ أنَّ الحَقَّ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ وارِدٌ عَلى قاعِدَةِ اللُّغَةِ؛ يَعْنِي أنَّ سَبَبَ عَدَمِ الإسْماعِ عَدَمُ العِلْمِ بِالخَيْرِ فِيهِمْ ثُمَّ ابْتَدَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا﴾ كَلامًا آخَرَ عَلى طَرِيقَةِ: لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ

صفحة 190

تَعالى لَمْ يَعْصِهِ - وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّهُ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ والمَقْصُودُ مِنهُ تَقْرِيرُ قَوْلِهِمْ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ حَيْثُ ادَّعى لُزُومَهُ لِما هو مُنافٍ لَهُ لِيُفِيدَ ثُبُوتَهُ عَلى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ وعَدَمِهِ، فَمَعْنى الآيَةِ حِينَئِذٍ أنَّهُ انْتَفى الإسْماعُ لِانْتِفاءِ عِلْمِ الخَيْرِ وأنَّهم ثابِتُونَ عَلى التَّوَلِّي في الشَّرْطِيَّةِ الأُولى اللُّزُومُ في نَفْسِ الأمْرِ وفي الثّانِيَةِ ادِّعائِيٌّ فَلا يَكُونُ عَلى هَيْئَةِ القِياسِ.

وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّوَلِّي مَنفِيًّا بِسَبَبِ انْتِفاءِ الإسْماعِ كَما هو مُقْتَضى أصْلِ (لَوْ) لَأنَّ التَّوَلِّيَ بِمَعْنى الإعْراضِ عَنِ الشَّيْءِ كَما هو أصْلُ مَعْناهُ لا بِمَعْنى مُطْلَقِ التَّكْذِيبِ والإنْكارِ، فَعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ إسْماعِهِمْ ذَلِكَ الشَّيْءَ لَمْ يَتَحَقَّقِ التَّوَلِّي والإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ فَرْعُ تَحَقُّقِهِ ولَمْ يَلْزَمْ مِن هَذا تَحَقُّقُ الِانْقِيادِ لَهُ لِأنَّ الِانْقِيادَ لِلشَّيْءِ وعَدَمَ الِانْقِيادِ لَهُ لَيْسا عَلى طَرَفَيِ النَّقِيضِ بَلِ العُدُولِ والتَّحْصِيلِ لِجَوازِ ارْتِفاعِهِما بِعَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وحاصِلُهُ كَما قِيلَ: إنَّهُ إذا كانَ التَّوَلِّي بِمَعْنى الإعْراضِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (لَوْ) بِمَعْناهُ المَشْهُورِ، ويَكُونُ المَقْصُودُ الإخْبارَ بِأنَّ انْتِفاءَ الثّانِي في الخارِجِ لِانْتِفاءِ الأوَّلِ فِيهِ كالشَّرْطِيَّةِ الأُولى ولا يَنْتَظِمُ مِنهُما القِياسُ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُما بَيانَ اسْتِلْزامِ الأوَّلِ لِلثّانِي في نَفْسِ الأمْرِ لِيُسْتَدَلَّ بَلِ اعْتِبارُ السَّبَبِيَّةِ واللُّزُومِ بَيْنَهُما لِيُعْلَمَ السَّبَبِيَّةُ بَيْنَ الِانْتِفاءَيْنِ المَعْلُومَيْنِ في الخارِجِ، وما يُقالُ مِن أنَّ انْتِفاءَ التَّوَلِّي خَيْرٌ وقَدْ ذُكِرَ أنْ لا خَيْرَ فِيهِمْ مُجابٌ عَنْهُ بِأنْ لا نُسَلِّمَ أنَّ انْتِفاءَ التَّوَلِّي بِسَبَبِ انْتِفاءِ الإسْماعِ خَيْرٌ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِسَبَبِ عَدَمِ الأهْلِيَّةِ لِلسَّماعِ وهو داءٌ عُضالٌ وشَرٌّ عَظِيمٌ، وإنَّما يَكُونُ خَيْرًا لَوْ كانُوا مِن أهْلِهِ بِأنْ أُسْمِعُوا شَيْئًا ثُمَّ انْقادُوا لَهُ ولَمْ يُعْرِضُوا وهَذا كَما يُقالُ: لا خَيْرَ في فُلانٍ لَوْ كانَتْ بِهِ قُوَّةٌ لَقَتَلَ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ عَدَمَ قَتْلِ المُسْلِمِينَ بِناءً عَلى عَدَمِ القُوَّةِ والقُدْرَةِ لَيْسَ خَيْرًا فِيهِ وإنْ كانَ خَيْرًا لَهُ اهـ. ورَدَّهُ الشَّرِيفُ قُدِّسَ سِرُّهُ بِما تَعَقَّبَهُ السّالَكُوتِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ. نَعَمْ قالَ مَوْلانا مُحَمَّدُ أمِينِ بْنِ صَدْرِ الدِّينِ: إنَّ حَمْلَ التَّوَلِّي هاهُنا عَلى مَعْنى الإعْراضِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِمَكانِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ وأوْجَبَ أنْ يُحْمَلَ إمّا عَلى لازِمِ مَعْناهُ وهو عَدَمُ الِانْتِقاءِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ الإعْراضُ أوْ عَلى مَلْزُومِهِ وهو الِارْتِدادُ لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ الإعْراضُ فَلْيُفْهَمْ، وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أحْيِ لَنا قُصَيًّا فَإنَّهُ كانَ شَيْخًا مُبارَكًا حَتّى يَشْهَدَ لَكَ ونُؤْمِنَ بِكَ، فالمَعْنى: ولَوْ أسْمَعَهم كَلامَ قُصَيٍّ إلَخْ، وقِيلَ: هم بَنُو عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ لَمْ يُسْلِمْ مِنهم إلّا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وسُوِيدُ بْنُ حَرْمَلَةَ كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ عَمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ لا نَسْمَعُهُ ولا نُجِيبُهُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَقُتِلُوا جَمِيعًا بِأُحُدٍ وكانُوا أصْحابَ اللِّواءِ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (تَوَلَّوْا)، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اعْتِراضًا تَذْيِيلًا أيْ: وهم قَوْمٌ عادَتُهُمُ الإعْراضُ،

8:24Page 179

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤

O you who have believed, respond to Allāh and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allāh intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَكْرِيرُ النِّداءِ مَعَ وصْفِهِمْ بِنَعْتِ الإيمانِ لِتَنْشِيطِهِمْ إلى الإقْبالِ عَلى الِامْتِثالِ بِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ الأوامِرِ وتَنْبِيهِهِمْ عَلى أنَّ فِيهِمْ ما يُوجِبُ ذَلِكَ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ بِحُسْنِ الطّاعَةِ ﴿إذا دَعاكُمْ﴾ أيِ: الرَّسُولُ إذْ هو المُباشِرُ لِدَعْوَةِ اللَّهِ تَعالى مَعَ ما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ أيْ: لِما يُورِثُكُمُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ في النَّعِيمِ الدّائِمِ مِنَ العَقائِدِ والأعْمالِ أوْ مِنَ الجِهادِ الَّذِي أعَزَّكُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ بَعْدَ الذُّلِّ وقَوّاكم بِهِ بَعْدَ الضَّعْفِ ومَنَعَكم بِهِ مِن عَدُوِّكم بَعْدَ القَهْرِ كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وإطْلاقُ ما ذُكِرَ عَلى العَقائِدِ والأعْمالِ وكَذا عَلى الجِهادِ، إمّا اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِإطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، وقالَ القُتَبِيُّ: المُرادُ بِهِ الشَّهادَةُ وهو مَجازٌ أيْضًا، وقالَ قَتادَةُ: القُرْآنُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الجَنَّةُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو العُلُومُ الدِّينِيَّةُ الَّتِي هي مَناطُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ كَما أنَّ الجَهْلَ مَدارُ المَوْتِ الحَقِيقِيِّ، وهو اسْتِعارَةٌ مَشْهُورَةٌ ذَكَرَها الأُدَباءُ

صفحة 191

وعُلَماءُ المَعانِي.

ولِلزَّمَخْشَرِيِّ:

لا تَعْجَبَنْ لِجَهُولٍ حُلَّتُهُ فَذاكَ مَيْتٌ وثَوْبُهُ كَفَنْ

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ إجابَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا نادى أحَدًا وهو في الصَّلاةِ، وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ ذَلِكَ لا يُبْطِلُها لِأنَّها أيْضًا إجابَةٌ، وحَكى الرُّويانِيُّ أنَّها لا تَجِبُ الصَّلاةُ بِها، وقِيلَ: إنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلاةَ إذا كانَ الدُّعاءُ لِأمْرٍ يَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ كَما إذا رَأى أعْمى وصَلَ إلى بِئْرٍ ولَوْ لَمْ يُحَذِّرْهُ لَهَلَكَ، وأُيِّدَ القَوْلُ بِالوُجُوبِ بِما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَرَّ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وهو يُصَلِّي فَدَعاهُ فَعَجِلَ في صِلاتِهِ ثُمَّ جاءَ فَقالَ: ما مَنَعَكَ مِن إجابَتِي؟ قالَ: كُنْتُ أُصَلِّي. قالَ: ألَمْ تُخْبَرْ فِيما أُوحِيَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ قالَ: بَلى. ولا أعُودُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ثُمَّ إنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ: لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً أعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ هي السَّبْعُ المَثانِي»».

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ إجابَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا تَقْطَعُ الصَّلاةَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ذَلِكَ الدُّعاءَ كانَ لِأمْرٍ مُهِمٍّ لا يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ، ولِلْمُصَلِّي أنْ يَقْطَعَ الصَّلاةَ لِمِثْلِهِ، وفِيهِ نَظَرٌ، ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ عُطِفَ عَلى اسْتَجِيبُوا، وأصْلُ الحَوْلِ كَما قالَ الرّاغِبُ تَغَيُّرُ الشَّيْءِ وانْفِصالُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وبِاعْتِبارِ التَّغَيُّرِ قِيلَ حالَ الشَّيْءُ يَحُولُ وبِاعْتِبارِ الِانْفِصالِ قِيلَ: حالَ بَيْنَهُما كَذا، وهَذا غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى؛ فَهو مَجازٌ عَنْ غايَةِ القُرْبِ مِنَ العَبْدِ لِأنَّ مِن فَصَلَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ كانَ أقْرَبَ إلى كُلٍّ مِنهُما مِنَ الآخَرِ؛ لِاتِّصالِهِ بِهِما وانْفِصالِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ، وظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ أنَّ الكَلامَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، فَمَعْنى يَحُولُ يُقَرِّبُ، ولا بُعْدَ في أنْ يَكُونَ مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ المُرَكَّبِ لِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِ مَعْناهُ وهو القُرْبُ، بَلِ ادُّعِيَ أنَّهُ الأنْسَبُ، وإرادَةُ هَذا المَعْنى هو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، فالآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ .

وفِيها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ مِن مَكْنُوناتِ القُلُوبِ عَلى ما قَدْ يَغْفُلُ عَنْهُ أصْحابُها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذَلِكَ الحَثَّ عَلى المُبادَرَةِ إلى إخْلاصِ القُلُوبِ وتَصْفِيَتِها، فَمَعْنى يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِهِ يُمِيتُهُ فَيَفُوتُهُ الفُرْصَةُ الَّتِي هو واجِدُها وهي التَّمَكُّنُ مِن إخْلاصِ القَلْبِ ومُعالَجَةِ أدْوائِهِ وعِلَلِهِ ورَدِّهِ سَلِيمًا كَما يُرِيدُ اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ أمَرَهم بِإجابَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشارَ لَهم إلى اغْتِنامِ الفُرْصَةِ مِن إخْلاصِ القُلُوبِ لِلطّاعَةِ وشَبَّهَ المَوْتَ بِالحَيْلُولَةِ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ الَّذِي بِهِ يَعْقِلُ في عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِن عِلْمِ ما يَنْفَعُهُ عِلْمُهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُبّائِيُّ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِتَمَكُّنِهِ تَعالى مِن قُلُوبِ العِبادِ فَيُصَرِّفُها كَيْفَ يَشاءُ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ صاحِبُها فَيَفْسَخُ عَزائِمَهُ ويُغَيِّرُ مَقاصِدَهُ ويُلْهِمُهُ رُشْدَهُ ويُزِيغُ عَنِ الصِّراطِ السَّوِيِّ قَلْبَهُ ويُبَدِّلُهُ بِالأمْنِ خَوْفًا وبِالذِّكْرِ نِسْيانًا، وذَلِكَ كَمَن حالَ بَيْنَ شَخْصٍ ومَتاعِهِ فَإنَّهُ القادِرُ عَلى التَّصَرُّفِ فِيهِ دُونَهُ وهَذا كَما في حَدِيثِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وقَدْ «سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ إكْثارِهِ الدُّعاءَ: يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ فَقالَ لَها: يا أُمَّ سَلَمَةَ إنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إلّا وقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعَ اللَّهُ تَعالى، فَمَن شاءَ أقامَ ومَن شاءَ أزاغَ».

ويُؤَيِّدُ هَذا التَّفْسِيرَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكُفْرِ ويَحُولُ بَيْنَ الكافِرِ والهُدى».

ولَعَلَّ ذَلِكَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اقْتِصارٌ عَلى الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما أعْظَمُ مَدارٍ لِلسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ وإلّا

صفحة 192

فَهَذا مِن فُرُوعِ التَّمَكُّنِ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ ولا يَخْتَصُّ أمْرُهُ بِما ذُكِرَ، وقَدْ حالَ سُبْحانَهُ بَيْنَ العَدْلِيَّةِ وبَيْنَ اعْتِقادِ هَذا فَعَدَلُوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، وبَيَّنَ بَعْضُ الأفاضِلِ رَبْطَ الآياتِ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا نَصَّ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾ إلَخْ، عَلى أنَّ الإسْماعَ لا يَنْفَعُ فِيهِمْ تَسْجِيلًا عَلى أُولَئِكَ الصُّمِّ البُكْمِ مَنَّ عَلى المُؤْمِنِينَ بِما مَنَحَهم مِنَ الإيمانِ ويَسَّرَ لَهم مِنَ الطّاعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم لَسْتُمْ مِثْلَ أُولَئِكَ المَطْبُوعِينَ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ فَإنَّهم إنَّما امْتَنَعُوا عَنِ الطّاعَةِ لِأنَّهم ما خُلِقُوا إلّا لِلْكُفْرِ فَما تَيَسَّرَ لَهُمُ الِاسْتِجابَةُ، وكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، فَأنْتُمْ لَمّا مُنِحْتُمُ الإيمانَ ووُفِّقْتُمْ لِلطّاعَةِ فاسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما فِيهِ حَياتُكم مِن مُجاهَدَةِ الكُفّارِ وطَلَبِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ واغْتَنِمُوا تِلْكَ الفُرْصَةَ، واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ بِأنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإيمانِ وبَيْنَهُ وبَيْنَ الطّاعَةِ ثُمَّ يُجازِيهِ في الآخِرَةِ بِالنّارِ، وتَلْخِيصُهُ: أوْلَيْتُكُمُ النِّعْمَةَ فاشْكُرُوها ولا تَكْفُرُوها لِئَلّا أُزِيلَها عَنْكُمُ اهـ.

ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكْلِيفِ، وقِيلَ: إنَّ القَوْمَ لَمّا دُعُوا إلى القِتالِ والجِهادِ وكانُوا في غايَةِ الضَّعْفِ والقِلَّةِ خافَتَ قُلُوبُهم وضاقَتْ صُدُورُهم فَقِيلَ لَهُمْ: قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى إذا دُعِيتُمْ، واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ فَيُبَدِّلُ الأمْنَ خَوْفًا والجُبْنَ جُرْأةً. وقُرِئَ: (بَيْنَ المَرِّ) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلَيْها وإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ ﴿وأنَّهُ﴾ أيِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوِ الشَّأْنَ ﴿إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ فَيُجازِيكم بِحَسْبِ مَراتِبِ أعْمالِكُمُ الَّتِي لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها فَسارِعُوا إلى طاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبالِغُوا في الِاسْتِجابَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ تُحْشَرُونَ إلَيْهِ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ فَيُجازِيكم فَلا تَأْلُوا جُهْدًا في انْتِهازِ الفُرْصَةِ، أوِ المَعْنى: أنَّهُ المُتَصَرِّفُ في قُلُوبِكم في الدُّنْيا ولا مَهْرَبَ لَكم عَنْهُ في الآخِرَةِ فَسَلُوا الأمْرَ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ ولا تُحَدِّثُوا أنْفُسَكم بِمُخالَفَتِهِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أشارَ في صَدْرِ الآيَةِ إلى أنَّ السَّعِيدَ مَن أسْعَدَهُ والشَّقِيَّ مَن أضَلَّهُ وأنَّ القُلُوبَ بِيَدِهِ يُقَلِّبُها كَيْفَما يَشاءُ ويَخْلُقُ فِيها الدَّواعِيَ والعَقائِدَ حَسْبَما يُرِيدُ خَتَمَها بِما يُفِيدُ أنَّ الحَشْرَ إلَيْهِ لِيُعْلَمَ أنَّهُ مَعَ كَوْنِ العِبادِ مَجْبُورِينَ خُلِقُوا مُثابِينَ مُعاقَبِينَ إمّا لِلْجَنَّةِ وإمّا لِلنّارِ لا يُتْرَكُونَ مُهْمَلِينَ مُعَطَّلِينَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى الجَبْرِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ، ولَيْسَ فِيها عِنْدَ مَن أنْصَفَ بَعْدَ التَّأمُّلِ أكْثَرُ مِنَ انْتِهاءِ الأُمُورِ بِالآخِرَةِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ.

8:25Page 179

وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٥

And fear a trial1 which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allāh is severe in penalty.

﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ أيْ: لا تَخْتَصُّ إصابَتُها لِمَن يُباشِرُ الظُّلْمَ مِنكم بَلْ تَعُمُّهُ وغَيْرَهُ، والمُرادُ بِالفِتْنَةِ الذَّنْبُ، وفُسِّرَ بِنَحْوِ إقْرارِ المُنْكَرِ والمُداهَنَةِ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وافْتِراقِ الكَلِمَةِ وظُهُورِ البِدَعِ والتَّكاسُلِ في الجِهادِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَعْنى، والمُصِيبُ عَلى هَذا هو الأثَرُ كالشَّآمَةِ والوَبالِ، وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُقَدَّرَ أوْ يُتَجَوَّزَ في إصابَتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ العَذابُ فَلا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ أوِ التَّجَوُّزِ فِيما ذُكِرَ لِأنَّ إصابَتَهُ بِنَفْسِهِ، وكَذا لا حاجَةَ إلى ارْتِكابِ تَقْدِيرٍ في جانِبِ الأمْرِ ولا التِزامِ اسْتِخْدامٍ، و(لا) نافِيَةٌ، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ قِيلَ جَوابُ الأمْرِ عَلى مَعْنى: إنْ إصابَتْكم لا تُصِيبُ الظّالِمِينَ مِنكُمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّ جَوابَ الأمْرِ إنَّما يُقَدَّرُ فِعْلُهُ مِن جِنْسِ الأمْرِ المُظْهَرِ لا مِن جِنْسِ الجَوابِ ولَوْ قُدِّرَ ذَلِكَ وفاءً بِالقاعِدَةِ فَسَدَ المَعْنى، إذْ يَكُونُ: إنْ تَتَّقُوا الفِتْنَةَ تَعُمُّكم إصابَتُها ولا تَخْتَصُّ بِالظّالِمِينَ مِنكم وهو كَما تَرى، وأُجِيبَ بِأنَّ أصْلَ الكَلامِ: واتُّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبُكُمْ، فَإنْ أصابَتْكم لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً بَلْ عَمَّتَكم فَأُقِيمَ جَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ المُقَدَّرِ في جَوابِ الأمْرِ لِتَسَبُّبِهِ مِنهُ، وسُمِّيَ الأمْرُ لِأنَّ المُعامَلَةَ مَعَهُ لَفْظًا

صفحة 193

وفِيهِ: أنَّ مِنَ البَيِّنِ أنَّ عُمُومَ الإصابَةِ لَيْسَ مُسَبَّبًا عَنْ عَدَمِ الإصابَةِ ولا عَنِ الأمْرِ وظاهِرُ التَّعْبِيرِ يَقْتَضِيهِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ مِن تَقْدِيرِ ما يُناسِبُ الكَلامَ وعَدَمِ التِزامِ كَوْنِ المُقَدَّرِ مِن جِنْسِ المَلْفُوظِ نَفْيًا أوْ إثْباتًا فَيُقَدِّرُونَ في نَحْوِ: لا تَدْنُ مِنَ الأسَدِ يَأْكُلْكَ، الإثْباتَ أيْ: إنْ تَدْنُ يَأْكُلْكَ. وفي نَحْوِ: اتَّقُوا فِتْنَةَ النَّفْيِ أيْ: إنْ لَمْ تَتَّقُوا تُصِبْكم. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ ذَلِكَ القائِلَ لَمْ يُقَدِّرْ لا هَذا ولا ذاكَ، وإنَّما قَدَّرَ ما يَسْتَقِيمُ بِهِ المَعْنى مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى مَضْمُونِ الأمْرِ أوْ نَقِيضِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ مُرادَهُ أنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ لَمْ تَتَّقُوا تُصِبْكم وإنْ أصابَتْكم لا تَخْتَصُّ بِالظّالِمِينَ فَأُقِيمَ جَوابُ الشَّرْطِ الثّانِي مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ المُقَدَّرِ الَّذِي هو نَقِيضُ الأمْرِ لِتَسَبُّبِهِ عَنْهُ، وما أُورِدَ عَلى هَذا مِن أنَّهُ لا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ الواسِطَةِ حِينَئِذٍ إذْ يَكْفِي أنْ يُقالَ: إنْ لَمْ تَتَّقُوا لا تُصِبِ الظّالِمِينَ خاصَّةً فَمَعَ كَوْنِهِ مُناقَشَةً لَفْظِيَّةً مَدْفُوعٌ بِأدْنى تَأمُّلٍ لِأنَّ عَدَمَ اخْتِصاصِ إصابَةِ الفِتْنَةِ بِالظّالِمِينَ كَما يَكُونُ بِعُمُومِ الإصابَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ كَذَلِكَ يَكُونُ بِعَدَمِ إصابَتِها لَهم رَأْسًا فَلا بُدَّ مِنَ اعْتِبارِ الواسِطَةِ قَطْعًا.

وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: مُرادُ مَن قَدَّرَ إنْ أصابَتْكم إنْ لَمْ تَتَّقُوا عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى تَقْدِيرَ النَّفْيِ، لَكِنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِ أصابَتْ لِتَلازُمِها؛ فَلا يَرِدُ حَدِيثُ الواسِطَةِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مُتَرَدِّدٌ تَأْكِيدُهُ بِالنُّونِ؛ إذِ التَّأْكِيدُ يَقْتَضِي دَفْعَ التَّرَدُّدِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ هُنا طَلَبِيٌّ مَعْنًى فَيُؤَكَّدُ كَما يُؤَكَّدُ الطَّلَبِيُّ وهو لا يُنافِيهِ التَّرَدُّدُ في وُقُوعِهِ؛ لِأنَّهُ لا تَرَدُّدَ في طَلَبِهِ عَلى أنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ وإنْ كانَ مُتَرَدِّدًا في نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ مُعَلَّقًا بِما هو مُتَرَدِّدٌ وهو الشَّرْطُ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَرَدِّدٍ بِحَسْبِ الشَّرْطِ، وعَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِهِ فَيَلِيقُ بِهِ التَّأْكِيدُ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ابْنَ جِنِّيٍّ رَجَّحَ أنَّ المَنفِيَّ - بِلا - يُؤَكَّدُ في السِّعَةِ لِشَبَهِهِ بِالنَّهْيِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ﴾ وقالَ ناصِرُ الدِّينِ: إنَّ هَذا الجَوابَ لَمّا تَضَمَّنَ مَعْنى النَّهْيِ ساغَ تَوْكِيدُهُ، ووَجُهِّهَ أنَّ النَّفْيَ إذا كانَ مَطْلُوبًا كانَ في مَعْنى النَّهْيِ وفي حُكْمِهِ فَيَجُوزُ فِيهِ التَّأْكِيدُ كالنَّهْيِ الصَّرِيحِ، ولا خَفاءَ في أنَّ عَدَمَ كَوْنِهِمْ بِحَيْثُ تُصِيبُهُمُ الفِتْنَةُ مَطْلُوبٌ كَما أنَّ عَدَمَ كَوْنِهِمْ يَحْطِمُهم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ كَذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ صِفَةٌ لِفِتْنَةٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ شُذُوذًا؛ لِأنَّ النُّونَ لا تَدْخُلُ المَنفِيَّ في غَيْرِ القَسَمِ، وقَدْ يُجابُ بِأنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أنَّ ابْنَ جِنِّيِّ وكَذا بَعْضُ النُّحاةِ جَوَّزَ ذَلِكَ، وقَدِ ارْتَضاهُ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ، نَعَمْ ما ذُكِرَ كَلامُ الجُمْهُورِ.

وقالَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (لا) ناهِيَةً والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ أيْضًا لَكِنْ عَلى إرادَةِ القَوْلِ كَقَوْلِهِ:

حَتّى إذا جَنَّ الظَّلامُ واخْتَلَطْ جاؤُوا بِمَذْقٍ، هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطْ

لِأنَّ المَشْهُورَ أنَّ الجُمْلَةَ الإنْشائِيَّةَ نَهْيًا كانَتْ أوْ غَيْرَها لا تَقَعُ صِفَةً ونَحْوَها إلّا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ قَوْلَكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ أضْرِبُهُ بِتَقْدِيرِ: مَقُولٌ فِيهِ أضْرِبُهُ، ولَيْسَ المَقْصُودُ بِالمَقُولِيَّةِ الحِكايَةَ بَلِ اسْتِحْقاقَهُ لِذَلِكَ حَتّى كَأنَّهُ مَقُولٌ فِيهِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ الوَصْفَ بِذَلِكَ بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِمَطْلُوبِ ضَرْبِهِ فَلا يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ القَوْلِ، وأنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابَ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لا تُصِيبَنَّ خاصَّةً بَلْ تَعُمُّ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أمْرُ التَّأْكِيدِ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقِراءَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وأُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ والباقِرِ والرَّبِيعِ وأبُو العالِيَةِ: (لَتُصِيبَنَّ) فَإنَّ الظّاهِرَ فِيها القَسَمِيَّةُ، وقِيلَ: إنَّ الأصْلَ: - لا - إلّا أنَّ الألِفَ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا كَما قالُوا: أمْ واللَّهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ:

صفحة 194

إنَّ (لا) في القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ هي اللّامُ والألِفُ تَوَلَّدَتْ مِن إشْباعِ الفَتْحَةِ كَما في قَوْلِهِ:

فَأنْتَ مِنَ العَواتِكِ حِينَ تُرْمى ∗∗∗ ومِن ذَمِّ الرِّجالِ بِمُنْتَزاحِ

وكِلا القَوْلَيْنِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نَهْيًا مُسْتَأْنَفًا لِتَقْرِيرِ الأمْرِ وتَأْكِيدِهِ، وهو مِن بابِ الكِنايَةِ؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ لا تَنْهى عَنِ الإصابَةِ إذْ لا يُتَصَوَّرُ الِامْتِثالُ مِنها بِحالٍ، والمَعْنى حِينَئِذٍ: لا تَتَعَرَّضُوا لِلظُّلْمِ فَتُصِيبُكُمُ الفِتْنَةُ خاصَّةً و(مِن) عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ (لا) ناهِيَةً سَواءٌ جُعِلَتِ الجُمْلَةُ صِفَةً أوْ مُؤَكِّدَةً لِلْأمْرِ بَيانِيَّةً لا تَبْعِيضِيَّةً لِأنَّها لَوِ اعْتُبِرَتْ كَذَلِكَ لَكانَ النَّهْيُ عَنِ التَّعْرِيضِ لِلظُّلْمِ مَخْصُوصًا بِالظّالِمِينَ مِنهم دُونَ غَيْرِهِمْ فَغَيْرُ الظُّلْمِ لا يَكُونُ مَنهِيًّا عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ بِمَنطُوقِ الآيَةِ وذَلِكَ شَيْءٌ لا يُرادُ. وأمّا عَلى الوُجُوهِ الأُخَرِ مِن كَوْنِ (لا) نافِيَةً لا ناهِيَةً سَواءٌ كانَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿لا تُصِيبَنَّ﴾ صِفَةً لِفِتْنَةٍ كَما هو الظّاهِرُ أوْ جَوابِ الأمْرِ أوْ جَوابِ قَسَمٍ فَهي تَبْعِيضِيَّةٌ قَطْعًا، إذِ الآيَةُ عَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ جَمِيعًا مُخْبِرَةٌ بِأنَّ إصابَةَ الفِتْنَةِ لا تَخُصُّ بِالظّالِمِينَ بَلْ تَعُمُّ غَيْرَهم أيْضًا، فَلَوْ بُيِّنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالمُخاطَبِينَ لَأفْهَمَتْ أنَّ الأصْحابَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كُلَّهم ظالِمُونَ وحاشاهُمْ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ الخِطابَ إذا كانَ عامِلًا لِلْأُمَّةِ وفُسِّرَتِ الفِتْنَةُ بِإقْرارِ المُنْكَرِ لا يَجِيءُ الإشْكالُ عَلى عُمُومِ الإصابَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ لِأنَّهُ كَما يَجِبُ عَلى مُرْتَكِبِ الذَّنْبِ الِانْتِهاءُ عَنْهُ يَجِبُ عَلى الباقِينَ رَفْعُهُ، وإذْ لَمْ يَفْعَلُوا كانُوا آثِمِينَ فَيُصِيبُهم ما يُصِيبُهم لِإثْمِهِمْ.

ويَدُلُّ لِلْوُجُوبِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أمَرَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُقِرُّوا المُنْكَرَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَيَعُمُّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَذابٍ يُصِيبُ الظّالِمَ وغَيْرَ الظّالِمِ.

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو داوُدَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ حازِمٍ، عَنْ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ النّاسَ إذا رَأوُا الظّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلى يَدِهِ أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعِقابٍ»».

ورَوى التِّرْمِذِيُّ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَمّا وقَعَتْ بَنُو إسْرائِيلَ في المَعاصِي نَهاهم عُلَماؤُهم فَلَمْ يَنْتَهُوا فَجالَسُوهم في مَجالِسِهِمْ وواكَلُوهم وشارَبُوهم فَضَرَبَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ولَعَنَهم عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ».

ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ الخِطابَ خاصٌّ فَسَّرَ الفِتْنَةَ بِافْتِراقِ الكَلِمَةِ، وجَعَلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ما حَدَثَ بَيْنَ أصْحابِ بَدْرٍ يَوْمَ الجَمَلِ.

ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُمُ المَعْنِيُّونَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ، وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قَرَأْنا هَذِهِ الآيَةَ زَمانًا وما نَرى أنّا مِن أهْلِها فَإذا نَحْنُ المَعْنِيُّونَ بِها، وقَدْ أُخْرِجَ نَهْيُهم عَنْ ذَلِكَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأُقِيمَ الظّالِمُونَ مَقامَ ضَمِيرِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَعَرُّضَ الفِتْنَةِ وهي افْتِراقُ الكَلِمَةِ مِن أشَدِّ الظُّلْمِ لا سِيَّما مِن هَؤُلاءِ الأجِلّاءِ، ثُمَّ فُسِّرَ بِضَمِيرِهِمْ دَلالَةً عَلى الِاخْتِصاصِ وأُكِّدَ بِخاصَّةٍ وكَثِيرًا ما يُشَدِّدُ الأمْرُ عَلى الخاصَّةِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ لِمَن خالَفَ أمْرَهُ وكَذا مَن أقَرَّ مَنِ انْتَهَكَ مَحارِمَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском