Al-AlusiAl‑Infitar · 82:1–19

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

الإنفطار

Al-Infitar

The Cleaving · Meccan · 19 ayahs

82:1–2Page 587

إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتۡ ١

When the sky breaks apart

وَإِذَا ٱلۡكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتۡ ٢

And when the stars fall, scattering,

سُورَةُ الِانْفِطارِ

وتُسَمّى سُورَةَ انْفَطَرَتْ، وسُورَةَ المُنْفَطِرَةِ، ولا خِلافَ في أنَّها مَكِّيَّةٌ ولا في أنَّها تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها مَعْلُومَةٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أيِ انْشَقَّتْ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى:

صفحة 63

﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ والكَلامُ في ارْتِفاعِ السَّماءِ كَما مَرَّ في ارْتِفاعِ الشَّمْسِ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ أيْ: تَساقَطَتْ مُتَفَرِّقَةً، وهو اسْتِعارَةٌ لِإزالَتِها حَيْثُ شُبِّهَتْ بِجَواهِرَ قُطِعَ سِلْكُها، وهي مُصَرَّحَةٌ أوْ مَكْنِيَّةٌ.

82:3Page 587

وَإِذَا ٱلۡبِحَارُ فُجِّرَتۡ ٣

And when the seas are erupted

﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ فُتِحَتْ وشُقِّقَتْ جَوانِبُها فَزالَ ما بَيْنَها مِنَ البَرْزَخِ واخْتَلَطَ العَذابُ بِالأُجاجِ وصارَتْ بَحْرًا واحِدًا، ورُوِيَ أنَّ الأرْضَ تَنْشُفُ الماءَ بَعْدَ امْتِلاءِ البِحارِ فَتَصِيرُ مُسْتَوِيَةً؛ أيْ: في أنْ لا ماءَ، وأُرِيدَ أنَّ البِحارَ تَصِيرُ واحِدَةً أوَّلًا ثُمَّ تَنْشُفُ الأرْضُ جَمِيعًا فَتَصِيرُ بِلا ماءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالِاسْتِواءِ بَعْدَ النُّضُوبِ عَدَمُ بَقاءِ مَغايِضِ الماءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ وقَرَأ مُجاهِدٌ والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ والزَّعْفَرانِيُّ والثَّوْرِيُّ: «فُجِرَتْ» بِالتَّخْفِيفِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: «فَجَرَتْ» بِهِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِمَعْنى نَبَعَتْ لِزَوالِ البَرْزَخِ مِنَ الفُجُورِ نَظَرًا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَبْغِيانِ﴾ لِأنَّ البَغْيَ والفُجُورَ أخَوانِ.

82:4Page 587

وَإِذَا ٱلۡقُبُورُ بُعۡثِرَتۡ ٤

And when the [contents of] graves are scattered [i.e., exposed],

﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ قُلِبَ تُرابُها الَّذِي حُثِيَ عَلى مَوْتاها وأُزِيلَ وأُخْرِجَ مَن دُفِنَ فِيها عَلى ما فَسَّرَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، وأصْلُ البَعْثَرَةِ عَلى ما قِيلَ تَبْدِيدُ التُّرابِ ونَحْوِهِ؛ وهو إنَّما يَكُونُ لِإخْراجِ شَيْءٍ تَحْتَهُ فَقَدْ يُذْكَرُ ويُرادُ مَعْناهُ ولازِمُهُ مَعًا وعَلَيْهِ ما سَمِعْتَ. وقَدْ يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ البَعْثِ والإخْراجِ كَما في العادِياتِ حَيْثُ أُسْنِدَ فِيها لِما في القُبُورِ دُونَها كَما هُنا وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّبْشِ والإخْراجِ، وذَهَبَ بَعْضُ الأئِمَّةِ كالزَّمَخْشَرِيِّ والسُّهَيْلِيِّ إلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَتَيْنِ اخْتِصارًا، ويُسَمّى ذَلِكَ نَحْتًا، وأصْلُ «بُعْثِرَ» بُعِثَ وأُثِيرَ، ونَظِيرُهُ بَسْمَلَ وحَمْدَلَ وحَوْقَلَ ودَمْعَزَ؛ أيْ: قالَ بِسْمِ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ تَعالى وأدامَ اللَّهُ تَعالى عِزَّهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النَّظائِرِ وهي كَثِيرَةٌ في لُغَةِ العَرَبِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ مَعْناهُ النَّبْشَ والإخْراجَ مَعًا، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الرّاءَ لَيْسَتْ مِن أحْرُفِ الزِّيادَةِ، وهو تَوَهُّمٌ مِنهُ؛ فَإنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ التَّرْكِيبِ والنَّحْتِ مِن كَلِمَتَيْنِ والزِّيادَةِ عَلى بَعْضِ الحُرُوفِ الأُصُولِ مِن كَلِمَةٍ واحِدَةٍ كَما فَصَّلَ في الزَّهْرِ نَقْلًا عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ، نَعَمْ؛ الأصْلُ عَدَمُ التَّرْكِيبِ.

82:5Page 587

عَلِمَتۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ وَأَخَّرَتۡ ٥

A soul will [then] know what it has put forth and kept back.

﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ جَوابُ «إذا» لَكِنْ لا عَلى أنَّها تَعْلَمُهُ عِنْدَ البَعْثِ بَلْ عِنْدَ نَشْرِ الصُّحُفِ لَمّا عَرَفَتْ أنَّ المُرادَ بِها زَمانٌ واحِدٌ مَبْدَؤُهُ قُبَيْلَ النَّفْخَةِ الأُولى أوْ هي ومُنْتَهاهُ الفَصْلُ بَيْنَ الخَلائِقِ لا أزْمِنَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ كَلِمَةِ «إذا» وإنَّما كُرِّرَتْ لِتَهْوِيلِ ما في حَيِّزِها مِنَ الدَّواهِي، والكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في نَظِيرِهِ. ومَعْنى «ما قَدِمَ وأخَّرَ»: ما أسْلَفَ مِن عَمَلِ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وأخَّرَ مِن سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أوْ سَيِّئَةٍ يُعْمَلُ بِها بَعْدَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ما قَدَّمَ مَعْصِيَةً وأخَّرَ مِن طاعَةٍ وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وقِيلَ: ما عَمِلَ ما كُلِّفَ بِهِ وما لَمْ يَعْمَلْ مِنهُ، وقِيلَ ما قَدَّمَ مِن أمْوالِهِ لِنَفْسِهِ وما أخَّرَ لِوَرَثَتِهِ وقِيلَ: أوَّلُ عَمَلِهِ وآخِرُهُ، ومَعْنى عِلْمِها بِهِما عِلْمُها التَّفْصِيلِيُّ حَسْبَما ذُكِرَ فِيما قُدِّمَ.

82:6Page 587

يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ ٦

O mankind, what has deceived you concerning your Lord, the Generous,

﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ خَدَعَكَ وجَرَّأكَ عَلى عِصْيانِهِ تَعالى وارْتِكابِ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، وقَدْ عَلِمْتَ ما بَيْنَ يَدَيْكَ وما سَيَظْهَرُ مِن أعْمالِكَ عَلَيْكَ والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ كَرَمِهِ تَعالى دُونَ قَهْرِهِ سُبْحانَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ المانِعَةِ مُلاحَظَتُها عَنِ الِاغْتِرارِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ لَيْسَ مِمّا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَدارًا لِاغْتِرارِهِ حَسْبَما يُغْوِيهِ الشَّيْطانُ ويَقُولُ لَهُ: افْعَلْ ما شِئْتَ؛ فَإنَّ رَبَّكَ كَرِيمٌ قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْكَ في الدُّنْيا وسَيَفْعَلُ مِثْلَهُ في الآخِرَةِ، أوْ يَقُولُ لَهُ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا مَبْناهُ الكَرَمُ كَقَوْلِ بَعْضِ شَياطِينِ الإنْسِ:

تَكَثَّرْ ما اسْتَطَعْتَ مِنَ الخَطايا سَتَلْقى في غَدٍ رَبًّا غَفُورا

تَعَضُّ نَدامَةً كَفَّيْكَ مِمّا ∗∗∗ تَرَكْتَ مَخافَةَ الذَّنْبِ السُّرُورا

فَإنَّهُ قِياسٌ عَقِيمٌ وتَمْنِيَةٌ باطِلَةٌ بَلْ هو مِمّا يُوجِبُ المُبالَغَةَ في الإقْبالِ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ والِاجْتِنابِ عَنِ الكُفْرِ والعِصْيانِ دُونَ العَكْسِ، ولِذا قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: لَوْ لَمْ أخَفِ اللَّهَ تَعالى لَمْ أعْصِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما حَمَلَكَ عَلى عِصْيانِ رَبِّكَ

صفحة 64

المَوْصُوفِ بِما يَزْجُرُ عَنْهُ وتَدْعُو إلى خِلافِهِ؟ وقِيلَ: إنَّ هَذا تَلْقِينٌ لِلْحُجَّةِ وهو مِنَ الكَرَمِ أيْضًا فَإنَّهُ إذا قِيلَ لَهُ ما غَرَّكَ إلَخْ. يَتَفَطَّنُ لِلْجَوابِ الَّذِي لُقِّنَهُ ويَقُولُ: كَرَمُهُ، كَما قِيلَ: يُعْرَفُ حُسْنُ الخُلُقِ والإحْسانُ بِقِلَّةِ الآدابِ في الغِلْمانِ ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وكانَ الِاغْتِرارُ بِذَلِكَ في النَّظَرِ الجَلِيلِ وإلّا فَهو في النَّظَرِ الدَّقِيقِ كَما سَمِعْتَ. وعَنِ الفُضَيْلِ أنَّهُ قالَ: غَرَّهُ سَتْرُهُ تَعالى المَرْخِيُّ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمّاكِ:

يا كاتِمَ الذَّنْبِ أما تَسْتَحِي ∗∗∗ واللَّهُ في الخَلْوَةِ رائِيكا

غَرَّكَ مِن رَبِّكَ إمْهالُهُ ∗∗∗ وسَتْرِهِ طُولَ مَساوِيكا

وقالَ بَعْضُهُمْ:

يَقُولُ مَوْلايَ ألا تَسْتَحِي ∗∗∗ مِمّا أرى مِن سُوءِ أفْعالِكَ

فَقُلْتُ: يا مَوْلايَ رِفْقًا فَقَدْ ∗∗∗ جَرَّأنِي كَثْرَةُ أفْضالِكَ

وقالَ قَتادَةُ: غَرَّهُ عَدُوُّهُ المُسَلَّطُ عَلَيْهِ.

ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَرَأ الآيَةَ فَقالَ: «الجَهْلُ»».

وقالَهُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَرَأ: ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ والفَرْقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ ما ذَكَرُوا لا يَخْفى عَلى ذِي عِلْمٍ. واخْتُلِفَ فِي: ( الإنْسانُ ) المُنادى فَقِيلَ الكافِرُ، بَلْ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وقِيلَ: الأعَمُّ الشّامِلُ لِلْعُصاةِ وهو الوَجْهُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ، ولِوُقُوعِهِ بَيْنَ المُجْمَلِ ومُفَصَّلِهِ؛ أعْنِي: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ و﴿إنَّ الأبْرارَ﴾ و﴿وإنَّ الفُجّارَ﴾ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ فَفي الكَشْفِ إمّا أنْ يَكُونَ تَرْشِيحًا لِقُوَّةِ اغْتِرارِهِمْ بِإيهامِ أنَّهم أسْوَأُ حالًا مِنَ المُكَذِّبِينَ تَغْلِيظًا، وإمّا لِصِحَّةِ خِطابِ الكُلِّ بِما وُجِدَ فِيما بَيْنَهم. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ والأعْمَشُ: «ما أغَرَّكَ» بِهَمْزَةٍ؛ فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ تَعَجُّبًا وأنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةً كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، و«أغَرَّكَ» بِمَعْنى أدْخَلَكَ في الغِرَّةِ.

82:7Page 587

ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ ٧

Who created you, proportioned you, and balanced you?

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ مُبَيِّنَةٌ لِلْكَرَمِ مُومِيَةٌ إلى صِحَّةِ ما كَذَّبَ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ مُوطِئَةٌ لِما بَعْدُ حَيْثُ نَبَّهَتْ عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ بَدْأً أقْدَرُ عَلَيْهِ إعادَةً، والتَّسْوِيَةُ جَعْلُ الأعْضاءِ سَوِيَّةً سَلِيمَةً مُعَدَّةً لِمَنافِعِها، وهي في الأصْلِ جَعْلُ الأشْياءِ عَلى سَواءٍ فَتَكُونُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ ومُقْتَضاها بِإعْطائِها ما تَتِمُّ بِهِ وعَدْلِها بَعْضِها بِبَعْضٍ بِحَيْثُ اعْتَدَلَتْ، مِن عَدَلَ فُلانًا بِفُلانٍ إذا ساوى بَيْنَهُما أوْ صَرَفَها عَنْ خِلْقَةٍ غَيْرِ مُلائِمَةٍ لَها مِن عَدَلَ بِمَعْنى صَرَفَ. وذَهَبَ إلى الأوَّلِ الفارِسِيُّ وإلى الثّانِي الفَرّاءُ. وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ: «عَدَّلَكَ» بِالتَّشْدِيدِ؛ أيْ: صَيَّرَكَ مُعْتَدِلًا مُتَناسِبَ الخَلْقِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ فِيهِ، ونَقَلَ القَفّالُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ: عَدَلَ وعَدَّلَ بِمَعْنًى واحِدٍ.

82:8Page 587

فِيٓ أَيِّ صُورَةٖ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ ٨

In whatever form He willed has He assembled you.

﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ أيْ: رَكَّبَكَ ووَضَعَكَ في أيِّ صُورَةٍ اقْتَضَتْها مَشِيئَتُهُ تَعالى وحِكْمَتُهُ جَلَّ وعَلا مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ في الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ في الطُّولِ والقِصَرِ ومَراتِبِ الحُسْنِ ونَحْوِها، فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ «رَكَّبَكَ، وأيِّ» لِلصِّفَةِ مِثْلِها في قَوْلِهِ:

أرَأيْتَ أيَّ سَوالِفٍ وخُدُودِ بَرَزَتْ لَنا بَيْنَ اللِّوى وزَرُودِ

ولَمّا أُرِيدَ التَّعْمِيمُ لَمْ يُذْكَرْ مَوْصُوفُها، وجُمْلَةُ: ( شاءَ ) صِفَةٌ لَها، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وما مَزِيدَةٌ، وإنَّما لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ عَلى ما قَبْلَها لِأنَّها بَيانٌ لِعَدَلَكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: رَكَّبَكَ كائِنًا في أيِّ صُورَةٍ شاءَها، وقِيلَ: «أيِّ» مَوْصُولَةٌ صِلَتُها جُمْلَةُ شاءَها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: رَكَّبَكَ في الصُّورَةِ الَّتِي شاءَها.

وفِيهِ أنَّهُ صَرَّحَ أبُو عَلِيٍّ في التَّذْكِرَةِ بِأنَّ أيًّا المَوْصُولَةَ لا تُضافُ إلى نَكِرَةٍ، وقالَ ابْنُ مالِكٍ في الألْفِيَّةِ:

واخْصُصَنْ بِالمَعْرِفَهْ مَوْصُولَةً أيًّا.

وفِي شَرْحِها لِلسُّيُوطِيِّ مَعَ اشْتِراطِ ما سَبَقَ يَعْنِي كَوْنَ المَعْرِفَةِ غَيْرَ مُفْرَدَةٍ فَلا تُضِفْها إلى نَكِرَةٍ خِلافًا لِابْنِ عُصْفُورٍ، ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ «إيِّ» شَرْطِيَّةً والماضِي في جَوابِها في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ إذا نُظِرَ إلى تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ وتَرَتُّبِ التَّرْكِيبِ عَلَيْهِ فَجِيءَ بِصُورَةٍ إلى الماضِي نَظَرًا إلى المَشِيئَةِ، وأداةُ الشَّرْطِ نَظَرًا إلى المُتَعَلِّقِ والتَّرَتُّبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا «بِعَدَلَكَ» وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ في «أيِّ» الصِّفَةُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: «فَعَدَلَكَ في صُورَةٍ أيِّ صُورَةٍ في صُورَةٍ عَجِيبَةٍ» ثُمَّ حَذَفَ المَوْصُوفَ زِيادَةً لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْجِيبِ. و«أيِّ» هَذِهِ مَنقُولَةٌ مِنَ الِاسْتِفْهامِيَّةِ لَكِنَّها

صفحة 65

لِانْسِلاخِ مَعْناها عَنْها بِالكُلِّيَّةِ عَمَلِ فِيها ما قَبْلَها، ويَكُونُ ﴿ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا، وما إمّا مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً مُبْتَدَأً أوْ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِ «رَكَّبَكَ»؛ أيْ: ما شاءَ مِنَ التَّرْكِيبِ رَكَّبَكَ فِيهِ أوْ تَرْكِيبًا شاءَ رَكَّبَكَ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، و«شاءَ» فِعْلَ الشَّرْطِ و«رَكَّبَكَ» جَزاؤُهُ؛ أيْ: إنْ شاءَ تَرْكِيبَكَ في أيِّ صُورَةٍ غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ رَكَّبَكَ فِيها، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِصُورَةٍ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، ولَمْ يُجَوِّزُوا عَلى هَذا الوَجْهِ تَعَلُّقَ الظَّرْفِ بِرَكَّبَكَ لِأنَّ مَعْمُولَ «ما» في حَيِّزِ الشَّرْطِ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ.

82:9Page 587

كـَلَّا بَلۡ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ ٩

No! But you deny the Recompense.

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنِ الِاغْتِرارِ بِكَرَمِ اللَّهِ تَعالى وجَعْلِهِ ذَرِيعَةً إلى الكُفْرِ والمَعاصِي مَعَ كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلشُّكْرِ والطّاعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ إضْرابٌ عَنْ جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ يَنْساقُ إلَيْها الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ الرَّدْعِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ: وأنْتُمْ لا تَرْتَدِعُونَ عَنْ ذَلِكَ بَلْ تَجْتَرِئُونَ عَلى أعْظَمَ مِنهُ حَيْثُ تُكَذِّبُونَ بِالجَزاءِ والبَعْثِ رَأْسًا أوْ بِدِينِ الإسْلامِ اللَّذَيْنِ هُما مِن جُمْلَةِ أحْكامِهِ فَلا تُصَدِّقُونَ سُؤالًا ولا جَوابًا ولا ثَوابًا ولا عِقابًا. وفِيهِ تَرَقٍّ مِنَ الأهْوَنِ إلى الأغْلَظِ. وعَنِ الرّاغِبِ: «بَلْ» هُنا لِتَصْحِيحِ الثّانِي وإبْطالِ الأوَّلِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ هُنا مُقْتَضًى لِغُرُورِهِمْ ولَكِنَّ تَكْذِيبَهم حَمَلَهم عَلى ما ارْتَكَبُوهُ، وقِيلَ: تَقْدِيرُ الكَلامٍ إنَّكم لا تَسْتَقِيمُونَ عَلى ما تُوجِبُهُ نِعَمِي عَلَيْكم وإرْشادِي لَكم بَلْ تُكَذِّبُونَ إلَخْ. وقِيلَ إنَّ «كَلّا» رَدْعٌ عَمّا دَلَّ عَلَيْهِ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن نَفْيِهِمُ البَعْثَ و«بَلْ» إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ مِن نَفْيِ البَعْثِ والنُّشُورِ ثُمَّ قِيلَ: لا تَتَبَيَّنُونَ بِهَذا البَيانِ بَلْ تُكَذِّبُونَ... إلَخْ. وأدْغَمَ خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ «رَكَّبَكَ كَلّا» كَأبِي عَمْرٍو في إدْغامِهِ الكِبَرَ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وأبُو بِشْرٍ: «يُكَذِّبُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.

82:10Page 587

وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ ١٠

And indeed, [appointed] over you are keepers,1

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ مُفِيدَةٌ لِبُطْلانِ تَكْذِيبِهِمْ وتَحْقِيقِ ما يُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ الجَزاءِ عَلى الوَجْهَيْنِ في الدِّينِ؛ أيْ: تُكَذِّبُونَ بِالجَزاءِ والحالُ أنَّ عَلَيْكم مِن قِبَلِنا لَحافِظِينَ لِأعْمالِكم.

82:11–12Page 587

كِرَامٗا كَٰتِبِينَ ١١

Noble and recording;

يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ ١٢

They know whatever you do.

﴿كِرامًا﴾ لَدَيْنا ﴿كاتِبِينَ﴾ لَها ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأفْعالِ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، ويَضْبُطُونَهُ نَقِيرًا أوْ قِطْمِيرًا، ولَيْسَ ذَلِكَ لِلْجَزاءِ وإقامَةِ الحُجَّةِ وإلّا لَكانَ عَبَثًا يُنَزَّهُ عَنْهُ الحَكِيمُ العَلِيمُ. وقِيلَ: جِيءَ بِهَذِهِ الحالِ اسْتِبْعادًا لِلتَّكْذِيبِ مَعَها ولَيْسَ بِذاكَ. وفي تَعْظِيمِ الكاتِبِينَ بِالثَّناءِ عَلَيْهِمْ تَفْخِيمٌ لِأمْرِ الجَزاءِ، وأنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن جَلائِلِ الأُمُورِ حَيْثُ اسْتَعْمَلَ سُبْحانَهُ فِيهِ هَؤُلاءِ الكِرامَ لَدَيْهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الحافِظِينَ غَيْرُ المُعَقِّباتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ . فَمَعَ الإنْسانِ عِدَّةُ مَلائِكَةٍ.

رُوِيَ «عَنْ عُثْمانَ أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: كَمْ مِن مَلَكٍ عَلى الإنْسانِ؟ فَذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِشْرِينَ مَلَكًا».

قالَ المَهْدَوِيُّ في الفَيْصَلِ: وقِيلَ: إنَّ كُلَّ آدَمِيٍّ يُوَكَّلُ بِهِ مِن حِينِ وُقُوعِهِ نُطْفَةً في الرَّحِمِ إلى مَوْتِهِ أرْبَعَمِائَةِ مَلَكٍ، ومَن يَكْتُبُ الأعْمالَ مَلَكانِ كاتِبُ الحَسَناتِ وهو في المَشْهُورِ عَلى العاتِقِ الأيْمَنِ، وكاتِبُ ما سِواها وهو عَلى العاتِقِ الأيْسَرِ، والأوَّلُ أمِينٌ عَلى الثّانِي، فَلا يُمَكِّنُهُ مِن كِتابَةِ السَّيِّئَةِ إلّا بَعْدَ مُضِيِّ سِتِّ ساعاتٍ مِن غَيْرِ مُكَفِّرٍ لَها، ويَكْتُبانِ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى الِاعْتِقادِ والعَزْمِ والتَّقْرِيرِ وحَتّى الأنِينِ في المَرَضِ، وكَذا يَكْتُبانِ حَسَناتِ الصَّبِيِّ عَلى الصَّحِيحِ ويُفارِقانِ المُكَلَّفَ عِنْدَ الجِماعِ ولا يَدْخُلانِ مَعَ العَبْدِ الخَلاءَ.

وأخْرَجَ البَزّارُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْهاكم عَنِ التَّعَرِّي فاسْتَحْيُوا مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ الَّذِينَ مَعَكُمُ الكِرامِ الكاتِبِينَ الَّذِينَ لا يُفارِقُونَكم إلّا عِنْدَ إحْدى ثَلاثِ حاجاتٍ: الغائِطِ والجَنابَةِ والغُسْلِ»».

ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِن كَتْبِهِما ما يَصْدُرُ عَنْهُ، ويَجْعَلُ اللَّهُ تَعالى لَهُما أمارَةً عَلى الِاعْتِقادِ القَلْبِيِّ ونَحْوِهِ ويَلْزَمانِ العَبْدَ إلى مَماتِهِ فَيَقُومانِ عَلى قَبْرِهِ يُسَبِّحانِ ويُهَلِّلانِ ويُكَبِّرانِ ويُكْتَبُ ثَوابُهُ لِلْمَيِّتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنْ كانَ آمِنًا، ويَلْعَنانِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنْ كانَ كافِرًا.

واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم أنَّهُما اثْنانِ بِالشَّخْصِ، وقِيلَ: بِالنَّوْعِ وقِيلَ: كاتِبُ الحَسَناتِ يَتَغَيَّرُ دُونَ كاتِبِ السَّيِّئاتِ، ونَصُّوا عَلى أنَّ المَجْنُونَ

صفحة 66

لا حَفَظَةَ عَلَيْهِ، ووَرَدَ في بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ الحَسَناتِ ما يَكْتُبُها غَيْرُ هَذَيْنِ المَلَكَيْنِ، والظَّواهِرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكَتْبَ حَقِيقِيٌّ، وعِلْمُ الآلَةِ وما يُكْتَبُ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

82:13–16Page 587

إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٖ ١٣

Indeed, the righteous will be in pleasure,

وَإِنَّ ٱلۡفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٖ ١٤

And indeed, the wicked will be in Hellfire.

يَصۡلَوۡنَهَا يَوۡمَ ٱلدِّينِ ١٥

They will [enter to] burn therein on the Day of Recompense,

وَمَا هُمۡ عَنۡهَا بِغَآئِبِينَ ١٦

And never therefrom will they be absent.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ نَتِيجَةِ الحِفْظِ والكَتْبِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. وفي تَنْكِيرِ النَّعِيمِ والجَحِيمِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْلَوْنَها﴾ إمّا صِفَةٌ لِلْجَحِيمِ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿الفُجّارَ﴾ في الخَبَرِ أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن تَهْوِيلِها كَأنَّهُ قِيلَ: ما حالُهم فِيها؟ فَقِيلَ: يُقاسُونَ حَرَّها. وقَرَأ ابْنُ مُقْسِمٍ «يُصَلَّوْنَها» مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ يَوْمَ الجَزاءِ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ اسْتِقْلالًا أوْ في ضِمْنِ تَكْذِيبِهِمْ بِالإسْلامِ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ فَإنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ في الدَّلالَةِ عَلى سَرْمَدِيَّةِ العَذابِ وأنَّهم لا يَزالُونَ مُحَسِّينَ بِالنّارِ. وقِيلَ: مَعْناهُ وما كانُوا غائِبِينَ عَنْها قَبْلَ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ بَلْ كانُوا يَجِدُونَ سُمُومَها في قُبُورِهِمْ حَسْبَما «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ - أوْ - حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ»».

عَلى أنَّ غائِبِينَ مِن حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ والجُمْلَةُ قِيلَ: عَلى الوَجْهَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ لَكِنَّها عَلى الأوَّلِ حالٌ مُقَدَّرَةٌ وعَلى الثّانِي مِن بابِ ﴿جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ وقِيلَ: إنَّها عَلى الأوَّلِ حالِيَّةٌ دُونَ الثّانِي لِانْفِصالِ ما بَيْنَ صَلْيِ النّارِ وعَذابِ القَبْرِ بِالبَعْثِ وما في مَوْقِفِ الحِسابِ بَلْ هي عَلَيْهِ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، ويُحْتَمَلُ اسْمُ الفاعِلِ فِيها؛ أعْنِي غائِبِينَ عَلى الحالِ؛ أيْ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ الآنَ لِتَغايُرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِقْبالُ. والكَلامُ عَلى ما عُرِفَ في إخْبارِهِ تَعالى مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِغَيْرِهِ لِتَحَقُّقِهِ فَلا يَرِدُ أنَّ بَعْضَ الفُجّارِ في زُمْرَةِ الأحْياءِ بَعْدُ، وبَعْضَهم لَمْ يُخْلَقْ كَذَلِكَ وعَذابُ القَبْرِ بَعْدَ المَوْتِ فَكَيْفَ يُحْمَلُ «غائِبِينَ» عَلى الحالِ.

82:17–18Page 587

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ ١٧

And what can make you know what is the Day of Recompense?

ثُمَّ مَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ ١٨

Then, what can make you know what is the Day of Recompense?

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾

تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ يَوْمِ الدِّينِ الَّذِي يُكَذِّبُونَ بِهِ إثْرَ تَفْخِيمٍ وتَعْجِيبٍ مِنهُ بَعْدَ تَعْجِيبٍ، والخِطابُ فِيهِ عامٌّ، والمُرادُ أنَّ كُنْهَ أمْرِهِ بِحَيْثُ يُدْرِكُهُ دِرايَةَ دارِي، وقِيلَ: الخِطابُ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِلْكافِرِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ تَأْكِيدٌ لِهَوْلِ يَوْمِ الدِّينِ وفَخامَتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَحْقِيقِ كَوْنِ الِاسْتِفْهامِ في مِثْلِ ذَلِكَ مُبْتَدَأً أوْ خَبَرًا مُقَدَّمًا فَلا تُغْفَلْ.

82:19Page 587

يَوۡمَ لَا تَمۡلِكُ نَفۡسٞ لِّنَفۡسٖ شَيۡـٔٗاۖ وَٱلۡأَمۡرُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّهِ ١٩

It is the Day when a soul will not possess for another soul [power to do] a thing; and the command, that Day, is [entirely] with Allāh.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِشَأْنِ يَوْمِ الدِّينِ إثَرَ إبْهامِهِ وإفادَةِ خُرُوجِهِ عَنِ الدّائِرَةِ الدِّرايَةَ، قِيلَ: بِطَرِيقِ إنْجازِ الوَعْدِ؛ فَإنَّ نَفْيَ الإدْراءِ مُشْعِرٌ بِالوَعْدِ الكَرِيمِ بِالإدْراءِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّهُ قالَ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( ما أدْراكَ ) فَقَدْ أدْراهُ وكُلُّ ما فِيهِ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ( ما يُدْرِيكَ ) فَقَدْ طُوِيَ عَنْهُ. ( ويَوْمَ ) مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ تَفْخِيمِ أمْرِ يَوْمِ الدِّينِ وتَشْوِيقِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى مَعْرِفَتِهِ: اذْكُرْ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ مِنَ النُّفُوسِ لِنَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مُطْلَقًا لا لِلْكَفّارَةِ فَقَطْ كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلَخْ؛ فَإنَّهُ يُدْرِيكَ ما هُوَ، أوْ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى رَأْيِ مَن يَرى جَوازَ بِناءِ الظَّرْفِ إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وهُمُ الكُوفِيُّونَ؛ أيْ: هو يَوْمَ لا تَمْلِكُ إلَخْ. وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِإضْمارِ يُدانُونَ أوْ يَشْتَدُّ الهَوْلُ أوْ نَحْوِهِ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أوْ هو مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( يَوْمُ الدِّينِ ) وكَلاهُما لَيْسا بِذاكَ لِخُلُوِّهِما عَنْ إفادَةِ ما أفادَهُ ما قَبْلُ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى وابْنُ جُنْدُبٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: «يَوْمُ» بِالرَّفْعِ بِلا تَنْوِينٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو يَوْمٌ لا بَدَلٌ لِما سَمِعْتَ آنِفًا. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «يَوْمٌ» بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ فَجُمْلَةُ: ﴿لا تَمْلِكُ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فِيهِ والأمْرُ كَما قالَ في الكَشْفِ واحِدُ الأوامِرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ فَإنَّ الأمْرَ

صفحة 67

مِن شَأْنِ المَلِكِ المُطاعِ واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ أيِ الأمْرُ لَهُ تَعالى لا لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ لا شَرِكَةَ ولا اسْتِقْلالًا؛ أيْ: إنَّ التَّصَرُّفَ جَمِيعَهُ في قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لا غَيْرَ. وفي تَحْقِيقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ الكُلَّ مَسُوسُونَ مُطِيعُونَ مُشْتَغِلُونَ بِحالِ أنْفُسِهِمْ مَقْهُورُونَ بِعُبُودِيَّتِهِمْ لِسَطَواتِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقِيلَ: واحِدُ الأُمُورِ أعْنِي الشَّأْنَ ولَيْسَ بِذاكَ. وقَوْلُ قَتادَةَ فِيما أخْرَجَهُ عِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وابْنِ المُنْذِرِ؛ أيْ: لَيْسَ ثَمَّ أحَدٌ يَقْضِي شَيْئًا ولا يَصْنَعُ شَيْئًا غَيْرَ رَبِّ العالَمِينَ تَفْسِيرُ الحاصِلِ المَعْنى لا إيثارَ لِذَلِكَ، هَذا وقَوْلُهُ وحْدَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ يُتْرَكُ لَهُ الظّاهِرُ والمُنازَعَةُ في الظُّهُورِ مُكابَرَةٌ، وأيًّا ما كانَ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ يَوْمَ القِيامَةِ كَما لا يَخْفى. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском