Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
'Abasa 80:18–33
80:18–19Page 585
مِنۡ أَيِّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥ ١٨
From what thing [i.e., substance] did He create him?
مِن نُّطۡفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ ١٩
From a sperm-drop He created him and destined for him;1
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ إفْراطِهِ في الكُفْرانِ بِتَفْصِيلِ ما أفاضَ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ مِن مَبْدَأِ فِطْرَتِهِ إلى مُنْتَهى عُمْرِهِ مِن فُنُونِ النِّعَمِ المُوجِبَةِ لِأنْ تُقابَلَ بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ مَعَ إخْلالِهِ، والِاسْتِفْهامُ قِيلَ لِلتَّحْقِيرِ، وذِكْرُ الجَوابِ؛ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ لا يَقْتَضِي أنَّهُ حَقِيقِيٌّ لِأنَّهُ لَيْسَ بِجَوابٍ في الحَقِيقَةِ، بَلْ عَلى صُورَتِهِ وهو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلتَّقْرِيرِ والتَّحْقِيرِ مُسْتَفادٌ مِن «شَيْءٍ» المُنَكَّرِ، وقِيلَ التَّحْقِيرُ يُفْهَمُ أيْضًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ إلَخْ؛ أيْ: مِن أيِّ شَيْءٍ حَقِيرٍ مَهِينٍ خَلَقَهُ؛ مِن نُطْفَةٍ مَذِرَةٍ خَلَقَهُ.
﴿فَقَدَّرَهُ﴾ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ ويَلِيقُ بِهِ مِنَ الأعْضاءِ والأشْكالِ فالتَّقْدِيرُ بِمَعْنى التَّهْيِئَةِ لِما يَصْلُحُ ولِذا ساغَ عَطْفُهُ بِالفاءِ دُونَ التَّسْوِيَةِ؛ لِأنَّ الخَلْقَ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ بِهَذا المَعْنى أوْ يَتَضَمَّنُهُ فَلا تَصْلُحُ الفاءُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا تَفْصِيلًا لِما أُجْمِلَ أوَّلًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ أيْ: فَقَدَّرَهُ أطْوارًا إلى أنَّ أتَمَّ خَلْقَهُ.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أيْ: ثُمَّ سَهَّلَ مَخْرَجَهُ مِنَ البَطْنِ كَما جاءَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِأنْ فَتَحَ فَمَ الرَّحِمِ ومَدَّدَ الأعْصابَ في طَرِيقِهِ ونَكَّسَ رَأْسَهُ لِأسْفَلَ بَعْدَ أنْ كانَ في جِهَةِ العُلُوِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةَ وأبِي صالِحٍ والسُّدِّيِّ المُرادُ بِ «السَّبِيلَ» سَبِيلَ النَّظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ وتَيْسِيرِهِ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ وتَمْكِينُهُ مِنَ النَّظَرِ، وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعَطاءٌ وهو رِوايَةٌ عَنِ الحَبْرِ أيْضًا: هو سَبِيلُ الهُدى والضَّلالِ؛ أيْ: سَهَّلَ لَهُ الطَّرِيقَ الَّذِي يُرِيدُ سُلُوكَهُ مِن طَرِيقِ الخَيْرِ والهُدى وطَرِيقِ الشَّرِّ والضَّلالِ؛ بِأنْ أقْدَرَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى كُلٍّ ومَكَّنَهُ مِنهُ، والإقْدارُ عَلى المُرادِ نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خَيْرِيَّتِهِ وشَرِّيَّتِهِ فَلا يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّهُ كَيْفَ يُعَدُّ تَسْهِيلُ طَرِيقِ الشَّرِّ والضَّلالِ مِنَ النِّعَمِ وقُلْ: إنَّهُ عُدَّ مِنها لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسَهَّلًا كَسَبِيلِ الخَيْرِ لَمْ يَسْتَحِقَّ المَدْحَ والثَّوابَ بِالإعْراضِ عَنْهُ، وتَرْكُهُ مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِأنَّ تَرْكَ المُحَرَّمِ كالزِّنا مَعَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ لِعَنَةٍ مَثَلًا لا يُثابُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: يُثابُ ويُمْدَحُ عَلَيْهِ إذا قَدَرَ التّارِكُ في نَفْسِهِ أنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ لَمْ يَفْعَلْ. وقالَ بَعْضُهُمْ:
العَجْزُ عَنِ الشَّرِّ نِعْمَةٌ، وأنْشَدَ:
جكونه شكر ابن نعمت كزارم كه زور مردم آزارى ندارم
ونُصِبَ السَّبِيلُ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ وفِيهِ مُبالَغَةٌ في التَّيْسِيرِ وتَمْكِينٌ في النَّفْسِ بِسَبَبِ التَّكْرِيرِ، قِيلَ: وفي تَعْرِيفِهِ بِاللّامِ دُونَ الإضافَةِ إشْعارٌ بِعُمُومِهِ؛ فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ: «سَبِيلَهُ» أوْهَمَ أنَّهُ عَلى التَّوْزِيعِ، وإنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ سَبِيلًا يَخُصُّهُ، وخَصَّ بَعْضُهم هَذِهِ النُّكْتَةَ بِالمَعْنى الأخِيرِ لِلسَّبِيلِ فَتَدَبَّرْ. وعَلى هَذا المَعْنى قِيلَ: إنَّ فِيهِ إيماءً إلى أنَّ الدُّنْيا طَرِيقٌ المَقْصِدُ غَيْرُها؛ لِما أشْعَرَتْ بِهِ الآيَةُ مِن أنَّ المُيَسَّرَ سَبِيلُ المُكَلَّفِينَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ وفِيهِ خَفاءٌ، وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ المَنصُوبُ فِي: ﴿يَسَّرَهُ﴾ لِلسَّبِيلِ ولَيْسَ في التَّفْكِيكِ لَبْسٌ حَتّى يَكُونَ نَقْصًا في البَيانِ.
80:21Page 585
ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقۡبَرَهُۥ ٢١
Then He causes his death and provides a grave for him.1
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ: جَعَلَهُ ذا قَبْرٍ تُوارى فِيهِ جِيفَتُهُ تَكْرِمَةً لَهُ ولَمْ يَجْعَلْهُ مَطْرُوحًا عَلى الأرْضِ يَسْتَقْذِرُهُ مَن يَراهُ وتَقْتَسِمُهُ السِّباعُ والطَّيْرُ إذا ظَفِرَتْ بِهِ كَسائِرِ الحَيَوانِ، والمُرادُ مِن جَعْلِهِ ذا قَبْرٍ أمْرُهُ عَزَّ وجَلَّ بِدَفْنِهِ يُقالُ: قَبَرَ المَيِّتَ إذا دَفَنَهُ بِيَدِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
لَوْ أسْنَدَتْ مَيْتًا إلى نَحْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
وأقْبَرَهُ إذا أمَرَ بِدَفْنِهِ أوْ مَكَّنَ مِنهُ، فَفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى مَشْرُوعِيَّةِ دَفْنِ الإنْسانِ وهي مِمّا لا خِلافَ فِيهِ، وأمّا دَفْنُ غَيْرِهِ مِنَ الحَيَواناتِ فَقِيلَ هو مُباحٌ لا مَكْرُوهٌ، وقَدْ يُطْلَبُ لِأمْرٍ مَشْرُوعٍ يَقْتَضِيهِ كَدَفْعِ أذى جِيفَتِهِ مَثَلًا، وعْدُ الإماتَةِ
صفحة 45
مِنَ النِّعَمِ لِأنَّها وصْلَةٌ في الجُمْلَةِ إلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، وخُصَّتْ هَذِهِ النِّعَمُ بِالذِّكْرِ لِما فِيها مِن ذِكْرِ أحْوالِ الإنْسانِ مِنَ ابْتِدائِهِ إلى انْتِهائِهِ وما تَتَضَمَّنُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي هي مَحْضُ فَضْلٍ مِنَ اللَّهِ فَإذا تَأمَّلَ ذَلِكَ العاقِلُ عِلْمَ قُبْحَ الكُفْرِ وكُفْرانَ نِعَمِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى فَشَكَرَهُ جَلَّ وعَلا بِالإيمانِ والطّاعَةِ.
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ: إذا شاءَ إنْشارَهُ أنْشَرَهُ عَلى القاعِدَةِ المَعْرُوفَةِ في حَذْفِ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ وفي تَعْلِيقِ الإنْشارِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى إيذانٌ بِأنَّ وقْتَهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ أصْلًا، بَلْ هو تابِعٌ لَها وهَذا بِخِلافِ الإماتَةِ فَإنَّ وقْتَها مُعَيَّنٌ إجْمالًا عَلى ما هو المَعْهُودُ في الأعْمارِ الطَّبِيعِيَّةِ، وكَذا الحالُ في وقْتِ الإقْبارِ بَلْ هو أظْهَرُ في ذَلِكَ، وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ الحِجابِ كَما في كِتابِ اللَّوامِحِ وابْنُ أبِي حَمْزَةَ كَما في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ: «نَشَرَهُ» بِدُونِ هَمْزَةٍ وهُما لُغَتانِ في الإحْياءِ.
80:23Page 585
كـَلَّا لَمَّا يَقۡضِ مَآ أَمَرَهُۥ ٢٣
No! He [i.e., man] has not yet accomplished what He commanded him.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن كُفْرانِ النِّعَمِ البالِغِ نِهايَتَهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ بَيانٌ لِسَبَبِ الرَّدْعِ و«لَمّا» نافِيَةٌ جازِمَةٌ ونَفْيُها غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، وما مَوْصُولَةٌ، وضَمِيرُ «أمَرَهُ» إمّا لِلْإنْسانِ كالمُسْتَتِرِ في يَقْضِ، والعائِدُ إلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: بِهِ أوْ لِلْمَوْصُولِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، والعائِدُ إلى الإنْسانِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: إيّاهُ قِيلَ، والثّانِي أحْسَنُ؛ لِأنَّ حَذْفَ المَفْعُولِ أهْوَنُ مِن حَذْفِ العائِدِ إلى المَوْصُولِ، والمُرادُ بِما أمَرَهُ جَمِيعُ ما أمَرَهُ والمَعْنى عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: لَمْ يَقْضِ مِن أوَّلِ زَمانِهِ تَكْلِيفَهُ إلى زَمانِ أمانَتِهِ وإقْبارِهِ، أوْ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذِهِ الغايَةِ مَعَ طُولِ المَدى وامْتِدادِهِ جَمِيعَ ما أمَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ مِن جَمِيعِ أوامِرِهِ تَعالى؛ إذْ لا يَخْلُو أحَدٌ عَنْ تَقْصِيرٍ ما، ونُقِلَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وفِيهِ حَمْلُ عَدَمِ القَضاءِ عَلى نَفْيِ العُمُومِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا رَيْبَ في أنَّ مَساقَ الآياتِ الكَرِيمَةِ لِبَيانِ غايَةِ عِظَمِ جِنايَةِ الإنْسانِ وتَحْقِيقِ كُفْرانِهِ المُفْرِطِ المُسْتَوْجِبِ لِلسُّخْطِ العَظِيمِ، وظاهِرٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ بِهَذا القَدْرِ مِن نَوْعِ تَقْصِيرٍ لا يَخْلُو عَنْهُ أحَدٌ مِن أفْرادِهِ، واخْتِيرَ أنْ يُحْمَلَ عَدَمُ القَضاءِ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ إمّا عَلى أنَّ المَحْكُومَ عَلَيْهِ هو الإنْسانُ المُسْتَغْنِي أوْ هو الجِنْسُ، لَكِنْ لا عَلى الإطْلاقِ بَلْ عَلى أنَّ مِصْداقَ الحُكْمِ بِعَدَمِ القَضاءِ بَعْضُ أفْرادِهِ، وقَدْ أُسْنِدَ إلى الكُلِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ .
وإمّا عَلى أنَّ مِصْداقَهُ الكُلُّ مِن حَيْثُ هو كُلٌّ بِطْرِيقِ رَفْعِ الإيجابِ الكُلِّيِّ دُونَ السَّلْبِ الكُلِّيِّ فالمَعْنى: لَمّا يَقْضِ جَمِيعُ أفْرادِهِ ما أمَرَهُ، بَلْ أخَلَّ بِهِ بَعْضُها بِالكُفْرِ والعِصْيانِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى ما فُصِّلَ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ الشّامِلَةِ لِلْكُلِّ أنْ لا يَخْتَلِفَ عَنْهُ أحَدٌ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ ( كَلّا ) بِمَعْنى حَقًّا فَيَتَعَلَّقُ بِما بَعْدَهُ؛ أيْ: حَقًّا لَمْ يَعْمَلْ بِما أمَرَهُ بِهِ. وقالَ ابْنُ فُورَكَ: الضَّمِيرُ فِي: ﴿يَقْضِ﴾ لِلَّهِ تَعالى؛ أيْ: لَمْ يَقْضِ اللَّهُ تَعالى لِهَذا الكافِرِ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ بَلْ أمَرَهُ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ لَمّا يَقْضِ لَهُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
والظّاهِرُ عَلَيْهِ أنَّ ( كَلّا ) بِمَعْنى حَقًّا أيْضًا.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ عَلى مَعْنى: إذا كانَ هَذا حالَ الإنْسانِ وهو أنَّهُ إلى الآنِ لَمْ يَقْضِ ما أمَرَهُ مَعَ أنَّ مُقْتَضى النِّعَمِ السّابِقَةِ القَضاءُ فَلْيَنْظُرْ إلى طَعامِهِ... إلَخْ. لَعَلَّهُ يَقْضِي، وفي الحَواشِي العِصامِيَّةِ لا يَخْفى ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ مِن كَمالِ تَهْيِيجِ الإنْسانِ وتَحْرِيضِهِ عَلى امْتِثالِ ما يَعْقُبُهُ مِنَ الأمْرِ بِالنَّظَرِ، وتَفْرِيعُ الأمْرِ عَلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِائْتِمارَ كَما يَنْبَغِي أنْ يَتَيَسَّرَ بَعْدَ الِارْتِداعِ عَمّا هو عَلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ هُنا نَحْوَ ما أُرِيدَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ ولَمّا جَوَّزَ صاحِبُ الحَواشِي المَذْكُورَةِ حَمْلَ عَدَمِ القَضاءِ عَلى السَّلْبِ الكُلِّيِّ وجَعَلَ الكَلامَ في الإنْسانِ المُبالِغِ في الكُفْرِ قالَ: فالمُرادُ بِضَمِيرِ ﴿يَقْضِ﴾ غَيْرُ الإنْسانِ الَّذِي أُمِرَ بِالنَّظَرِ فَإنَّهُ عامٌّ فَلِذا أُظْهِرَ وتَضَمَّنَ ما مَرَّ ذِكْرَ النِّعَمِ الذّاتِيَّةِ؛ أيْ ما يَتَعَلَّقُ بِذاتِ الإنْسانِ مِنَ الذّاتِ نَفْسِها ولَوازِمِها، وهَذا ذِكْرُ النِّعَمِ الخارِجِيَّةِ المُقابَلَةِ لِذَلِكَ، وقِيلَ: الأُولى نِعَمٌ خاصَّةٌ، والثّانِيَةُ نِعَمٌ عامَّةٌ. وقِيلَ: تِلْكَ نِعَمٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالحُدُوثِ وهَذِهِ نِعَمٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالبَقاءِ، وفِيهِ نَظَرٌ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالطَّعامِ المَطْعُومِ بِأنْواعِهِ واقْتُصِرَ عَلَيْهِ ولَمْ يَذْكُرِ المَشْرُوبَ؛ لِأنَّ آثارَ القُدْرَةِ فِيهِ أكْثَرُ مِن آثارِها في المَشْرُوبِ، واعْتِبارُ التَّغْلِيبِ لا يَخْفى ما فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ﴾ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ فَإنَّهُ لِكَوْنِهِ مِن أسْبابِ
صفحة 46
تَكَوُّنِهِ كالمُشْتَمِلِ عَلَيْهِ والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: صَبَبْنا لَهُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ أنّا صَبَبْنا... إلَخْ. وهو كَما تَرى، وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ بِالنَّظَرِ هو البَدَلُ وبِذَلِكَ يَضْعُفُ ما رُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وغَيْرِهِمْ أنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرْ إلى طَعامِهِ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ عاقِبَةَ الدُّنْيا وما تَهالَكَ عَلَيْهِ أهْلُها، ولَعَمْرِي إنَّ هَذا بَعِيدُ الإرادَةِ عَنِ السِّياقِ، ولا أظُنُّ أنَّهُ وقَعَ عَلى صِحَّةِ رِوايَتِهِ عَنْ هَؤُلاءِ الأجِلَّةِ الِاتِّفاقُ. وظاهِرُ الصَّبِّ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الماءِ بِالغَيْثِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَوَّزَ بَعْضُهم إرادَةَ الأعَمِّ. وقالَ: إنَّ في كُلِّ ماءٍ صَبًّا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِخَلْقِ أسْبابِهِ عَلى أُصُولِ النَّباتاتِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إيصالَ الماءِ إلى أُصُولِ النَّباتاتِ يَبْعُدُ تَسْمِيَتُهُ صَبًّا، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِلِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها مَعَ كَوْنِها مَظِنَّةً لِإنْكارِ القاصِرِ لِعَدَمِ الإحْساسِ بِفِعْلٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما يُعْرَفُ الِاسْتِنادُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ، وقَرَأ الأكْثَرُ: «إنّا» بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ كَأنَّهُ لَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِالنَّظَرِ إلى ما رَزَقَهُ جَلَّ وعَلا مِن أنْواعِ المَأْكُولاتِ قِيلَ: كَيْفَ أُحْدِثَ ذَلِكَ وأُوجِدَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيلَ: «إنّا صَبَبْنا» إلَخْ.
وقَرَأ الإمامُ الحُسَيْنُ ابْنُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُما ورَضِيَ سُبْحانَهُ عَنْهُما: «أنّى صَبَبْنا» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والإمالَةِ عَلى مَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ صَبَبْنا الماءَ ﴿صَبًّا﴾ عَجِيبًا.
80:26Page 585
ثُمَّ شَقَقۡنَا ٱلۡأَرۡضَ شَقّٗا ٢٦
Then We broke open the earth, splitting [it with sprouts],
﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ﴾ أيْ: بِالنَّباتِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿شَقًّا﴾ بَدِيعًا لائِقًا بِما يَشُقُّها مِنَ النَّباتِ صِغَرًا وكِبَرًا وشَكْلًا وهَيْئَةً.
وقِيلَ: شَقُّها بِالكِرابِ، وإسْنادُهُ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى مَجازٌ مِن بابِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ، وإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى عَزَّ وجَلَّ هو المُوجِدُ حَقِيقَةً فَقَدْ تَبَيَّنَ في مَوْضِعِهِ أنَّ إسْنادَ الفِعْلِ حَقِيقَةً لِمَن قامَ بِهِ لا مَن صَدَرَ عَنْهُ إيجادًا ولِهَذا يُشْتَقُّ اسْمُ الفاعِلِ لَهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ كَلِمَةُ ثُمَّ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ فَإنَّ الشَّقَّ بِالمَعْنى المَذْكُورِ لا تَرَتُّبَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإمْطارِ أصْلًا ولا بَيْنَهُ وبَيْنَ إنْباتِ الحَبِّ بِلا مُهْلَةٍ؛ فَإنَّ المُرادَ بِالنَّباتِ ما نَبَتَ مِنَ الأرْضِ إلى أنْ يَتَكامَلَ النُّمُوُّ ويَنْعَقِدَ الحَبُّ؛ فَإنَّ انْشِقاقَ الأرْضِ بِالنَّباتِ لا يَزالُ يَتَزايَدُ ويَتَّسِعُ إلى تِلْكَ المَرْتَبَةِ عَلى أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِبَيانِ النِّعَمِ الفائِضَةِ مِن جَنابِهِ تَعالى عَلى وجْهٍ بَدِيعٍ خارِجٍ عَنِ العاداتِ المَعْهُودَةِ كَما يُنْبِئُ مِنهُ إرْدافُ الفِعْلَيْنِ بِالمَصْدَرَيْنِ فَتَوْسِيطُ فِعْلِ المُنْعِمِ عَلَيْهِ في حُصُولِ تِلْكَ النِّعَمِ مُخِلٌّ بِالمَرامِ ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ، وقِيلَ عَلَيْهِ أيْضًا: إنَّ الشَّقَّ بِالكِرابِ لا يَظْهَرُ في العِنَبِ والزَّيْتُونِ والنَّخْلِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن لَوازِمِ العَطْفِ تَقْيِيدُ المَعْطُوفِ بِجَمِيعِ ما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الكِرابِ في القِيلِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، أوْ أُرِيدَ بِهِ ما يَشْمَلُ الحَفْرَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ شَقَّها بِالعُيُونِ عَلى أنَّ المُرادَ بِصَبِّ الماءِ إمْطارُ المَطَرِ وبِهَذا إجْراءُ الأنْهارِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَرَتُّبُ الشَّقِّ عَلى صَبِّ الماءِ بِكَلِمَةِ التَّراخِي، وأيْضًا تَرْتِيبُ الإنْباتِ عَلى مَجْمُوعِ الصَّبِّ والشَّقِّ بِالمَعْنى المَذْكُورِ لا يُلائِمُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا﴾ الآيَةَ؛ لِإشْعارِهِ بِاسْتِقْلالِ الصَّبِّ وإنْزالِ الغَيْثِ في ذَلِكَ، ودَفْعًا بِأنَّ ماءَ العُيُونِ مِنَ المَطَرِ لا مِنَ الأبْخِرَةِ المُحْتَبَسَةِ في الأرْضِ ولا يَخْفى عَلى ذِي عَيْنٍ أنَّ هَذا الوَجْهَ بَعِيدٌ مُتَكَلَّفٌ، والمُرادُ بِالحَبِّ جِنْسُ الحُبُوبِ الَّتِي يُتَقَوَّتُ بِها وتُدَّخَرُ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والذُّرَةِ وغَيْرِها.
80:28–30Page 585
وَعِنَبٗا وَقَضۡبٗا ٢٨
And grapes and herbage
وَزَيۡتُونٗا وَنَخۡلٗا ٢٩
And olive and palm trees
وَحَدَآئِقَ غُلۡبٗا ٣٠
And gardens of dense shrubbery
﴿وعِنَبًا﴾ مَعْرُوفٌ ﴿وقَضْبًا﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو الفَصْفَصَةُ وقَيَّدَها الخَلِيلُ بِالرَّطْبَةِ وقالَ: إذا يَبِسَتْ فَهي القَتُّ وسُمِّيَتْ بِمَصْدَرِ قَضَبَهُ؛ أيْ: قَطَعَهُ مُبالَغَةً كَأنَّها لِتَكَرُّرِ قَطْعِها وتَكَثُّرِهِ نَفْسِهِ القَطْعُ، وضَعَّفَ هَذا مَن فَسَّرَ الأبَّ بِما يَشْمَلُ ذَلِكَ وقِيلَ هو كُلُّ ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ كالبُقُولِ والهِلْيُونِ.
وفِي البَحْرِ عَنِ الحَبْرِ: إنَّهُ الرَّطْبُ وهو يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ واسْتَأْنَسَ لَهُ بِذِكْرِهِ مَعَ العِنَبِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
﴿وزَيْتُونًا ونَخْلا﴾ هُما مَعْرُوفانِ ﴿وحَدائِقَ﴾ رِياضًا ﴿غُلْبًا﴾ أيْ: عِظامًا، وأصْلُهُ جَمْعُ أغْلَبَ وغَلْباءَ صِفَةُ العُنُقِ، وقَدْ يُوصَفُ بِهِ الرَّجُلُ، لَكِنَّ الأوَّلَ هو الأغْلَبُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
صفحة 47
يَمْشِي بِها غُلْبُ الرِّقابِ كَأنَّهم بَزْلٌ كُسِينَ مِنَ الكُحَيْلِ جِلالا
ووَصْفُ الحَدائِقِ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ شُبِّهَ تَكاثُفُ أوْراقِ الأشْجارِ وعُرُوقِها بِغِلَظِ الأوْداجِ وانْتِفاخِ الأعْصابِ مَعَ انْدِماجِ بَعْضِها في بَعْضٍ في غِلَظِ الرَّقَبَةِ إلّا أنَّ الغِلَظَ في الأشْجارِ أقْوى؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ نَظَرًا إلى الِانْدِماجِ، وتَقَوِّي البَعْضِ بِالبَعْضِ حَتّى صارَتْ شَيْئًا واحِدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ كَما في المَرْسِنِ بِأنْ يُرادَ بِالأغْلَبِ الغَلِيظُ مُطْلَقًا، وتُجُوِّزَ في الإسْنادِ أيْضًا لِأنَّ الحَدائِقَ نَفْسَها لَيْسَتْ غَلِيظَةً بَلِ الغَلِيظُ أشْجارُها. وقالَ بَعْضٌ: المُرادُ بِالحَدائِقِ نَفْسُ الأشْجارِ لِمَكانِ العَطْفِ عَلى ما في حَيِّزِ «أنْبَتْنا» فَلا تَغْفُلْ.
﴿وفاكِهَةً﴾ قِيلَ: هي الثِّمارُ كُلُّها، وقِيلَ: بَلْ هي الثِّمارُ ما عَدا العِنَبَ والرُّمّانَ وأيًّا ما كانَ فَذِكْرُ ما يَدْخُلُ فِيها أوَّلًا لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ.
﴿وأبًّا﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ: إنَّهُ الكَلَأُ والمَرْعى مِن أنَّهُ إذا أمَّهُ وقَصَدَهُ لِأنَّهُ يُؤَمُّ ويُقْصَدُ أوْ مِن أبَّ لِكَذا إذا تَهَيَّأ لَهُ لِأنَّهُ مُتَهَيِّئُ المَرْعى، ويُطْلَقُ عَلى نَفْسِ مَكانِ الكَلَأِ ومِنهُ قَوْلُهُ:
جِذْمُنا قَيْسٌ ونَجْدٌ دارُنا ولَنا الأبُّ بِها والمَكْرَعُ
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ ما يَأْكُلُهُ الآدَمِيُّونَ مِنَ النَّباتِ يُسَمّى الحَصِيدَةَ والحَصِيدَ، وما يَأْكُلُهُ غَيْرُهم يُسَمّى الأبَّ وعَلَيْهِ قَوْلُ بَعْضِ الصَّحابَةِ يَمْدَحُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ:
لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُها الصَّبا ∗∗∗ بِها يُنْبِتُ اللَّهُ الحَصِيدَةَ والأبّا
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ التِّبْنُ خاصَّةً، وقِيلَ: هو يابِسُ الفاكِهَةِ؛ لِأنَّها تُؤَبُّ وتُهَيَّأُ لِلشِّتاءِ لِلتَّفَكُّهِ بِها، وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ قالَ: سُئِلَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ الأبِّ ما هُوَ؟ فَقالَ: أيُّ سَماءٍ تُظِلُّنِي وأيُّ أرْضٍ تُقِلُّنِي إذا قُلْتُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ما لا أعْلَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَرَأ عَلى المِنبَرِ: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وعِنَبًا﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿وأبًّا﴾ فَقالَ: كُلُّ هَذا قَدْ عَرَفْناهُ فَما الأبُّ؟ ثُمَّ رَفَعَ عَصًا كانَتْ في يَدِهِ فَقالَ: هَذا لَعَمْرُ اللَّهِ هو التَّكَلُّفُ، فَما عَلَيْكَ يا ابْنَ أُمِّ عُمَرَ أنْ لا تَدْرِيَ ما الأبُّ ابْتَغَوْا ما بُيِّنَ لَكم مِن هَذا الكِتابِ فاعْمَلُوا بِهِ، وما لَمْ تَعْرِفُوهُ فَكِلُوهُ إلى رَبِّهِ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن رِوايَةِ أنَسٍ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ ذَلِكَ وقالَ: فَما الأبُّ؟ ثُمَّ قالَ: ما كُلِّفْنا أوْ ما أُمِرْنا بِهَذا، ويَتَراءى مِن ذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ تَتَبُّعِ مَعانِي القُرْآنِ والبَحْثِ عَنْ مُشْكِلاتِهِ، وفي الكَشّافِ: لَمْ يَذْهَبْ إلى ذَلِكَ ولَكِنَّ القَوْمَ كانَتْ أكْبَرُ هِمَّتِهِمْ عاكِفَةً عَلى العَمَلِ، وكانَ التَّشاغُلُ بِشَيْءٍ مِنَ العِلْمِ لا يُعْمَلُ بِهِ تَكَلُّفًا فَأرادَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عمر أنَّ الآيَةَ مَسُوقَةٌ في الِامْتِنانِ عَلى الإنْسانِ بِمَطْمَعِهِ واسْتِدْعاءِ شُكْرِهِ، وقَدْ عُلِمَ مِن فَحْواها أنَّ الأبَّ بَعْضُ ما أنْبَتَ سُبْحانَهُ لِلْإنْسانِ مَتاعًا لَهُ أوْ لِأنْعامِهِ فَعَلَيْكَ بِما هو أهَمُّ مِنَ النُّهُوضِ بِالشُّكْرِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى ما تَبَيَّنَ لَكَ، ولَمْ يُشْكِلْ مِمّا عَدَّدَ مِن نِعْمَتِهِ تَعالى ولا تَتَشاغَلْ عَنْهُ بِطَلَبِ مَعْنى الأبِّ ومَعْرِفَةِ النَّباتِ الخاصِّ الَّذِي هو اسْمٌ لَهُ واكْتَفِ بِالمَعْرِفَةِ الجُمْلِيَّةِ إلى أنَّ يَتَبَيَّنَ لَكَ في غَيْرِ هَذا الوَقْتِ، ثُمَّ وصّى النّاسَ بِأنْ يَجْرُوا عَلى هَذا السَّنَنِ فِيما أشْبَهَ ذَلِكَ مِن مُشْكِلاتِ القُرْآنِ انْتَهى.
وهُوَ قُصارى ما يُقالُ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ، لَكِنْ في بَعْضِ الآثارِ عَنِ الفارُوقِ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ ما يَبْعُدُ فِيهِ إنْ صَحَّ هَذا التَّوْجِيهُ. بَقِيَ شَيْءٌ وهو أنَّهُ يَنْبَغِي أنَّ خَفاءَ تَعْيِينِ المُرادِ مِنَ الأبِّ عَلى الشَّيْخَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ونَحْوِها مِنَ الصَّحابَةِ وكَذا الِاخْتِلافُ فِيهِ لا يَسْتَدْعِي كَوْنَهُ غَرِيبًا مُخِلًّا بِالفَصاحَةِ وأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ عِنْدَ العَرَبِ العَرْباءِ، وقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ لِابْنِ الأزْرَقِ بِما تَعْتَلِفُ مِنهُ الدَّوابُّ، واسْتَشْهَدَ بِهِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
تَرى بِهِ الأبَّ واليَقْطِينَ مُخْتَلِطا ووَقَعَ في شِعْرِ
صفحة 48
بَعْضِ الصَّحابَةِ كَما سَمِعْتَ، ومَن تَتَبَّعَ وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ.
80:32Page 585
مَّتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ ٣٢
[As] enjoyment [i.e., provision] for you and your grazing livestock.
﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾ قِيلَ: إمّا مَفْعُولٌ لَهُ؛ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ تَمْتِيعًا لَكم ولِمَواشِيكُمْ؛ فَإنَّ بَعْضَ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ طَعامٌ لَهم وبَعْضَها عَلَفٌ لِدَوابِّهِمْ، ويُوَزَّعُ ويُنْزَلُ كُلٌّ عَلى مُقْتَضاهُ، والِالتِفاتُ لِتَكْمِيلِ الِامْتِناعِ، وإمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ المُضْمَرِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ؛ أيْ: مَتَّعَكم بِذَلِكَ مَتاعًا أوْ لِفِعْلٍ مُرَتَّبٍ عَلَيْهِ؛ أيْ: فَتَمَتَّعْتُمْ بِذَلِكَ مَتاعًا؛ أيْ: تَمَتُّعًا أوْ مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ فَإنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ في مَعْنى التَّمْتِيعِ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في نَظِيرِهِ؛ فَتَذَكَّرْ.
﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ مَعادِهِمْ بَعْدَ بَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِخَلْقِهِمْ ومَعاشِهِمْ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ المَتاعِ مِن سُرْعَةِ زَوالِ هاتِيكَ النِّعَمِ وقُرْبِ اضْمِحْلالِها. و«الصّاخَةُ» هي الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ مِن صَخَّ بِمَعْنى أصاخَ أيِ اسْتَمَعَ، والمُرادُ بِها النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، ووُصِفَتْ بِها لِأنَّ النّاسَ يَصِخُّونَ لَها فَجُعِلَتْ مُسْتَمِعَةً مَجازًا في الظَّرْفِ أوِ الإسْنادِ، وقالَ الرّاغِبُ: «الصّاخَّةُ» شِدَّةُ صَوْتِ ذِي النُّطْقِ، يُقالُ: صَخَّ يَصُخُّ فَهو صاخٌّ فَعَلَيْهِ هي بِمَعْنى الصّائِحَةِ مَجازًا أيْضًا، وقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِن صَخَّهُ بِالحَجَرِ؛ أيْ: صَكَّهُ. وقالَ الخَلِيلُ: هي صَيْحَةٌ تَصُخُّ الآذانَ صَخًّا؛ أيْ: تَصُمُّها لِشِدَّةِ وقْعَتِها، ومِنهُ أخَذَ الحافِظُ أبُو بَكْرِ ابْنُ العَرَبِيِّ قَوْلَهُ: ﴿الصّاخَّةُ﴾ هي الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وإنَّها لَمُسْمِعَةٌ، وهو مِن بَدِيعِ الفَصاحَةِ؛ كَقَوْلِهِ:
أصَمَّ بِكَ الدّاعِي وإنْ كانَ أسْمَعا
ثُمَّ قالَ: ولَعَمْرُ اللَّهِ تَعالى إنَّ صَيْحَةَ القِيامَةِ مُسْمِعَةٌ تَصُمُّ عَنِ الدُّنْيا وتُسْمِعُ أُمُورَ الآخِرَةِ، والكَلامُ في جَوابِ «إذا» وفي «يَوْمَ» مِن قَوْلِهِ تَعالى:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences