Al-AlusiAl‑A'la · 87:7–14

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-A'la 87:7–14

87:7Page 591

إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ ٧

Except what Allāh should will. Indeed, He knows what is declared and what is hidden.

﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ؛ أيْ: لا تَنْسى أصْلًا مِمّا سَنُقْرِئُكَهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ، قِيلَ: أيْ أبَدًا. قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: وهَذا مِمّا قَضى اللَّهُ تَعالى نَسْخَهُ وأنْ يَرْتَفِعَ حُكْمُهُ وتِلاوَتُهُ، والظّاهِرُ أنَّ النِّسْيانَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وفي الكَشّافِ أيْ إلّا ما شاءَ اللَّهُ فَذَهَبَ بِهِ عَنْ حِفْظِكَ بِرَفْعِ حُكْمِهِ وتِلاوَتِهِ وجَعْلِ النِّسْيانِ عَلَيْهِ بِمَعْنى رَفْعِ الحُكْمِ والتِّلاوَةِ وكِنايَةً عَنْهُ لِأنَّ ما رُفِعَ حُكْمُهُ وتِلاوَتُهُ يُتْرَكُ فَيُنْسى؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِناءً عَلى إرادَةِ المَعْنَيَيْنِ في الكِناياتِ سَنُقْرِئُكَ القُرْآنَ فَلا تَنْسى شَيْئًا مِنهُ ولا يُرْفَعُ حُكْمُهُ وتِلاوَتُهُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ فَتَنْساهُ ويُرْفَعُ حُكْمُهُ وتِلاوَتُهُ أوْ نَحْوَ هَذا، وأنا لا أرى ضَرُورَةً إلى اعْتِبارِ ذَلِكَ.

والباءُ في بِرَفْعٍ إلَخْ لِلسَّبَبِيَّةِ والمُرادُ إمّا بَيانُ السَّبَبِ العادِيِّ البَعِيدِ لِذَهابِ اللَّهِ تَعالى بِهِ عَنِ الحِفْظِ فَإنَّ رَفْعَ الحُكْمِ والتِّلاوَةِ يُؤَدِّي عادَةً في الغالِبِ إلى تَرْكِ التِّلاوَةِ لِعَدَمِ التَّعَبُّدِ بِها وإلى عَدَمِ إخْطارِهِ في البالِ لِعَدَمِ بَقاءِ حُكْمِهِ وهو يُؤَدِّي عادَةً في الغالِبِ أيْضًا إلى النِّسْيانِ أوْ بَيانِ السَّبَبِ الدّافِعِ لِاسْتِبْعادِ الذَّهابِ بِهِ عَنْ حِفْظِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو كالسَّبَبِ المُجَوِّزِ لِذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِ مَعْنى ﴿فَلا تَنْسى﴾ فَلا تَتْرُكُ تِلاوَةَ شَيْءٍ مِنهُ والعَمَلَ بِهِ فَتَأمَّلْ.

ثُمَّ إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى نِسْيانَهُ مِمّا قَضى سُبْحانَهُ أنْ يَرْتَفِعَ

صفحة 106

حُكْمُهُ وتِلاوَتُهُ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما ارْتَفَعَ حُكْمُهُ وتِلاوَتُهُ قَدْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نِسْيانَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ؛ فَإنَّ مِن ذَلِكَ ما يَحْفَظُهُ العُلَماءُ إلى اليَوْمِ؛ فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «كانَ فِيما أُنْزِلَ: عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُوماتٍ»» الحَدِيثَ. وكَوْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَسِيَ الجَمِيعَ بَعْدَ تَبْلِيغِهِ وبَقِيَ ما بَقِيَ عِنْدَ بَعْضِ مَن سَمِعَهُ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنُقِلَ حَتّى وصَلَ إلَيْنا بِعِيدٌ، وإنْ أمْكَنَ عَقْلًا، وقِيلَ: كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْجَلُ بِالقِراءَةِ إذا لَقَّنَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقِيلَ: لا تَعْجَلْ؛ فَإنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَأْمُورٌ أنْ يَقْرَأهُ عَلَيْكَ قِراءَةً مُكَرَّرَةً إلى أنْ تَحْفَظَهُ ثُمَّ لا تَنْساهُ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ تَعالى، ثُمَّ تَذْكُرُهُ بَعْدَ النِّسْيانِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الذِّكْرَ بَعْدَ النِّسْيانِ وإنْ كانَ واجِبًا «إلّا» أنَّ العِلْمَ بِهِ لا يُسْتَفادُ مِن هَذا المَقامِ. وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ بِمَعْنى القِلَّةِ وهَذا جارٍ في العُرْفِ كَأنَّهُ قِيلَ: «إلّا» ما لا يُعْلَمُ لِأنَّ المَشِيئَةَ مَجْهُولَةٌ، وهو لا مَحالَةَ أقَلُّ مِنَ الباقِي بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلا تَنْسى شَيْئًا «إلّا» شَيْئًا قَلِيلًا.

وقَدْ جاءَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أسْقَطَ آيَةً في قِراءَتِهِ في الصَّلاةِ وكانَتْ صَلاةَ الفَجْرِ، فَحَسِبَ أُبَيٌّ أنَّها نُسِخَتْ فَسَألَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ: نَسِيتُها» ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُقَرُّ عَلى نِسْيانِهِ القَلِيلَ أيْضًا، بَلْ يُذَكِّرُهُ اللَّهُ تَعالى أوْ يُيَسِّرُ مَن يُذَكِّرُهُ.

فَفِي البَحْرِ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بَشِيرٍ: «لَقَدْ ذَكَّرَنِي كَذا وكَذا آيَةً في سُورَةِ كَذا وكَذا»».

وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ بِمَعْنى القِلَّةِ وأُرِيدَ بِها النَّفْيُ مَجازًا كَما في قَوْلِهِمْ: قُلْ مَن يَقُولُ كَذا قِيلَ: والكَلامُ عَلَيْهِ بابَ:

ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم... البَيْتَ. والمَعْنى: فَلا تَنْسى إلّا نِسْيانًا مَعْدُومًا. وفي الحَواشِي العِصامِيَّةِ عَلى أنْوارِ التَّنْزِيلِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ عَلى هَذا الوَجْهِ لِتَأْكِيدِ عُمُومِ النَّفْيِ لا لِنَقْضِ عُمُومِهِ. وقَدْ يُقالُ: الِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ فَلا تَنْسى في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى نِسْيانَكَ، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَشاءُ وهَذا كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ تَعالى في أهْلِ الجَنَّةِ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ وإلى هَذا ذَهَبَ الفَرّاءُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ما شاءَ أنْ يَنْسى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْئًا إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ أنْ يُصَيِّرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ناسِيًا لِذَلِكَ لَقَدَرَ عَلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ ثُمَّ إنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ تَعالى ما شاءَ ذَلِكَ وقالَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُشْرِكِ البَتَّةَ، وبِالجُمْلَةِ فَفائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنْ يُعَرِّفَ اللَّهُ تَعالى قُدْرَتَهُ حَتّى يَعْلَمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّ عَدَمَ النِّسْيانِ مِن فَضْلِهِ تَعالى وإحْسانِهِ لا مِن قُوَّتِهِ، أيْ حَتّى يَتَقَوّى ذَلِكَ جِدًّا أوْ لِيَعْرِفَ غَيْرُهُ ذَلِكَ، وكَأنَّ نَفْيَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى نِسْيانَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعْلُومٌ مِن خارِجٍ ومِنهُ آيَةُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ الآيَةَ... وقَدْ أشارَ أبُو حَيّانَ إلى ما قالَهُ الفَرّاءُ وإلى الوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ وأباهُما غايَةَ الإباءِ؛ لِعَدَمِ الوُقُوفِ عَلى حَقِيقَتِهِما وقالَ: لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ ولا في كَلامٍ فَصِيحٍ وهو مُجازَفَةٌ مِنهُ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ المُرادَ مِن نَفْيِ نِسْيانِ شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ نَفْيُ النِّسْيانِ التّامِّ المُسْتَمِرِّ مِمّا لا يُقَرُّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كالَّذِي تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ السّابِقُ لَيْسَ كَذَلِكَ. وقَدْ ذَكَرُوا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُقَرُّ عَلى النِّسْيانِ فِيما كانَ مِن أُصُولِ الشَّرائِعِ والواجِباتِ وقَدْ يُقَرُّ عَلى ما لَيْسَ مِنها أوْ مِنها وهو مِنَ الآدابِ والسُّنَنِ، ونُقِلَ هَذا عَنِ الإمامِ الرّازِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فَلْيُحْفَظْ.

والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والإيذانِ بِدَوَرانِ المَشِيئَةِ عَلى عُنْوانِ الأُلُوهِيَّةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِسائِرِ الصِّفاتِ، ورَبْطُ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ هو الَّذِي اخْتارَهُ في الإرْشادِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّسْبِيحِ وكانَ لا يَتِمُّ إلّا بِقِراءَةِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتَفَكَّرُ في نَفْسِهِ مَخافَةَ أنْ يَنْسى أزالَ سُبْحانَهُ عَنْهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يُقْرِئُهُ وأنَّهُ لا يَنْسى إلّا

صفحة 107

ما شاءَ أنْ يُنْسِيَهُ لِمَصْلَحَةٍ، وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى. ولَوْ قِيلَ: إنَّ: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلتَّسْبِيحِ أوْ لِلْأمْرِ بِهِ فَيُفِيدُ جَلالَةَ الإقْراءِ وأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُقابَلَ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى وإجْلالِهِ كانَ أهْوَنَ مِمّا ذُكِرَ ونَحْوَهُ كَوْنُهُ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ عَلى مَعْنى هَيِّئْ نَفْسَكَ لِلْإفاضَةِ عَلَيْكَ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ تَعالى: لِأنّا: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ . ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الإشارَةَ إلى فَضْلِ التَّسْبِيحِ وقَدْ ورَدَتْ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ في ذَلِكَ وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ بَعْضًا مِنها، ونَقَلَهُ ابْنُ الشَّيْخِ في حَواشِيهِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ.

﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ و«الجَهْرُ» هُنا ما ظَهَرَ قَوْلًا أوْ فِعْلًا أوْ غَيْرُهُما ولَيْسَ خاصًّا بِالأقْوالِ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ أيْ: إنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما ظَهَرَ وما بَطَنَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُكَ وحِرْصُكَ عَلى حِفْظِ ما يُوحى إلَيْكَ بِأسْرِهِ فَيُقْرِئُكَ ما يُقْرِئُكَ ويَحْفَظُكَ عَنْ نِسْيانِ ما شاءَ مِنهُ ويُنْسِيكَ ما شاءَ مِنهُ مُراعاةً لِما نِيطَ بِكُلٍّ مِنَ المَصالِحِ والحِكَمِ التَّشْرِيعِيَّةِ، وقِيلَ: تَوْكِيدٌ لِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَهُ وتَوْكِيدٌ لِما بَعْدَهُ، وقِيلَ: تَوْكِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ إلَخْ. عَلى أنَّ الجَهْرَ ما ظَهَرَ مِنَ الأقْوالِ؛ أيْ: يَعْلَمُ سُبْحانَهُ جَهْرَكَ بِالقِراءَةِ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما دَعاكَ إلَيْهِ مِن مَخافَةِ النِّسْيانِ فَيَعْلَمُ ما فِيهِ الصَّلاحُ مِن إبْقاءٍ وإنْساءٍ أوْ فَلا تَخَفْ؛ فَإنِّي أكْفِيكَ ما تَخافُ. وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما تَرى.

87:8Page 591

وَنُيَسِّرُكَ لِلۡيُسۡرَىٰ ٨

And We will ease you toward ease.1

﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِالتِفاتُ إلى الحِكايَةِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وارِدٌ لِما سَمِعْتَ، وتَعْلِيقُ التَّيْسِيرِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ أنَّ الشّائِعَ تَعْلِيقُهُ بِالأُمُورِ المُسَخَّرَةِ لِلْفاعِلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ لِلْإيذانِ بِقُوَّةِ تَمْكِينِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ اليُسْرى والتَّصَرُّفِ فِيها بِحَيْثُ صارَ ذَلِكَ مَلَكَةً راسِخَةً لَهُ كَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جُبِلَ عَلَيْها؛ أيْ: نُوَفِّقُكَ تَوْفِيقًا مُسْتَمِرًّا لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى في كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ الدِّينِ عِلْمًا وتَعْلِيمًا واهْتِداءً وهِدايَةً فَيَنْدَرِجُ فِيهِ تَيْسِيرُ تَلَقِّي طَرِيقَيِ الوَحْيِ والإحاطَةُ بِما فِيهِ مِن أحْكامِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ والنَّوامِيسِ الإلَهِيَّةِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِتَكْمِيلِ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَكْمِيلِ غَيْرِهِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ فِيما بَعْدُ كَذا في الإرْشادِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِاليُسْرى الطَّرِيقَةُ الَّتِي هي أيْسَرُ وأسْهَلُ في حِفْظِ الوَحْيِ، وقِيلَ: هي الشَّرِيعَةُ الحَنِيفِيَّةُ السَّهْلَةُ، وقِيلَ: الأُمُورُ الحَسَنَةُ في أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنَ النَّصْرِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ في الجَنَّةِ وضُمَّ إلَيْها بَعْضُ أمْرِ الدِّينِ وهو مَعَ هَذا الضَّمِّ تَعْمِيمٌ حَسَنٌ وظاهِرٌ عَلَيْهِ أيْضًا أمْرُ.

87:9Page 591

فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ ٩

So remind, if the reminder should benefit;1

الفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ أيْ فَذَكِّرِ النّاسَ حَسْبَما يَسَّرْناكَ بِما يُوحى إلَيْكَ واهْدِهِمْ إلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ كَما كُنْتَ تَفْعَلُهُ. وقِيلَ: أيْ. فَذَكِّرْ بَعْدَ ما اسْتَتَبَّ أيِ اسْتَقامَ وتَهَيَّأ لَكَ الأمْرُ، فَإنْ أرادَ فَدُمْ عَلى التَّذْكِيرِ بَعْدَ ما اسْتَقامَ لَكَ الأمْرُ مِن إقْرائِكَ الوَحْيَ وتَعْلِيمِكَ القُرْآنَ بِحَيْثُ لا تَنْسى مِنهُ إلّا ما اقْتَضَتِ المَصْلَحَةُ نِسْيانَهُ وتَيْسِيرِكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى في كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ الدِّينِ فَذاكَ وإلّا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وتَقْيِيدُ التَّذْكِيرِ بِنَفْعِ الذِّكْرى لِما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ قَدْ ذَكَّرَ وبالَغَ فِيهِ فَلَمْ يَدَعْ في القَوْسِ مَنزَعًا وسَلَكَ فِيهِ كُلَّ طَرِيقٍ فَلَمْ يَتْرُكْ مَضِيفًا ولا مَهِيعًا حِرْصًا عَلى الإيمانِ وتَوْحِيدِ المَلِكِ الدَّيّانِ، وما كانَ يَزِيدُ ذَلِكَ بَعْضَ النّاسِ إلّا كُفْرًا وعِنادًا وتَمَرُّدًا وفَسادًا، فَأمَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ حَيْثُ كادَ الحِرْصُ عَلى إيمانِهِمْ يُوَجِّهُ سِهامَ التَّلَفِ إلَيْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ بِأنْ يَخُصَّ التَّذْكِيرَ بِمَوادِّ النَّفْعِ في الجُمْلَةِ بِأنْ يَكُونَ مَن يَذْكُرُهُ كُلًّا أوْ بَعْضًا مِمَّنْ يُرْجى مِنهُ التَّذَكُّرُ ولا يُتْعِبُ نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ في تَذْكِيرِ مَن لا يُورِثُهُ التَّذْكِيرُ إلّا عُتُوًّا ونُفُورًا وفَسادًا وغُرُورًا مِنَ المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ وعَلَّمَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ، فَهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ التَّبْلِيغِ وإلْزامِ الحُجَّةِ

صفحة 108

لا يَجِبُ عَلَيْهِ تَكْرِيرُ التَّذْكِيرِ عَلى مَن عَلِمَ أنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلى قَلْبِهِ، فالشَّرْطُ عَلى هَذا عَلى حَقِيقَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وإنَّما هو اسْتِبْعادُ النَّفْعِ بِالنِّسْبَةِ إلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ نَعْيًا عَلَيْهِمْ بِالتَّصْمِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ لِتُؤْجَرَ وإنْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورَجُّحَ الأوَّلُ بِأنَّ فِيهِ إبْقاءَ الشَّرْطِ عَلى حَقِيقَتِهِ مَعَ كَوْنِهِ أنْسَبَ بِقَوْلِهِ تَعالى:

87:10Page 591

سَيَذَّكَّرُ مَن يَخۡشَىٰ ١٠

He who fears [Allāh] will be reminded.

﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ أيْ: سَيَذَّكَّرُ بِتَذْكِيرِكَ مَن مِن شَأْنِهِ أنْ يَخْشى اللَّهَ تَعالى حَقَّ خَشِيتِهِ أوْ مَن يَخْشى اللَّهَ تَعالى في الجُمْلَةِ فَيَزْدادُ ذَلِكَ بِالتَّذْكِيرِ فَيَتَفَكَّرُ في أمْرِ ما تُذَكِّرُهُ بِهِ فَيَقِفُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَيُؤْمِنُ بِهِ وقِيلَ: إنَّ «إنْ» بِمَعْنى «إذْ» كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: إذْ كُنْتُمْ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُخْبِرْهم بِكَوْنِهِمُ الأعْلَوْنَ إلّا بَعْدَ إيمانِهِمْ، «وقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في زِيارَةِ أهْلِ القُبُورِ: «وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بِكم لاحِقُونَ»».

وأثْبَتَ هَذا المَعْنى لَها الكُوفِيُّونَ احْتِجاجًا بِما ذُكِرَ ونَظائِرِهِ، وأجابَ النّافُونَ عَنْ ذَلِكَ بِما في المُغْنِي وغَيْرِهِ وقِيلَ: هي بِمَعْنى قَدْ، وقَدْ قالَ بِهَذا المَعْنى قُطْرُبٌ. وقالَ عِصامُ الدِّينِ: المُرادُ أنَّ التَّذْكِيرَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِما يَكُونُ مُهِمًّا لِمَن لَهُ التَّذْكِيرُ فَيَنْبَغِي تَذْكِيرُ الكافِرِينَ بِالإيمانِ لا بِالفُرُوعِ كالصَّلاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ إذْ لا تَنْفَعُهُ بِدُونِ الإيمانِ، وتَذْكِيرُ المُؤْمِنِ التّارِكِ لِلصَّلاةِ بِها دُونَ الإيمانِ مَثَلًا وهَكَذا فَكَأنَّهُ قِيلَ: ذَكِّرْ كُلَّ واحِدٍ بِما يَنْفَعُهُ ويَلِيقُ بِهِ. وقالَ (الفَرّاءُ) والنَّحّاسُ والجُرْجانِيُّ والزَّهْراوِيُّ: الكَلامُ عَلى الِاكْتِفاءِ والأصْلُ: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ وإنْ لَمْ تَنْفَعْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ والظّاهِرُ أنَّ الَّذِينَ لا يَقُولُونَ بِمَفْهُومِ المُخالَفَةِ سَواءٌ كانَ مَفْهُومُ الشَّرْطِ أوْ غَيْرِهِ لا يُشْكِلُ عَلَيْهِمْ أمْرُ هَذِهِ الآيَةِ كَما لا يَخْفى.

87:11Page 591

وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى ١١

But the wretched one will avoid it –

﴿ويَتَجَنَّبُها﴾ أيْ: ويَتَجَنَّبُ الذِّكْرى ويَتَحاماها ﴿الأشْقى﴾ وهو الكافِرُ المُصِرُّ عَلى إنْكارِ المَعادِ ونَحْوِهِ الجازِمِ بِنَفْيِ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي الخَشْيَةَ بِوَجْهٍ وهو أشْقى أنْواعِ الكَفَرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكافِرُ المُتَوَغِّلُ في عَداوَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِما؛ فَإنَّهُ أشْقى مِن غَيْرِ المُتَوَغِّلِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكافِرُ مُطْلَقًا فَإنَّهُ أشْقى مِنَ الفاسِقِ وقِيلَ: المُفَضَّلُ عَلَيْهِ كَفَرَةُ سائِرِ الأُمَمِ فَإنَّهُ حَيْثُ كانَ المُؤْمِنُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ أسْعَدَ مِن مُؤْمِنِيهِمْ كانَ الكافِرُ مِنها أشْقى مِن كافِرِيهِمْ، والأوْجَهُ عِنْدِي في المُرادِ بِالأشْقى ما تَقَدَّمَ.

87:12Page 591

ٱلَّذِي يَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ١٢

[He] who will [enter and] burn in the greatest Fire,

﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ أيِ الطَّبَقَةَ السُّفْلى مِن أطْباقِ النّارِ كَما قالَ الفَرّاءُ ولا بُعْدَ في تَفاضُلِ نارِ الآخِرَةِ وكَوْنِ بَعْضٍ مِنها أكْبَرَ مِن بَعْضٍ وأشَدَّ حَرارَةً. وقالَ الحَسَنُ ( الكُبْرى ) نارُ الآخِرَةِ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا، فَفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««نارُكم هَذِهِ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نارِ جَهَنَّمَ»».

وفِي رِوايَةٍ لِلْإمامِ أحْمَدَ عَنْهُ مَرْفُوعًا أيْضًا: ««إنَّ هَذِهِ النّارَ جُزْءٌ مِن مِائَةِ جُزْءٍ مِن جَهَنَّمَ»».

فَلَعَلَّ السَّبْعِينَ وارِدٌ مَوْرِدَ التَّكْثِيرِ وهو كَثِيرٌ.

87:13Page 591

ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ١٣

Neither dying therein nor living.

﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿ولا يَحْيا﴾ أيْ حَياةً تَنْفَعُهُ، وقِيلَ: إنَّ رُوحَ أحَدِهِمْ تَصِيرُ في حَلْقِهِ فَلا تَخْرُجُ فَيَمُوتُ ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجَسَدِ فَيَحْيا، وهو غَيْرُ غَنِيٍّ عَنِ التَّقْيِيدِ بِنَحْوِ حَياةٍ كامِلَةٍ عَلى أنَّهُ بَعْدُ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ؛ فَإنَّ هَذِهِ الحالَةَ أفْظَعُ وأعْظَمُ مِن نَفْسِ المُصْلى.

وقالَ عِصامُ الدِّينِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ النَّجاةِ لِأنَّ النَّجاةَ عَنِ العَذابِ إنَّما يَكُونُ بِالعَمَلِ في دارٍ يَمُوتُ فِيها العامِلُ ويَحْيا، والنَّظْمُ أقْرَبُ إلى هَذا المَعْنى كَيْفَ واللّائِقُ بِالمَعْنى السّابِقِ ثُمَّ لا يَكُونُ مَيِّتًا فِيها ولا حَيًّا فَتَأمَّلِ انْتَهى.

وفِي كَوْنِ اللّائِقِ بِالمَعْنى السّابِقِ ما ذَكَرَهُ دُونَ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ مَنعٌ ظاهِرٌ والظّاهِرُ أنَّهُ لائِقٌ بِهِ مَعَ تَضَمُّنِهِ رِعايَةَ الفَواصِلِ وكَذا في تَوْجِيهِ كَوْنِ ما ذُكِرَ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ النَّجاةِ خَفاءٌ وكَأنَّهُ لِذَلِكَ أمَرَ بِالتَّأمُّلِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الكَلامِ يُقالُ لِمَن وقَعَ في شِدَّةٍ واسْتَمَرَّ فِيها فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِ إشارَةٌ إلى خُلُودِهِمْ في العَذابِ وأمْرُ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ عَلَيْهِ ظاهِرٌ أيْضًا لِظُهُورِ أنَّ الخُلُودَ في النّارِ الكُبْرى أفْظَعُ مِن دُخُولِها وصَلْيِها. واعْلَمْ أنَّ عَدَمَ المَوْتِ في النّارِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ مَخْصُوصٍ بِالكَفَرَةِ وأمّا عُصاةُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَها

صفحة 109

فَيَمُوتُونَ فِيها، واسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أمّا أهْلُ النّارِ الَّذِينَ هم أهْلُها فَإنَّهم لا يَمُوتُونَ فِيها ولا يَحْيَوْنَ، ولَكِنْ ناسٌ أصابَتْهُمُ النّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أوْ قالَ - بِخَطاياهم فَأماتَهُمُ اللَّهُ تَعالى إماتَةً حَتّى إذا كانُوا فَحْمًا أذِنَ في الشَّفاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبائِرَ ضَبائِرَ فَبُثُّوا عَلى أنْهارِ الجَنَّةِ ثُمَّ قِيلَ: يا أهْلَ الجَنَّةِ أفِيضُوا عَلَيْهِمْ مِنَ الماءِ فَيُنْبِتُونَ نَباتَ الحَبَّةِ في حَمِيلِ السَّيْلِ»».

قالَ الحافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ يَمُوتُونَ حَقِيقَةً وتُفارِقُ أرْواحُهم أجْسادَهُمْ، وأُيِّدَ بِتَأْكِيدِ الفِعْلِ بِالمَصْدَرِ في «قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «فَأماتَهُمُ اللَّهُ تَعالى إماتَةً»».

وأظْهَرُ مِنهُ ما أخْرَجَهُ البَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ حَظًّا أوْ نَصِيبًا قَوْمٌ يُخْرِجُهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النّارِ فَيَرْتاحُ لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى وذَلِكَ أنَّهم كانُوا لا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ تَعالى شَيْئًا فَيُنْبَذُونَ بِالعَراءِ فَيَنْبُتُونَ كَما يَنْبُتُ البَقْلُ، حَتّى إذا دَخَلَتِ الأرْواحُ أجْسادَهم فَيَقُولُونَ: رَبَّنا كَما أخْرَجْتَنا مِنَ النّارِ وأرْجَعْتَ الأرْواحَ إلى أجْسادِنا فاصْرِفْ وُجُوهَنا عَنِ النّارِ، فَيَصْرِفُ وُجُوهَهم عَنِ النّارِ»».

وهَذِهِ الإماتَةُ عَلى ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ بَعْدَ أنْ يَذُوقُوا ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِن عَذابِها بِحَسْبِ ذُنُوبِهِمْ كَما يُشْعِرُ بِهِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ وإبْقاؤُهم فِيها مَيِّتِينَ إلى أنْ يُؤْذَنَ بِالشَّفاعَةِ لِإيجابِهِ تَأْخِيرَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ تِلْكَ المُدَّةَ كانَ تَتِمَّةً لِعُقُوبَتِهِمْ بِنَوْعٍ آخَرَ فَتَكُونُ ذُنُوبُهم قَدِ اقْتَضَتْ أنْ يُعَذَّبُوا بِالنّارِ مُدَّةً ثُمَّ يُحْبَسُوا فِيها مِن غَيْرِ عَذابٍ مُدَّةً، فَهم كَمَن أذْنَبَ في الدُّنْيا فَضُرِبَ وحُبِسَ بَعْدَ الضَّرْبِ جَزاءً لِذَنْبِهِ ولَمْ يَبْقَوْا أحْياءً فِيها مِن غَيْرِ عَذابٍ كَخَزَنَتِها إمّا لِيَكُونَ أبْعَدَ عَنْ أنْ يَهُولَهم رُؤْيَتُها، أوْ لِتَكُونَ الإماتَةُ وإخْراجُ الرُّوحِ مِن تَتِمَّةِ العُقُوبَةِ أيْضًا. وقالَ القُرْطُبِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إماتَتُهم عِنْدَ إدْخالِهِمْ فِيها ويَكُونُ إدْخالُهم وصَرْفُ نَعِيمِ الجَنَّةِ عَنْهم مُدَّةَ كَوْنِهِمْ فِيها عُقُوبَةً لَهم كالحَبْسِ في السِّجْنِ بِلا غُلٍّ ولا قَيْدٍ مَثَلًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا مُتَألِّمِينَ حالَةَ مَوْتِهِمْ نَحْوَ تَألُّمِ الكافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ وقَبْلَ قِيامِ السّاعَةِ ويَكُونُ ذَلِكَ أخَفَّ مِن تَألُّمِهِمْ لَوْ بَقُوا أحْياءً كَما أنَّ تَألُّمَ الكافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ في قَبْرِهِ أخَفُّ مِن تَألُّمِهِ إذا أُدْخِلَ النّارَ بَعْدَ البَعْثِ وهو كَما تَرى. وفي مَطامِحِ الأفْهامِ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإماتَةِ المَذْكُورَةِ وفي الحَدِيثِ الإنامَةُ وقَدْ سَمّى اللَّهَ تَعالى النُّوَّمَ وفاةً؛ لِأنَّ فِيهِ نَوْعًا مِن عَدَمِ الحِسِّ.

وفِي الحَدِيثِ المَرْفُوعِ: ««إذا أدْخَلَ اللَّهُ تَعالى المُوَحِّدِينَ النّارَ أماتَهم فِيها فَإذا أرادَ سُبْحانَهُ أنْ يَخْرُجُوا أمَسَّهُمُ العَذابَ تِلْكَ السّاعَةَ»». انْتَهى.

والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

87:14Page 591

قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ١٤

He has certainly succeeded who purifies himself

﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ: نَجا مِنَ المَكْرُوهِ وظَفِرَ بِما يَرْجُوهُ ﴿مَن تَزَكّى﴾ أيْ تَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ بِتَذَكُّرِهِ واتِّعاظِهِ بِالذِّكْرى، وحَمْلُهُ عَلى ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.

وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: ««مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وخَلَعَ الأنْدادَ وشَهِدَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ»».

واعْتَبَرَ بَعْضُهم أمْرَيْنِ فَقالَ: أيْ: تَطَهَّرَ مِنَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ وعَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما تَقَدَّمَ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى الأهَمِّ، وقِيلَ: تَزَكّى أيْ تَكَثَّرَ مِنَ التَّقْوى والخَشْيَةِ مِنَ الزَّكاءِ وهو النَّماءُ، وقِيلَ: تَطَهَّرَ لِلصَّلاةِ، وقِيلَ: آتى الزَّكاةَ ورُوِيَ هَذا عَنْ أبِي الأحْوَصِ وقَتادَةِ وجَماعَةٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском