Al-AlusiAl‑Inshiqaq · 84:20–25

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Inshiqaq 84:20–25

84:20Page 589

فَمَا لَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٠

So what is [the matter] with them [that] they do not believe,

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ عَلى ما قَبْلَها مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ وأهْوالِها المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلَخْ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ والسُّجُودِ؛ أيْ: إذا كانَ حالُهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فَأيُّ شَيْءٍ لَهم حالَ كَوْنِهِمْ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُهم مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وسائِرِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ مَعَ تَعاضُدِ مُوجِباتِهِ مِنَ الأهْوالِ الَّتِي تَكُونُ لِتارِكِهِ يَوْمَئِذٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِتَرْتِيبِ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ مِن عَظِيمِ شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ إلَخْ عَلى بَعْضٍ آخَرَ مِنَ الأوْجُهِ السّابِقَةِ فِيهِ؛ أيْ: إذا كانَ حالُهُ وشَأْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ فَأيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُهم مِنَ الإيمانِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِتَرْتِيبِ ذَلِكَ عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ إلَخْ مِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ مِنَ التَّغْيِيراتِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الإمامُ؛ أيْ: إذا كانَ شَأْنُهُ -تَعالى شَأْنُهُ- كَما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن كَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَظِيمَ القُدْرَةِ واسِعَ العِلْمِ فَأيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُهم عَنِ الإيمانِ بِالبَعْثِ الَّذِي هو مِن جُمْلَةِ المُمْكِناتِ الَّتِي تَشْمَلُها قُدْرَتُهُ عَزَّ وجَلَّ ويُحِيطُ بِها عِلْمُهُ جَلَّ جَلالُهُ.

84:21Page 589

وَإِذَا قُرِئَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقُرۡءَانُ لَا يَسۡجُدُونَۤ۩ ٢١

And when the Qur’ān is recited to them, they do not prostrate [to Allāh]?

﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ؛ فَهي حالِيَّةٌ مِثْلُها؛ أيْ: فَأيُّ مانِعٍ لَهم حالَ عَدَمِ سُجُودِهِمْ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ، والسُّجُودُ مَجازٌ عَنِ الخُضُوعِ اللّازِمِ لَهُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، أوِ المُرادُ بِهِ الصَّلاةُ. وفي قَرْنِ ذَلِكَ بِالإيمانِ دَلالَةٌ عَلى عِظَمِ قَدْرِها كَما لا يَخْفى، أوْ هو عَلى ظاهِرِهِ. فالمُرادُ بِما قَبْلَهُ: قُرِئَ القُرْآنُ المَخْصُوصُ أوْ وفِيهِ آيَةُ سَجْدَةٍ.

وقَدْ صَحَّ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ سَجَدَ عِنْدَ قِراءَةِ هَذِهِ الآيَةِ.

أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سَجَدْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِي: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾» .

وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وعَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ أبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ فَقَرَأ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ. فَقُلْتُ لَهُ، فَقالَ: سَجَدْتُ خَلْفَ أبِي القاسِمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلا أزالُ أسْجُدُ فِيها حَتّى ألْقاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ».

وفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حَيْثُ قالَ: لَيْسَ في المُنْفَصِلِ وهو مِن سُورَةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: مِنَ الفَتْحِ، وقِيلَ: هو قَوْلُ الأكْثَرِ مِنَ الحُجُراتِ سَجْدَةٌ، وهي سُنَّةٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وواجِبَةٌ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ. قالَ الإمامُ: رُوِيَ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَرَأ ذاتَ يَوْمٍ: ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ فَسَجَدَ هو ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقُرَيْشٌ تُصَفِّقُ فَوْقَ رُؤُوسَهم وتُصَفِّرُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ».

واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ عَلى وُجُوبِ السَّجْدَةِ بِهَذا مِن وجْهَيْنِ:

صفحة 84

الأوَّلُ أنَّ فِعْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( فاتَّبِعُوهُ ) الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَمَّ مَن يَسْمَعُهُ ولا يَسْجُدُ، وحُصُولُ الذَّمِّ عِنْدَ التَّرْكِ يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ انْتَهى. وفِيهِ بَحْثٌ مَعَ أنَّ الحَدِيثَ كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ لَمْ يَثْبُتْ.

84:22Page 589

بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ ٢٢

But those who have disbelieved deny,

﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ، وهو انْتِقالٌ عَنْ كَوْنِهِمْ لا يَسْجُدُونَ عِنْدَ قِراءَتِهِ إلى كَوْنِهِمْ يُكَذِّبُونَ بِهِ صَرِيحًا، ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «يَكْذِبُونَ» مُخَفَّفًا وبِفَتْحِ الياءِ.

84:23Page 589

وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُوعُونَ ٢٣

And Allāh is most knowing of what they keep within themselves.

﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ أيْ: بِالَّذِي يُضْمِرُونَهُ في صُدُورِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والحَسَدِ والبَغْضاءِ والبَغْيِ، فَما مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وأصْلُ الإيعاءِ جَعْلُ الشَّيْءِ في وِعاءٍ. وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ: الإيعاءُ: حِفْظُ الأمْتِعَةِ في وِعاءٍ ومِنهُ قَوْلُهُ:

والشَّرُّ أخْبَثُ ما أوْعَيْتَ مِن زادِ.

وأُرِيدَ بِهِ هُنا الإضْمارُ مَجازًا، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا يَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُ الآيَةِ في حَقِّ المُنافِقِينَ مَعَ كَوْنِ السُّورَةِ مَكِّيَّةً كَما لا يَخْفى، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالجَمْعِ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما يَجْمَعُونَهُ في صُحُفِهِمْ مِن أعْمالِ السُّوءِ، وأيًّا ما كانَ فَعِلْمُ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ مُجازاتِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المُرادُ الإشارَةُ إلى أنَّ لَهم وراءَ التَّكْذِيبِ قَبائِحَ عَظِيمَةً كَثِيرَةً يَضِيقُ عَنْ شَرْحِها نِطاقُ العِبارَةِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما يُضْمِرُونَهُ في أنْفُسِهِمْ مِن أدِلَّةِ كَوْنِهِ أيِ القُرْآنِ حَقًّا فَيَكُونُ المُرادُ المُبالَغَةَ في عِنادِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ عَلى خِلافِ عِلْمِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذا حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ وكَوْنُها كَذَلِكَ عَلى ما قِيلَ مِنَ الإشارَةِ خِلافُ الظّاهِرِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: «بِما يَعُونَ» مِن وعى يَعِ.

84:24Page 589

فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢٤

So give them tidings of a painful punishment,

﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ مُرَتَّبٌ عَلى الإخْبارِ بِعِلْمِهِ تَعالى بِما يُوعُونَ مُرادًا بِهِ مُجازاتُهم بِهِ، وقِيلَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ، وقِيلَ: الفاءُ فَصِيحَةٌ؛ أيْ: إذا كانَ حالُهم ما ذُكِرَ فَبَشِّرْهم إلَخْ... والتَّبْشِيرُ في المَشْهُورِ الإخْبارُ بِسارٍّ، والتَّعْبِيرُ بِهِ هاهُنا مِن بابِ:

تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى تَنْزِيلِهِمْ لِانْهِماكِهِمْ في المَعاصِي المُوجِبَةِ لِلْعَذابِ وعَدَمِ اسْتِرْجاعِهِمْ عَنْها مَنزِلَةَ الرّاغِبِينَ في العَذابِ حَتّى كَأنَّ الإخْبارَ بِهِ تَبْشِيرًا وإخْبارًا بِسارٍّ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ يَظْهَرُ بِأدْنى تَأمُّلٍ وأبْعَدَ جَدًّا مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمَحَبَّةِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ البِشارَةَ فَيُسْتَعارُ لِأمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإنْذارِ لَفْظُ البِشارَةِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

84:25Page 589

إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونِۭ ٢٥

Except for those who believe and do righteous deeds. For them is a reward uninterrupted.

﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا عَلى أنْ يُرادَ بِالمُسْتَثْنى مَن آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ، مَن آمَنَ وعَمِلَ بَعْدُ مِنهُمْ؛ أيْ: مِن أُولَئِكَ الكَفَرَةِ، والمُضِيُّ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أوْ هُما بِمَعْنى المُضارِعِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ مَعَ أنَّ الأوَّلَ أنْسَبُ مِنهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ لِأنَّ الأجْرَ المَذْكُورَ لا يَخُصُّ المُؤْمِنِينَ مِنهم بَلِ المُؤْمِنِينَ كافَّةً، وكَوْنُ الِاخْتِصاصِ إضافِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى الباقِينَ عَلى الكُفْرِ مِنهم خِلافُ الظّاهِرِ عَلى أنَّ إيهامَ الِاخْتِصاصِ بِالمُؤْمِنِينَ مِنهم يَكْفِي في الغَرَضِ كَما لا يَخْفى. والتَّنْوِينُ في «أجْرٌ» لِلتَّعْظِيمِ ومَعْنى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غَيْرُ مَقْطُوعٍ مِن «مُنَّ» إذا قُطِعَ أوْ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ ومَحْسُوبٌ عَلَيْهِمْ مِن «مَنَّ» عَلَيْهِ إذا اعْتَدَّ بِالصَّنِيعَةِ وحَسِبَها، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ المَنَّ بِهَذا المَعْنى مِن «مَنَّ» بِمَعْنى قَطَعَ أيْضًا، لِما أنَّهُ يَقْطَعُ النِّعْمَةَ ويَقْتَضِي قَطْعَ شُكْرِها، والجُمْلَةُ عَلى ما قِيلَ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما أفادَهُ الِاسْتِثْناءُ مِنَ انْتِفاءِ العَذابِ عَنِ المَذْكُورِينَ ومُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّتِهِ ومُقارَنَتِهِ لِلثَّوابِ العَظِيمِ الكَثِيرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском