Al-Alusi'Abasa · 80:1–17

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

عبس

'Abasa

He Frowned · Meccan · 42 ayahs

80:1–2Page 585

عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ ١

He [i.e., the Prophet (ﷺ) ] frowned and turned away

أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ ٢

Because there came to him the blind man,1 [interrupting].

سُورَةُ عَبَسَ

وتُسَمّى سُورَةَ الصّاخَّةِ، وسُورَةَ السَّفَرَةِ، وسُمِّيَتْ في غَيْرِ كِتابٍ سُورَةَ الأعْمى، وهي مَكِّيَّةٌ لا خِلافَ، وآيُها اثْنَتانِ وأرْبَعُونَ في الحِجازِيِّ والكُوفِيِّ، وإحْدى وأرْبَعُونَ في البَصْرِيِّ، وأرْبَعُونَ في الشّامِيِّ والمَدَنِيِّ الأوَّلِ، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلَها: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ مِن يَنْفَعُهُ الإنْذارُ ومَن لَمْ يَنْفَعْهُ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ إلَخْ. رُوِيَ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ وهو ابْنُ خالِ خَدِيجَةَ واسْمُهُ عَمْرُو بْنُ قَيْسِ بْنِ زائِدَةَ بْنِ جُنْدُبِ بْنِ هَرَمِ بْنِ رَواحَةَ بْنِ حَجَرِ بْنِ مَعِيصِ بْنِ عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ القُرَشِيُّ، وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ، والأوَّلُ أكْثَرُ وأشْهَرُ كَما في جامِعِ الأُصُولِ، وأُمُّ مَكْتُومٍ كُنْيَةُ أُمِّهِ، واسْمُها عاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيَّةُ، وغَلِطَ الزَّمَخْشَرِيُّ في جَعْلِها في الكَشّافِ جَدَّتَهُ، وكانَ أعْمى، وعَمِيَ بَعْدَ نُورٍ، وقِيلَ: وُلِدَ أعْمى؛ ولِذا قِيلَ لِأُمِّهِ أُمَّ مَكْتُومٍ.

«أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعِنْدَهُ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ وأبُو جَهْلٍ والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ يُناجِيهِمْ ويَدْعُوهم إلى الإسْلامِ رَجاءَ أنْ يُسْلِمَ بِإسْلامِهِمْ غَيْرُهم. فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أقْرِئْنِي وعَلِّمْنِي مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ تَعالى، وكَرَّرَ ذَلِكَ ولَمْ يَعْلَمْ تَشاغُلَهُ بِالقَوْمِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَطْعَهُ لِكَلامِهِ وعَبَسَ وأعْرَضَ عَنْهُ فَنَزَلَتْ. فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُكْرِمُهُ ويَقُولُ إذا رَآهُ: «مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي» ويَقُولُ: «هَلْ لَكَ مِن حاجَةٍ»».

واسْتَخْلَفَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى المَدِينَةِ فَكانَ يُصَلِّي بِالنّاسِ ثَلاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً كَما رَواهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعابِ عَنْ أهْلِ العِلْمِ بِالسِّيَرِ ثُمَّ اسْتَخْلَفَ بَعْدَهُ أبا لُبابَةَ وهو مِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ هاجَرَ عَلى الصَّحِيحِ قَبْلَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ووَهِمَ القُرْطُبِيُّ في زَعْمِهِ أنَّهُ مَدَنِيٌّ وأنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِالصَّنادِيدِ المَذْكُورِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، ومَوْتُهُ قِيلَ بِالقادِسِيَّةِ شَهِيدًا يَوْمَ فَتْحِ المَدائِنِ أيّامَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ورَآهُ أنَسٌ يَوْمَئِذٍ وعَلَيْهِ دِرْعٌ ولَهُ رايَةٌ سَوْداءُ، وقِيلَ: رَجَعَ مِنها إلى المَدِينَةِ فَماتَ بِها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وضَمِيرُ ( عَبَسَ ) وما بَعْدَهُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ إجْلالٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِإيهامِ أنَّ مَن صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَصْدُرُ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِثْلُهُ، كَما أنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

80:3Page 585

وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ ٣

But what would make you perceive, [O Muḥammad], that perhaps he might be purified1

﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ الإيناسِ بَعْدَ الإيحاشِ والإقْبالِ بَعْدَ الإعْراضِ والتَّعْبِيرِ عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالأعْمى لِلْإشْعارِ بِعُذْرِهِ في الإقْدامِ عَلى قَطْعِ كَلامِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَشاغُلِهِ بِالقَوْمِ، وقِيلَ: إنَّ الغِيبَةَ أوَّلًا والخِطابَ ثانِيًا لِزِيادَةِ الإنْكارِ؛ وذَلِكَ كَمَن يَشْكُو إلى النّاسِ جانِيًا جَنى عَلَيْهِ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلى الجانِي إذا حَمى عَلى الشّاكِيَةِ مُواجِهًا بِالتَّوْبِيخِ وإلْزامِ الحُجَّةِ، وفي ذِكْرِ الأعْمى نَحْوٌ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ وصْفٌ يُناسِبُ الإقْبالَ عَلَيْهِ والتَّعَطُّفَ، وفِيهِ أيْضًا دَفْعُ إيهامِ الِاخْتِصاصِ بِالأعْمى المُعَيَّنِ وإيماءٌ إلى أنَّ كُلَّ

صفحة 40

ضَعِيفٍ يَسْتَحِقُّ الإقْبالَ مِن مِثْلِهِ عَلى أُسْلُوبِ: «لا يَقْضِي القاضِي وهو غَضْبانُ». و«أنْ» بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أعْنِي لامَ التَّعْلِيلِ وهو مَعْمُولٌ لِأوَّلِ الفِعْلَيْنِ عَلى مُخْتارِ الكُوفِيِّينَ وثانِيهِما عَلى مُخْتارِ البَصْرِيِّينَ وكِلَيْهِما مَعًا عَلى مَذْهَبَ الفَرّاءِ، نَعَمْ هو بِحَسَبِ المَعْنى عِلَّةٌ لَهُما بِلا خِلافٍ؛ أيْ: عَبَسَ لِأنْ جاءَهُ الأعْمى وأعْرَضَ لِذَلِكَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: «عَبَّسَ» بِتَشْدِيدِ الباءِ لِلْمُبالَغَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ وهو والحَسَنُ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وعِيسى «آنْ» بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ بَعْدَها، وبَعْضُ القُرّاءِ بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ والهَمْزَةُ في القِراءَتَيْنِ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ ويُوقَفُ عَلى تَوَلّى والمَعْنى: إلّا أنْ جاءَ الأعْمى فَعَلَ ذَلِكَ، وضَمِيرُ «لَعَلَّهُ» لِلْأعْمى، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ الدِّرايَةِ عَلى وجْهٍ سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولِهِ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ دارِيًا بِحالِ هَذا الأعْمى لَعَلَّهُ يَتَطَهَّرُ بِما يَتَلَقَّنُ مِنَ الشَّرائِعِ مِن بَعْضِ أوْضارِ الإثْمِ.

80:4Page 585

أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ ٤

Or be reminded and the remembrance would benefit him?

﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ أيْ: يَتَّعِظُ ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ أيْ: ذِكْراكَ ومَوْعِظَتُكَ، والمَعْنى أنَّكَ لا تَدْرِي ما هو مُتَرَقَّبٌ مِنهُ مِن تَزْكٍ أوْ تَذَكُّرٍ، ولَوْ دَرَيْتَ لَما كانَ الَّذِي كانَ، والغَرَضُ نَفْيُ دِرايَةِ أنَّهُ يَزَّكّى أوْ يَذَّكَّرُ والتَّرَجِّي راجِعٌ إلى الأعْمى أوْ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما قِيلَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ رَجاءَ تَزْكِيَةٍ أوْ كَوْنِهِ مِمَّنْ يُرْجى مِنهُ ذَلِكَ كافٍ في الِامْتِناعِ مِنَ العُبُوسِ والإعْراضِ، كَيْفَ وقَدْ كانَ اسْتِزْكاؤُهُ مُحَقَّقًا، ولَمّا هُضِمَ مِن حَقِّهِ في تَعَلُّقِ الرَّجاءِ بِهِ لا التَّحَقُّقُ اعْتُبِرَ مُتَعَلِّقُ التَّزَكِّي بَعْضَ الأوْضارِ تَرْشِيحًا لِذَلِكَ وفِيهِ إظْهارُ ما يَقْتَضِي مَقامُ العَظَمَةِ هاهُنا مِن إطْلاقِ التَّزَكِّي وحَمْلِهِ عَلى ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ لا الكامِلُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: مُتَعَلِّقُ الدِّرايَةِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ما يُدْرِيكَ أمْرُهُ وعاقِبَةَ حالِهِ ويُطْلِعُكَ عَلى ذَلِكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَعَلَّهُ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِبَيانِ ما يُلَوِّحُ بِهِ ما قَبْلَهُ؛ فَإنَّهُ مَعَ إشْعارِهِ بِأنَّ لَهُ شَأْنًا مُنافِيًا لِلْإعْراضِ عَنْهُ خارِجًا عَنْ دِرايَةِ الغَيْرِ ودِرائِهِ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ تَعالى يُدْرِيهِ ذَلِكَ. واعْتَبَرَ في التَّزَكِّي الكَمالَ فَقالَ: أيْ لَعَلَّهُ يَتَطَهَّرُ بِما يَقْتَبِسُ مِنكَ مِن أوْضارِ الإثْمِ بِالكُلِّيَّةِ أوْ يَتَذَكَّرُ فَتَنْفَعُهُ مَوْعِظَتُكَ إنْ لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ التَّزَكِّي التّامِّ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أبْعَدُ مَغْزًى. وقَدَّمَ التَّزَكِّيَ عَلى التَّذَكُّرِ لِتَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ وخَصَّ بَعْضُهُمُ الثّانِيَ بِما إذا كانَ ما يَتَعَلَّمُهُ مِنَ النَّوافِلِ، والأوَّلَ بِما إذا كانَ سِوى ذَلِكَ، وهو كَما تَرى، وفي الآيَةِ تَعْرِيضٌ وإشْعارٌ بِأنَّ مَن تَصَدّى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِتَزْكِيَتِهِمْ وتَذْكِيرِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ لا يُرْجى مِنهُمُ التَّزَكِّي والتَّذَكُّرُ أصْلًا؛ فَهي كَقَوْلِكَ لِمَن يُقَرِّرُ مَسْألَةً لِمَن لا يَفْهَمُها وعِنْدَهُ آخَرُ قابِلٌ لِفَهْمِها: لَعَلَّ هَذا يَفْهَمُ ما تُقَرِّرُ؛ فَإنَّهُ يَشْعُرُ بِأنَّهُ قَصَدَ تَفْهِيمَ غَيْرِهِ ولَيْسَ بِأهْلٍ لِما قَصَدَهُ، وقِيلَ: جاءَ التَّعْرِيضُ مِن جِهَةِ أنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ كانَ مُتَزَكِّيًا مِنَ الآثامِ مُتَّعِظًا وقِيلَ: ضَمِيرُ: ﴿لَعَلَّهُ﴾ لِلْكافِرِ، والتَّرَجِّي راجِعٌ إلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ أيْ: إنَّكَ طَمِعْتَ في تَزَكِّيهِ بِالإسْلامِ وتَذَكُّرِهِ بِالمَوْعِظَةِ ولِذَلِكَ أعْرَضْتَ عَنْ غَيْرِهِ فَما يُدْرِيكَ أنَّ ما طَمِعْتَ فِيهِ كائِنٌ، وضُعِّفَ بِعَدَمِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الكافِرِ وبِإفْرادِ الضَّمِيرِ والظّاهِرُ جَمْعُهُ؛ أيْ: بِناءً عَلى المَشْهُورِ في أنَّ مَن تَشاغَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ كانَ جَمْعًا، وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ كانَ واحِدًا، وقَرَأ الأعْرَجُ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ: «أوْ يَذْكُرُ» بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ، وقَرَأ الأكْثَرُ: «فَتَنْفَعُهُ» بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى: ﴿يَذَّكَّرُ﴾ وبِالنَّصْبِ قَرَأ عاصِمٌ في المَشْهُورِ والأعْرَجُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ وهو عِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الفاءِ وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ في جَوابِ التَّرَجِّي وهو كالتَّمَنِّي عِنْدَهم يُنْصَبُ في جَوابِهِ، وفي الكَشْفِ أنَّ النَّصْبَ يُؤَيِّدُ رُجُوعَ ضَمِيرِ لَعَلَّهُ عَلى الكافِرِ لِإشْمامِ التَّرَجِّي مَعْنى التَّمَنِّي لِبُعْدِ المَرْجُوِّ مِنَ الحُصُولِ؛ أيْ: بِالنَّظَرِ إلى المَجْمُوعِ؛ إذْ قَدْ حَصَلَ مِنَ العَباسِ، وعَلى السّابِقِ وجْهُهُ تَرْشِيحُ مَعْنى الهَضْمِ فَتَذَكَّرْ.

80:5Page 585

أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ ٥

As for he who thinks himself without need,1

﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ أيْ: عَنِ الإيمانِ وعَمّا عِنْدَكَ مِنَ العُلُومِ والمَعارِفِ الَّتِي يَنْطَوِي عَلَيْها القُرْآنُ، وفي مَعْناهُ ما قِيلَ: اسْتَغْنى بِكُفْرِهِ عَمّا يَهْدِيهِ وقِيلَ: أيْ: وأمّا مَن كانَ ذا ثَرْوَةٍ وغِنًى، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَذُكِرَ الفَقْرُ في مُقابِلِهِ، وأُجِيبَ بِما سَتَعْمَلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

80:6Page 585

فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ ٦

To him you give attention.

﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ أيْ: تَتَصَدّى وتَتَعَرَّضُ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ والِاهْتِمامِ بِإرْشادِهِ واسْتِصْلاحِهِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَنْفِيرٍ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ مُصاحَبَتِهِمْ؛

صفحة 41

فَإنَّ الإقْبالَ عَلى المُدْبِرِ مُخِلٌّ بِالمُرُوءَةِ، ومِن هُنا قِيلَ:

لا أبْتَغِي وصْلَ مَن لا يَبْتَغِي صِلَتِي ولا ألِينُ لِمَن لا يَبْتَغِي لِينِي

واللَّهِ لَوْ كَرِهَتْ كَفِّي مُصاحَبَتِي ∗∗∗ يَوْمًا لَقُلْتُ لَها عَنْ صُحْبَتِي بِينِي

وقَرَأ الحَرَمِيّانِ: «تَصَدّى» بِتَشْدِيدِ الصّادِ عَلى أنَّ الأصْلَ تَتَصَدّى فَقُلِبَتِ التّاءُ صادًا وأُدْغِمَتْ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: «تُصْدى» بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَعْفُولِ؛ أيْ: تُعْرِضُ، ومَعْناهُ: يَدْعُوكَ إلى التَّصَدِّي والتَّعَرُّضِ لَهُ داعٍ مِنَ الحِرْصِ ومَزِيدُ الرَّغْبَةِ في إسْلامِهِ، وأصْلُ «تَصَدّى» عَلى ما في البَحْرِ تَصَدَّدَ مِنَ الصَّدَدِ وهو ما اسْتَقْبَلَكَ وصارَ قُبالَتَكَ يُقالُ: دارِي صَدَدَ دارِهِ؛ أيْ: قُبالَتَها، وقِيلَ: مِنَ الصَّدى وهو العَطَشُ، وقِيلَ: مِنَ الصَّدى؛ وهو الصَّوْتُ المَعْرُوفُ.

80:7Page 585

وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ٧

And not upon you [is any blame] if he will not be purified.1

﴿وما عَلَيْكَ ألا يَزَّكّى﴾ ولَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ في أنْ لا يَتَزَكّى بِالإسْلامِ حَتّى يَبْعَثَكَ الحِرْصُ عَلى إسْلامِهِ إلى الإعْراضِ عَمَّنْ أسْلَمَ فَما نافِيَةٌ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ «تَصَدّى» والمَمْنُوعُ عَنْهُ في الحَقِيقَةِ الإعْراضُ عَمَّنْ أسْلَمَ لا الإقْبالُ عَلى غَيْرِهِ والِاهْتِمامُ بِأمْرِهِ حِرْصًا عَلى إسْلامِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً لِلْإنْكارِ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في أنْ لا يَتَزَكّى ومَآلُهُ النَّفْيُ أيْضًا.

80:8–10Page 585

وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ ٨

But as for he who came to you striving [for knowledge]

وَهُوَ يَخۡشَىٰ ٩

While he fears [Allāh],

فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ ١٠

From him you are distracted.

﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِ مُسْرِعًا طالِبًا لِما عِنْدَكَ مِن أحْكامِ الرُّشْدِ وخِصالِ الخَيْرِ ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ أيْ: يَخافُ اللَّهَ تَعالى وقِيلَ: أذِيَّةَ الكُفّارِ في الإتْيانِ، وقِيلَ: العِثارَ والكَبْوَةَ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ قائِدٌ والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ «يَسْعى» كَما أنَّ جُمْلَةَ «يَسْعى» حالٌ مِن فاعِلِ «جاءَكَ» واسْتَظْهَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّ النَّظْمَ الجَلِيلَ مِنَ الِاحْتِباكِ ذُكِرَ الغِنى أوَّلًا لِلدَّلالَةِ عَلى الفَقْرِ ثانِيًا، والمَجِيءُ والخَشْيَةُ ثانِيًا لِلدَّلالَةِ عَلى ضِدِّهِما أوَّلًا وكَأنَّهُ حَمَلَ اسْتَغْنى عَلى ما نُقِلَ أخِيرًا واسْتُشْعِرَ ما قِيلَ عَلَيْهِ فاحْتاجَ لِدَفْعِهِ إلى هَذا التَّكَلُّفِ، وعَدَمُ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ عَلى ما نَقَلْناهُ في غايَةِ الظُّهُورِ ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ تَتَشاغَلُ، يُقالُ: لَهي عَنْهُ كَرَضِيَ، ورَمى والتَهى وتَلَهّى، وفي تَقْدِيمِ ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الفِعْلَيْنِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَناطَ الإنْكارِ خُصُوصِيَّتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَقْدِيمٌ لَهُ، وعَنْهُ قِيلَ لِلتَّعْرِيضِ بِالِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها وقِيلَ لِلْعِنايَةِ لِأنَّهُما مَنشَأُ العِتابِ، وقِيلَ لِلْفاصِلَةِ وقِيلَ لِلْحَصْرِ وذُكِرَ التَّصَدِّي في المُسْتَغْنِي دُونَ الِاشْتِغالِ بِهِ وهو المُقابِلُ لِلتَّلَهِّي عَنِ المُسْرِعِ الخاشِي والتَّلَهِّي عَنْهُ دُونَ عَدَمِ التَّصَدِّي لَهُ وهو المُقابِلُ لِلتَّصَدِّي لِذَلِكَ قِيلَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ العِتابَ لِلِاهْتِمامِ بِالأوَّلِ لا لِلِاشْتِغالِ بِهِ؛ إذِ الِاشْتِغالُ بِالكُفّارِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ وعَلى الِاشْتِغالِ عَنِ الثّانِي لا لِأنَّهُ لا اهْتِمامَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أمْرِهِ إذِ الِاهْتِمامُ غَيْرُ واجِبٍ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ إلّا مُنْذِرًا. وقَرَأ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: «عَنْهُ تَلَهّى» بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في تاءِ تَفَعَّلَ، وأبُو جَعْفَرٍ: «تُلْهى» بِضَمِّ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: يَشْغَلُكَ الحِرْصُ عَلى دُعاءِ الكافِرِ لِلْإسْلامِ، وطَلْحَةُ «تَتَلَهّى» بِتاءَيْنِ وعَنْهُ بِتاءٍ واحِدَةٍ وسُكُونِ اللّامِ.

80:11–12Page 585

كـَلَّآ إِنَّهَا تَذۡكِرَةٞ ١١

No! Indeed, they [i.e., these verses] are a reminder;

فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ١٢

So whoever wills may remember it.1

﴿كَلا﴾ مُبالَغَةٌ في إرْشادِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى عَدَمِ مُعاوَدَةِ ما عُوقِبَ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ نُزِّلَ ذَلِكَ كَما في خَبَرٍ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بَعْدَ أنْ قَضى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَجْواهُ وذَهَبَ إلى أهْلِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ إرْشادًا بَلِيغًا إلى تَرْكِ المُعاتَبِ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِناءً عَلى أنَّ النُّزُولَ في أثْناءِ ذَلِكَ وقَبْلَ انْقِضائِهِ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ ما عَبَسَ في وجْهِ فَقِيرٍ ولا تَصَدّى لِغَنِيٍّ وتَأدَّبَ النّاسُ بِذَلِكَ أدَبًا حَسَنًا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّ الفُقَراءَ كانُوا في مَجْلِسِهِ أُمَراءَ.

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّها﴾ لِلْقُرْآنِ العَظِيمِ، والتَّأْنِيثُ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ؛ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ أيْ: مَوْعِظَةٌ يَجِبُ أنْ يُتَّعَظَ بِها ويُعْمَلَ بِمُوجِبِها، وكَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ والجُمْلَةُ المُؤَكِّدَةُ تَعْلِيلٌ لِما أفادَتْهُ «كَلّا» بِبَيانِ عُلُوِّ رُتْبَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي اسْتَغْنى عَنْهُ مَن تَصَدّى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ،

صفحة 42

والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ لِلتَّرْغِيبِ في القُرْآنِ والحَثِّ عَلى حِفْظِهِ أوِ الِاتِّعاظِ بِهِ، واقْتِرانُ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضُ بِها بِالفاءِ قَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ مِن غَيْرِ نَقْلِ اخْتِلافٍ فِيهِ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في الكَشّافِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ نَصٌّ في ذَلِكَ. نَعَمْ قِيلَ: إنَّهُ قِيلَ لَهُ: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ اعْتِراضٌ فَقالَ: لا لِأنَّ الِاعْتِراضَ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ بِالواوِ أوْ بِدُونِهِ، فَأمّا بِالفاءِ فَلا؛ أيْ: وهو اسْتِطْرادٌ لَكِنْ تُعُقِّبَ بِأنَّ النَّقْلَ لِمُنافاتِهِ ذَلِكَ لَيْسَ بِثَبْتٍ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في القَوْمِ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ فَوافَقَهُ تارَةً وخالَفَهُ أُخْرى، وما ألْطَفَ قَوْلَ السَّعْدِ في التَّلْوِيحِ: الِاعْتِراضُ يَكُونُ بِالواوِ والفاءِ:

فاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ.

هَذا وقِيلَ: الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلسُّورَةِ أوْ لِلْآياتِ السّابِقَةِ، والثّانِي لِلتَّذْكِرَةِ والتَّذْكِيرِ؛ لِأنَّها بِمَعْنى الذِّكْرِ والوَعْظِ أوْ لِمَرْجِعِ الأوَّلِ، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ كَوْنِ ذَلِكَ قُرْآنًا ورُجِّحَ بِعَدَمِ ارْتِكابِ التَّأْوِيلِ قَبْلَ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِذاكَ؛ فَإنَّ السُّورَةَ أوِ الآياتِ وإنْ كانَتْ مُتَّصِفَةً بِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الصِّفاتِ الشَّرِيفَةِ لَكِنَّها لَيْسَتْ مِمّا أُلْقِيَ عَلى مَنِ اسْتَغْنى عَنْهُ، واسْتُحِقَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الدُّعاءِ عَلَيْهِ والتَّعَجُّبِ مِن كُفْرِهِ المُفْرِطِ لِنُزُولِها بَعْدَ الحادِثَةِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرَيْنِ لِلْمُعاتَبَةِ الواقِعَةِ وتَذْكِيرِ الثّانِي لِكَوْنِها عِتابًا وفِيهِ أنَّهُ يَأْباهُ الوَصْفُ بِالصِّفاتِ الآتِيَةِ وإنْ كانَ بِاعْتِبارِ أنَّ العِتابَ وقَعَ بِالآياتِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ وهي مُتَّصِفَةٌ بِما ذُكِرَ جاءَ ما سَمِعْتَ آنِفًا، وقِيلَ: لَكَ أنْ تَجْعَلَهُما لِلدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ وتَذْكِيرِ الثّانِي لِكَوْنِها دُعاءً وهَذا عَلى ما فِيهِ مِمّا يَأْباهُ المَقامُ.

80:13–15Page 585

فِي صُحُفٖ مُّكَرَّمَةٖ ١٣

[It is recorded] in honored sheets,

مَّرۡفُوعَةٖ مُّطَهَّرَةِۭ ١٤

Exalted and purified,

بِأَيۡدِي سَفَرَةٖ ١٥

[Carried] by the hands of messenger-angels,

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي صُحُفٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِتَذْكِرَةٍ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِأنْ؛ أيْ كائِنَةٌ أوْ مُثْبَتَةٌ في صُحُفٍ، والمُرادُ بِها الصُّحُفُ المُنْتَسِخَةُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هي اللَّوْحُ نَفْسُهُ، وهو غَيْرُ ظاهِرٍ، وقِيلَ: الصُّحُفُ المُنَزَّلَةُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ وقِيلَ: صُحُفُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ؛ فَإنَّ القُرْآنَ بِمَكَّةَ لَمْ يَكُنْ في الصُّحُفِ وإنَّما كانَ مُتَفَرِّقًا في الدِّفافِ والجَرِيدِ ونَحْوِهِما، وأوَّلُ ما جُمِعَ في صَحِيفَةٍ في عَهْدِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وهو كَما تَرى.

﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ أيْ: في السَّماءِ السّابِعَةِ كَما قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، أوْ مَرْفُوعَةِ القَدْرِ كَما قِيلَ.

﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ مُنَزَّهَةٍ عَنْ مِساسِ أيْدِي الشَّياطِينِ أوْ عَنْ كُلِّ دَنَسٍ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: عَنِ الشُّبَهِ والتَّناقُصِ، والأوَّلُ قِيلَ مَأْخُوذٌ مِن مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ أيْ: كَتَبَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما قالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ فَإنَّهم يَنْسَخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ وهو جَمْعُ سافِرٍ؛ أيْ: كاتِبٍ، والمَصْدَرُ السَّفْرُ كالضَّرْبِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُمُ المَلائِكَةُ المُتَوَسِّطُونَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أنَّ جَمْعَ سافِرٍ أيْضًا بِمَعْنى سَفِيرٍ؛ أيْ رَسُولٍ وواسِطَةٍ، والمَشْهُورُ في مَصْدَرِهِ بِهَذا المَعْنى السِّفارَةُ بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها، وجاءَ فِيهِ السَّفْرُ أيْضًا كَما في القامُوسِ، وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأنَّهم سُفَراءُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى والأُمَّةِ، أوْ لِأنَّهم يَكْتُبُونَ الوَحْيَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ؛ فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وظِيفَتُهُمُ التَّلَقِّي مِنَ الوَحْيِ لا الكُتُبِ؛ لِما يُوحى عَلى أنَّ خاتَمَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ القُرْآنَ بَلْ لَمْ يَكْتُبْ أصْلًا عَلى ما هو الشّائِعُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ، وكَذا وظِيفَتُهم إرْشادُ الأُمَّةِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ وتَعْلِيمِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ لا مُجَرَّدِ السِّفارَةِ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهم أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قِيلَ: لِأنَّهم سُفَراءُ ووَسائِطُ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنِ سائِرِ الأُمَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَهم يُسْفِرُ إلى بَعْضٍ في الخَيْرِ والتَّعْلِيمِ والتَّعَلُّمِ، وفي رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ القُرّاءُ، وكَأنَّ القَوْلَيْنِ لَيْسَ بِالمُعَوَّلِ عَلَيْهِ، وقَدْ قالُوا: هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا تَكادُ تُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِمْ، وإنْ جازَ الإطْلاقُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ، ومادَّتُها مَوْضُوعَةٌ بِجَمِيعِ تَراكِيبِها لِما يَتَضَمَّنُ الكَشْفُ كَسَفَرَتِ المَرْأةُ إذا كَشَفَتِ القِناعَ عَنْ وجْهِها، والباءُ قِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِ ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾

صفحة 43

وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ أُخْرى لِصُحُفٍ.

80:16Page 585

كِرَامِۭ بَرَرَةٖ ١٦

Noble and dutiful.

﴿كِرامٍ﴾ أيْ: أعِزّاءَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُعَظَّمِينَ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ، فَهو مِنَ الكَرامَةِ بِمَعْنى التَّوْقِيرِ أوْ مُتَعَطِّفِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ يَسْتَغْفِرُونَ لَهم ويُرْشِدُونَهم إلى ما فِيهِ الخَيْرُ بِالإلْهامِ ويَنْزِلُونَ بِما فِيهِ تَكْمِيلُهم مِنَ الشَّرائِعِ فَهو مِنَ الكَرَمِ ضِدَّ اللُّؤْمِ.

﴿بَرَرَةٍ﴾ أيْ: أتْقِياءَ وقِيلَ مُطِيعِينَ اللَّهَ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَبَرُّ خالِقَهُ؛ أيْ: يُطِيعُهُ، وقِيلَ: صادِقِينَ مِن بَرَّ في يَمِينِهِ وهو جَمْعُ بَرٍّ لا غَيْرَ، وأمّا أبْرارٌ فَيَكُونُ جَمْعَ بَرٍّ كَرَبٍّ وأرْبابٍ، وجَمْعَ بارٍّ كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، وإنْ مَنَعَهُ بَعْضُ النُّحاةِ لِعَدَمِ اطِّرادِهِ، واخْتُصَّ عَلى ما قِيلَ الجَمْعُ الأوَّلُ بِالمَلائِكَةِ والثّانِي بِالآدَمِيِّينَ في القُرْآنِ ولِسانِ الشّارِعِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكانَ ذَلِكَ لِأنَّ الأبْرارَ مِن صِيَغِ القِلَّةِ دُونَ البَرَرَةِ، ومُتَّقُو المَلائِكَةِ أكْثَرُ مِن مُتَّقِي الآدَمِيِّينَ فَناسَبَ اسْتِعْمالُ صِيغَةِ القِلَّةِ وإنْ لَمْ تُرَدْ حَقِيقَتُها في الآدَمِيِّينَ دُونَهُمْ، وقالَ الرّاغِبُ: خَصَّ البَرَرَةَ بِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهُ أبْلَغُ مِن أبْرارٍ؛ فَإنَّهُ جَمْعُ بَرٍّ وأبْرارٍ جَمْعِ بارٍّ، وبَرٌّ أبْلَغُ مِن بارٍّ كَما أنَّ عَدْلًا أبْلَغُ مِن عادِلٍ وكَأنَّهُ عَنى أنَّ الوَصْفَ بِبَرٍّ أبْلَغُ لِكَوْنِهِ مِن قَبِيلِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ مِنَ الوَصْفِ بِبارٍّ، لَكِنْ قَدْ سَمِعْتَ أنَّ أبْرارًا يَكُونُ جَمْعَ بَرٍّ كَما يَكُونُ جَمْعَ بارٍّ وأيْضًا في كَوْنِ المَلائِكَةِ أحَقَّ بِالوَصْفِ بِالأبْلَغِ بِالنِّسْبَةِ إلى الآدَمِيِّينَ مُطْلَقًا بَحْثٌ. وقِيلَ: إنَّ الأبْرارَ أبْلَغُ مِنَ البَرَرَةِ؛ إذْ هو جَمْعُ بارٍّ، والبَرَرَةُ جَمْعُ بَرٍّ، وبارٌّ أبْلَغُ مِنهُ لِزِيادَةِ بِنْيَتِهِ، ولَمّا كانَتْ صِفاتُ الكَمالِ في بَنِي آدَمَ تَكُونُ كامِلَةً وناقِصَةً وُصِفُوا بِالأبْرارِ إشارَةً إلى مَدْحِهِمْ بِأكْمَلِ الأوْصافِ، وأمّا المَلائِكَةُ فَصِفاتُ الكَمالِ فِيهِمْ لا تَكُونُ ناقِصَةً فَوُصِفُوا بِالبَرَرَةِ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أصْلِ الوَصْفِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ المُبالَغَةِ فِيهِ لِعَدَمِ احْتِياجِهِمْ لِذَلِكَ، وإشارَةً لِفَضِيلَةِ البَشَرِ لِما في كَوْنِهِمْ أبْرارًا مِنَ المُجاهَدَةِ وعِصْيانِ داعِي الجِبِلَّةِ وفِيهِ ما لا يَخْفى ومِنَ اسْتِعْمالِ البَرَرَةِ في المَلائِكَةِ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وهو ماهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرامِ البَرَرَةِ، والَّذِي يَقْرَأُهُ وهو عَلَيْهِ شاقٌّ لَهُ أجْرانِ»».

80:17Page 585

قُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ ١٧

Destroyed [i.e., cursed] is man;1 how disbelieving is he.

﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِ بِأشْنَعِ الدَّعَواتِ وأفْظَعِها.

﴿ما أكْفَرَهُ﴾ تَعْجِيبٌ مِن إفْراطِهِ في الكُفْرانِ وبَيانٌ لِاسْتِحْقاقِهِ الدُّعاءَ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِهِ: إمّا مَنِ اسْتَغْنى عَنِ القُرْآنِ الكَرِيمِ الَّذِي ذُكِرَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ المُوجِبَةُ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ والإيمانِ بِهِ، وإمّا الجِنْسُ بِاعْتِبارِ انْتِظامِهِ لَهُ ولِأمْثالِهِ مِن أفْرادِهِ، ورُجِّحَ هَذا بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ «عَنْ عِكْرِمَةَ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ غاضَبَ أباهُ فَأسْلَمَ ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ، فَبَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى. فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ حَتّى يَفْتَرِسَهُ». فَلَمّا كانَ في أثْناءِ الطَّرِيقِ ذَكَرَ الدُّعاءَ فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ حَيًّا، فَجَعَلُوهُ وسَطَ الرُّفْقَةِ والمَتاعُ حَوْلَهُ، فَأقْبَلَ أسَدٌ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ، فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ ويَقُولُ: ما قالَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ إلّا كانَ» . وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى خَبَرٌ في هَذِهِ القِصَّةِ أطْوَلُ مِن هَذا الخَبَرِ، فَلا تَغْفُلْ.

ثُمَّ إنَّ هَذا كَلامٌ في غايَةِ الإيجازِ، وقَدْ قالَ جارُ اللَّهِ: لا تَرى أُسْلُوبًا أغْلَظَ مِنهُ ولا أدَلَّ عَلى سُخْطٍ ولا أبْعَدَ شَوْطًا في المَذَمَّةِ مَعَ تَقارُبِ طَرَفَيْهِ ولا أجْمَعَ لِلْأئِمَّةِ عَلى قِصَرِ مَتْنِهِ حَيْثُ اشْتَمَلَ عَلى ما سَمِعْتَ مِنَ الدُّعاءِ مُرادًا إذْ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ تَعالى لازِمُهُ وعَلى التَّعَجُّبِ المُرادِ بِهِ لِاسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ التَّعْجِيبُ لِكُلِّ سامِعٍ. وقالالإمامُ: إنَّ الجُمْلَةَ الأُولى تَدُلُّ عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ عُرْفًا، والثّانِيَةَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اتَّصَفُوا بِأعْظَمِ أنْواعِ القَبائِحِ والمُنْكَراتِ شَرْعًا، ولَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ وما نُسِبَ إلى امْرِئِ القَيْسِ مِن قَوْلِهِ:

يَتَمَنّى المَرْءُ في الصَّيْفِ الشِّتا فَإذا جاءَ الشِّتا أنْكَرَهْ

فَهْوَ لا يَرْضى بِحالٍ واحِدٍ ∗∗∗ قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهْ

صفحة 44

لا أصْلَ لَهُ، ومَن لَهُ أدْنى مَعْرِفَةٍ بِكَلامِ العَرَبِ لا يَجْهَلُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ مُوَلَّدٌ أرادَ الِاقْتِباسَ لا جاهِلِيٌّ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ خَبَرًا عَنْ أنَّهُ سَيَقْتُلُ الكُفّارَ بِإنْزالِ آيَةِ القِتالِ، وعَبَّرَ بِالماضِي مُبالَغَةً في أنَّهُ سَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ونَحْوُهُ ما قِيلَ إنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ؛ أيْ: جَعَلَهُ كافِرًا بِمَعْنى لا شَيْءَ يُسَوِّغُ لَهُ أنْ يَكْفُرَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском