Al-AlusiAl‑Anfal · 8:38–40

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:38–40

8:38Page 181

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدۡ مَضَتۡ سُنَّتُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٨

Say to those who have disbelieved [that] if they cease, what has previously occurred will be forgiven for them. But if they return [to hostility] - then the precedent of the former [rebellious] peoples has already taken place.1

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ: المَعْهُودِينَ وهم أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، واللّامُ عِنْدَ جَمْعٍ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: قُلْ لِأجْلِهِمْ: ﴿إنْ يَنْتَهُوا﴾ عَمّا هم فِيهِ مِن مُعاداةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ ﴿يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُعاداةُ والإنْفاقُ في الضَّلالِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ اللّامَ لِلتَّبْلِيغِ وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِرَ أنْ يَقُولَ هَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ ألْفاظُ هَذِهِ الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ سَواءٌ قالَهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ أمْ غَيْرِها، وهَذا الخِلافُ إنَّما هو عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (إنْ تَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَكُمْ) بِالخِطابِ فَلا خِلافَ في أنَّها لِلتَّبْلِيغِ عَلى مَعْنى: خاطِبْهم بِذَلِكَ، وقُرِئَ: (نَغْفِرْ لَهُمْ) عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿وإنْ يَعُودُوا﴾ إلى قِتالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ إلى المُعاداةِ عَلى مَعْنى إنْ داوَمُوا عَلَيْها ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: عادَةُ اللَّهِ تَعالى الجارِيَةُ في الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن نَصْرِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ وخِذْلانِهِمْ وتَدْمِيرِهِمْ، وأُضِيفَتِ السُّنَّةُ إلَيْهِمْ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ الظّاهِرَةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا﴾ فَأضافَ السُّنَّةَ إلى المُرْسَلِينَ مَعَ أنَّها سُنَّتُهُ تَعالى لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا﴾ بِاعْتِبارِ جَرَيانِها عَلى أيْدِيهِمْ، ويَدْخُلُ في الأوَّلِينَ الَّذِينَ حاقَ بِهِمْ مَكْرُهم يَوْمَ بَدْرٍ، وبَعْضُهم فَسَّرَهُ بِذَلِكَ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى لِعُمُومِهِ، ولِأنَّ السُّنَّةَ تَقْتَضِي التَّكَرُّرَ في العُرْفِ وإنْ قالُوا: العادَةُ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ، والجُمْلَةُ عَلى ما في البَحْرِ دَلِيلُ الجَوابِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ يَعُودُوا انْتَقَمْنا مِنهم أوْ نَصَرْنا المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ.

﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ كَفَّرُوا الكُفّارُ مُطْلَقًا، والآيَةُ حَثٌّ عَلى الإيمانِ وتَرْغِيبٌ فِيهِ، والمَعْنى أنَّ الكُفّارَ إنِ انْتَهَوْا عَنِ الكُفْرِ وأسْلَمُوا غُفِرَ لَهم ما سَلَفَ مِنهم مَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي وخَرَجُوا مِنها كَما تَنْسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ العَجِينِ، وإنْ عادُوا إلى الكُفْرِ بِالِارْتِدادِ فَقَدْ رَجَعَ التَّسْلِيطُ والقَهْرُ عَلَيْهِمْ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وأنَّ الكافِرَ إذا أسْلَمَ لا يُخاطَبُ بِقَضاءِ ما فاتَهُ مِن صَلاةٍ أوْ زَكاةٍ أوْ صَوْمٍ أوْ إتْلافِ مالٍ أوْ نَفْسٍ، وأجْرى المالِكِيَّةُ ذَلِكَ كُلَّهُ في المُرْتَدِّ إذا تابَ لِعُمُومِ الآيَةِ، واسْتَدَلُّوا بِها عَلى إسْقاطِ ما عَلى الذِّمِّيِّ مِن جِزْيَةٍ وجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ إسْلامِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ قالَ: لا يُؤاخَذُ الكافِرُ بِشَيْءٍ صَنَعَهُ في كُفْرِهِ إذا أسْلَمَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنْ يَنْتَهُوا﴾ إلَخْ.

وقالَ بَعْضٌ: إنَّ الحَرْبِيَّ إذا أسْلَمَ لَمْ تَبْقَ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ أصْلًا، وأمّا الذِّمِّيُّ فَلا يَلْزَمُهُ قَضاءُ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى وتَلْزَمُهُ حُقُوقُ العِبادِ، ونُسِبَ إلى الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ مَذْهَبَهُ في المُرْتَدِّ كَمَذْهَبِ المالِكِيَّةِ في أنَّهُ إذا رَجَعَ إلى الإسْلامِ لَمْ تَبْقَ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ وهو كالصَّرِيحِ في أنَّ مَن عَصى طُولَ العُمْرِ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أسْلَمَ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ.

ونَسَبَ بَعْضُهم قَوْلَ ذَلِكَ إلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ صَرِيحًا وادَّعى أنَّهُ احْتُجَّ عَلَيْهِ بِالآيَةِ، وأنَّهُ في غايَةِ الضَّعْفِ؛ إذِ المُرادُ بِالكُفْرِ المُشارِ إلَيْهِ في الآيَةِ هو الكُفْرُ الأصْلِيُّ، وبِما سَلَفَ ما مَضى في حالِ الكُفْرِ، وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّ أبا حَنِيفَةَ ومالِكًا أبْقَيا الآيَةَ عَلى عُمُومِها لِحَدِيثِ: ««الإسْلامُ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ»».

وإنَّهُما قالا: إنَّ المُرْتَدَّ يَلْزَمُهُ حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى كَما في كِتابِ أحْكامِ القُرْآنِ لِابْنِ عَبْدِ الحَقِّ، وخالَفَهُما الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ: يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الحُقُوقِ، وأنا أقُولُ ما ذَكَرَهُ ذَلِكَ البَعْضُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ في العاصِي المَذْكُورِ في غايَةِ الغَرابَةِ، وفي كُتُبِ الأصْحابِ ما يُخالِفُهُ، فَفي الخافِيَةِ: إذا كانَ عَلى المُرْتَدِّ قَضاءُ صَلَواتٍ أوْ صِياماتٍ تَرَكَها

صفحة 207

فِي الإسْلامِ ثُمَّ أسْلَمَ قالَ شَمْسُ الأئِمَّةِ الحَلْوانِيُّ: عَلَيْهِ قَضاءُ ما تَرَكَ في الإسْلامِ؛ لِأنَّ تَرْكَ الصَّلاةِ والصِّيامِ مَعْصِيَةٌ تَبْقى بَعْدَ الرِّدَّةِ، نَعَمْ ذَكَرَ قاضِيخانُ فِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ الأشْياءِ يَسْقُطُ عَنْ هَذا المُرْتَدِّ إذا عادَ إلى الإسْلامِ وأطالَ الكَلامَ في المُرْتَدِّ، ولا بَأْسَ بِنَقْلِ شَيْءٍ مِمّا لَهُ تَعَلُّقٌ في هَذا المَبْحَثِ؛ إذْ لا يَخْلُو عَنْ فائِدَةٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: مُسْلِمٌ أصابَ مالًا أوْ شَيْئًا يَجِبُ بِهِ القَصاصُ أوْ حَدُّ قَذْفٍ ثُمَّ ارْتَدَّ أوْ أصابَ ذَلِكَ، وهو مُرْتَدٌّ في دارِ الإسْلامِ ثُمَّ لَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ وحارَبَ المُسْلِمِينَ زَمانًا، ثُمَّ جاءَ مُسْلِمًا فَهو مَأْخُوذٌ بِجَمِيعِ ذَلِكَ ولَوْ أصابَ ذَلِكَ بَعْدَ ما لَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ مُرْتَدًّا وأسْلَمَ؛ فَذَلِكَ كُلُّهُ مَوْضُوعٌ عَنْهُ، وما أصابَ المُسْلِمُ مِن حُدُودِ اللَّهِ تَعالى كالزِّنا والسَّرِقَةِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ ثُمَّ ارْتَدَّ أوْ أصابَ ذَلِكَ بَعْدَ الرِّدَّةِ ثُمَّ لَحِقَ بِدارِ الحَرْبِ، ثُمَّ جاءَ مُسْلِمًا فَكُلُّ ذَلِكَ يَكُونُ مَوْضُوعًا عَنْهُ إلّا أنَّهُ يَضْمَنُ المالَ في السَّرِقَةِ، وإذا أصابَ دَمًا في الطَّرِيقِ كانَ عَلَيْهِ القَصاصُ، وما أصابَ في قَطْعِ الطَّرِيقِ مِنَ القَتْلِ خَطَأً فَفِيهِ الدِّيَةُ عَلى عاقِلَتِهِ إنْ أصابَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ وفي مالِهِ أصابَهُ بَعْدَها، وإنْ وجَبَ عَلى المُسْلِمِ حَدُّ الشُّرْبِ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أسْلَمَ قَبْلَ اللُّحُوقِ بِدارِ الحَرْبِ فَإنَّهُ لا يُؤاخَذُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ الكُفْرَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الحَدِّ ابْتِداءً، فَإذا اعْتُرِضَ مَنعُ البَقاءِ وإنْ أصابَ المُرْتَدُّ ذَلِكَ وهو مَحْبُوسٌ لا يُؤاخَذُ بِحَدِّ الخَمْرِ والسُّكْرِ ويُؤاخَذُ بِما سِوى ذَلِكَ مِن حُدُودِ اللَّهِ تَعالى، ويَتَمَكَّنُ الإمامُ مِن إقامَةِ هَذا الحَدِّ إذا كانَ في يَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ في يَدِهِ حِينَ أصابَ ذَلِكَ ثُمَّ أسْلَمَ قَبْلَ اللُّحُوقِ بِدارِ الحَرْبِ فَهو مَوْضُوعٌ عَنْهُ أيْضًا. انْتَهى، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُمُ: المُرْتَدُّ يَلْزَمُهُ حُقُوقُ العِبادِ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، وتَمامُ الكَلامِ في الفُرُوعِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الوَجْهَ في الآيَةِ هو المُطابِقُ لِمُقْتَضى المَقامِ وأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الكُفْرِ الكُفْرُ الأصْلِيُّ.

و««الإسْلامُ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ»» بَعْضٌ مِن حَدِيثٍ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ «عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ لِأُبايِعَكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ الشَّرِيفَةَ قالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما لَكَ يا عَمْرُو؟ قُلْتُ: أرَدْتُ أنْ أشْتَرِطَ. قالَ: تَشْتَرِطُ ماذا؟ قُلْتُ: أشْتَرِطُ أنْ يُغْفَرَ لِي. قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ الإسْلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ، وأنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَها، وأنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ»» الحَدِيثَ.

والظّاهِرُ أنَّ (ما) لا يُمْكِنُ حَمْلُها في الكُلِّ عَلى العُمُومِ كَما لا يَخْفى فَلا تَغْفُلْ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الكافِرَ إذا أسْلَمَ يَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ والنَّدَمُ عَلى ما سَلَفَ مَعَ الإيمانِ حَتّى يُغْفَرَ لَهُ وفِيهِ تَأمُّلٌ فَتَأمَّلْ.

8:39Page 181

وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣٩

And fight against them until there is no fitnah1 and [until] the religion [i.e., worship], all of it, is for Allāh.2 And if they cease - then indeed, Allāh is Seeing of what they do.

﴿وقاتِلُوهُمْ﴾ عُطِفَ عَلى (قُلْ). وعَمَّ الخِطابُ لِزِيادَةِ تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في القِتالِ لِتَحْقِيقِ ما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾ مِنَ الوَعِيدِ ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: لا يُوجَدَ مِنهم شِرْكٌ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقِيلَ: المُرادُ حَتّى لا يُفْتَتَنَ مُؤْمِنٌ عَنْ دِينِهِ.

﴿ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وتَضْمَحِلَّ الأدْيانُ الباطِلَةُ كُلُّها؛ إمّا بِهَلاكِ أهْلِها جَمِيعًا أوْ بِرُجُوعِهِمْ عَنْها خَشْيَةَ القَتْلِ، قِيلَ: لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدُ، وسَيَتَحَقَّقُ مَضْمُونُها إذا ظَهَرَ المَهْدِيُّ فَإنَّهُ لا يَبْقى عَلى ظَهْرِ الأرْضِ مُشْرِكٌ أصْلًا عَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الكُفْرِ بِقِتالِكم.

﴿فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ الجُمْلَةُ قائِمَةٌ مَقامَ الجَزاءِ أيْ: فَيُجازِيهِمْ عَلى انْتِهائِهِمْ وإسْلامِهِمْ، أوْ جُعِلَتْ مَجازًا عَنِ الجَزاءِ أوْ كِنايَةً أوْ فَكَوْنُهُ تَعالى بَصِيرًا أمْرٌ ثابِتٌ قَبْلَ الِانْتِهاءِ وبَعْدَهُ لَيْسَ مُعَلَّقًا عَلى شَيْءٍ. وعَنْ يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ: (تَعْمَلُونَ) بِالتّاءِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ المُجاهِدِينَ؛ أيْ: بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الجِهادِ المُخْرِجِ لَهم إلى الإسْلامِ، وتَعْلِيقُ الجَزاءِ بِانْتِهائِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم يُثابُونَ بِالسَّبَبِيَّةِ كَما يُثابُ المُباشِرُونَ بِالمُباشَرَةِ.

8:40Page 181

وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَىٰكُمۡۚ نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٤٠

But if they turn away - then know that Allāh is your protector. Excellent is the protector, and excellent is the helper.

﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ ولَمْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ

صفحة 208

﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ: ناصِرُكم فَثِقُوا بِهِ ولا تُبالُوا بِمُعاداتِهِمْ.

﴿نِعْمَ المَوْلى﴾ لا يُضَيِّعُ مَن تَوَلّاهُ.

﴿ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ لا يُغْلَبُ مَن نَصَرَهُ.

* * *

هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ): ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ تَأْدِيبٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِأهْلِ بَدْرٍ وهِدايَةٌ لَهم إلى فَناءِ الأفْعالِ حَيْثُ سَلَبَ الفِعْلَ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ، ويُشْبِهُ هَذا مِن وجْهٍ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ والفَرْقُ أنَّهُ لَمّا كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في مَقامِ البَقاءِ بِالحَقِّ سُبْحانَهُ إلَيْهِ الفِعْلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ مَعَ سَلْبِهِ عَنْهُ (بِما رَمَيْتَ) وإثْباتُهُ لِلَّهِ تَعالى في حَيِّزِ الِاسْتِدْراكِ لِيُفِيدَ مَعْنى التَّفْصِيلِ في عَيْنِ الجَمْعِ فَيَكُونُ الرّامِي مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ بِاللَّهِ تَعالى لا بِنَفْسِهِ، ولِعُلُوِّ مَقامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَدَمِ كَوْنِهِمْ في ذَلِكَ المَقامِ الأرْفَعِ نَسَبَ سُبْحانَهُ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما نُسِبَ ولَمْ يَنْسُبْ إلَيْهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِنَ الفِعْلِ شَيْئًا، وهَذا أحَدُ أسْرارِ تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ في الجُمْلَتَيْنِ حَيْثُ لَمْ يُنْسَبُ في الأُولى ونُسِبَ في الثّانِيَةِ، بَقِيَ سِرُّ التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ المَنفِيِّ (بِلَمْ) في إحْداهُما والماضِي المَنفِيِّ (بِما) في الأُخْرى فارْجِعْ إلى فِكْرِكَ. فَلَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يَفْتَحُهُ عَلَيْكَ.

﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ أيْ: لِيُعْطِيَهم عَطاءً جَمِيلًا؛ وهو تَوْحِيدُ الأفْعالِ، والمُرادُ لِهَذا فِعْلُ ذَلِكَ.

﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ بِخَطِراتِ نُفُوسِكم بِنِسْبَةِ القَتْلِ إلَيْكم.

﴿عَلِيمٌ﴾ بِأنَّهُ القاتِلُ حَقِيقَةً وكَوْنِكم مَظْهَرًا لِفِعْلِهِ.

﴿وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ لِاحْتِجابِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ.

﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ الآيَةَ، قِيلَ فِيها: أيْ: تَفْتَحُوا أبْوابَ قُلُوبِكم بِمَفاتِيحِ الصِّدْقِ والإخْلاصِ وتَرْكِ السَّوِيِّ في طَلَبِ التَّجَلِّي.

﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ بِالتَّجَلِّي فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَزَلْ مُتَجَلِّيًا ولا يَزالُ لَكِنْ لا يُدْرِكُ ذَلِكَ إلّا مَن فَتَحَ قَلْبَهُ.

﴿وإنْ تَنْتَهُوا﴾ عَنْ طَلَبِ السَّوِيِّ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الفَوْزِ بِالمَوْلى.

﴿وإنْ تَعُودُوا﴾ إلى طَلَبِ الدُّنْيا وزَخارِفِها ﴿نَعُدْ﴾ إلى خِذْلانِكم ونَكِلْكم إلى أنْفُسِكم.

﴿ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكُمْ﴾ الدُّنْيَوِيَّةُ ﴿شَيْئًا﴾ مِمّا لِخاصَّتِهِ سُبْحانَهُ.

﴿ولَوْ كَثُرَتْ﴾ لِأنَّها كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ لِأنَّ ثَمَرَةَ السَّماعِ الفَهْمُ والتَّصْدِيقُ وثَمَرَتَهُما الإرادَةُ وثَمَرَتَها الطّاعَةُ فَلا تَصِحُّ دَعْوى السَّماعِ مَعَ الإعْراضِ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ لِكَوْنِهِمْ مَحْجُوبِينَ عَنِ الفَهْمِ.

﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ﴾ عَنِ السَّماعِ.

﴿البُكْمُ﴾ عَنِ القَبُولِ.

﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ لِماذا خُلِقُوا.

﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ اسْتِعْدادًا صالِحًا ﴿لأسْمَعَهُمْ﴾ سَماعَ تَفَهُّمٍ.

﴿ولَوْ أسْمَعَهُمْ﴾ مَعَ عَدَمِ عِلْمِ الخَيْرِ فِيهِمْ ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ وارْتَدُّوا سَرِيعًا؛ إذْ شَأْنُ العارِضِ الزَّوالُ وهم مُعْرِضُونَ بِالذّاتِ.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ بِالتَّصْفِيَةِ.

﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ وهو العِلْمُ بِاللَّهِ تَعالى، وقَدْ يُقالُ: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ تَعالى بِالباطِنِ والأعْمالِ القَلْبِيَّةِ ولِلرَّسُولِ بِالظّاهِرِ والأعْمالِ النَّفْسِيَّةِ، أوِ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ تَعالى بِالفَناءِ في الجَمْعِ ولِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمُراعاةِ حُقُوقِ التَّفْصِيلِ.

﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ مِنَ البَقاءِ.

﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ فَيَزُولُ الِاسْتِعْدادُ فانْتَهِزُوا الفُرْصَةَ.

﴿وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى حَسْبِ مَراتِبِكم.

﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ بَلْ تَشْمَلُهم وغَيْرَهم بِشُؤْمِ الصُّحْبَةِ.

﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ مِن حَيْثُ القَدْرُ لِجَهْلِكم ﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾ في أرْضِ النَّفْسِ.

﴿تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ أيْ: ناسُ القُوى الحِسِّيَّةِ لِضَعْفِ نُفُوسِكم.

﴿فَآواكُمْ﴾ إلى مَدِينَةِ العِلْمِ.

﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ في مَقامِ تَوْحِيدِ الأفْعالِ ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيْ: عُلُومِ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ.

﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: واذْكُرُوا أيُّها الأرْواحُ والقُلُوبُ إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا لَيْسَ مَعَكم غَيْرُكم إذْ لَمْ يَنْشَأْ لَكم بَعْدُ الصِّفاتُ والأخْلاقُ والرُّوحانِيَّةُ ﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾ في أرْضِ البَدَنِ ﴿تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ مِنَ النَّفْسِ وأعْوانِها

صفحة 209

﴿فَآواكُمْ﴾ إلى حَظائِرِ قُدْسِهِ.

﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ بِالوارِداتِ الرَّبّانِيَّةِ ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ وهي تَجَلِّياتُهُ سُبْحانَهُ.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ بِتَرْكِ الإيمانِ ﴿والرَّسُولَ﴾ بِتَرْكِ التَّخَلُّقِ بِأخْلاقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ وهي ما رَزَقَكُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُدْرَةِ وسَلامَةِ الآلاتِ بِتَرْكِ الأعْمالِ الحَسَنَةِ أوْ لا تَخُونُوا اللَّهَ تَعالى بِنَقْضِ مِيثاقِ التَّوْحِيدِ الفِطْرِيِّ السّابِقِ والرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنَقْضِ العَزِيمَةِ ونَبْذِ العَقْدِ اللّاحِقِ. وتَخُونُوا أماناتِكم مِنَ المَعارِفِ والحَقائِقِ الَّتِي اسْتَوْدَعَ اللَّهُ تَعالى فِيكم حَسْبَ اسْتِعْدادِكم بِإخْفائِها بِصِفاتِ النَّفْسِ.

﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قُبْحَ ذَلِكَ أوْ تَعْلَمُونَ أنَّكم حامِلُوها.

﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ يَخْتَبِرُكُمُ اللَّهُ تَعالى بِها لِيَرى أتَحْتَجِبُونَ بِمَحَبَّتِها عَنْ مَحَبَّتِهِ أوْ لا تَحْتَجِبُونَ.

﴿وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لِمَن لا يُفْتَتَنُ بِذَلِكَ ولا يَشْغَلُهُ عَنْ مَحَبَّتِهِ.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِالِاجْتِنابِ عَنِ الخِيانَةِ والِاحْتِجابِ بِمَحَبَّةِ الأمْوالِ والأوْلادِ ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ نُورًا تُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى نُورٍ يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الأشْياءِ بِأنْ يَعْرِفُوها بِواسِطَتِهِ مَعْرِفَةً يَمْتازُ بِها بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ وهو المُسَمّى عِنْدَهم بِالفِراسَةِ. وفي بَعْضِ الآثارِ: ««اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ؛ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورٍ مِن نُورِ اللَّهِ تَعالى»». ﴿ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ وهي صِفاتُ نُفُوسِكم.

﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذُنُوبَ ذَواتِكم.

﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ فَيَجْعَلُ لَكُمُ الفَرْقانَ ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ.

﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ. جَعَلَها بَعْضُهم خِطابًا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَعْناها ما ذَكَرْناهُ سابِقًا، وجَعَلَها بَعْضُهم خِطابًا لِلرُّوحِ وهو تَأْوِيلٌ أنْفُسِيٌّ، أيْ: وإذْ يَمْكُرُ بِكَ أيُّها الرُّوحُ الَّذِينَ كَفَرُوا وهي النَّفْسُ وقُواها ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ لِيُقَيِّدُوكَ في أسْرِ الطَّبِيعَةِ.

﴿أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ بِانْعِدامِ آثارِكَ.

﴿أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ مِن عالَمِ الأرْواحِ.

﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ لِأنَّكَ الرَّحْمَةُ لِلْعالَمِينَ.

﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ إذْ لا ذَنْبَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ ولا عَذابَ مِن غَيْرِ ذَنْبٍ.

﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: إنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِذَلِكَ، كَيْفَ لا وهم يَصُدُّونَ المُسْتَعِدِّينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي هو القَلْبُ بِإغْرائِهِمْ عَلى الأُمُورِ النَّفْسانِيَّةِ واللَّذّاتِ الطَّبِيعِيَّةِ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ لِغَلَبَةِ صِفاتِ أنْفُسِهِمْ عَلَيْهِمْ.

﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ تِلْكَ الصِّفاتِ.

﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ الحُكْمَ، وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: ولَكِنَّ أكْثَرَهم أيِ: المُتَّقِينَ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم أوْلِياؤُهُ؛ لِأنَّ الوَلِيَّ قَدْ لا يَعْرِفُ أنَّهُ ولِيٌّ.

﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ﴾ وهو ذَلِكَ المَسْجِدُ ﴿إلا مُكاءً﴾ إلّا وساوِسَ وخَطِراتٍ شَيْطانِيَّةً.

﴿وتَصْدِيَةً﴾ وعَزْمًا عَلى الأفْعالِ الشَّنِيعَةِ.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ مِنَ الِاسْتِعْدادِ الفِطْرِيِّ في غَيْرِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.

﴿لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ طَرِيقِهِ المُوَصِّلِ إلَيْهِ ﴿فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ لِزَوالِ لَذّاتِهِمْ حَتّى تَكُونَ نَسْيًا مَنسِيًّا.

﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ لِتَمَكُّنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ فِيهِمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ العُدُولَ عَنْها.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: وهُمْ، إلّا أنَّهُ أُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ تَعْلِيلًا لِلْحُكْمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ وهم جَهَنَّمُ القَطِيعَةِ.

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ.

﴿يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ لِمَزِيدِ الفَضْلِ.

﴿وقاتِلُوهُمْ﴾ أيْ: قاتِلُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ كُفّارَ النُّفُوسِ؛ فَإنَّ جِهادَها هو الجِهادُ الأكْبَرُ ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ مانِعَةٌ عَنِ المَوْصُولِ إلى الحَقِّ ﴿ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ويَضْمَحِلَّ دِينُ النَّفْسِ الَّذِي شَرَعْتُهُ.

﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنِ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ. واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِأوْضَحِ المَسالِكِ. لا رَبَّ غَيْرُهُ، ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ.

(تَمَّ والحَمْدُ لِلَّهِ طَبْعُ الجُزْءِ التّاسِعِ مِن تَفْسِيرِ رُوحِ المَعانِي لِلْعَلّامَةِ الألُوسِيِّ، ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ الجُزْءُ العاشِرُ مُفْتَتَحًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ وأسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا إلى إتْمامِهِ إنَّهُ عَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ).

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском