Al-AlusiAt‑Takwir · 81:1–7

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

التكوير

At-Takwir

The Overthrowing · Meccan · 29 ayahs

81:1Page 586

إِذَا ٱلشَّمۡسُ كُوِّرَتۡ ١

When the sun is wrapped up [in darkness]

سُورَةُ التَّكْوِيرِ

ويُقالُ: سُورَةُ كُوِّرَتْ، وسُورَةُ إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وآيُها تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً، وفي التَّيْسِيرِ ثَمانٍ وعِشْرُونَ، وفِيها مِن شَرْحِ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ آخِرُ السُّورَةِ قَبْلَ ما فِيها.

وقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كَأنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ و﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾»

أيِ السُّوَرَ الثَّلاثَ وكَفى بِذَلِكَ مُناسَبَةً.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ أيْ: «لُفَّتْ» مِن كَوَّرْتُ العِمامَةَ إذا لَفَفْتَها وهو مَجازٌ عَنْ رَفْعِها وإزالَتِها مِن مَكانِها بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ؛ فَإنَّ الثَّوْبَ إذا أُرِيدَ رَفْعُهُ يُلَفُّ لَفًّا ويُطْوى ثُمَّ يُرْفَعُ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ لَفُّ ضَوْئِها المُنْبَسِطِ في الآفاقِ

صفحة 50

المُنْتَشِرِ في الأقْطارِ، إمّا عَلى أنَّ الشَّمْسَ مَجازٌ عَنِ الضَّوْءِ فَإنَّهُ شائِعٌ في العُرْفِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ، أوْ عَلى التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ ويُرادُ مِن لَفِّهِ إذْهابُهُ مَجازًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ كَما سَمِعْتَ آنِفًا، أوْ رَفْعُهُ وسِتْرُهُ اسْتِعارَةٌ كَما قِيلَ، وقَدِ اعْتُبِرَ تَشْبِيهُ الضَّوْءِ بِالجَواهِرِ والأُمُورِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي إذا رُفِعَتْ لُفَّتْ في ثَوْبٍ ثُمَّ تُعْتَبَرُ الِاسْتِعارَةُ ويُجْعَلُ التَّكْوِيرُ بِمَعْنى اللَّفِّ قَرِينَةً لِيَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، وكَوْنُ المُرادِ إذْهابُ ضَوْئِها مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ، وهو ظاهِرُ ما رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تَفْسِيرِهِ ﴿كُوِّرَتْ﴾ بِ «أظْلَمَتْ»، والظّاهِرُ أنَّ ذاكَ مَعَ بَقاءِ جِرْمِها كالقَمَرِ في خُسُوفِهِ، وفي الآثارِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ ذاكَ عِبارَةٌ عَنْ إزالَةِ نَفْسِ الشَّمْسِ والذَّهابِ بِها لِلُزُومِ العادِيِّ واسْتِلْزامِ زَوالِ اللّازِمِ لِزَوالِ المَلْزُومِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِ ﴿كُوِّرَتْ﴾ أُلْقِيَتْ عَنْ فَلَكِها وطُرِحَتْ مِن طَعْنِهِ فَحَوَّرَهُ وكَوَّرَهُ؛ أيْ: ألْقاهُ مُجْتَمِعًا عَلى الأرْضِ، وإلْقاؤُها في جَهَنَّمَ مَعَ عَبَدَتِها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الأخْبارِ المَرْفُوعَةِ ويَذْهَبُ إذا ذاكَ نُورُها كَما صَرَّحَ بِهِ القُرْطُبِيُّ أوْ في البَحْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ ابْنِ أبِي الدُّنْيا وابْنِ أبِي حاتِمٍ وأبِي الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَتِيكٍ، وفِيهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْعَثُ رِيحًا دَبُورًا فَتَنْفُخُهُ أيِ البَحْرَ حَتّى يَرْجِعَ نارًا، وعِظَمُ جِرْمِ الشَّمْسِ اليَوْمَ لا يَقْتَضِي اسْتِحالَةَ إلْقائِها في البَحْرِ ذَلِكَ اليَوْمَ؛ لِجَوازِ اخْتِلافِ الحالِ في الوَقْتَيْنِ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَكِنْ جاءَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ «أنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الرُّؤُوسِ في المَحْشَرِ حَتّى تَكُونَ قَدْرَ مِيلٍ ويُلْجِمُ النّاسَ العَرَقُ يَوْمَئِذٍ» والأبْحُرُ حِينَئِذٍ لَتُلْقى فِيهِ بَعْدُ فَلا تَقْفُلُ، وعَنْ أبِي صالِحٍ «كُوِّرَتْ» نُكِّسَتْ. وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَكْوِيرُها: إدْخالُها في العَرْشِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: اضْمَحَلَّتْ، ومُدارُ التَّرْكِيبِ عَلى الإدارَةِ والجَمْعِ. هَذا ولَمْ نَقِفْ لِأحَدٍ مِنَ السَّلَفِ عَلى إرادَةِ لَفِّها حَقِيقَةً، ولِلْمُتَأخِّرِينَ في جَوازِ إرادَتِهِ خِلافٌ فَقِيلَ: لا تَجُوزُ إرادَتُهُ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ كُرَيَّةٌ مُصْمَتَةٌ، وغايَةُ اللَّفِّ هي الإدارَةُ وهي حاصِلَةٌ فِيها، وقِيلَ: تَجُوزُ لِأنَّ كَوْنَ الشَّمْسِ كَذَلِكَ مِمّا لا يُثْبِتُهُ أهْلُ الشَّرْحِ وعَلى تَسْلِيمِهِ يَجُوزُ أنْ يَحْدُثَ فِيها قابِلِيَّةُ اللَّفِّ بِأنْ يُصَيِّرَها سُبْحانَهُ مُنْبَسِطَةً ثُمَّ يَلُفُّها ولَهُ عَزَّ وجَلَّ في ذَلِكَ ما لَهُ مِنَ الحِكَمِ، ويُبْعِدُ إرادَةَ الحَقِيقَةِ فِيما أرى كَوْنُها كَيْفَما كانَتْ مِنَ الأجْرامِ الَّتِي لا تُلَفُّ كالثِّيابِ، نَعَمْ القُدْرَةُ في كُلِّ وقْتٍ لا يَتَعاصاها شَيْءٌ، وارْتِفاعُ الشَّمْسِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ لِاخْتِصاصِ إذا الشَّرْطِيَّةِ عِنْدَهم بِالفِعْلِ وعَلى الِابْتِداءِ عِنْدَ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ لِعَدَمِ الِاخْتِصاصِ عِنْدَهُمْ، وكَوْنُ التَّقْدِيرِ خِلافُ الأصْلِ.

وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى:

81:2Page 586

وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتۡ ٢

And when the stars fall, dispersing,

﴿وإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ أيِ انْقَضَتْ وسَقَطَتْ كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ، ومِنهُ: انْكَدَرَ البازِيُّ إذا نَزَلَ بِسُرْعَةٍ عَلى ما يَأْخُذُهُ. قالَ العَجّاجُ يَمْدَحُ عُمَرَ بْنَ عُمَرَ التَّمِيمِيَّ:

إذا الكِرامُ ابْتَدَرُوا الباعَ بَدَرْ تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرْ

دانى جَناحَيْهِ مِنَ الطَّوْدِ فَمَرْ ∗∗∗ أبْصَرَ خِرْبانَ فَضاءٍ فانْكَدَرْ

وهَذا إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لا يَبْقى يَوْمَئِذٍ نَجْمٌ إلّا سَقَطَ في الأرْضِ، وعَنْهُ أيْضًا: أنَّ النُّجُومَ قَنادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِسَلاسِلَ مِن نُورٍ بِأيْدِي مَلائِكَةٍ مِن نُورٍ، فَإذا ماتَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ تَساقَطَتْ مِن أيْدِيهِمْ. وظاهِرُ هَذا أنَّ النُّجُومَ لَيْسَتْ في جِرْمِ أفْلاكٍ لَها كَما يَقُولُ الفَلاسِفَةُ المُتَقَدِّمُونَ بَلْ مُعَلَّقَةٌ في فَضاءٍ ويَقْرُبُ مِنهُ مِن وجْهٍ قَوْلُ الفَلاسِفَةِ المُحْدَثِينَ فَإنَّهم يَقُولُونَ بِكَوْنِها في فَضاءٍ أيْضًا، لَكِنْ بِقُوًى مُتَجاذِبَةٍ لا مُعَلَّقَةٍ بِسَلاسِلَ بِأيْدِي مَلائِكَةٍ ولَيْسَ وراءَ ما يُشاهَدُ مِنها إلّا سَماءٌ بِمَعْنى جِهَةِ عُلُوٍّ لا سَماءٌ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ، وإنْ صَحَّ خَبَرُ الحَبْرِ وهو في حُكْمِ المَرْفُوعِ لَمْ نَعْدِلْ عَنْ ظاهِرِهِ إلّا إنْ ظَهَرَ اسْتِحالَتُهُ وهَيْهاتَ ذَلِكَ وحِينَئِذٍ فالأمْرُ سَهْلٌ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضٌ المُتَأهِّلِينَ أنَّ المَلائِكَةَ قَدْ تُطْلَقُ عَلى الأرْبابِ النُّورِيَّةِ كَما في خَبَرِ: ««إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مَلِكًا، وإنَّ كُلَّ قَطْرَةٍ مِن قَطَراتِ المَطَرِ يَنْزِلُ مَعَها مَلَكٌ»».

وخَبَرُ:

صفحة 51

««أتانِي مَلَكُ الجِبالِ ومَلَكُ البِحارِ»».

وتُسَمّى المُثُلَ الأفْلاطُونِيَّةَ وهي أنْوارٌ مُجَرَّدَةٌ قائِمَةٌ بِنَفْسِها مُدَبَّرَةٌ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لِلْمَرْبُوباتِ حافِظَةٌ إيّاها وهي المُنَمِّيَةُ والغاذِيَةُ والمَوْلُودَةُ في النَّباتاتِ والحَيَواناتِ ويُقالُ في السَّلاسِلِ إنَّهُ أُرِيدَ بِها القُوى الَّتِي بِها حِفْظُ الأوْضاعِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وقِيلَ: انْكَدَرَتْ تَغَيَّرَتْ وانْطَمَسَ نُورُها كَما في هو في الرِّوايَةِ الأُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن كَدَرْتُ الماءَ فانْكَدَرَ، فَفِيهِ تَشْبِيهُ انْطِماسِ نُورِها بِتَكَدُّرِ الماءِ الَّذِي لا يَبْقى مَعَهُ صَفاؤُهُ ورَوْنَقُ مَنظَرِهِ، وتَكُونُ هي حِينَئِذٍ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ مَعَ عَبَدَتِها في النّارِ، وظاهِرٌ أنَّ النُّجُومَ لا تَشْمَلُ الشَّمْسَ، وقِيلَ: تَشْمَلُها، وذِكْرُها بَعْدَها تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ؛ فَلا تَغْفُلْ.

81:3Page 586

وَإِذَا ٱلۡجِبَالُ سُيِّرَتۡ ٣

And when the mountains are removed

﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ أيْ: أُزِيلَتْ عَنْ أماكِنِها مِنَ الأرْضِ بِالرَّجْفَةِ الحاصِلَةِ عَلى أنَّ التَّسْيِيرَ مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ، وقِيلَ: سُيِّرَتْ بَعْدَ رَفْعِها في الجَوِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ . وهَذا إنَّما يَكُونُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ.

81:4Page 586

وَإِذَا ٱلۡعِشَارُ عُطِّلَتۡ ٤

And when full-term she-camels1 are neglected

﴿وإذا العِشارُ﴾ جَمْعُ عُشَراءَ كَنِفاسٍ جَمْعِ نُفَساءَ وهي النّاقَةُ الَّتِي أتى عَلَيْها مِن يَوْمِ أُرْسِلَ فِيها الفَحْلُ عَشَرَةُ أشْهُرٍ، ثُمَّ لا يَزالُ ذَلِكَ اسْمُها حَتّى تَضَعَ، وقَدْ يُقالُ لَها ذَلِكَ بَعْدَ ما تَضَعُ أيْضًا وهي أنْفَسُ ما يَكُونُ عِنْدَ أهْلِها وأعَزُّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ ﴿عُطِّلَتْ﴾ تُرِكَتْ مُهْمَلَةً لا راعِيَ لَها ولا طالِبَ، وقِيلَ: عَطَّلَها أهْلُها عَنِ الحَلْبِ والصَّرِّ، وقِيلَ: عَنْ أنْ يُرْسَلَ فِيها الفُحُولُ؛ وذَلِكَ إذا كانَ قُبَيْلَ قِيامِ القِيامَةِ لِاشْتِغالِ أهْلِها بِما عَراهم مِمّا يَكُونُ إذا ذاكَ. وقِيلَ: إنَّ هَذا التَّعْطِيلَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَقالَ القُرْطُبِيُّ: الكَلامُ عَلى التَّمْثِيلِ إذْ لا عِشارَ حِينَئِذٍ، والمَعْنى أنَّهُ لَوْ كانَتْ عِشارٌ لَعَطَّلَها أهْلُها واشْتَغَلُوا بِأنْفُسِهِمْ، وقِيلَ عَلى الحَقِيقَةِ؛ أيْ: إذا قامُوا مِنَ القُبُورِ وشاهَدُوا الوُحُوشَ والأنْعامَ والدَّوابَّ مَحْشُورَةً ورَأوْا عِشارَهم الَّتِي كانَتْ كَرائِمَ أمْوالِهِمْ فِيها لَمْ يَعْبَؤُوا بِها لِشُغْلِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ وهو كَما تَرى. وقِيلَ: المُرادُ بِالعِشارِ السَّحابُ عَلى تَشْبِيهِ السَّحابَةِ المُتَوَقَّعِ مَطَرُها بِالنّاقَةِ العُشَراءِ القَرِيبِ وضْعُ حَمْلِها وفِيهِ اسْتِعارَةٌ لَطِيفَةٌ مَعَ المُناسَبَةِ التّامَّةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ؛ فَإنَّ السُّحُبَ تَنْعَقِدُ عَلى رُؤُوسِ الجِبالِ، وتَرى عِنْدَها وألّا يُنافِيهِ كَوْنُهُ مُناسِبًا لِما بَعْدَهُ عَلى الأوَّلِ فَإنَّهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ مُرَجَّحٌ بِنَفْسِهِ، وتَعْطِيلُها مَجازٌ عَنْ عَدَمِ ارْتِقابِ مَطَرِها لِأنَّهم في شُغْلٍ عَنْهُ.

وقِيلَ عَنْ عَدَمِ إمْطارِها وقِيلَ: هي الدِّيارُ تُعَطَّلُ فَلا تُسْكَنُ، وقِيلَ: الأرْضُ الَّتِي يُعَشَّرُ زَرْعُها تُعَطَّلُ فَلا تُزْرَعُ.

وقَرَأ مُضَرٌ اليَزِيدِيُّ: «عُطِلَتْ» بِالتَّخْفِيفِ والبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، ونَقَلَهُ في اللَّوامِحِ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ثُمَّ قالَ: هو وهْمٌ، إنَّما «عَطَلَتْ» بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنى تَعَطَّلَتْ؛ لِأنَّ تَشْدِيدَهُ لِلتَّعْدِيَةِ، يُقالُ: عَطَّلْتُ الشَّيْءَ وأعْطَلْتُهُ فَعَطَلَ بِنَفْسِهِ وعَطَلَتِ المَرْأةُ فَهي عاطِلٌ إذا لَمْ يَكُنْ عَلَيْها حُلِيٌّ فَلَعَلَّ هَذِهِ القِراءَةَ لُغَةٌ اسْتَوى فِيها فَعَّلْتُ وأفْعَلْتُ؛ أيْ: في التَّعَدِّي، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنَّهُ عُدِّيَ بِالحَرْفِ ثُمَّ حُذِفَ وأُوصِلَ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ.

81:5Page 586

وَإِذَا ٱلۡوُحُوشُ حُشِرَتۡ ٥

And when the wild beasts are gathered

﴿وإذا الوُحُوشُ﴾ جَمْعُ وحْشٍ وهو حَيَوانُ البَرِّ الَّذِي لَيْسَ في طَبْعِهِ التَّأنُّسُ بِبَنِي آدَمَ، والمُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ البَهائِمَ مُطْلَقًا.

﴿حُشِرَتْ﴾ أيْ: جُمِعَتْ مِن كُلِّ جانِبٍ؛ وذَلِكَ قُبَيْلَ النَّفْخَةِ الأُولى حِينَ تَخْرُجُ نارٌ تَفِرُّ النّاسُ والأنْعامُ مِنها حَتّى تَجْتَمِعَ، وقِيلَ: أُمِيتَتْ مِن قَوْلِهِمْ: إذا أجْحَنَتِ السَّنَةُ النّاسَ حَشَرَتْهُمْ، ونَحْوُهُ ما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: حَشْرُها مَوْتُها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ الحَشْرِ بِالجَمْعِ إلّا أنَّهُ قالَ كَما أخْرَجَهُ جَماعَةٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ جُمِعَتْ بِالمَوْتِ فَلا تُبْعَثُ ولا يُحْضَرُ في القِيامَةِ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ، وقِيلَ: بُعِثَتْ لِلْقِصاصِ فَيُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الذُّبابُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وعَنْ قَتادَةَ وجَماعَةٍ. وفي رِوايَةٍ عَنِ الحَبْرِ: تُحْشَرُ الوُحُوشُ حَتّى يُقْتَصَّ مِن بَعْضِها لِبَعْضٍ فَيُقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ ثُمَّ يُقالُ لَها مُوتِي فَتَمُوتُ، وقِيلَ: إذا قُضِيَ بَيْنَها رُدَّتْ تُرابًا فَلا يَبْقى مِنها إلّا ما فِيهِ سُرُورٌ لِبَنِي آدَمَ وإعْجابٌ بِصُورَتِهِ كالطّاوُوسِ والظَّبْيِ. وقِيلَ: يَبْقى كُلُّ ما لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ إلّا المُؤْمِنُ كَشاةٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنها إلّا هُوَ، ويُدْخَلُ ما يَبْقى الجَنَّةَ عَلى حالٍ لائِقَةٍ بِها، وذَهَبَ كَثِيرٌ إلى بَعْثِ جَمِيعِ الحَيَواناتِ مَيْلًا إلى هَذِهِ الأخْبارِ ونَحْوِها.

فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إلى

صفحة 52

أهْلِها يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يُقادَ لِلشّاةِ الجَمّاءِ مِنَ الشّاةِ القَرْناءِ»».

وزادَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «وحَتّى الذَّرَّةُ مِنَ الذَّرَّةِ».

ومالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ لا يُحْشَرُ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا إلّا أهْلًا لِلْكَرامَةِ بِوَجْهٍ ولَيْسَ في هَذا البابِ نَصٌّ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ مُعَوَّلٌ عَلَيْها يَدُلُّ عَلى حَشْرِ غَيْرِهِما مِنَ الوُحُوشِ، وخَبَرُ مُسْلِمٍ والتِّرْمِذِيِّ وإنْ كانَ صَحِيحًا لَكِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ التَّفْسِيرِ لِلْآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ العَدْلِ التّامِّ وإلى هَذا القَوْلِ أمِيلُ ولا أجْزِمُ بِخَطَأِ القائِلِينَ بِالأوَّلِ؛ لِأنَّ لَهم ما يَصْلُحُ مُسْتَنَدًا في الجُمْلَةِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: «حُشِّرَتْ» بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ.

81:6Page 586

وَإِذَا ٱلۡبِحَارُ سُجِّرَتۡ ٦

And when the seas are filled with flame1

﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ أيْ: أُحْمِيَتْ بِأنْ تَغِيضَ مِياهُها وتَظْهَرَ النّارُ في مَكانِها؛ ولِذا ورَدَ عَلى ما قِيلَ: إنَّ البَحْرَ غِطاءُ جَهَنَّمَ، أوْ مُلِئَتْ بِتَفْجِيرِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ حَتّى يَكُونَ مالِحُها وعَذْبُها بَحْرًا واحِدًا مِن سَجَرَ التَّنُّورَ إذا مَلَأهُ بِالحَطَبِ لِيَحْمِيَهُ، وقِيلَ: مُلِئَتْ نِيرانًا تَضْطَرِمُ لِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: مُلِئَتْ تُرابًا تَسْوِيَةً لَها بِأرْضِ المَحْشَرِ ولَيْسَ لَهُ مُسْتَنَدٌ أُثِرَ عَنِ السَّلَفِ. ونَقَلَ في البَحْرِ عَنْ كِتابِ لُغاتِ القُرْآنِ أنَّ ﴿سُجِّرَتْ﴾ بِمَعْنى جُمِعَتْ لُغَةُ خَثْعَمَ، ولَعَلَّ جَمْعَها عَلَيْهِ بِالتَّفْجِيرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مُلِكَتْ وقُيِّدَ اضْطِرابُها حَتّى لا يَخْرُجَ عَنِ الأرْضِ مِنَ الهَوْلِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِن ساجُورِ الكَلْبِ وهو خَشَبَةٌ تُجْعَلُ في عُنُقِهِ، ويُقالُ: سَجَرَهُ إذا شَدَّهُ بِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: «سُجِرَتْ» بِالتَّخْفِيفِ.

81:7Page 586

وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتۡ ٧

And when the souls are paired1

﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أيْ: قُرِنَتْ كُلُّ نَفْسٍ بِشَكْلِها، أخْرَجَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: يُقْرَنُ الرَّجُلُ الصّالِحُ مَعَ الرَّجُلِ الصّالِحِ في الجَنَّةِ، ويُقْرَنُ الرَّجُلُ السُّوءُ مَعَ الرَّجُلِ السُّوءِ في النّارِ؛ فَذَلِكَ تَزْوِيجُ الأنْفُسِ. وفي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ رَواهُ النُّعْمانُ أيْضًا ما يَقْتَضِي ظاهِرُهُ ذَلِكَ وقالَ بَعْضٌ: هَذا في المَوْقِفِ؛ أنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الطَّبَقاتِ الأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: تُقْرَنُ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِأزْواجِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، ونُفُوسُ الكافِرِينَ بِالشَّياطِينِ. وقِيلَ: تُقْرَنُ كُلُّ نَفْسٍ بِكِتابِها، وقِيلَ: بِعَمَلِها، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ تُقْرَنُ كُلُّ نَفْسٍ بِخَصْمِها فَلا يُمْكِنُها الفِرارُ مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ كُلِّ نَفْسٍ ذا خَصْمٍ بَيْنَ الِانْتِفاءِ، وأيًّا ما كانَ فالنَّفْسُ بِمَعْنى الذّاتِ، والتَّزْوِيجُ جَعْلُ الشَّيْءِ زَوْجًا؛ أيْ: مُقارَنًا. وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والشَّعْبِيُّ: تُقْرَنُ النُّفُوسُ بِأزْواجِها؛ وذَلِكَ عِنْدَ البَعْثِ، والنَّفْسُ عَلَيْهِ بِمَعْنى الرُّوحِ، وقَرَأ عاصِمٌ: «زُوِّجَتْ» عَلى فُوعِلَتْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском