Al-AlusiAl‑Anfal · 8:54–59

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:54–59

8:54Page 184

كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٥٤

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They denied the signs of their Lord, so We destroyed them for their sins, and We drowned the people of Pharaoh. And all [of them] were wrongdoers.

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما سِيقَ لَهُ الِاسْتِئْنافُ الأوَّلُ بِتَشْبِيهِ دَأْبِهِمْ بِدَأْبِ المَذْكُورِينَ لَكِنْ لا بِطْرِيقِ التَّكْرِيرِ المَحْضِ بَلْ بِتَغْيِيرِ العُنْوانِ وجَعْلِ الدَّأْبِ في الجانِبَيْنِ عِبارَةً عَمّا يُلازِمُ مَعْناهُ الأوَّلَ مِن تَغْيِيرِ الحالِ وتَغْيِيرِ النِّعْمَةِ أخْذًا مِمّا نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا﴾ إلَخْ أيْ دَأْبُ هَؤُلاءِ وشَأْنُهُمُ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ التَّغْيِيرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ كَدَأْبِ أُولَئِكَ حَيْثُ غَيَّرُوا حالَهم فَغَيَّرَ اللَّهُ تَعالى نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ ) تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فَعَلُوهُ مِن تَغْيِيرِهِمْ لِحالِهِمْ، وأُشِيرَ بِلَفْظِ الرَّبِّ إلى أنَّ ذَلِكَ التَّغْيِيرَ كانَ بِكُفْرانِ نِعَمِهِ تَعالى لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُرَبِّيهِمُ المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿فَأهْلَكْناهُمْ﴾ ) تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فُعِلَ بِهِمْ مِن تَغْيِيرِهِمْ تَعالى ما بِهِمْ مِن نِعْمَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.

وفِي الإهْلاكِ رَمْزٌ إلى التَّغْيِيرِ ولِذا عَبَّرَ بِهِ دُونَ الأخْذِ المُعَبَّرِ بِهِ أوَّلًا ولَيْسَ الأخْذُ مِثْلَهُ في ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّهُ كَثِيرًا ما يُطْلَقُ الإهْلاكُ عَلى إخْراجِ الشَّيْءِ عَنْ نِظامِهِ الَّذِي هو عَلَيْهِ، ولَمْ نَرَ إطْلاقَ الأخْذِ عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ؛ إنَّما عَبَّرَ أوَّلًا بِالأخْذِ وهُنا بِالإهْلاكِ لِأنَّ جِنايَتَهم هُنا الكُفْرانُ وهو يَقْتَضِي أعْظَمَ النَّكالِ والإهْلاكِ مُشِيرٌ إلَيْهِ ولا كَذَلِكَ ما تَقَدَّمَ وفِيهِ نَظَرٌ، وأمّا دَأْبُ قُرَيْشٍ فَمُسْتَفادٌ مِمّا ذُكِرَ بِحُكْمِ التَّشْبِيهِ فَلِلَّهِ تَعالى دَرُّ التَّنْزِيلِ حَيْثُ اكْتَفى في كُلٍّ مِنَ التَّشْبِيهَيْنِ بِتَفْسِيرِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وفي الفَرائِدِ أنَّ هَذا لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ لِأنَّ مَعْنى الأوَّلِ: حالُ هَؤُلاءِ كَحالِ آلِ فِرْعَوْنَ في الكُفْرِ فَأخَذَهم وأتاهُمُ العَذابُ، ومَعْنى الثّانِي: حالُ هَؤُلاءِ كَحالِ آلِ فِرْعَوْنَ

صفحة 21

فِي تَغْيِيرِهِمُ النِّعَمَ وتَغْيِيرِ اللَّهِ تَعالى حالَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّغْيِيرِ وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ أغْرَقَهُمْ، بِدَلِيلِ ما قَبْلَهُ وما ذَكَرْناهُ أتَمُّ تَحْرِيرًا، واعْتَرَضَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ بِأنَّ النَّظْمَ الكَرِيمَ يَأْباهُ لِأنَّ وجْهَ التَّشْبِيهِ في الأوَّلِ كُفْرُهُمُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ العِقابُ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ وجْهٌ في الثّانِي ما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( كَذَّبُوا ) إلَخْ لِأنَّهُ مِثْلُهُ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ بَعْدَ تَشْبِيهٍ صالِحَةٌ لِأنْ تَكُونَ وجْهَ الشَّبَهِ فَتُحْمَلُ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ ) وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ﴾ ) إلَخْ فَكالتَّعْلِيلِ لِحُلُولِ النَّكالِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ التَّشْبِيهَيْنِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِقَوْمٍ بَلْ هو مُتَناوَلٌ لِجَمِيعِ مَن يُغَيِّرُ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، فاخْتِصاصُهُ بِالوَجْهِ الثّانِي دُونَ الأوَّلِ وإيقاعُهُ وجْهًا لِلتَّشْبِيهِ مَعَ وُجُودِهِ صَرِيحًا كَما عَلِمْتَ بَعِيدٌ عَمَّنْ ذاقَ مَعْرِفَةَ الفَصاحَتَيْنِ، ووَقَفَ عَلى تَرْتِيبِ النَّظْمِ مِنَ الآيَتَيْنِ انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ هَذا غَيْرُ وارِدٍ عَلى ما قَدَّمْناهُ عِنْدَ التَّأمُّلِ، والقَوْلُ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أنَّ الأُولى لِبَيانِ حالِهِمْ في اسْتِحْقاقِهِمْ عَذابَ الآخِرَةِ والثّانِيَةَ لِبَيانِ اسْتِحْقاقِهِمْ عَذابَ الدُّنْيا، أوْ أنَّ المَقْصُودَ أوَّلًا تَشْبِيهُ حالِهِمْ بِحالِ المَذْكُورِينَ في التَّكْذِيبِ، والمَقْصُودَ ثانِيًا تَشْبِيهُ حالِهِمْ في الِاسْتِئْصالِ، أوْ أنَّ المُرادَ فِيما تَقَدَّمَ بَيانُ أخْذِهِمْ بِالعَذابِ، وهُنا بَيانُ كَيْفِيَّتِهِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ.

وقالَ بَعْضُ الأكابِرِ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( كَدَأْبِ ) في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ تَغْيِيرًا كائِنًا كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ أيْ كَتَغْيِيرِهِمْ عَلى أنَّ دَأْبَهم عِبارَةٌ عَمّا فَعَلُوهُ كَما هو الأنْسَبُ بِمَفْهُومِ الدَّأْبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿كَذَّبُوا﴾ ) إلَخْ تَفْسِيرٌ لَهُ بِتَمامِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿فَأهْلَكْناهُمْ﴾ ) إلَخْ إخْبارٌ بِتَرَتُّبِ العُقُوبَةِ عَلَيْهِ لا أنَّهُ مِن تَمامِ تَفْسِيرِهِ، ولا ضَيْرَ في تَوَسُّطِ قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ( ﴿وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ) بَيْنَهُما سَواءٌ عَطْفًا أوِ اسْتِئْنافًا، وفِيهِ خُرُوجُ الآيَةِ عَنْ نَمَطِ أُخْتِها بِالكُلِّيَّةِ، وأيْضًا لا وجْهَ لِتَقْيِيدِ التَّغْيِيرِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَغْيِيرُ اللَّهِ تَعالى بِكَوْنِهِ كَتَغْيِيرِ آلِ فِرْعَوْنَ عَلى أنَّ كَوْنَ الجارِّ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ بَعِيدٌ مَعَ وُجُودِ ذَلِكَ الفاصِلِ، وإنْ قُلْنا بِجَوازِ الفَصْلِ، ومَن أنْصَفَ عَلِمَ أنَّ بَلاغَةَ التَّنْزِيلِ تَقْتَضِي الوَجْهَ الأوَّلَ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ في أهْلَكْنا جَرْيًا عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ، وهَذا لا يُنافِي النُّكْتَةَ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها سابِقًا كَما لا يَخْفى، والكَلامُ في الفاءِ وذِكْرُ الذُّنُوبِ عَلى طَرْزِ ما ذَكَرْنا في نَظِيرِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ عَطْفٌ عَلى ( أهْلَكْنا ) وفي عَطْفِهِ عَلَيْهِ مَعَ انْدِراجِ مَضْمُونِهِ تَحْتَ مَضْمُونِهِ إيذانٌ بِكَمالِ هَوْلِ الإغْراقِ وفَظاعَتِهِ ( ﴿وكُلٌّ﴾ ) أيْ: كُلٌّ مِنَ الفِرَقِ المَذْكُورِينَ أوْ كُلٌّ مِن هَؤُلاءِ وأُولَئِكَ أوْ كُلٌّ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وكُفّارِ قُرَيْشٍ عَلى ما قِيلَ بِناءً عَلى أنَّ ما قَبْلَهُ في تَشْبِيهِ دَأْبِ كَفَرَةِ قُرَيْشٍ بِدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ صَرِيحًا وتَعْيِينًا وأنَّ مِثْلَهُ يَكْفِي قَرِينَةً لِلتَّخْصِيصِ ﴿كانُوا ظالِمِينَ﴾ أيْ: أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي ولَوْ عَمَّمَ لَكانَ لَهُ وجْهٌ أوْ واضِعِينَ لِلْكُفْرِ والتَّكْذِيبِ مَكانَ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ ولِذَلِكَ أصابَهم ما أصابَهم.

8:55Page 184

إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٥٥

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are those who have disbelieved, and they will not [ever] believe-

﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ وقَضائِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ ورَسَخُوا فِيهِ، وهَذا شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ سائِرِ الكَفَرَةِ بَعْدَ بَيانِ أحْوالِ المُهْلَكِينَ مِنهم ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: شَرُّ النّاسِ؛ إيماءً إلى أنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنْ مُجانَسَتِهِمْ بَلْ هم مِن جِنْسِ الدَّوابِّ وأشَرُّ أفْرادِهِ ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ حُكْمٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ ورُسُوخِهِمْ فِيهِ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ الطَّبْعِ لا يَلْوِيهِمْ صارِفٌ ولا يَثْنِيهِمْ عاطِفٌ جِيءَ بِهِ عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ، وقِيلَ:

صفحة 22

عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ مُفْهِمٌ مَعْنى الحالِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُصِرِّينَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ، وقِيلَ: الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ إذا عَلِمْتَ أنَّ أُولَئِكَ شَرُّ الدَّوابِّ فاعْلَمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أصْلًا فَلا تُتْعِبْ نَفْسَكَ، وقِيلَ: هي لِلْعَطْفِ وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَحَقُّقَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ يَسْتَدْعِي تَحَقُّقَ المَعْطُوفِ حَيْثُ جَعَلَ ذَلِكَ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ تَرَتُّبَ المُسَبَّبِ عَلى سَبَبِهِ، والكُلُّ كَما تَرى.

8:56Page 184

ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنۡهُمۡ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهۡدَهُمۡ فِي كُلِّ مَرَّةٖ وَهُمۡ لَا يَتَّقُونَ ٥٦

The ones with whom you made a treaty but then they break their pledge every time, and they do not fear Allāh.

﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ أوْ عَطْفُ بَيانٍ أوْ نَعْتٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ نُصِبَ عَلى الذَّمِّ، وعائِدُ المَوْصُولِ قِيلَ: ضَمِيرُ الجَمْعِ المَجْرُورُ، والمُرادُ عاهَدَتْهم و( مِن ) لِلْإيذانِ بِأنَّ المُعاهَدَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إعْطاءِ العَهْدِ وأخْذِهِ مِنَ الجانِبَيْنِ مُعْتَبَرَةٌ هَهُنا مِن حَيْثُ أخْذُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ هو المَناطُ لِما نُعِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّقْضِ لا إعْطاؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهم عَهْدَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ أخَذْتَ مِنهم عَهْدَهم، وإلى هَذا يَرْجِعُ قَوْلُهم: إنَّ ( مِن ) لِتَضْمِينِ العَهْدِ مَعْنى الأخْذِ أيْ عاهَدْتَ آخِذًا مِنهم.

وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّها تَبْعِيضِيَّةٌ لِأنَّ المُباشَرَ بَعْضُهم لا كُلُّهم، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، أيِ الَّذِينَ عاهَدْتَهم كائِنِينَ مِنهم، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ ولَيْسَ بِذاكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ ) عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَعَدُّدِ النَّقْضِ وتَجَدُّدِهِ وكَوْنِهِمْ عَلى نِيَّتِهِ في كُلِّ حالٍ، أيْ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمُ الَّذِي أُخِذَ مِنهم ( ﴿فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ ) أيْ: مِن مَرّاتِ المُعاهَدَةِ كَما هو الظّاهِرُ واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ في كُلِّ مَرَّةٍ مِن مَرّاتِ المُحارِبَةِ وفِيهِ بَحْثٌ ( ﴿وهم لا يَتَّقُونَ﴾ ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ يَنْقُضُونَ، أيْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى النَّقْضِ والحالِ أنَّهم لا يَتَّقُونَ سُبَّةَ الغَدْرِ ومَغَبَّتَهُ، أوْ لا يَتَّقُونَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ، وقِيلَ: لا يَتَّقُونَ نُصْرَةَ المُسْلِمِينَ وتَسَلُّطَهم عَلَيْهِمْ، والآيَةُ عَلى ما قالَ جَمْعٌ نَزَلَتْ في يَهُودِ قُرَيْظَةَ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ لا يُمالِئُوا عَلَيْهِ فَأعانُوا المُشْرِكِينَ بِالسِّلاحِ فَقالُوا: نَسِينا، ثُمَّ عاهَدَهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَكَثُوا ومالَؤُهم عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ الخَنْدَقِ ورَكِبَ كَعْبٌ إلى مَكَّةَ فَحالَفَهم عَلى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّها نَزَلَتْ في سِتَّةِ رَهْطٍ مِن يَهُودَ مِنهُمُ ابْنُ تابُوتَ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِمُ الرُّؤَساءَ المُباشِرِينَ لِلْعَهْدِ.

8:57Page 184

فَإِمَّا تَثۡقَفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡحَرۡبِ فَشَرِّدۡ بِهِم مَّنۡ خَلۡفَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٥٧

So if you, [O Muḥammad], gain dominance over them in war, disperse by [means of] them those behind them that perhaps they will be reminded.1

﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِهِمْ بَعْدَ تَفْصِيلِ أحْوالِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، والثَّقْفُ يُطْلَقُ عَلى المُصادَفَةِ وعَلى الظَّفَرِ، والمُرادُ بِهِ هُنا المُتَرَتِّبُ عَلى المُصادَفَةِ والمُلاقاةِ، أيْ إذا كانَ حالُهم كَما ذُكِرَ فَإمّا تُصادِفَنَّهم وتَظْفَرَنَّ بِّهِمْ ( ﴿فِي الحَرْبِ﴾ ) أيْ في تَضاعِيفِها ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ أيْ: فَرِّقْ بِهِمْ ﴿مَن خَلْفَهُمْ﴾ أيْ: مِن وراءِهم مِنَ الكَفَرَةِ، يَعْنِي افْعَلْ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَكَ فِعْلًا مِنَ القَتْلِ والتَّنْكِيلِ العَظِيمِ يُفَرِّقُ عَنْكَ ويَخافُكَ بِسَبَبِهِ مَن خَلْفَهم ويَعْتَبِرُ بِهِ مَن سَمِعَهُ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، وإلى هَذا يَرْجِعُ ما قِيلَ: مِن أنَّ المَعْنى نَكَّلَ بِهِ لِيَتَّعِظَ مِن سِواهم، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى شَرَّدَ بِهِمْ سَمَّعَ بِهِمْ في لُغَةِ قُرَيْشٍ قالَ الشّاعِرُ:

أطُوفُ بِالأباطِحِ كُلَّ يَوْمٍ مَخافَةَ أنْ يُشَرِّدَ بِي حَكِيمُ

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ ( فَشَرِّذْ ) بِالذّالِ المُعْجَمَةِ وهو بِمَعْنى شَرَّدَ بِالمُهْمِلَةِ، وعَنِ ابْنِ جِنِّيٍّ أنَّهُ لَمْ يَمُرَّ بِنا في اللُّغَةِ تَرْكِيبُ شَرَّذَ والأوْجَهُ أنْ تَكُونَ الذّالُ بَدَلًا مِنَ الدّالِ، والجامِعُ بَيْنَهُما أنَّهُما مَجْهُورانِ ومُتَقارِبانِ، وقِيلَ: إنَّهُ قُلِبَ مِن شَذَرَ، ومِنهُ شَذَرَ مَذَرَ لِلْمُتَفَرِّقِ، وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ إلى أنَّها مَوْجُودَةٌ ومَعْناها التَّنْكِيلُ

صفحة 23

ومَعْنى المُهْمَلِ التَّفْرِيقُ كَما قالَهُ قُطْرُبٌ لَكِنَّها نادِرَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ( ﴿مَن خَلْفَهُمْ﴾ ) بِمِنَ الجارَّةِ، والفِعْلُ عَلَيْها مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ كَما في قَوْلِهِ:

يَجْرَحُ في عَراقِيبِها نَصْلِي

فالمَعْنى افْعَلِ التَّشْرِيدَ مِن ورائِهِمْ، وهو في مَعْنى جَعْلِ الوَراءِ ظَرْفًا لِلتَّشْرِيدِ لِتَقارُبِ مَعْنى ( مِن ) و( في ) تَقُولُ: اضْرِبْ زَيْدًا مِن وراءِ عَمْرٍو ووَراءَهُ أيْ في ورائِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَشْرِيدِ مَن في تِلْكَ الجِهَةِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ فَإنَّ إيقاعَ التَّشْرِيدِ في الوَراءِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِتَشْرِيدَ مَن وراءَهم فَلا فَرْقَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ الفَتْحِ والكَسْرِ إلّا في المُبالَغَةِ ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ أيْ: لَعَلَّ المُشَرَّدِينَ يَتَّعِظُونَ بِما يُعْلِمُونَهُ مِمّا نَزَلَ بِالنّاقِضِينَ فَيَرْتَدِعُونَ عَنِ النَّقْضِ قِيلَ: أوْ عَنِ الكُفْرِ.

8:58Page 184

وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ ٥٨

If you [have reason to] fear from a people betrayal, throw [their treaty] back to them, [putting you] on equal terms.1 Indeed, Allāh does not like traitors.

﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ بَيانٌ لِأحْكامِ المُشْرِفِينَ إلى نَقْضِ العَهْدِ إثْرَ بَيانِ أحْكامِ النّاقِضِينَ لَهُ بِالفِعْلِ، والخَوْفُ مُسْتَعارٌ لِلْعِلْمِ، أيْ وإما تَعْلَمَنَّ مِن قَوْمٍ مُعاهِدِينَ لَكَ نَقْضَ عَهْدٍ فِيما سَيَأْتِي بِما يَلُوحُ لَكَ مِنهم مِنَ الدَّلائِلِ ( ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ ) أيْ فاطْرَحْ إلَيْهِمْ عَهْدَهم، وفِيهِ اسْتِعارَةٌ مُكَنِّيَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ ( ﴿عَلى سَواءٍ﴾ ) أيْ: عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ وحالِ قَصْدٍ بِأنْ تُظْهِرَ لَهُمُ النَّقْضَ وتُخْبِرَهُمُ إخْبارًا مَكْشُوفًا بِأنَّكَ قَدْ قَطَعْتَ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهم مِنَ الوَصْلَةِ ولا تُناجِزُهُمُ الحَرْبُ وهم عَلى تَوَهُّمِ بَقاءِ العَهْدِ كَيْلا يَكُونَ مِن قِبَلِكَ شائِبَةُ خِيانَةٍ أصْلًا، فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِ في ( انْبِذْ ) أيْ فانْبِذْ إلَيْهِمْ ثابِتًا عَلى سَواءٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ إلَيْهِمْ أوْ مِنَ الضَّمِيرَيْنِ مَعًا، أيْ حالَ كَوْنِهِمْ كائِنِينَ عَلى اسْتِواءٍ في العِلْمِ بِنَقْضِ العَهْدِ بِحَيْثُ يَسْتَوِي فِيهِ أقْصاهم وأدْناهم، أوْ حالَ كَوْنِكَ أنْتَ وهم عَلى اسْتِواءٍ في ذَلِكَ، ولُزُومِ الإعْلامِ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ الأعْلامِ إذا لَمْ تُنْقَضْ مُدَّةُ العَهْدِ أوْ لَمْ يَسْتَفِضْ نَقْضُهم لَهُ ويَظْهَرْ ظُهُورًا مَقْطُوعًا بِهِ أمّا إذا انْقَضَتِ المُدَّةُ أوِ اسْتَفاضَ النَّقْضُ وعَلِمَهُ النّاسُ فَلا حاجَةَ إلى ما ذُكِرَ، ولِهَذا غَزا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أهْلَ مَكَّةَ مِن غَيْرِ نَبْذٍ ولَمْ يُعْلِمْهم بِأنَّهم كانُوا نَقَضُوا العَهْدَ عَلانِيَةً بِمُعاوَنَتِهِمْ بَنِي كِنانَةَ عَلى قَتْلِ خُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالنَّبْذِ بِاعْتِبارِ اسْتِلْزامِهِ لِلنَّهْيِ عَنِ المُناجَزَةِ الَّتِي هي خِيانَةٌ فَيَكُونُ تَحْذِيرًا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنها.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِذَلِكَ بِاعْتِبارِ اسْتِتْباعِهِ لِلْقِتالِ بِالآخِرَةِ فَتَكُونَ حَثًّا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى النَّبْذِ أوَّلًا وعَلى قِتالِهِمْ ثانِيًا، كَأنَّهُ قِيلَ: وإمّا تَعْلَمَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ ثُمَّ قاتِلْهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ وهم مِن جُمْلَتِهِمْ لِما عَلِمْتَ حالَهم، والأوَّلُ هو المُتَبادَرُ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ المُرادُ مِن نَفْيِ الحُبِّ إثْباتُ البُغْضِ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَ الحُبِّ والبُغْضِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى.

8:59Page 184

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوٓاْۚ إِنَّهُمۡ لَا يُعۡجِزُونَ ٥٩

And let not those who disbelieve think they will escape. Indeed, they will not cause failure [to Allāh].

﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ وهي قِراءَةُ حَفْصٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وحَمْزَةَ، وزُعِمَ تَفَرُّدُ الأخِيرِ بِها وهم كَزَعْمِ أنَّها غَيْرُ نَيِّرَةٍ، فَقَدْ نَصَّ في التَّيْسِيرِ عَلى أنَّهُ قَرَأ بِها إلّا ولِأنَّ أيْضًا، وفي المُجْمَعِ عَلى أنَّهُ قَرَأ بِها الأرْبَعَةُ، وقالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّها أنْوَرُ مِنَ الشَّمْسِ في رابِعَةِ النَّهارِ لِأنَّ فاعِلَ يَحْسَبَنَّ المَوْصُولُ بَعْدَهُ ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ أيْ: أنْفُسَهم وحُذِفَ لِلتَّكْرارِ والثّانِي جُمْلَةُ سَبَقُوا، أيْ لا يَحْسَبَنَّ أُولَئِكَ الكافِرُونَ أنْفُسَهم سابِقِينَ أيْ مُفْلَتِينَ مِن أنْ يُظْفَرَ بِهِمْ.

والمُرادُ مِن هَذا إقْناطُهم مِنَ الخَلاصِ وقَطْعُ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالنَّبْذِ، والِاقْتِصارُ عَلى دَفْعِ هَذا التَّوَهُّمِ وعَدَمُ دَفْعِ تَوَهُّمِ سائِرِ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ أمانِيهِمُ الباطِلَةُ مِن مُقاوَمَةِ المُؤْمِنِينَ أوِ الغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَحُومُ عَلَيْهِ عِقابُ وهْمُهم وحُسْبانُهم وإنَّما الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَدُورَ في خَلَدِهِمْ حُسْبانُ المَناصِ فَقَطْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرًا مُسْتَتِرًا، والحَذْفُ لا يَخْطُرُ بِالبالِ كَما تُوُهِّمَ، أيْ لا يَحْسَبَنَّ هو أيَّ

صفحة 24

قُبَيْلِ المُؤْمِنِينَ أوِ الرَّسُولِ أوِ الحاسِبِ أوْ مَن خَلْفَهم أوْ أحَدٌ، وهو مَعْلُومٌ مِنَ الكَلامِ فَلا يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ، ومَفْعُولا الفِعْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا وسَبَقُوا، وحُكِيَ عَنِ الفِراءِ أنَّ الفاعِلَ الَّذِينَ كَفَرُوا وإنْ سَبَقُوا بِتَقْدِيرِ إنْ سَبَقُوا فَتَكُونُ أنْ وما بَعْدَها سادَّةً مَسَدِّ المَفْعُولَيْنِ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( أنَّهم سَبَقُوا ) .

واعْتَرَضَهُ أبُو البَقاءِ، وغَيْرُهُ بِأنَّ أنِ المَصْدَرِيَّةَ مَوْصُولٌ وحَذْفُ المَوْصُولِ ضَعِيفٌ في القِياسِ شاذٌّ في الِاسْتِعْمالِ لَمْ يَرِدْ مِنهُ إلّا شَيْءٌ يَسِيرٌ كَتَسَمُّعٍ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ ونَحْوِهِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ.

وقَرَأ مَن عَدا مَن ذَكَرَ ( تَحْسَبَنَّ ) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن لَهُ حَظٌّ في الخِطابِ و( ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ ) مَفْعُولاهُ ولا كَلامَ في ذَلِكَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ ( ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ ) بِكَسْرِ الباءِ وفَتْحِها عَلى حَذْفِ النُّونِ الخَفِيفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ ) أيْ لا يَفُوتُونَ اللَّهَ تَعالى أوْ لا يَجِدُونَ طالِبَهم عاجِزًا عَنْ إدْراكِهِمْ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( أنَّهم ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو تَعْلِيلٌ أيْضًا بِتَقْدِيرِ اللّامِ المُطَّرَدِ حَذْفُها في مَثَلِهِ.

وقِيلَ: الفِعْلُ واقِعٌ عَلَيْهِ، و( لا ) صِلَةٌ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ بِحَذْفِها و( ﴿سَبَقُوا﴾ ) حالٌ بِمَعْنى سابِقِينَ أيْ مُفْلِتِينَ هارِبِينَ.

وضُعِّفَ بِأنَّ ( لا ) لا تَكُونُ صِلَةً في مَوْضِعٍ يَجُوزُ أنْ لا تَكُونَ كَذَلِكَ، وبِأنَّ المَعْهُودَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ في المَفْعُولِ الثّانِي لِحَسَبٍ في مِثْلِ ذَلِكَ أنْ تَكُونَ أنْ فِيهِ مَكْسُورَةً، وهَذا عَلى قِراءَةِ الخِطابِ لِإزاحَةِ ما عَسى أنْ يَحْذَرَ مِن عاقِبَةِ النَّبْذِ لِما أنَّهُ إيقاظٌ لِلْعَدُوِّ وتَمْكِينٌ لَهم مِنَ الهَرَبِ والخَلاصِ مِن أيْدِي المُؤْمِنِينَ، وفِيهِ نَفْيٌ لِقُدْرَتِهِمْ عَلى المُقاوَمَةِ والمُقابَلَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ.

وذَكَرَ الجُبّائِيُّ أنَّ ( ﴿لا يُعْجِزُونَ﴾ ) عَلى مَعْنى لا يُعْجِزُونَكَ عَلى أنَّهُ خِطابٌ أيْضًا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَخْلُو عَنْ حَسَنٍ، والظّاهِرُ أنَّ عَدَمَ الإعْجازِ كَيْفَما قُدِّرَ المَفْعُولُ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ سَيُمَكَّنُ مِنهم في الدُّنْيا، فَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى لا يُفُوتُونَ اللَّهَ تَعالى حَتّى لا يَبْعَثَهم في الآخِرَةِ غَرِيبٌ مِنهُ إنْ صَحَّ، وادَّعى الخازِنُ أنَّ المَعْنى عَلى العُمُومِ عَلى مَعْنى لا يَعْجِزُونَ اللَّهَ تَعالى مُطْلَقًا إمّا في الدُّنْيا بِالقَتْلِ وإمّا في الآخِرَةِ بِعَذابِ النّارِ، وذُكِرَ أنَّ فِيهِ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيمَن فاتَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ ولَمْ يَنْتَقِمْ مِنهُ، وهو ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن أفْلَتَ مِن فَلِّ المُشْرِكِينَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وقُرِئَ ( يُعَجِّزُونَ ) بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ( يُعْجِزُونِ ) بِكَسْرِ النُّونِ بِتَقْدِيرِ يُعْجِزُونَنِي فَحُذِفَتْ إحْدى النُّونَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ والياءُ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكِتابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском