Al-AlusiAl‑A'la · 87:15–19

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-A'la 87:15–19

87:15Page 591

وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ١٥

And mentions the name of his Lord and prays.

﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ بِلِسانِهِ وقَلْبِهِ لا بِلِسانِهِ مَعَ غَفْلَةِ القَلْبِ؛ إذْ مِثْلُ ذَلِكَ لا ثَوابَ فِيهِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَدْخُلَ فِيما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الفَلاحُ والذِّكْرُ القَلْبِيُّ بِاسْتِحْضارِ اسْمِهِ تَعالى في القَلْبِ وإنْ كانَ مَمْدُوحًا بِلا شُبْهَةٍ إلّا أنَّ إرادَتَهُ بِخُصُوصِهِ مِمّا ذُكِرَ خِلافُ الظّاهِرِ وحَكاهُ في مَجْمَعِ البَيانِ عَنْ بَعْضٍ. وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن قَوْلِهِ أيْ: ذَكَرَ مَعادَهُ ومَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ ظاهِرٌ فِيهِ وفي إقْحامِ لَفْظِ «اسْمَ» وذَهَبَ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ إلى أنَّ المُرادَ بِهَذا الذِّكْرِ تَكْبِيرَةُ الِافْتِتاحِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وكَبِّرْ لِلِافْتِتاحِ.

﴿فَصَلّى﴾ أيِ الصَّلَواتِ الخَمْسَ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورُوِيَ ذَلِكَ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ وقِيلَ: الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ وما أمْكَنَ مِنَ النَّوافِلِ، واحْتُجَّ بِذَلِكَ عَلى وُجُوبِ التَّكْبِيرَةِ حَيْثُ نِيطَ بِهِ الفَلاحُ ووَقَعَ بَيْنَ واجِبَيْنِ بَلْ فَرْضَيْنِ؛ التَّزَكِّي مِنَ الشِّرْكِ والصَّلاةِ مَعَ أنَّ الِاحْتِياطَ في العِباداتِ واجِبٌ

صفحة 110

فَلا يَضُرُّ الِاحْتِمالُ وعَلى أنَّ الِافْتِتاحَ جائِزٌ بِكُلِّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ عَزَّ وجَلَّ وهو ظاهِرٌ، وعَلى أنَّ التَّكْبِيرَةَ شَرْطٌ لا رَكْنٌ لِلْعَطْفِ بِالفاءِ، وعَطْفُ الكُلِّ عَلى الجُزْءِ كَعَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ وإنْ جازَ لا يَكُونُ بِها مَعَ أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ بِتَكَلُّفٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن نُكْتَةٍ لِيَدَّعِيَ وُقُوعَهُ في الكَلامِ المُعْجِزِ فَحَيْثُ لَمْ تَظْهَرْ لَمْ يَصِحَّ ادِّعاؤُهُ وبِناءُ الرُّكْنِيَّةِ عَلَيْهِ، والإنْصافُ أنَّهُ مَعَ ما سَمِعْتَ احْتِجاجٌ لَيْسَ بِالقَوِيِّ، وقِيلَ: هو خُصُوصُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَبْلَ الصَّلاةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ( تَزَكّى ) أيْ: تَصَدَّقَ صَدَقَةَ الفِطْرِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ كَبَّرَ يَوْمَ العِيدِ.

﴿فَصَلّى﴾ صَلاةَ العِيدِ.

وعَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ ما يَقْتَضِي ظاهِرُهُ ذَلِكَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الصَّلاةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى الزَّكاةِ في القُرْآنِ وأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ عِيدٌ ولا فِطْرٌ، ورُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ إذا ذُكِرَتْ بِاسْمِها أمّا إذا ذُكِرَتْ بِفِعْلٍ فَتَقْدِيمُها غَيْرُ مُطَّرِدٍ، ومِنهُ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخالَفَةُ العادَةِ هاهُنا لِلْإرْشادِ إلى أنَّ هَذِهِ الزَّكاةَ المُقَدَّمَةَ قَوْلًا يَنْبَغِي تَقْدِيمُها فِعْلًا عَلى الصَّلاةِ ولِهَذا كانُوا يُخْرِجُونَها قَبْلَ أنْ يُصَلُّوا العِيدَ كَما جاءَ في الآثارِ، وكَوْنُ السُّورَةِ مَكِّيَّةً غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ وعَلى القَوْلِ بِمَكِّيَّتِها الَّذِي هو الأصَحُّ يَكُونُ ذَلِكَ مِمّا تَأخَّرَ حُكْمُهُ عَنْ نُزُولِهِ. وأقُولُ: أنْ يُقالَ ( تَزَكّى ) أيْ: تَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ بِأنْ آمَنَ بِقَلْبِهِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ: قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿فَصَلّى﴾ أيِ الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يُؤَيِّدُهُ فَيَكُونُ «تَزَكّى» إشارَةً إلى التَّصْدِيقِ بِالجَنانِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ إلى النُّطْقِ بِاللِّسانِ ﴿فَصَلّى﴾ إلى العَمَلِ بِالأرْكانِ لِما أنَّ الصَّلاةَ عِمادُ الدِّينِ وأفْضَلُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ وناهِيَةٌ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَلا بِدَعَ أنْ تُذْكَرَ فَيُرادُ جَمِيعُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ والعِباداتِ القَلْبِيَّةِ وقَدْ يُقالُ: اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الصَّلاةِ لِأنَّ الفَرائِضَ والواجِباتِ البَدَنِيَّةَ لَمْ تَكُنْ تامَّةً يَوْمَ نُزُولِ السُّورَةِ وكانَتِ الصَّلاةُ أهَمَّ ما نَزَلَ إنْ كانَ نَزَلَ غَيْرُها. وقَدْ رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ويَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ بِمَكَّةَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ثُمَّ «ن» ثُمَّ المُزَّمِّلُ ثُمَّ المُدَّثِّرُ ثُمَّ «تَبَّتْ» ثُمَّ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ثُمَّ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ ثُمَّ إنَّ مِن رَدافِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وكانَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى المَطْلُوبُ هو مَجْمُوعَ الجُمْلَتَيْنِ فَلا بُعْدَ في أنْ يُرادَ مِن ذِكْرِهِ تَعالى في الآيَةِ وإذا اعْتُبِرَ الإتْيانُ بِاسْمِهِ عَزَّ وجَلَّ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أتى بِهِ ذِكْرًا لَهُ تَعالى كانَ أمْرُ الإرادَةِ أقْرَبَ، وهَذا الوَجْهُ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ.

وكَلِمَةُ ( قَدِ ) لِما أنَّهُ عِنْدَ الإخْبارِ بِسُوءِ حالِ المُتَجَنِّبِ عَنِ الذَّكَرِ في الآخِرَةِ يَتَوَقَّعُ السّامِعُ الإخْبارَ بِحُسْنِ حالِ المُتَذَكِّرِ فِيها. ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا جَوابًا لِسُؤالٍ نَشَأ عَنْ بَيانِ حالِ المُتَجَنِّبِ والسُّكُوتِ عَنْ حالِ المُتَذَكِّرِ الَّذِي يَخْشى فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما حالُ مَن تَذَكَّرَ؟ فَقِيلَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ إلى آخِرِهِ. وكانَ الظّاهِرُ: قَدْ أفْلَحَ مَن تَذَكَّرَ إلّا أنَّهُ وضَعَ (مَن تَزَكّى) إلى آخِرِهِ مَوْضِعَ مَن تَذَكَّرَ إشارَةً إلى بَيانِ المُتَذَكِّرِ بِسِماتِهِ.

87:16Page 592

بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ١٦

But you prefer the worldly life,

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: إثْرَ بَيانِ ما يُؤَدِّي إلى الفَلاحِ لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ إلَخْ ولَعَلَّهُ مُرادُ مَن قالَ: إنَّهُ إضْرابٌ عَنْ ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ إلَخْ وقِيلَ: إضْرابٌ عَنْ بَيانِ حالِ المُتَذَكِّرِ والمُتَجَنِّبِ إلى بَيانِ أنَّهُ لا يَنْفَعُ هَذا البَيانُ وأضْعافُهُ المُتَمَرِّدِينَ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ بَيانَ سَبَبِ عَدَمِ النَّفْعِ وهو إيثارُ الحَياةِ الدُّنْيا، والخِطابُ عَلى هَذا لِلْكَفَرَةِ الأشْقَيْنَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وعَلى الأوَّلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَهم فالمُرادُ بِإيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا هو الرِّضاءُ والِاطْمِئْنانُ بِها والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها﴾ الآيَةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ النّاسِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ فالمُرادُ بِإيثارِها إنَّما هو أعَمُّ مِمّا ذُكِرَ وما لا يَخْلُو عَنْهُ النّاسُ غالِبًا مِن تَرْجِيحِ جانِبِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ في السَّعْيِ وتَرْتِيبِ المَبادِئِ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ما يَقْتَضِيهِ، والِالتِفاتُ عَلى الأوَّلِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ وعَلى الثّانِي كَذَلِكَ في حَقِّ الكَفَرَةِ ولِتَشْدِيدِ العِتابِ في

صفحة 111

حَقِّ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: لا التِفاتَ؛ لِأنَّهُ بِتَقْدِيرٍ قُلْ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأبُو رَجاءٍ والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو عَمْرٍو والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مُقْسِمٍ: «يُؤْثِرُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.

87:17Page 592

وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ١٧

While the Hereafter is better and more enduring.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ حالٌ مِن فاعِلِ تُؤْثِرُونَ مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْبِيخِ والعِتابِ؛ أيْ: تُؤْثِرُونَها عَلى الآخِرَةِ والحالُ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ في نَفْسِها لِما أنَّ نَعِيمَها مَعَ كَوْنِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ اللَّذَّةِ خالِصٌ عَنْ شائِبَةِ الغائِلَةِ أبَدِيٌّ لا انْصِرامَ لَهُ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِبَيانِ تَكَدُّرِ نَعِيمِ الدُّنْيا بِالمُنَغِّصاتِ وانْقِطاعِهِ عَمّا قَلِيلٍ لِغايَةِ الظُّهُورِ.

87:18Page 592

إِنَّ هَٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ ١٨

Indeed, this is in the former scriptures,

﴿إنَّ هَذا﴾ إشارَةٌ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إشارَةً إلى ما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ إلَخْ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الحَدِيثِ ما يَشْهَدُ لَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: إشارَةً إلى القُرْآنِ؛ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ إشارَةً إلى ما تَضَمَّنَتْهُ السُّوَرُ جَمِيعًا وفِيهِ بُعْدٌ.

﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ أيْ: ثابِتٌ فِيها مَعْناهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وهارُونُ وعِصْمَةُ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو بِسُكُونِ الحاءِ وكَذا فِيما بَعْدُ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ عَلى ما في اللَّوامِحِ.

87:19Page 592

صُحُفِ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ ١٩

The scriptures of Abraham and Moses.

﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ بَدَلٌ مِن ﴿الصُّحُفِ الأُولى﴾ وفي إبْهامِها ووَصْفِها بِالقِدَمِ ثُمَّ بَيانِها وتَفْسِيرِها مِن تَفْخِيمِ شَأْنِها ما لا يَخْفى، وكانَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ عَشَرَةً وكَذا صُحُفُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمُرادُ بِها ما عَدا التَّوْراةَ.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَمْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن كِتابٍ؟ قالَ: «مِائَةَ كِتابٍ وأرْبَعَةَ كُتُبٍ، أنْزَلَ عَلى شِيثَ خَمْسِينَ صَحِيفَةً، وعَلى إدْرِيسَ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً، وعَلى إبْراهِيمَ عَشْرَ صَحائِفَ، وعَلى مُوسى قَبْلَ التَّوْراةِ عَشْرَ صَحائِفَ، وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ والفُرْقانَ». قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما كانَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ؟ قالَ: «أمْثالٌ كُلُّها: أيُّها المَلِكُ المُتَسَلِّطُ عَلى المُبْتَلى المَغْرُورِ لَمْ أبْعَثْكَ لِتَجَمْعَ الدُّنْيا بَعْضَها إلى بَعْضٍ، ولَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإنِّي لا أرُدُّها ولَوْ كانَتْ مِن كافِرٍ، وعَلى العاقِلِ ما لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلى عَقْلِهِ أنْ يَكُونَ لَهُ ثَلاثُ ساعاتٍ: ساعَةٌ يُناجِي فِيها رَبَّهُ، وساعَةٌ يُحاسِبُ فِيها نَفْسَهُ ويَتَذَكَّرُ فِيما صَنَعَ، وساعَةٌ يَخْلُو فِيها لِحاجَتِهِ مِنَ الحَلالِ؛ فَإنَّ في هَذِهِ السّاعَةِ عَوْنًا لِتِلْكَ السّاعاتِ واجْتِماعًا لِلْقُلُوبِ وتَفْرِيغًا لَها، وعَلى العاقِلِ أنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمانِهِ مُقْبِلًا عَلى شَأْنِهِ حافِظًا لِلِسانِهِ فَإنَّ مَن حَسَبَ كَلامَهُ مِن عَمَلِهِ أقَلَّ الكَلامَ إلّا فِيما يَعْنِيهِ، وعَلى العاقِلِ أنْ يَكُونَ طالِبًا لِثَلاثٍ: مِرَمَّةٍ لِمَعاشٍ أوْ تَزَوُّدٍ لِمُعادٍ أوْ تَلَذُّذٍ في غَيْرِ مُحَرَّمٍ». قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما كانَتْ صُحُفُ مُوسى؟ قالَ: «كانَتْ عِبَرًا كُلُّها: عَجِبْتُ لِمَن أيْقَنَ بِالمَوْتِ ثُمَّ يَفْرَحُ، ولِمَن أيْقَنَ بِالنّارِ ثُمَّ يَضْحَكُ، ولِمَن يَرى الدُّنْيا وتَقَلُّبَها بِأهْلِها ثُمَّ يَطْمَئِنُّ إلَيْها، ولِمَن أيْقَنَ بِالقَدَرِ ثُمَّ يَغْضَبُ، ولِمَن أيْقَنَ بِالحِسابِ ثُمَّ لا يَعْمَلُ». قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ أُنْزِلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِمّا كانَ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى؟ قالَ: «يا أبا ذَرٍّ، نَعَمْ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾»».

واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الحَدِيثِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ «إبْرَهَمَ» بِحَذْفِ الألِفِ والياءِ وبِالهاءِ مَفْتُوحَةً ومَكْسُورَةً وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ بِكَسْرِها لا غَيْرَ. وقَرَأ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ الزُّبَيْرِ: «إبْراهامَ» بِألْفَيْنِ في كُلِّ القُرْآنِ. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: «إبْراهَمَ» بِألِفٍ وفَتْحِ الهاءِ وبِغَيْرِ ياءٍ. وجاءَ كَما قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: «إبْرَهُمَ» بِضَمِّ الهاءِ بِلا ألِفٍ ولا ياءٍ وهَذا مِن تَصَرُّفاتِ العَرَبِ في الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ؛ فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلى الصَّحِيحِ مِنها. وحَكى الكِرْمانِيُّ في عَجائِبِهِ أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ البُرْهُمَةِ وهي شَدَّةُ النَّظَرِ ونَسَبُهُ قَدْ تَقَدَّمَ وكَذا نَسَبُ مُوسى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِما وسَلَّمَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском