Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Mutaffifin 83:10–28
83:10–13Page 588
وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١٠
Woe, that Day, to the deniers,
ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ١١
Who deny the Day of Recompense.
وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢
And none deny it except every sinful transgressor.
إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣
When Our verses are recited to him, he says, "Legends of the former peoples."
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والمُرادُ لِلْمُكَذِّبِينَ بِذَلِكَ اليَوْمِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ إمّا مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ذامَّةٌ لِلْمُكَذِّبِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً كاشِفَةً مُوَضِّحَةً، وقِيلَ: هو صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ فارِقَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ المُكَذِّبِينَ بِالحَقِّ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ ...إلَخْ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَصْدَ إلى المَذَمَّةِ؛ أيْ: وما يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ إلّا كُلُّ مُتَجاوِزٍ حُدُودَ النَّظَرِ والِاعْتِبارِ غالٍ في التَّقْلِيدِ حَتّى جَعَلَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى قاصِرَةً عَنِ الإعادَةِ وعِلْمَهُ سُبْحانَهُ قاصِرًا عَنْ مَعْرِفَةِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ الَّتِي لا بُدَّ في الإعادَةِ مِنها، فَعَدَّ الإعادَةَ مُحالَةً عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿أثِيمٍ﴾ أيْ: كَثِيرُ الآثامِ مُنْهَمِكٌ في الشَّهَواتِ المُخْدِجَةِ الفانِيَةِ بِحَيْثُ شَغَلَتْهُ عَمّا وراءَها مِنَ اللَّذّاتِ التّامَّةِ الباقِيَةِ وحَمَلَتْهُ عَلى إنْكارِها ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ النّاطِقَةُ بِذَلِكَ ﴿قالَ﴾ مِن فَرْطِ جَهْلِهِ وإعْراضِهِ عَنِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: هي حِكاياتُ الأوَّلِينَ يَعْنِي هي أباطِيلُ جاءَ بِها الأوَّلُونَ وطالَ أمَدُ الإخْبارِ بِها ولَمْ يَظْهَرْ صِدْقُها، أوْ أباطِيلُ أُلْقِيَتْ عَلى آبائِنا الأوَّلِينَ وكَذَّبُوها ولَسْنا أوَّلَ مُكَذِّبٍ بِها حَتّى يَكُونَ التَّكْذِيبُ مِنّا عَجَلَةً وخُرُوجًا عَنْ طَرِيقِ الحَزْمِ والِاحْتِياطِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
والآيَةُ قِيلَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ عَلى العُمُومِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ مُقْسِمٍ: «إذا يُتْلى» بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ، وقُرِئَ: «أئِذا تُتْلى» عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ.
83:14Page 588
كـَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٤
No! Rather, the stain has covered their hearts of that which they were earning.1
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِلْمُعْتَدِي الأثِيمِ عَنْ ذَلِكَ القَوْلِ الباطِلِ وتَكْذِيبٌ لَهُ فِيهِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بَيانٌ لِما أدّى بِهِمْ إلى التَّفَوُّهِ بِتِلْكَ العَظِيمَةِ؛ أيْ: لَيْسَ في آياتِنا ما يُصَحِّحُ أنْ يُقالَ في شَأْنِها مِثْلُ تِلْكَ المَقالَةِ الباطِلَةِ، بَلْ رَكِبَ قُلُوبَهم وغَلَبَ عَلَيْها ما اسْتَمَرُّوا عَلى اكْتِسابِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي حَتّى صارَ كالصَّدَأِ في المِرْآةِ فَحالَ ذَلِكَ بَيْنَهم وبَيْنَ مَعْرِفَةِ الحَقِّ فَلِذَلِكَ قالُوا ما قالُوا، والرَّيْنُ في الأصْلِ الصَّدَأُ. يُقالُ: رانَ عَلَيْهِ الذَّنْبُ وغانَ عَلَيْهِ رَيْنًا وغَيْنًا ويُقالُ: رانَ فِيهِ النَّوْمُ؛ أيْ: رَسَخَ فِيهِ، وفي البَحْرِ: أصْلُ الرَّيْنِ الغَلَبَةُ؛ يُقالُ: رانَتِ الخَمْرُ عَلى عَقْلِ شارِبِها؛ أيْ: غَلَبَتْ، ورانَ الغَشْيُ عَلى عَقْلِ المَرِيضِ؛ أيْ: غَلَبَ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رِينَ بِالرَّجُلِ يُرانُ بِهِ رَيْنًا إذا وقَعَ فِيما لا يَسْتَطِيعُ مِنهُ الخُرُوجَ، وأُرِيدَ بِهِ حُبُّ المَعاصِي الرّاسِخُ بِجامِعِ أنَّهُ كالصَّدَأِ المُسَوِّدِ لِلْمِرْآةِ والفِضَّةِ مَثَلًا المُغَيِّرِ عَنِ الحالَةِ الأصْلِيَّةِ.
وأخْرَجَ
صفحة 73
الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحاهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حُبّانِ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««إنَّ العَبْدَ إذا أذْنَبَ ذَنْبًا نُكِتَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ، فَإنْ تابَ ونَزَعَ واسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وإنْ عادَ زادَتْ حَتّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ»».
فَذَلِكَ الرّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: كانُوا يَرَوْنَ أنَّ الرَّيْنَ هو الطَّبْعُ وذَكَرُوا لَهُ أسْبابًا.
وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ خُلَيْدِ بْنِ الحَكَمِ عَنْ أبِي المُجْبَرِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: أرْبَعُ خِصالٍ مُفْسِدَةٌ لِلْقُلُوبِ: مُجاراةُ الأحْمَقِ؛ فَإنْ جارَيْتَهُ كُنْتَ مِثْلَهُ، وإنْ سَكَتَّ عَنْهُ سَلِمْتَ مِنهُ، وكَثْرَةُ الذُّنُوبِ مَفْسَدَةٌ لِلْقُلُوبِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، والخَلْوَةُ بِالنِّساءِ والِاسْتِمْتاعُ بِهِنَّ والعَمَلُ بِرَأْيِهِنَّ، ومُجالَسَةُ المَوْتى». قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن هُمْ؟ قالَ: «كُلُّ غَنِيٍّ قَدْ أبْطَرَهُ غِناهُ»».
وقُرِئَ بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ، وقالَ أبُو جَعْفَرِ ابْنُ الباذِشِ: أجْمَعُوا -يَعْنِي القُرّاءَ عَلى إدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ إلّا ما كانَ مِن وقْفِ حَفْصٍ عَلى بَلْ وقْفًا خَفِيفًا يَسِيرًا لِتَبْيِينِ الإظْهارِ ولَيْسَ كَما قالَ مِنَ الإجْماعِ فَفي اللَّوامِحِ عَنْ قالُونَ مِن جَمِيعِ طُرُقِهِ إظْهارُ اللّامِ عِنْدَ الرّاءِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ ﴿بَلْ رَبُّكُمْ﴾ وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ وقَرَأ نافِعٌ: ﴿بَلْ رانَ﴾ غَيْرَ مُدْغَمٍ وفِيهِ أيْضًا وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا بِالإدْغامِ والإمالَةِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ في اللّامِ مَعَ الرّاءِ نَحْوَ: أشْغَلَ رَحِمَهُ البَيانُ، والإدْغامُ حَسَنانِ. وقالَ أيْضًا: فَإذا كانَتْ يَعْنِي اللّامَ غَيْرَ لامِ التَّعْرِيفِ؛ نَحْوَ لامِ هَلْ وبَلْ؛ فَإنَّ الإدْغامَ أحْسَنُ، فَإنْ لَمْ تُدْغَمْ فَهي لُغَةٌ لِأهْلِ الحِجازِ، وهِي عَرَبِيَّةُ جائِزَةٌ، وفي الكَشّافِ: قُرِئَ بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ وبِالإظْهارِ والإدْغامِ أجْوَدُ وأُمِيلَتِ الألِفُ وفُخِّمَتْ فَلْيُحْفَظْ.
83:15Page 588
كـَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ ١٥
No! Indeed, from their Lord, that Day, they will be partitioned.1
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ أوْ بِمَعْنى حَقًّا ﴿إنَّهُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ ﴿عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ لا يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ، وهو عَزَّ وجَلَّ حاضِرٌ ناظِرٌ لَهم بِخِلافِ المُؤْمِنِينَ فالحِجابُ مَجازٌ عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ المَحْجُوبَ لا يَرى ما حُجِبَ أوِ الحَجْبُ المَنعُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ لَمَمْنُوعُونَ فَلا يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ. واحْتَجَّ بِالآيَةِ مالِكٌ عَلى رُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ لَهُ تَعالى مِن جِهَةِ دَلِيلِ الخِطابِ وإلّا فَلَوْ حُجِبَ الكُلُّ لَما أغْنى هَذا التَّخْصِيصُ.
وقالَ الشّافِعِيُّ: لِمّا حَجَبَ سُبْحانَهُ قَوْمًا بِالسُّخْطِ دَلَّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِّضا. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: لَمّا حَجَبَ عَزَّ وجَلَّ أعْداءَهُ سُبْحانَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ تَجَلّى جَلَّ شَأْنُهُ لِأوْلِيائِهِ حَتّى رَأوْهُ عَزَّ وجَلَّ، ومَن أنْكَرَ رُؤْيَتَهُ تَعالى كالمُعْتَزِلَةِ قالَ: إنَّ الكَلامَ تَمْثِيلٌ لِلِاسْتِخْفافِ بِهِمْ وإهانَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا يُؤْذَنُ عَلى المُلُوكِ إلّا لِلْوُجَهاءِ المُكَرَّمِينَ لَدَيْهِمْ، ولا يُحْجَبُ عَنْهم إلّا الأدْنِياءُ المُهانُونَ عِنْدَهم كَما قالَ:
إذا اعْتَرَوْا بابَ ذِي عُبِّيَّةٍ رُجِبُوا والنّاسُ مِن بَيْنِ مَرْجُوبٍ ومَحْجُوبِ
أوْ هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: عَنْ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ مَثَلًا لَمَحْجُوبُونَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ تَقْدِيرُ ذَلِكَ، وعَنِ ابْنِ كَيْسانَ تَقْدِيرُ الكَرامَةِ لَكِنَّهم أرادُوا عُمُومَ المُقَدَّرِ لِلرُّؤْيَةِ وغَيْرِها مِن ألْطافِهِ تَعالى. والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ «مَحْجُوبُونَ» وهو العالَمُ في ( يَوْمَئِذٍ ) والتَّنْوِينُ فِيهِ تَنْوِينُ عِوَضٍ، والمُعَوَّضُ عَنْهُ هُنا: يَقُومُ النّاسُ السّابِقُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم لَمَحْجُوبُونَ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَ إذْ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ.
83:16Page 588
ثُمَّ إِنَّهُمۡ لَصَالُواْ ٱلۡجَحِيمِ ١٦
Then indeed, they will [enter and] burn in Hellfire.
﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ مُقاسُو حَرِّها عَلى ما قالَ الخَلِيلُ. وقِيلَ: داخِلُونَ فِيها، و«ثُمَّ» قِيلَ لِتَراخِي الرُّتْبَةِ، لَكِنْ بِناءً عَلى ما عِنْدَهم فَإنَّ صَلْيَ الجَحِيمِ عِنْدَهم أشَدُّ مِن حِجابِهِمْ عَنْ رَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ، وأمّا عِنْدَ المُؤْمِنِينَ لا سِيَّما الوالِهِينَ بِهِ سُبْحانَهُ مِنهم فَإنَّ الحِجابَ عَذابٌ لا يُدانِيهِ عَذابٌ.
83:17Page 588
ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ١٧
Then it will be said [to them], "This is what you used to deny."
﴿ثُمَّ يُقالُ﴾ لَهم تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا مِن جِهَةِ الخَزَنَةِ أوْ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
صفحة 74
فَذُوقُوا عَذابَهُ.
83:18–20Page 588
كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡأَبۡرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ١٨
No! Indeed, the record of the righteous is in ʿilliyyūn.
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩
And what can make you know what is ʿilliyyūn?
كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ ٢٠
It is [their destination1 recorded in] a register inscribed
﴿كَلا﴾ تَكْرِيرٌ لِلرَّدْعِ السّابِقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ﴾ إلَخْ لِيُعَقِّبَ بِوَعْدِ الأبْرارِ كَما عَقَّبَ ذاكَ بِوَعِيدِ الفُجّارِ إشْعارًا بِأنَّ التَّطْفِيفَ فُجُورٌ والإيفاءَ بِرٌّ، وقِيلَ: رَدْعٌ عَنِ التَّكْذِيبِ فَلا تَكْرارَ.
﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ الكَلامُ نَحْوَ ما مَرَّ في نَظِيرِهِ بَيْدَ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في ﴿عِلِّيِّينَ﴾ عَلى وجْهٍ آخَرَ غَيْرِ اخْتِلافِهِمْ في ( سِجِّينٍ ) فَقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو عَلَمٌ لِدِيوانِ الخَبَرِ الَّذِي دُوِّنَ فِيهِ كُلُّ ما عَمِلَتْهُ المَلائِكَةُ وصُلَحاءُ الثَّقَلَيْنِ مَنقُولٌ مِن جَمْعٍ عَلى فَعِيلٍ مِنَ العُلُوِّ كَسَجِينٍ مِنَ السَّجْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ إمّا لِأنَّهُ سَبَبُ الِارْتِفاعِ إلى أعالِي دَرَجاتِ الجِنانِ أوْ لِأنَّهُ مَرْفُوعٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ أوْ عِنْدَ قائِمَةِ العَرْشِ اليُمْنى مَعَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ الِاسْمُ تَعْظِيمًا لَهُ.
وقِيلَ: هو المَواضِعُ العَلِيَّةُ واحِدُهُ عَلِيٌّ، وكانَ سَبِيلُهُ أنْ يُقالَ عِلِّيَّةٌ كَما قالُوا لِلْغُرْفَةِ عِلِّيَّةٌ، فَلَمّا حَذَفُوا التّاءَ عَوَّضُوا عَنْها الجَمْعَ بِالواوِ والنُّونِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي الفَتْحِ بْنِ جِنِّيٍّ وقِيلَ: هو وصْفٌ لِلْمَلائِكَةِ ولِذَلِكَ جُمِعَ بِالواوِ والنُّونِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو اسْمٌ مَوْضُوعٌ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَعِشْرِينَ وثَلاثِينَ. والعَرَبُ إذا جَمَعَتْ جَمْعًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِناءٌ واحِدٌ ولا تَثْنِيَةٌ أطْلَقُوهُ في المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ بِالواوِ والنُّونِ.
﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِكِتابٍ؛ أيْ: يَحْضُرُونَهُ عَلى أنْ يَشْهَدَ مِنَ الشُّهُودِ بِمَعْنى الحُضُورِ، وحُضُورُهُ كِنايَةٌ عَنْ حِفْظِهِ في الخارِجِ أوْ يَشْهَدُونَ بِما فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أنَّهُ مِنَ الشَّهادَةِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ المُرادُ بِالمُقَرَّبِينَ جَمْعٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَذا قالُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ خالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ وأبِي عُجَيْلٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سَألَ كَعْبًا عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: إنَّ المُؤْمِنَ يَحْضُرُهُ المَوْتُ ويَحْضُرُهُ رُسُلُ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلا هم يَسْتَطِيعُونَ أنْ يُؤَخِّرُوهُ ساعَةً ولا يُعَجِّلُوهُ حَتّى تَجِيءَ ساعَتُهُ، فَإذا جاءَتْ ساعَتُهُ قَبَضُوا نَفْسَهُ فَدَفَعُوهُ إلى مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ فَأرَوْهُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُرُوهُ مِنَ الخَيْرِ، ثُمَّ عَرَجُوا بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ فَيُشَيِّعُهُ مِن كُلِّ سَماءٍ مُقَرَّبُوها حَتّى يَنْتَهُوا بِهِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ فَيَضَعُونَهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ ولا يَنْتَظِرُونَ بِهِ صَلاتَكم عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ هَذا عَبْدُكَ فُلانٌ قَبَضْنا نَفْسَهُ، ويَدْعُونَ لَهُ بِما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَدْعُوا لَهُ، فَنَحْنُ نُحِبُّ أنْ تُشْهِدَنا اليَوْمَ كِتابَهُ فَيُنْشَرُ كِتابُهُ مِن تَحْتِ العَرْشِ فَيُثْبِتُونَ اسْمَهُ فِيهِ وهم شُهُودٌ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ وسَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ﴾ الآيَةَ. فَقالَ: إنَّ العَبْدَ الكافِرَ يَحْضُرُهُ المَوْتُ ويَحْضُرُهُ رُسُلُ رَبِّهِ سُبْحانَهُ فَإذا جاءَتْ ساعَتُهُ قَبَضُوا نَفْسَهُ فَدَفَعُوهُ إلى مَلائِكَةِ العَذابِ فَأرَوْهُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُرُوهُ مِنَ الشَّرِّ، ثُمَّ هَبَطُوا بِهِ إلى الأرْضِ السُّفْلى وهو سِجِّينٌ وهي آخِرُ سُلْطانِ إبْلِيسَ فَأثْبَتُوا كِتابَهُ فِيها الحَدِيثَ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما ظاهِرُهُ أنَّ نَفْسَ العَمَلِ يَكُونُ في سِجْنٍ ويَكُونُ في عِلِّيِّينَ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ عَنْ صَخْرِ بْنِ حَبِيبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّ المَلائِكَةَ يَرْفَعُونَ أعْمالَ العَبْدِ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى يَسْتَكْثِرُونَهُ ويُزَكُّونَهُ حَتّى يَبْلُغُوا بِهِ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن سُلْطانِهِ، فَيُوحِي اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ إنَّكم حَفَظَةٌ عَلى عَمَلِ عَبْدِي وأنا رَقِيبٌ عَلى ما في نَفْسِهِ، إنَّ عَبْدِي هَذا لَمْ يُخْلِصْ لِي عَمَلَهُ فاجْعَلُوهُ في سِجِّينٍ، ويَصْعَدُونَ بِعَمَلِ العَبْدِ يَسْتَقِلُّونَهُ ويَسْتَحْقِرُونَهُ حَتّى يَبْلُغُوا بِهِ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن سُلْطانِهِ فَيُوحِي اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ إنَّكُمْ: حَفَظَةٌ عَلى عَمَلِ عَبْدِي وأنا رَقِيبٌ عَلى ما في نَفْسِهِ؛ إنَّ عَبْدِي هَذا أخْلَصَ لِي عَمَلَهُ فاجْعَلُوهُ في عِلِّيِّينَ»».
وبِأدْنى تَأْوِيلٍ يَرْجِعُ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ. فَلا تَغْفُلْ.
83:22–23Page 588
إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢
Indeed, the righteous will be in pleasure
عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ٢٣
On adorned couches, observing.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَحاسِنِ أحْوالِهِمْ إثْرَ بَيانِ حالِ كِتابِهِمْ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا حالُ كِتابِهِمْ فَما حالُهُمْ؟ فَأُجِيبَ بِما ذُكِرَ؛ أيْ: إنَّهم لَفي نَعِيمٍ عَظِيمٍ ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ أيْ: عَلى الأسِرَّةِ في الحِجالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ فِيها ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: إلى ما شاؤُوا مِن رَغائِبِ مَناظِرِ الجَنَّةِ وما تَحْجُبُ الحِجالُ أبْصارَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: إلى
صفحة 75
ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهم مِنَ الكَراماتِ. وقالَ مُقاتِلٌ: إلى أهْلِ النّارِ أعْدائِهِمْ ولَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضٌ لِيَكُونَ ما في آخِرِ السُّورَةِ تَأْسِيسًا، وقِيلَ: يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَلا يُحْجَبُ حَبِيبٌ عَنْ حَبِيبِهِ. وقِيلَ: النَّظَرُ كِنايَةٌ عَنْ سَلْبِ النَّوْمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَنامُونَ وكَأنَّهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ النَّوْمِ مِن ذِكْرِ الأرائِكِ المُعَدَّةِ لِلنَّوْمِ غالِبًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا نَوْمَ في الجَنَّةِ كَما ورَدَتْ في الأخْبارِ لِما فِيهِ مِن زَوالِ الشُّعُورِ وغَفْلَةِ الحَواسِّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُناسِبُ ذَلِكَ المَقامَ. وعَلَيْهِ يَكُونُ.
83:24Page 588
تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِهِمۡ نَضۡرَةَ ٱلنَّعِيمِ ٢٤
You will recognize in their faces the radiance of pleasure.
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أيْ: بَهْجَةَ النَّعِيمِ ورَوْنَقَهُ لِنَفْيِ ما يُوهِمُهُ سَلْبُ النَّوْمِ مِنَ الضَّعْفِ وتَغَيُّرِ بَهْجَةِ الوَجْهِ كَما في الدُّنْيا وهو وجْهٌ لا يَعْرِفُ فِيهِ النّاظِرَ نَضْرَةَ التَّحْقِيقِ، والخِطابُ في تَعَرُّفٍ لِكُلِّ مَن لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما لَهم مِن آثارِ النِّعْمَةِ وأحْكامِ البَهْجَةِ بِحَيْثُ لا يَخْتَصُّ بِراءٍ دُونَ راءٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وطَلْحَةُ وشَيْبَةُ ويَعْقُوبُ: «تُعْرَفُ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: «نَضْرَةُ» رَفْعًا عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ نائِبُ فاعِلِ «تُعْرَفُ» ضَمِيرَ «الأبْرارَ» و«فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةُ» مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. كَأنَّهُ قِيلَ: تُعْرَفُ الأبْرارُ بِأنَّ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ قَرَأ: «يُعْرَفُ» بِالياءِ إذْ تَأْنِيثُ ( نَضْرَةَ ) مَجازِيٌّ.
83:25–26Page 588
يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ مَّخۡتُومٍ ٢٥
They will be given to drink [pure] wine1 [which was] sealed.
خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ ٢٦
The last of it1 is musk. So for this let the competitors compete.
﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ قالَ الخَلِيلُ: هو أجْوَدُ الخَمْرِ، وقالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ: الشَّرابُ الَّذِي لا غِشَّ فِيهِ، قالَ حَسّانُ:
يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمُ بَرَدى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وفَسَّرَها هُنا بِالشَّرابِ الخالِصِ مِمّا يُكَدِّرُ حَتّى الغَوْلِ ﴿مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أيْ: مَخْتُومٌ أوانِيهِ وأكْوابُهُ بِالمِسْكِ مَكانَ الطِّينِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وذُكِرَ أنَّ طِينَ الجَنَّةِ مِسْكٌ مَعْجُونٌ، والظّاهِرُ أنَّ الخِتامَ ما يُخْتَمُ بِهِ، وأنَّ الخَتْمَ عَلى حَقِيقَتِهِ وكَذا إسْنادُهُ. وقَوْلُنا: مَخْتُومٌ أوانِيهِ إلَخْ لَيْسَ لِأنَّ الإسْنادَ مَجازِيٌّ بَلْ لِأنَّ الخَتْمَ عَلى الشَّيْءِ أعْنِي الِاسْتِيثاقَ مِنهُ بِالخَتْمِ طَرِيقُهُ ذَلِكَ، وخُتِمَ اعْتِناءً بِهِ وإظْهارًا لِكَرامَةِ شارِبِهِ، وكانَ ذَلِكَ بِما هو عَلى هَيْئَةِ الطِّينِ لِيَكُونَ عَلى النَّهْجِ المَأْلُوفِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَمْثِيلًا لِكَمالِ نَفاسَتِهِ وإلّا فَلَيْسَ ثَمَّةَ غُبارٌ أوْ ذُبابٌ أوْ خِيانَةٌ لِيُصانَ عَلى ذَلِكَ بِالخَتْمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ: المَعْنى خاتِمَتُهُ ونِهايَتُهُ رائِحَةُ مِسْكٍ إذا شُرِبَ؛ أيْ: يَجِدُ شارِبُهُ ذَلِكَ عِنْدَ انْتِهاءِ شُرْبِهِ، وكانَ ذَلِكَ لِأنَّ اشْتِغالَ الذّائِقَةِ بِكَمالِ لَذَّتِهِ تَمْنَعُ عَنْ إدْراكِ الرّائِحَةِ فَإذا انْقَطَعَ الشُّرْبُ أُدْرِكَتْ وإلّا فالرّائِحَةُ لا تَخْتَصُّ بِالِانْتِهاءِ. وقِيلَ: المَعْنى ذُو نِهايَةٍ نِهايَتُهُ وما يَبْقى بَعْدَ شُرْبِهِ ويُشْرَبُ في أوانِيهِ مِسْكٌ ولَيْسَ كَشَرابِ الدُّنْيا نِهايَتُهُ. وما يَرْسُبُ في إنائِهِ طِينٌ أوْ نَحْوُهُ وهو كَما تَرى. وقِيلَ: إنَّ الرَّحِيقَ يُمْزَجُ بِالكافُورِ ويُخْتَمُ مِزاجُهُ بِالمِسْكِ، فالمَعْنى: ذُو خِتامٍ خِتامُ مِزاجِهِ مِسْكٌ وهو مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ وفِيما بَعْدُ ما يُبْعِدُهُ في الجُمْلَةِ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والنَّخَعِيُّ والضَّحّاكُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والكِسائِيُّ: «خاتَمُهُ» بِألِفٍ بَعْدَ الخاءِ وفَتْحِ التّاءِ والمُرادُ ما يُخْتَمُ بِهِ أيْضًا؛ فَإنَّ فاعَلًا بِالفَتْحِ يَكُونُ أيْضًا اسْمَ آلَةٍ كالقالَبِ والطّابَعِ لَكِنَّهُ سَماعِيٌّ. وعَنِ الضَّحّاكِ وعِيسى وأحْمَدَ بْنِ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيِّ عَنِ الكِسائِيِّ كَسْرُ التّاءِ؛ أيْ: آخِرُهُ رائِحَةُ مِسْكٍ، والجُمَلُ السّابِقَةُ أعْنِي: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ و﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ﴾ إلَخْ ﴿ويُسْقَوْنَ﴾ إلَخْ قِيلَ: أحْوالٌ مُتَرادِفَةٌ، وقِيلَ: مُسْتَأْنِفاتٌ كَجُمْلَةِ ( إنَّ الأبْرارَ ) إلَخْ وقَعَتْ أجْوِبَةً لِلسُّؤالِ عَنْ حالِهِمْ، والفَصْلُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ في بَيانِ كَرامَتِهِمْ.
﴿وفِي ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الرَّحِيقِ وهو الأنْسَبُ بِما بَعْدُ أوْ إلى ما ذُكِرَ مِن أحْوالِهِمْ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ في الجَنَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَتَنافَسِ﴾ وقُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ أوْ لِلْحَصْرِ؛ أيْ: فَلْيَتَنافَسْ
صفحة 76
ولْيَرْغَبْ فِيهِ لا في خُمُورِ الدُّنْيا أوْ لا في غَيْرِهِ مِن مَلاذِّها ونَعِيمِها ﴿المُتَنافِسُونَ﴾ أيِ الرّاغِبُونَ في المُبادَرَةِ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أيْ: فَلْيَعْمَلْ لِأجْلِهِ؛ أيْ: لِأجْلِ تَحْصِيلِهِ خاصَّةً والفَوْزِ بِهِ العامِلُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أيْ: فَلْيُسْتَبَقْ في تَحْصِيلِ ذَلِكَ المُتَسابِقُونَ، وأصْلُ التَّنافُسِ التَّغالُبُ في الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وأصْلُهُ مِنَ النَّفْسِ لِعِزَّتِها.
قالَ الواحِدِيُّ: نَفَسْتُ الشَّيْءَ أنْفُسُهُ نَفاسَةً، والتَّنافُسُ تَفاعُلٌ مِنهُ كَأنَّ واحِدًا مِنَ الشَّخْصَيْنِ يُرِيدُ أنْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ. وقالَ البَغَوِيُّ: أصْلُهُ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ الَّذِي تَحْرِصُ عَلَيْهِ نُفُوسُ النّاسِ ويُرِيدُهُ كُلُّ أحَدٍ لِنَفْسِهِ، ويُقالُ: نَفِسْتُ عَلَيْهِ بِالشَّيْءِ أنْفُسُ نَفاسَةً إذا بَخِلْتَ بِهِ عَلَيْهِ. وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ: المُنافَسَةُ مُجاهَدَةُ النَّفْسِ لِلتَّشَبُّهِ بِالأفاضِلِ واللُّحُوقِ بِهِمْ مِن غَيْرِ إدْخالِ ضَرَرٍ عَلى غَيْرِهِ، وهي بِهَذا المَعْنى مِن شَرَفِ النَّفْسِ وعُلُوِّ الهِمَّةِ، والفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ الحَسَدِ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ دُخُولُ العاطِفِ عَلى العاطِفِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ و«فَلْيُتَنافَسْ في ذَلِكَ». وأُجِيبَ بِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: يَقُولُونَ لِشِدَّةِ التَّلَذُّذِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ مِن ذَلِكَ: ﴿فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا عَلى مَعْنى أنَّهُ كانَ اللّائِقُ بِهِمْ أنْ يَتَنافَسُوا في ذَلِكَ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الشَّرْطِ، والفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِهِ؛ أيْ: وإنْ أُرِيدَ تَنافُسٌ فَلْيَتَنافَسْ في ذَلِكَ المُتَنافِسُونَ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِيَكُونَ عِوَضًا عَنِ الشَّرْطِ في شَغْلِ حَيِّزِهِ وهو أنْفَسُ مِمّا تَقَدَّمَ.
83:27–28Page 588
وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسۡنِيمٍ ٢٧
And its mixture is of Tasneem,1
عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ ٢٨
A spring from which those near [to Allāh] drink.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِرَحِيقٍ مِثْلُهُ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِنَفاسَتِهِ، و﴿تَسْنِيمٍ﴾ عَلَمٌ لِعَيْنٍ بِعَيْنِها في الجَنَّةِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ أنَّهُ قالَ: عَيْنٌ مِن عَدْنٍ سُمِّيَتْ بِالتَّسْنِيمِ الَّذِي هو مَصْدَرُ سَنَمَهُ إذا رَفَعَهُ؛ إمّا لِأنَّ شَرابَها أرْفَعُ شَرابٍ في الجَنَّةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ لِأنَّها تَأْتِيهِمْ مِن فَوْقُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ، ورُوِيَ أنَّها تَجْرِي في الهَواءِ مُتَسَنِّمَةً فَتَنْصَبُّ في أوانِيهِمْ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِرِفْعَةِ مَن يَشْرَبُ بِها، ولا يَلْزَمُ مَن كَوْنِهِ عَلَمًا لِما ذُكِرَ مَنعُ صَرْفِهِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ العَيْنَ مُؤَنَّثَةٌ؛ إذْ هي قَدْ تُذَكَّرُ بِتَأْوِيلِ الماءِ أوْ نَحْوِهِ و«مِن» بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ؛ أيْ: ما يُمْزَجُ بِهِ ذَلِكَ الرَّحِيقُ هو تَسْنِيمٌ؛ أيْ: ماءُ تِلْكَ العَيْنِ أوْ بَعْضُ ذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً.
﴿عَيْنًا﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى الحالِ مِن تَسْنِيمٍ. قِيلَ: وصَحَّ كَوْنُهُ حالًا مَعَ جُمُودِهِ لِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِمُشْتَقٍّ كَجارِيَةٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاشْتِقاقَ غَيْرُ لازِمٍ، والباءُ إمّا زائِدَةٌ؛ أيْ: يَشْرَبُها أوْ بِمَعْنى مِن؛ أيْ: يَشْرَبُ مِنها، أوْ عَلى تَضْمِينِ يَشْرَبُ مَعْنى يَرْوى؛ أيْ: يَشْرَبُ راوِينَ بِها أوْ يَرْوى بِها شارِبِينَ المُقَرَّبُونَ أوْ صِلَةُ الِالتِذاذِ؛ أيْ: يَشْرَبُ مُلْتَذًّا بِها، أوِ الِامْتِزاجِ؛ أيْ: يَشْرَبُ الرَّحِيقَ مُمْتَزِجًا بِها، أوِ الِاكْتِفاءِ؛ أيْ: يَشْرَبُ مُكْتَفِينَ بِها، أوْجُهٌ ذَكَرُوها، وفي كَوْنِها صِلَةَ الِامْتِزاجِ مَقالٌ؛ فَقَدْ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو صالِحٍ: يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ صِرْفًا وتُمْزَجُ لِلْأبْرارِ، ومَذْهَبُ الجُمْهُورِ أنَّ الأبْرارَ هم أصْحابُ اليَمِينِ، وأنَّ المُقَرَّبِينَ هُمُ السّابِقُونَ كَأنَّهم إنَّما كانَ شَرابُهم صِرْفَ التَّسْنِيمِ لِاشْتِغالِهِمْ عَنِ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ بِمَحَبَّةِ الحَيِّ القَيُّومِ؛ فَهي الرَّحِيقُ الَّتِي لا يُقاسُ بِها رَحِيقٌ، والمُدامَةُ الَّتِي تَواصى عَلى شُرْبِها ذَوُو الأذْواقِ والتَّحْقِيقِ:
عَلى نَفْسِهِ فَلْيَبْكِ مَن ضاعَ عُمْرُهُ ولَيْسَ لَهُ مِنها نَصِيبٌ ولا سَهْمُ
وقالَ قَوْمٌ: الأبْرارُ والمُقَرَّبُونَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِمَعْنًى واحِدٍ يَشْمَلُ كُلَّ مَن نُعِّمَ في الجَنَّةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences