Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
'Abasa 80:34–42
80:34–37Page 585
يَوۡمَ يَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِيهِ ٣٤
On the Day a man will flee from his brother
وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ ٣٥
And his mother and his father
وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ ٣٦
And his wife and his children,
لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ يَوۡمَئِذٖ شَأۡنٞ يُغۡنِيهِ ٣٧
For every man, that Day, will be a matter adequate for him.1
﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ﴾ أيْ: زَوْجَتِهِ ﴿وبَنِيهِ﴾ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في النّازِعاتِ فَتَذَكَّرْهُ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ، أيْ: يَوْمَ يُعْرِضُ عَنْهم ولا يُصاحِبُهُمْ، ولا يَسْألُ عَنْ حالِهِمْ كَما في الدُّنْيا لِاشْتِغالِهِ بِحالِ نَفْسِهِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِبَيانِ سَبَبِ الفِرارِ، وجَعَلَهُ جَوابَ «فَإذا» والِاعْتِذارُ عَنْ عَدَمِ التَّصْدِيرِ بِالفاءِ بِتَقْدِيرِ الماضِي بِغَيْرِ قَدْ أوِ المُضارِعِ المُثْبَتِ أوْ بِالفاءِ إبْدالُ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ عَنْهُ إيّاهُ؛ لِأنَّ البَدَلَ لا يَطْلُبُ جَزاءً لا يَخْفى حالُهُ عَلى مَن شَرَطَ الإنْصافَ عَلى نَفْسِهِ؛ أيْ: لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المَذْكُورِينَ شُغْلٌ شاغِلٌ وخَطْبٌ هائِلٌ يَكْفِيهِ في الِاهْتِمامِ بِهِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ قالَتْ:
قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا قَدْ ألْجَمَهُمُ العَرَقُ وبَلَغَ شُحُومَ الآذانِ» قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، واسَوْأتاهُ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ؟ قالَ: «شُغِلَ النّاسُ عَنْ ذَلِكَ» وتَلا: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ الآيَةَ».
وجاءَ في رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما شَغَلَهُمْ؟ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «نَشْرُ الصَّحائِفِ فِيها مَثاقِيلُ الذَّرِّ ومَثاقِيلُ الخَرْدَلِ»».
وقِيلَ: يَفِرُّ مِنهم لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا، وكَلامُ الكَشّافِ يُشْعِرُ بِذَلِكَ ويَأْباهُ ما سَمِعْتَ وكَذا ما قِيلَ: يَفِرُّ مِنهم حَذَرًا مِن مُطالَبَتِهِمْ بِالتَّبِعاتِ، يَقُولُ الأخُ: لَمْ تُواسِنِي بِمالِكَ، والأبَوانِ: قَصَّرْتَ في بِرِّنا، والصّاحِبَةُ: أطْعَمْتَنِي الحَرامَ وفَعَلْتَ وصَنَعْتَ، والبَنُونَ: لَمْ تُعَلِّمْنا ولَمْ تُرْشِدْنا، ويُشْعِرُ بِذَلِكَ ما أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَيْسَ شَيْءٌ أشَدَّ عَلى الإنْسانِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أنْ يَرى مَن يَعْرِفُهُ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ يَطْلُبُهُ بِمَظْلِمَةٍ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ الآيَةَ. وذِكْرُ المَرْءِ بِناءً عَلى أنَّهُ الرَّجُلُ لا الإنْسانُ لِيُعْلَمَ مِنهُ حالُ المَرْأةِ مِن بابِ أوْلى. وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّغْلِيبِ وفِيهِ نَظَرٌ، وجَعَلَ القاضِي ذِكْرَ المُتَعاطِفاتِ عَلى هَذا النَّمَطِ مِن بابِ التَّرَقِّي عَلى اعْتِبارِ الأبِ عَلى الأُمِّ سابِقًا عَلى عَطْفِهِما عَلى الأخِ فَيَكُونُ المَجْمُوعُ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وكَذا فِي: ( صاحِبَتِهِ وبَنِيهِ ) فَقالَ: تَأْخِيرُ الأحَبِّ فالأحَبِّ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَفِرُّ مِن أخِيهِ بَلْ مِن أبَوَيْهِ بَلْ مِن صاحِبَتِهِ وبَنِيهِ، ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ مَعَ اخْتِلافِ النّاسِ والطِّباعِ في أمْرِ الحُبِّ، ولَعَلَّ عَدَمَ مُراعاةِ تَرَقٍّ أوْ تَدُلُّ لِهَذا الِاخْتِلافِ مَعَ الرَّمْزِ إلى أنَّ الأمْرَ يَوْمَئِذٍ أبْعَدُ مِن أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ فِيهِ ذَلِكَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ يَفِرُّ قابِيلُ مِن أخِيهِ هابِيلَ، ويَفِرُّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أُمِّهِ، ويَفِرُّ
صفحة 49
إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أبِيهِ، ويَفِرُّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ ابْنِهِ، ويَفِرُّ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ امْرَأتِهِ، وفي خَبَرٍ رَواهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَ ذَلِكَ، وفِيهِ فَيَرَوْنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أعْنِي: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ﴾ إلَخْ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وكِلا الخَبَرَيْنِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِما ولا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِما كَما لا يَخْفى، والَّذِي أدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ نَجاةُ أبَوَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ ألَّفْتُ رَسائِلَ في ذَلِكَ رَغْمًا لِأنْفِ عَلِيٍّ القارِي ومَن وافَقَهُ، وأعْتَقِدُ أنَّ جَمِيعَ آبائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا سِيَّما مَن ولَداهُ بِلا واسِطَةٍ أوْفَرُ النّاسِ حَظًّا مِمّا أُوتِيَ هُناكَ مِنَ السَّعادَةِ والشَّرَفِ وسُمُوِّ القَدْرِ:
كَمْ مِن أبٍ قَدْ سَما بِابْنٍ ذُرى شَرَفٍ كَما سَما بِرَسُولِ اللَّهِ عَدْنانُ
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وحُمَيْدٌ وابْنُ السَّمَيْفَعِ «يَعْنِيهِ» بِفَتْحِ الياءِ وبِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ؛ أيْ: يُهِمُّهُ مِن عَناهُ الأمْرُ إذا أهَمَّهُ؛ أيْ: أوْقَعَهُ في الهَمِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ»».
لا مِن عَناهُ إذا قَصَدَهُ كَما زَعَمَهُ أبُو حَيّانَ،
80:38–39Page 585
وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ مُّسۡفِرَةٞ ٣٨
[Some] faces, that Day, will be bright -
ضَاحِكَةٞ مُّسۡتَبۡشِرَةٞ ٣٩
Laughing, rejoicing at good news.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ بَيانٌ لِمَآلِ أمْرِ المَذْكُورِينَ وانْقِسامِهِمْ إلى السُّعَداءِ والأشْقِياءِ بَعْدَ ذِكْرِ وُقُوعِهِمْ في داهِيَةٍ دَهْياءَ فَ ﴿وُجُوهٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ كَوْنُهُ في حَيِّزِ التَّنْوِيعِ كَما مَرَّ و«مُسْفِرَةٌ» خَبَرُهُ و«يَوْمَئِذٍ» مُتَعَلِّقٌ بِهِ؛ أيْ: مُضِيئَةٌ مُتَهَلِّلَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ إذا أضاءَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ذَلِكَ مِن قِيامِ اللَّيْلِ، وعَنِ الضَّحّاكِ مِن آثارِ الوُضُوءِ فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ أيْ: لِأنَّ الوُضُوءَ مِن خَواصِّهِمْ، قِيلَ؛ أيْ: بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ فَقَطْ لا مَعَ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: مِن طُولِ ما اغْبَرَّتْ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أيْ: مَسْرُورَةٌ بِما تُشاهِدُ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ والبَهْجَةِ الدّائِمَةِ.
80:40–42Page 585
وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ عَلَيۡهَا غَبَرَةٞ ٤٠
And [other] faces, that Day, will have upon them dust.
تَرۡهَقُهَا قَتَرَةٌ ٤١
Blackness will cover them.
أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَفَرَةُ ٱلۡفَجَرَةُ ٤٢
Those are the disbelievers, the wicked ones.
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ أيْ: غُبارٌ وكُدُورَةٌ ﴿تَرْهَقُها﴾ أيْ: تَعْلُوها وتَغْشاها ﴿قَتَرَةٌ﴾ أيْ: سَوادٌ وظُلْمَةٌ ولا تَرى أوْحَشَ مِنَ اجْتِماعِ الغُرَّةِ والسَّوادِ في الوَجْهِ، وسَوّى الفَيْرُوزْآبادِيُّ والجَوْهَرِيُّ بَيْنَ الغَبْرَةِ والقَتَرَةِ فَقِيلَ: المُرادُ بِالقَتَرَةِ الغُبارُ حَقِيقَةً، وبِالغَبَرَةِ ما يَغْشاهم مِنَ العُبُوسِ مِنَ الهَمِّ. وقِيلَ: هُما عَلى حَقِيقَتِهِما والمَعْنى أنَّ عَلَيْها غُبارًا وكُدُورَةً فَوْقَ غُبارٍ وكُدُورَةٍ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الغَبَرَةُ ما انْحَطَّتْ إلى الأرْضِ والقَتَرَةُ ما ارْتَفَعَ إلى السَّماءِ، والمُرادُ وُصُولُ الغُبارِ إلى وُجُوهِهِمْ مِن فَوْقُ ومِن تَحْتُ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «قَتْرَةٌ» بِسُكُونِ التّاءِ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى أصْحابِ تِلْكَ الوُجُوهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبَعْدِ دَرَجَتِهِمْ في سُوءِ الحالِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ ﴿هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ أيِ الجامِعُونَ بَيْنَ الكُفْرِ والفُجُورِ فَلِذَلِكَ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى لَهم بَيْنَ الغَبَرَةِ والقَتَرَةِ وكَأنَّ الغَبَرَةَ لِلْفُجُورِ، والقَتَرَةَ لِلْكُفُورِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن ذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences