Al-AlusiAl‑Buruj · 85:7–22

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Buruj 85:7–22

85:7Page 590

وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ ٧

And they, to what they were doing against the believers, were witnesses. 1

﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ أيْ: يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ بِأنَّ أحَدًا لَمْ يُقَصِّرْ فِيما أُمِرَ بِهِ، أوْ يَشْهَدُونَ عِنْدَهُ عَلى حُسْنِ ما يَفْعَلُونَ واشْتِمالِهِ عَلى الصَّلاحِ ما قِيلَ، أوْ يَشْهَدُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِذَلِكَ الفِعْلِ الشَّنِيعِ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ يَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمْ. وقِيلَ: «عَلى» بِمَعْنى مَعَ والمَعْنى: وهم مَعَ ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ حُضُورٌ لا يَرِقُّونَ لَهم لِغايَةِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، ومَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى: نَجّى المُؤْمِنِينَ وإنَّما أحْرَقَ سُبْحانَهُ الكافِرِينَ يَقُولُ هُنا: المُرادُ وهم عَلى ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، وأيًّا ما كانَ فَفي المُؤْمِنِينَ تَغْلِيبٌ والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، ومِنَ الغَرِيبِ الَّذِي لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ما قِيلَ إنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ المَشْهُورُ بِمُحَرِّقٍ ومَن مَعَهُ حَرَّقَ مِائَةً مِن بَنِي تَمِيمٍ، وضَمِيرُ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.

85:8Page 590

وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٨

And they resented them not except because they believed in Allāh, the Exalted in Might, the Praiseworthy,

﴿وما نَقَمُوا مِنهُمْ﴾ أيْ: ما أنْكَرُوا مِنهم وما عابُوا. وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ يُقالُ: نَقِمْتُ الشَّيْءَ إذا أنْكَرْتَهُ بِلِسانِكَ أوْ بِعُقُوبَةٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وما: «نِقِمُوا» بِكَسْرِ القافِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ كَوْنُ تِلْكَ الِاسْمِيَّةِ لِوُقُوعِها في حَيِّزِ إذْ ماضَوِيَّةٌ فَكانَ العَطْفُ عَطْفَ فِعْلِيَّةٍ عَلى فِعْلِيَّةٍ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الفِعْلِيَّةَ بِتَقْدِيرِ: وهم ما نَقَمُوا مِنهم.

﴿إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفْصِحٌ عَنْ بَراءَتِهِمْ عَمّا يُعابُ ويُنْكَرُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ:

ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

وكَوْنُ الكَفَرَةِ يَرَوْنَ الإيمانَ أمْرًا مُنْكَرًا والشّاعِرُ لا يَرى الفُلُولَ كَذَلِكَ لا يَضُرُّ عَلى ما أرى في كَوْنِ ذَلِكَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ جارِيًا عَلى ذَلِكَ المِنهاجِ مِن تَأْكِيدِ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ إنْ كانُوا مُشْرِكِينَ فالمُنْكَرُ عِنْدَهم لَيْسَ هو الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى بَلْ نَفْيَ ما سِواهُ مِن مَعْبُوداتِهِمُ الباطِلَةِ، وإنْ كانُوا مُعَطِّلَةٍ فالمُنْكَرُ عِنْدَهم لَيْسَ إلّا إثْباتَ مَعْبُودٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ لَهُمْ، لَكِنْ لَمّا كانَ مَآلُ الأمْرَيْنِ إنْكارَ المَعْبُودِ بِحَقِّ المَوْصُوفِ بِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ عَبَّرَ بِما ذُكِرَ مُفْصِحًا عَمّا سَمِعْتَ فَتَأمَّلْ. ولِبَعْضِ الأعْلامِ كَلامٌ في هَذا المَقامِ قَدْ رَدَّهُ الشِّهابُ فَإنْ أرَدْتَهُ فارْجِعْ إلَيْهِ. وفي المُنْتَخَبِ إنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إلا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ لِأنَّ التَّعْذِيبَ إنَّما كانَ واقِعًا عَلى الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ ولَوْ كَفَرُوا فِيهِ لَمْ يُعَذَّبُوا عَلى ما مَضى فَكَأنَّهُ قالَ عَزَّ وجَلَّ: إلّا أنْ يَدُومُوا عَلى إيمانِهِمُ انْتَهى.

وكَأنَّهُ حَمَلَ النِّقَمَ عَلى الإنْكارِ بِالعُقُوبَةِ، ووَصْفُهُ عَزَّ وجَلَّ بِكَوْنِهِ عَزِيزًا غالِبًا يُخْشى عِقابُهُ، وحَمِيدًا مُنْعِمًا يُرْجى ثَوابُهُ، وتَأْكِيدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

85:9Page 590

ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٩

To whom belongs the dominion of the heavens and the earth. And Allāh, over all things, is Witness.1

﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِلْإشْعارِ بِمَناطِ إيمانِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعْدٌ لَهم ووَعِيدٌ لِمُعَذِّبِيهِمْ؛ فَإنَّ عِلْمَ اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ الجامِعُ لِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أعْمالُ الفَرِيقَيْنِ يَسْتَدْعِي تَوْفِيرَ جَزاءِ كُلٍّ مِنهُما ولِكَوْنِهِ تَذْيِيلًا لِذَلِكَ واللّائِقُ بِهِ الِاسْتِقْلالُ جِيءَ فِيهِ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ دُونَ الضَّمِيرِ.

85:10Page 590

إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ ١٠

Indeed, those who have tortured1 the believing men and believing women and then have not repented will have the punishment of Hell, and they will have the punishment of the Burning Fire.

﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ: مَحَنُوهم في دِينِهِمْ لِيَرْجِعُوا عَنْهُ، والمُرادُ بِالَّذِينِ فَتَنُوا وبِالمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ المَفْتُونِينَ، أمّا أصْحابُ الأُخْدُودِ والمَطْرُوحُونَ فِيهِ خاصَّةً وأمّا الأعَمُّ، ويَدْخُلُ المَذْكُورُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا وهو الأظْهَرُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ كُفّارُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ بِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُقَوِّي أنَّ الآيَةَ

صفحة 91

فِي قُرَيْشٍ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ فِيهِمْ أحْكَمُ مِنهُ في أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عُلِمَ أنَّهم ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وأمّا قُرَيْشٌ فَكانَ فِيهِمْ وقْتَ نُزُولِها مَن تابَ وآمَنَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ لا يُعَكِّرُ عَلى أظَهْرِيَّةِ العُمُومِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا مِن فِتَنِهِمْ ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ فَتْنِهِمْ ذَلِكَ.

﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ وهو نارٌ أُخْرى زائِدَةُ الإحْراقِ كَما تُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَةُ فَعِيلٍ لِعَدَمِ تَوْبَتِهِمْ ومُبالاتِهِمْ بِما صَدَرَ مِنهم. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: أيْ: ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ فَإنَّ فِعْلَهم ذَلِكَ لا يُتَصَوَّرُ مِن غَيْرِ الكافِرِ ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ بِسَبَبِ فَتْنِهِمُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، وفي جَعْلِ ذَلِكَ جَزاءَ الفِتَنِ مِنَ الحُسْنِ ما لا يَخْفى.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ عُنْوانَ الكُفْرِ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ في جانِبِ الصِّلَةِ، وإنَّما المُصَرَّحُ بِهِ الفِتَنُ وعَدَمُ التَّوْبَةِ، فالأظْهَرُ اعْتِبارُهُما سَبَبَيْنِ في جانِبِ الخَبَرِ عَلى التَّرْتِيبِ، وقِيلَ: أيْ: فَلَهم جَهَنَّمُ في الآخِرَةِ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ في الدُّنْيا بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ ومَن سَمِعْتَ أنَّ النّارَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فَأحْرَقَتْهم وقَدْ عَلِمْتَ حالَهُ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يَأْبى عَنْهُ لِأنَّ أُولَئِكَ المُحْرِقِينَ لَمْ يُنْقَلْ لَنا أنَّ أحَدًا مِنهم تابَ بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُلْعَنُوا إلّا وهم قَدْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ وفِيهِ نَظَرٌ، وعَلَيْهِ إنَّما أخَّرَ ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ أوْ لِلتَّتْمِيمِ والتَّرْدِيفِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ ذَلِكَ وهو العُقُوبَةُ العُظْمى كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهَذا أيْضًا لا يَتَجاوَزُونَهُ. وفي الكَشْفِ: الوَجْهُ أنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ وعَذابَ الحَرِيقِ واحِدٌ، وصْفٌ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لِلْمَبْعُودِينَ جِدًّا عَنْ رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَلى أنَّهُ عَذابٌ هو مَحْضُ الحَرِيقِ وهو الحَرْقُ البالِغُ وكَفى بِهِ عَذابًا. والظّاهِرُ أنَّهُ اعْتَبَرَ الحَرِيقَ مَصْدَرًا، والإضافَةَ بَيانِيَّةً ولا بَأْسَ بِذَلِكَ إلّا أنَّ الوَحْدَةَ الَّتِي ادَّعاها خِلافُ ظاهِرِ العَطْفِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ جُعِلَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ لَأنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ بِالزَّمْهَرِيرِ والإحْراقِ وغَيْرِهِما كانَ أقْرَبَ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أبْعَدُ عَنِ القالِ والقِيلِ. وجُمْلَةُ ﴿فَلَهم عَذابُ﴾ إلَخْ وقَعَتْ خَبَرًا لِأنَّ، أوِ الخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ، و«عَذابُ» مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ وهو الأحْسَنُ والفاءُ لِما في المُبْتَدَأِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ ولا يَضُرُّ نَسْخُهُ بِأنَّ، وإنْ زَعَمَهُ الأخْفَشُ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى بَعْضِ أوْجُهِها عَلى أنَّ عَذابَ الكُفّارِ يُضاعَفُ بِما قارَنَهُ مِنَ المَعاصِي.

85:11Page 590

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡكَبِيرُ ١١

Indeed, those who have believed and done righteous deeds will have gardens beneath which rivers flow. That is the great attainment.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ عَلى الإطْلاقِ مِنَ المَفْتُونِينَ وغَيْرِهِمْ ﴿لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إنْ أُرِيدَ بِالجَنّاتِ الأشْجارُ فَجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها الأرْضُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها فالتَّحْتِيَّةُ بِاعْتِبارِ جُزْئِها الظّاهِرِ فَإنَّ أشْجارَها ساتِرَةٌ لِساحَتِها كَما يُعْرِبُ عَنْهُ اسْمُ الجَنَّةِ، وفَصَلَ الجُمْلَةَ قِيلَ: لِأنَّها كالتَّأْكِيدِ لِما أشْعَرَتْ بِهِ الآيَةُ قَبْلُ مِنَ اخْتِصاصِ العَذابِ بِالَّذِينِ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةً إلى كَوْنِ ما ذُكِرَ لَهم وحِيازَتِهِمْ إيّاهُ وقِيلَ: لِلْجَنّاتِ المَوْصُوفَةِ، والتَّذْكِيرُ لِتَأْوِيلِها بِما ذُكِرَ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ الدَّرَجَةِ وبُعْدِ المَنزِلَةِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ: ﴿الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ الَّذِي يَصْغُرُ عِنْدَهُ الفَوْزُ بِالدُّنْيا وما فِيها مِنَ الرَّغائِبِ، والفَوْزُ النَّجاةُ مِنَ الشَّرِّ والظَّفَرُ بِالخَيْرِ، فَعَلى الوَجْهِ الثّانِي في الإشارَةِ هو مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ مُبالَغَةً وعَلى الأوَّلِ مَصْدَرٌ عَلى حالِهِ.

85:12Page 590

إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢

Indeed, the assault [i.e., vengeance] of your Lord is severe.

﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيذانًا بِأنَّ لِكُفّارِ قَوْمِهِ نَصِيبًا مَوْفُورًا مِن مَضْمُونِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والبَطْشُ الأخْذُ بِصَوْلَةٍ وعُنْفٍ وحَيْثُ وُصِفَ بِالشِّدَّةِ فَقَدْ تَضاعَفَ وتَفاقَمَ وهو بَطْشُهُ عَزَّ وجَلَّ بِالجَبابِرَةِ والظَّلَمَةِ، وأخْذُهُ سُبْحانَهُ إيّاهم بِالعَذابِ والِانْتِقامِ.

85:13Page 590

إِنَّهُۥ هُوَ يُبۡدِئُ وَيُعِيدُ ١٣

Indeed, it is He who originates [creation] and repeats.

﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ أيْ: إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ هو يَبْدَأُ الخَلْقَ بِالإنْشاءِ وهو سُبْحانُهُ يُعِيدُهُ بِالحَشْرِ يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ، أوْ يُبْدِئُ كُلَّ ما يُبْدِي ويُعِيدُ كُلَّ ما يُعادُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِأحَدٍ في شَيْءٍ مِنهُما، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ بَطْشُهُ في غايَةِ الشِّدَّةِ.

صفحة 92

أوْ يُبْدِئُ البَطْشَ بِالكَفَرَةِ في الدُّنْيا ثُمَّ يُعِيدُهُ في الآخِرَةِ وعَلى الوَجْهَيْنِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما سَبَقَ.

ووَجْهُهُ عَلى الثّانِي ظاهِرٌ وعَلى الأوَّلِ قَدْ أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: وجْهُهُ عَلَيْهِ أنَّ الإعادَةَ لِلْمُجازاةِ فَهي مُتَضَمِّنَةٌ لِلْبَطْشِ ولَيْسَ بِذاكَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يُبْدِئُ العَذابَ بِالكُفّارِ ويُعِيدُهُ عَلَيْهِمْ فَتَأْكُلُهُمُ النّارُ حَتّى يَصِيرُوا فَحْمًا ثُمَّ يُعِيدُهم عَزَّ وجَلَّ خَلْقًا جَدِيدًا وفِيهِ خَفاءٌ وإنْ كانَ أمْرُ الجُمْلَةِ عَلَيْهِ في غايَةِ الظُّهُورِ. واسْتِعْمالُ يُبْدِئُ مَعَ يُعِيدُ حَسَنٌ وإنْ لَمْ يُسْمَعْ أبَدًا كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ. وحَكى أبُو زَيْدٍ أنَّهُ قُرِئَ: «يَبْدَأُ» مِن بَدَأ ثُلاثِيًّا وهو المَسْمُوعُ لَكِنَّ القِراءَةَ بِذَلِكَ شاذَّةٌ.

85:14Page 590

وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلۡوَدُودُ ١٤

And He is the Forgiving, the Affectionate,

﴿وهُوَ الغَفُورُ﴾ لِمَن يَشاءُ مِنَ المُؤْمِنِينَ وقِيلَ لِمَن تابَ وآمَنَ، والتَّخْصِيصُ عِنْدَ مَن يَرى رَأْيَ أهْلِ السُّنَّةِ إمّا لِمُناسَبَةِ مَقامِ الإنْذارِ أوْ لِما في صِيغَةِ الغَفُورِ مِنَ المُبالَغَةِ فَأصْلُ المَغْفِرَةِ لا يُتَوَقَّفُ عَلى التَّوْبَةِ وزِيادَتُها بِها لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى لِلتّائِبِينَ.

﴿الوَدُودُ﴾ المُحِبُّ كَثِيرًا لِمَن أطاعَ، فَفَعُولٌ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في الوادِّ اسْمُ فاعِلٍ، ومَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى ومَوَدَّتُهُ عِنْدَ الخَلْقِ بِإنْعامِهِ سُبْحانَهُ وإكْرامِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، ومِن هُنا فُسِّرَ الوَدُودُ بِكَثِيرِ الإحْسانِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيِ المُتَوَدِّدُ إلى عِبادِهِ تَعالى شَأْنُهُ بِالمَغْفِرَةِ. وقِيلَ: هو فَعَوْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَرَكُوبٍ وحَلُوبٍ؛ أيْ: يَوَدُّهُ ويُحِبُّهُ سُبْحانَهُ عِبادُهُ الصّالِحُونَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وحَكى المُبَرِّدُ عَنِ القاضِي إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ أنَّ الوَدُودَ هو الَّذِي لا ولَدَ لَهُ، وأنْشَدَ قَوْلَهُ:

وأرْكَبُ في الرَّوْعِ عُرْيانَةً ذَلُولَ الجِماحِ لَقاحًا ودُودا

أيْ: لا ولَدَ لَها تَحِنُّ إلَيْهِ، وحَمْلُهُ مَعَ الغَفُورِ عَلى هَذا المَعْنى غَيْرُ مُناسِبٍ كَما لا يَخْفى.

85:15Page 590

ذُو ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡمَجِيدُ ١٥

Honorable Owner of the Throne,

﴿ذُو العَرْشِ﴾ أيْ: صاحِبُهُ، والمُرادُ مالِكُهُ أوْ خالِقُهُ، وهو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ.

وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: لَوْ جُمِعَتْ مِياهُ الدُّنْيا ومُسِحَ بِها سَطْحُ العَرْشِ الَّذِي يَلِينا لَما اسْتُوعِبَ مِنهُ إلّا قَلِيلٌ.

وجاءَ في الأخْبارِ مِن عِظَمِهِ ما يُبْهِرُ العُقُولَ. وقالَ القَفّالُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ ذُو المُلْكِ والسُّلْطانِ كَأنَّهُ جَعَلَ العَرْشَ بِمَعْنى المُلْكِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ والتَّجَوُّزِ، وجُوِّزَ أنْ يَبْقى العَرْشُ عَلى حَقِيقَتِهِ ويُرادَ بِذِي العَرْشِ المَلِكُ؛ لِأنَّ ذا العَرْشِ لا يَكُونُ إلّا مَلِكًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ: «ذِي العَرْشِ» بِالياءِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ( رَبِّكَ ) وحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ إلَخْ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً لا يَضُرُّ الفَصْلُ بِها بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، وكَذا لا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِخَبَرِ المُبْتَدَأِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ؛ فَإنَّ المَوْصُوفُ هُنا مِن تَتِمَّةِ المُبْتَدَأِ. وقَدْ قالَ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ: يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ بِما لا يَتَمَحَّضُ مُبايَنَتُهُ. نَعَمْ قالَ ابْنُ الحاجِبِ: الفَصْلُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِخَبَرِ المُبْتَدَأِ شاذٌّ كَما في قَوْلِهِ:

وكُلُّ أخٍ مَفارِقُهُ أخُوهُ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ

﴿المَجِيدُ﴾ العَظِيمُ في ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ وصِفاتِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ واجِبُ الوُجُوبِ تامُّ القُدْرَةِ كامِلُ الحِكْمَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ والأخَوانِ: «المَجِيدِ» بِالجَرِّ صِفَةً لِلْعَرْشِ، ومَجْدُهُ عُلُوُّهُ وعَظَمَتُهُ وحُسْنُ صُورَتِهِ وتَرْكِيبِهِ، فَإنَّهُ قِيلَ: العَرْشُ أحْسَنُ الأجْسامِ صُورَةً وتَرْكِيبًا ولَيْسَ مِن مَجْدِهِ كَوْنُ الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ بِتَوَسُّطِ أوْضاعِهِ كَما يَزْعُمُهُ المُنَجِّمُونَ فَإنَّ ذَلِكَ باطِلٌ شَرْعًا وعَقْلًا عَلى ما تَقْتَضِيهِ أُصُولُهم. وجازَ عَلى قِراءَةِ: «ذِي العَرْشِ» بِالياءِ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِ «ذِي» وجُوِّزَ كَوْنُهُ صِفَةً لِ ( رَبِّكَ ) ولَيْسَ بِذَلِكَ لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الفَصْلِ بَيْنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ فَلا يُقالُ بِهِ ما لَمْ يَتَعَيَّنْ.

85:16Page 590

فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ ١٦

Effecter of what He intends.

﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ بِحَيْثُ لا يَتَخَلَّفُ عَنْ إرادَتِهِ تَعالى مِن أفْعالِهِ سُبْحانَهُ وأفْعالِ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ فَ «ما» لِلْعُمُومِ وفي التَّنْكِيرِ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى، وفِيهِ رَدٌّ ظاهِرٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُرِيدُ إيمانَ الكافِرِ وطاعَةَ العاصِي، ويَتَخَلَّفانِ عَنْ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ والمَرْفُوعاتُ كُلُّها عَلى ما اسْتَحْسَنَهُ أبُو حَيّانَ أخْبارٌ لِ «هُوَ» في قَوْلِهِ تَعالى: ( هو الغَفُورُ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿الوَدُودُ﴾ و﴿ذُو العَرْشِ﴾ و﴿المَجِيدُ﴾ صِفاتٍ لِ (غَفُورٌ) ومَن لَمْ يُجَوِّزْ تَعَدُّدَ الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ واحِدٍ يَقُولُ بِذَلِكَ أوْ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَءاتٍ

صفحة 93

لِلْمَذْكُوراتِ. وأطْلَقَ الزَّمَخْشَرِيُّ القَوْلَ بِأنَّ ﴿فَعّالٌ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو فَعّالٌ فَقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّما لَمْ يَحْمِلْهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ السّابِقِ أعْنِي هو في قَوْلِهِ تَعالى: ( هو الغَفُورُ ) لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ تَحْقِيقٌ لِلصِّفَتَيْنِ البَطْشِ بِالأعْداءِ والغَفْرِ والوِدِّ لِلْأوْلِياءِ، ولَوْ حُمِلَ عَلَيْهِ لَفاتَتْ هَذِهِ النُّكْتَةُ اه. وهو تَدْقِيقٌ لَطِيفٌ.

85:17Page 590

هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡجُنُودِ ١٧

Has there reached you the story of the soldiers -

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ اسْتِئْنافٌ فِيهِ تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ تَعالى فَعّالًا لِما يُرِيدُ وكَذا لِشِدَّةِ بَطْشِهِ سُبْحانَهُ بِالظَّلَمَةِ العُصاةِ والكَفَرَةِ العُتاةِ وتَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالإشْعارِ بِأنَّهُ سَيُصِيبُ كَفَرَةَ قَوْمِهِ ما أصابَ الجُنُودَ وهو جَمْعُ جُنْدٍ يُقالُ لِلْعَسْكَرِ اعْتِبارًا بِالغِلْظَةِ مِنَ الجُنْدِ أيِ الأرْضِ الغَلِيظَةِ وكَذا لِلْأعْوانِ، ويُقالُ لِصِنْفٍ مِنَ الخَلْقِ عَلى حِدَةٍ، وكَذا لِكُلِّ مُجْتَمَعٍ، والمُرادُ بِ ﴿الجُنُودِ﴾ هاهُنا الجَماعاتُ الَّذِينَ تَجَنَّدُوا عَلى أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمُ السَّلامُ واجْتَمَعُوا عَلى أذِيَّتِهِمْ.

85:18Page 590

فِرۡعَوۡنَ وَثَمُودَ ١٨

[Those of] Pharaoh and Thamūd?

﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿الجُنُودِ﴾ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: جُنُودِ فِرْعَوْنَ أوْ عَلى أنْ يُرادَ بِفِرْعَوْنَ هو وقَوْمُهُ، واكْتُفِيَ بِذِكْرِهِ عَنْهم لِأنَّهم أتْباعُهُ. وقِيلَ: البَدَلُ هو المَجْمُوعُ لا كُلٌّ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وقالَ السَّمِينُ: يَجُوزُ كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِأعْنِي لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يُطابِقُ ما قَبْلَهُ وجَبَ قَطْعُهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْجُنُودِ حِينَئِذٍ فَيَعُودُ الإشْكالُ. وأُجِيبَ بِأنَّ المُفَسَّرَ حِينَئِذٍ المَجْمُوعُ ولَيْسَ اعْتِبارُهُ مَعَ أعْنِي كاعْتِبارِهِ مَعَ الإبْدالِ والمُرادُ بِحَدِيثِهِمْ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ التَّمادِي في الكُفْرِ والضَّلالِ وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والنَّكالِ، والمَعْنى: قَدْ أتاكَ حَدِيثُهم وعَرَفْتَ ما فَعَلُوا وما فُعِلَ بِهِمْ فَذَكِّرْ قَوْمَكَ بِأيّامِ اللَّهِ تَعالى وشُؤُونِهِ سُبْحانَهُ، وأنْذِرْهم أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ أمْثالَهم.

85:19Page 590

بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكۡذِيبٖ ١٩

But they who disbelieve are in [persistent] denial,

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مِن قَوْمِكَ ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ عَنْ مُماثَلَتِهِمْ لَهم وبَيانٌ لِكَوْنِهِمْ أشَدَّ مِنهم في الكُفْرِ والطُّغْيانِ كُمًّا يُنْبِئُ عَنْهُ العُدُولُ عَنْ يُكَذِّبُونَ إلى ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ المُفِيدِ لِإحاطَةِ التَّكْذِيبِ بِهِمْ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِمَظْرُوفِهِ أوِ البَحْرِ بِالغَرِيقِ فِيهِ مَعَ ما في تَنْكِيرِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِهِ وتَهْوِيلِهِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسُوا مِثْلَهم بَلْ هم أشَدُّ مِنهم فَإنَّهم غَرْقى مَغْمُورُونَ في تَكْذِيبٍ عَظِيمٍ لِلْقُرْآنِ الكَرِيمِ فَهم أوْلى مِنهم في اسْتِحْقاقِ العَذابِ، أوْ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَتْ جِنايَتُهم مُجَرَّدَ عَدَمِ التَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ بِما سَمِعُوا مِن حَدِيثِهِمْ بَلْ هم مَعَ ذَلِكَ في تَكْذِيبٍ عَظِيمٍ لِلْقُرْآنِ النّاطِقِ بِذَلِكَ وكَوْنُهُ قُرْآنًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مَعَ وُضُوحِ أمْرِهِ وظُهُورِ حالِهِ بِالبَيِّناتِ الباهِرَةِ.

85:20Page 590

وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطُۢ ٢٠

While Allāh encompasses them from behind.1

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا تَذْيِيلِيًّا، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ السّابِقِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِعَدَمِ نَجاتِهِمْ مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ فَوْتِ المُحاطِ المُحِيطِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، وكَأنَّ المَعْنى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ عالِمٌ بِهِمْ وقادِرٌ عَلَيْهِمْ وهم لا يُعْجِزُونَهُ ولا يَفُوتُونَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. وذَكَرَ عِصامُ الدِّينِ أنَّ في ذَلِكَ تَعْوِيضًا وتَوْبِيخًا لِلْكُفّارِ بِأنَّهم نَبَذُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ وأقْبَلُوا عَلى الهَوى والشَّهَواتِ بِكُلِّيَّتِهِمْ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِنَ العُدُولِ عَنْ رَبِّهِمْ إلى: مِن ورائِهِمْ.

85:21Page 590

بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ ٢١

But this is an honored Qur’ān

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ رَدٌّ لِكُفْرِهِمْ وإبْطالٌ لِتَكْذِيبِهِمْ وتَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ؛ أيْ: بَلْ هو كِتابٌ شَرِيفٌ عالِي الطَّبَقَةِ فِيما بَيْنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ في النَّظْمِ والمَعْنى لا يَحِقُّ تَكْذِيبُهُ والكُفْرُ بِهِ. وقِيلَ: إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنِ الإخْبارِ بِشِدَّةِ تَكْذِيبِهِمْ وعَدَمِ ارْعِوائِهِمْ عَنْهُ إلى وصْفِ القُرْآنِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا رَيْبَ فِيهِ ولا يَضُرُّهُ تَكْذِيبُ هَؤُلاءِ، والأوَّلُ أوْلى. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الإضْرابَ الأوَّلَ عَنْ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ إلى جَمِيعِ الكُفّارِ والمَعْنى عَلَيْهِ أنَّ جَمِيعَ الكُفّارِ في تَكْذِيبٍ ولَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ فارِغًا عَنْ تَكْذِيبِهِمْ، واللَّهُ تَعالى لا يُهْمِلُ أمْرَهُمْ، وفِيهِ مِن تَسْلِيَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما فِيهِ ويُبْعِدُهُ إرْدافُ ذَلِكَ بِهَذا الإضْرابِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: «قُرْآنُ مَجِيدٍ» بِالإضافَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ:

سَمِعْتُ ابْنَ الأنْبارِيِّ يَقُولُ: مَعْناهُ: بَلْ هو قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ كَما قالَ الشّاعِرُ:

ولَكِنْ لِلْغِنى رَبٌّ غَفُورٌ؛

أيْ: غِنى رَبٍّ غَفُورٍ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَرَأ اليَمانِيُّ بِالإضافَةِ عَلى أنْ يَكُونَ المَجِيدُ

صفحة 94

هُوَ اللَّهَ تَعالى وهو مُحْتَمِلٌ لِلتَّقْدِيرِ وعَدِمِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ لِصِفَتِهِ قالَ أبُو حَيّانَ: وهَذا أوْلى لِتَوافُقِ القِراءَتَيْنِ.

85:22Page 590

فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ ٢٢

[Inscribed] in a Preserved Slate.

﴿فِي لَوْحٍ﴾ أيْ: كائِنٌ في لَوْحٍ ﴿مَحْفُوظٍ﴾ أيْ: ذَلِكَ اللَّوْحُ مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ، وهَذا هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ المَشْهُورُ وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والعُهْدَةُ عَلى الرّاوِي لَوْحٌ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ طُولُهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وعَرْضُهُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وحافَّتاهُ الدُّرُّ والياقُوتُ، ودَفَّتاهُ ياقُوتَةٌ حَمْراءُ، وقَلَمُهُ نُورٌ، وهو مَعْقُودٌ بِالعَرْشِ، وأصْلُهُ في حِجْرِ مَلَكٍ يُقالُ لَهُ ساطِرْيُونَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِيهِ في كُلِّ يَوْمٍ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ لَحْظَةً يُحْيِي ويُمِيتُ ويُعِزُّ ويُذِلُّ ويَفْعَلُ ما يَشاءُ، وأنَّهُ كُتِبَ في صَدْرِهِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ دِينُهُ الإسْلامُ، ومُحَمَّدٌ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَمَن آمَنَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وصَدَّقَ بِوَعْدِهِ واتَّبَعَ رُسُلَهُ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ. وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ وجاءَ فِيهِ أخْبارٌ غَيْرُ ذَلِكَ، ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِ ولا يَلْزَمُنا البَحْثُ عَنْ ماهِيَّتِهِ وكَيْفِيَّةِ كِتابَتِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، نَعَمْ نَقُولُ: إنَّ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّهُ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ لَيْسَ في حَيِّزٍ، وإنَّهُ كالمِرْآةِ لِلصُّوَرِ العَلِيَّةِ مُخالِفٌ لِظَواهِرِ الشَّرِيعَةِ ولَيْسَ لَهُ مُسْتَنَدٌ مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ أصْلًا. وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرُ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: «لُوحٍ» بِضَمِّ اللّامِ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ الهَواءُ، والمُرادُ بِهِ هُنا مَجازًا ما فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: «مَحْفُوظٌ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ و﴿فِي لَوْحٍ﴾ قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقِيلَ: صِفَةٌ أُخْرى لِقُرْآنٍ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ الصِّفَةِ المُرَكَّبَةِ عَلى المُفْرَدَةِ وهو خِلافُ الأصْلِ والمَعْنى عَلَيْهِ قِيلَ: مَحْفُوظٌ بَعْدَ التَّنْزِيلِ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ والزِّيادَةِ والنَّقْصِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ وقِيلَ: مَحْفُوظٌ في ذَلِكَ اللَّوْحِ عَنْ وُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском