Al-AlusiAl‑A'la · 87:1–6

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

الأعلى

Al-A'la

The Most High · Meccan · 19 ayahs

87:1Page 591

سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى ١

Exalt the name of your Lord, the Most High,

سُورَةُ الأعْلى

وتُسَمّى سُورَةَ سَبِّحْ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، وحَكى ابْنُ الفَرَسِ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّها مَدَنِيَّةٌ لِذِكْرِ صَلاةِ العِيدِ وزَكاةِ الفِطْرِ فِيها، ورَدَّهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ بِما أخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ «عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: أوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلا يَقْرَآنِ القُرْآنَ ثُمَّ جاءَ عَمّارٌ وبِلالٌ وسَعْدٌ ثُمَّ جاءَ عُمْرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في عِشْرِينَ، ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَما رَأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهم بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى رَأيْتُ الوَلائِدَ والصِّبْيانَ يَقُولُونَ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ جاءَ، فَما جاءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى قَرَأْتُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ في سُوَرٍ مِثْلِها،» ثُمَّ إنَّ ذِكْرَ صَلاةِ العِيدِ وزَكاةِ الفِطْرِ فِيها غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ولَوْ سُلِّمَ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ذَلِكَ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَفْصِيلُهُ، وهي تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً بِلا خِلافٍ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها أنَّهُ ذُكِرَ في سُورَةِ الطّارِقِ خَلْقُ الإنْسانِ وأُشِيرَ إلى خَلْقِ النَّباتِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ وذُكِرا هاهُنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ فَسَوّى﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ وقِصَّةُ النَّباتِ هُنا أوْضَحُ وأبْسَطُ كَما أنَّ قِصَّةَ خَلْقِ الإنْسانِ

صفحة 102

هُناكَ كَذَلِكَ، نَعَمْ إنَّ ما في هَذِهِ السُّورَةِ أعَمُّ مِن جِهَةِ شُمُولِهِ لِلْإنْسانِ وسائِرِ المَخْلُوقاتِ وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحِبُّها.

أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾» .

وجاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ أبِي تَمِيمٍ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَمّاها أفْضَلَ المُسَبِّحاتِ».

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ في الوَتْرِ في الرَّكْعَةِ الأُولى: ﴿سَبِّحِ﴾ وفي الثّانِيَةِ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ وفي الثّالِثَةِ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ والمُعَوِّذَتَيْنِ،» وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ المَذْكُورُونَ وغَيْرُهم إلّا التِّرْمِذِيَّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَ ذَلِكَ، بَيْدَ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ المُعَوِّذَتانِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ ويَوْمِ الجُمْعَةِ: «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ» وإنْ وافَقَ يَوْمَ الجُمْعَةِ قَرَأهُما جَمِيعًا».

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ قالَ: «آخِرُ صَلاةٍ صَلّاها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَغْرِبُ، فَقَرَأ في الرَّكْعَةِ الأُولى بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وفي الثّانِيَةِ: بِقُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ». بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ: نَزِّهْ أسْماءَهُ عَزَّ وجَلَّ عَمّا لا يَلِيقُ فَلا تُؤَوِّلْ مِمّا ورَدَ مِنها اسْمًا مِن غَيْرِ مُقْتَضٍ ولا تُبْقِهِ عَلى ظاهِرِهِ إذا كانَ ما وُضِعَ لَهُ مِمّا لا يَصِحُّ لَهُ تَعالى ولا تُطْلِقْهُ عَلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ أصْلًا إذا كانَ مُخْتَصًّا كالِاسْمِ الجَلِيلِ أوْ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِأنَّهُ تَعالى والغَيْرَ فِيهِ سَواءٌ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا فَلا تَقُلْ لِمَن أعْطاكَ شَيْئًا مَثَلًا: هَذا رازِقِي عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِذَلِكَ، وصُنْهُ عَنِ الِابْتِذالِ والتَّلَفُّظِ بِهِ في مَحَلٍّ لا يَلِيقُ بِهِ كالخَلاءِ وحالَةِ التَّغَوُّطِ وذِكْرِهِ لِأعْلى وجْهِ الخُشُوعِ والتَّعْظِيمِ، ورُبَّما يُعَدُّ مِمّا لا يَلِيقُ ذِكْرُهُ عِنْدَ مَن يَكْرَهُ سَماعَهُ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ إلَيْهِ. وعَنِ الإمامِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ إذا لَمْ يَجِدْ ما يُعْطِي السّائِلَ يَقُولُ: ما عِنْدِي ما أُعْطِيكَ أوِ ائْتِنِي في وقْتٍ آخَرَ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ولا يَقُولُ نَحْوَ ما يَقُولُ النّاسَ: يَرْزُقُكَ اللَّهُ تَعالى، أوْ يَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى لَكَ، أوْ يُعْطِيكَ اللَّهُ تَعالى أوْ نَحْوَهُ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ السّائِلَ أثْقَلُ شَيْءٍ عَلى سَمْعِهِ وأبْغَضُهُ إلَيْهِ قَوْلُ المَسْؤُولِ لَهُ، ما يُفِيدُهُ رَدُّهُ وحِرْمانُهُ، فَأنا أُجِلُّ اسْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن أنْ أذْكُرَهُ لِمَن يَكْرَهُ سَماعَهُ ولَوْ في ضِمْنِ جُمْلَةٍ وهَذا مِنهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ غايَةً في الوَرَعِ. وما ذُكِرَ مِنَ التَّفْسِيرِ مَبْنِيٌّ عَلى الظّاهِرِ مِن أنَّ لَفْظَ اسْمٍ غَيْرُ مُقْحَمٍ، وذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّهُ مُقْحَمٌ وهو قَدْ يُقْحَمُ لِضَرْبٍ مِنَ التَّعْظِيمِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:

إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما

فالمَعْنى نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأوْصافِ، واسْتُدِلَّ لِهَذا بِما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم «عَنْ عَقَبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اجْعَلُوها في رُكُوعِكُمْ». فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: «اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ»».

ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَجْعُولَ فِيهِما سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ وسُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وبِما أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا قَرَأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: «سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى»».

ورَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وجَماعَةٌ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قَرَأ ذَلِكَ فَقالَ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى وهو في الصَّلاةِ فَقِيلَ لَهُ: أتَزِيدُ في القُرْآنِ قالَ: لا، إنَّما أُمِرْنا بِشَيْءٍ فَفَعَلْتُهُ.

وفِي الكَشّافِ: تَسْبِيحُ اسْمِهِ تَعالى تَنْزِيهُهُ عَمّا لا يَصِحُّ فِيهِ مِنَ المَعانِي الَّتِي هي إلْحادٌ في أسْمائِهِ سُبْحانَهُ كالجَبْرِ والتَّشْبِيهِ مَثَلًا وأنْ يُصانَ عَنِ الِابْتِذالِ والذِّكْرِ لا عَلى وجْهِ الخُشُوعِ والتَّعْظِيمِ

صفحة 103

فَجَعَلَ المَعْنِيِّينَ عَلى ما قِيلَ راجِعَيْنِ إلى الِاسْمِ وإنْ كانَ الأوَّلُ بِالحَقِيقَةِ راجِعًا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لَكِنْ كَما يَصِحُّ أنْ يُقالَ: نَزِّهِ الذّاتَ عَمّا لا يَصِحُّ لَهُ مِنَ الأوْصافِ أنْ يُقالَ أيْضًا نَزِّهْ أسْماءَهُ تَعالى الدّالَّةَ عَلى الكَمالِ عَمّا لا يَصِحُّ فِيهِ مِن خِلافِهِ ولَيْسَ المَعْنى الأوَّلُ مَبْنِيًّا عَلى أنَّ لَفْظَ اسْمٍ مُقْحَمٍ ولا عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ المُسَمّى إطْلاقًا لِاسْمِ الدّالِّ عَلى المَدْلُولِ، نَعَمْ قالَ بِهِ بَعْضُهم هُنا، وهو إنْ كانَ لِلْأخْبارِ السّابِقَةِ كَما في دَعْوى الإقْحامِ فَلا بَأْسَ، وإنْ كانَ لِظَنِّ أنَّ التَّسْبِيحَ لا يَكُونُ لِلْألْفاظِ المَوْضُوعَةِ لَهُ تَعالى فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِفَسادِ هَذا الظَّنِّ بِظُهُورِ أنَّ التَّسْبِيحَ يَكُونُ لَها كَما سَمِعْتَ، وقَدْ قالَ الإمامُ: إنَّهُ كَما يَجِبُ تَنْزِيهُ ذاتِهِ تَعالى وصِفاتِهِ جَلَّ وعَلا عَنِ النَّقائِصِ يَجِبُ تَنْزِيهُ الألْفاظِ المَوْضُوعَةِ لِذَلِكَ عَنِ الرَّفَثِ وسُوءِ الأدَبِ، ومِن هَذا يُعْلَمُ ما في التَّعْبِيرِ عَنْهُ تَعالى شَأْنُهُ بِنَحْوِ: لَيْلى ونِعْمَ كَما يَدَّعِي ذَلِكَ في قَوْلِ ابْنِ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ:

أبَرْقٌ بَدا مِن جانِبِ الغَوْرِ لامِعُ ∗∗∗ أمِ ارْتَفَعَتْ عَنْ وجْهِ لَيْلى البَراقِعُ

وقَوْلِهِ:

إذا أنْعَمَتْ نُعْمٌ عَلَيَّ بِنَظْرَةٍ ∗∗∗ فَلا أُسْعِدَتْ سُعْدى ولا أجْمَلَتْ جُمَلُ

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أبْياتِهِ وقَدْ عابَ ذَلِكَ بَعْضُ الأجِلَّةِ وعَدَّهُ مِن سُوءِ الأدَبِ ومُخالِفًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ الآيَةَ. وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الوَضْعِ في شَيْءٍ، وفَهْمُ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ مِن تِلْكَ الألْفاظِ إنَّما هو بِطْرِيقِ الإشارَةِ كَما قالُوا في فَهْمِ النَّفْسِ الأمّارَةِ مِنَ البَقَرَةِ مَثَلًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ والمُنْكِرُ لا يُقْنَعُ بِهَذا، والأظْهَرُ أنْ يُقالَ: إنَّ الكَلامَ المَوْرَدَ فِيهِ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ ولا نَظَرَ فِيها إلى تَشْبِيهِ المُفْرَداتِ بِالمُفْرَداتِ، فَلَيْسَ فِيهِ التَّعْبِيرُ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ بِلَيْلى ونَحْوِها، واسْتِعْمالُ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ في شَأْنِهِ تَعالى مِمّا لا بَأْسَ بِهِ حَتّى إنَّهم قالُوهُ في البَسْمَلَةِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن تَتَبَّعَ رَسائِلَهم فِيها، هَذا ولَعَلَّ عِنْدَهم خَيْرًا مِنهُ. وقالَ جَمْعٌ: الِاسْمُ بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ والمَعْنى نَزِّهْ تَسْمِيَةَ رَبِّكَ بِأنْ تَذْكُرَهُ وأنْتَ لَهُ سُبْحانَهُ مُعَظِّمٌ ولِذِكْرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ مُحْتَرِمٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا يَنْدَرِجُ في تَسْبِيحِ الِاسْمِ كَما تَقَدَّمَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّ المَعْنى: صَلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، حَكاهُ في البَحْرِ ولا أظُنُّ صِحَّتَهُ. وقالَ عِصامُ الدِّينِ: لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ الِاسْمُ الأثَرُ؛ أيْ: سَبِّحْ آثارَ رَبِّكَ الأعْلى عَنِ النُّقْصانِ؛ فَإنَّ أثَرَهُ تَعالى دالٌّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ كالِاسْمِ فَيَكُونُ مَنعًا عَنْ عَيْبِ المَخْلُوقاتِ؛ أيْ: مِن حَيْثُ إنَّها مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعالى عَلى وجْهٍ يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ وإنْ كانَ فِيما بَعْدُ مِنَ الصِّفاتِ ما يُسْتَأْنَسُ بِهِ لَهُ، وأنا أقُولُ إنْ كانَ «سَبِّحْ» بِمَعْنى نَزِّهْ فَكِلا الأمْرَيْنِ مِن كَوْنِ اسْمٍ مُقْحِمًا وكَوْنِهِ غَيْرَ مُقْحَمٍ وتُعَلِّقِ التَّسْبِيحِ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي سَمِعْتَ مُحْتَمَلٌ غَيْرُ بَعِيدٍ، وإذا كانَ مَعْناهُ: قُلْ: سُبْحانَ كَما هو المَعْرُوفُ فِيما بَيْنَهم فَكَوْنُهُ مُقْحَمًا مُتَعَيِّنٌ؛ إذْ لَمْ يُسْمَعُ سَلَفًا وخَلَفًا مَن يَقُولُ: سُبْحانَ اسْمَ رَبِّي الأعْلى أوْ سُبْحانَ اسْمَ اللَّهِ، والأخْبارُ ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ وحُمِلَ ما فِيها عَلى اخْتِيارِ الأخْصَرِ المُسْتَلْزِمِ لِغَيْرِهِ كَما تَرى ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَما في خَبَرِ سَعِيدِ بْنِ مَنصُورٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ المُنْذِرِ والحاكِمِ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: «سُبْحانَ رَبِّي الأعْلى».

وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ الِاسْمَ عَيْنُ المُسَمّى واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها فَهو مِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ أصْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ أوَّلَ الكِتابِ فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ أرَدْتَهُ. والأعْلى صِفَةٌ لِلرَّبِّ وأُرِيدَ بِالعُلُوِّ القَهْرُ والِاقْتِدارُ لا بِالمَكانِ لِاسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، والسَّلَفُ وإنْ لَمْ يُؤَوِّلُوهُ بِذَلِكَ لَكِنَّهم أيْضًا يَقُولُونَ بِاسْتِحالَةِ العُلُوِّ المَكانِيِّ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وجُوِّزَ جَعْلُهُ صِفَةً لِاسْمٍ، وعُلُوُّهُ تَرَفُّعُهُ عَنْ أنْ يُشارِكَهُ اسْمٌ في حَقِيقَةِ مَعْناهُ.

87:2Page 591

ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ٢

Who created and proportioned

واسْتُشْكِلَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ إلَخْ إنْ كانَ صِفَةً لِلرَّبِّ كَما هو الظّاهِرُ لَزِمَ الفَصْلُ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ بِصِفَةِ غَيْرِهِ وهو لا يَجُوزُ فَلا يُقالُ: رَأيْتُ غُلامَ هِنْدٍ العاقِلَ الحَسَنَةِ، وإنْ كانَ صِفَةً لِاسْمٍ أيْضًا اخْتَلَّ المَعْنى؛ إذِ الِاسْمُ لا يَتَّصِفُ بِالخَلْقِ وما بَعْدَهُ.

صفحة 104

وأُجِيبَ بِاخْتِيارِ الثّانِي ولا اخْتِلالَ، إمّا لِأنَّ الِاسْمَ بِمَعْنى المُسَمّى، أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مُقْحَمًا كانَ ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ بِمَنزِلَةِ رَبِّكَ، فَصَحَّ وصْفُهُ بِما يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ وفِيهِ نَظَرٌ، والجَوابُ المَقْبُولُ أنَّ ﴿الَّذِي﴾ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ إمّا مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، ومَفْعُولُ ﴿خَلَقَ﴾ مَحْذُوفٌ؛ ولِذا قِيلَ بِالعُمُومِ؛ أيِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ.

﴿فَسَوّى﴾ أيْ: فَجَعَلَهُ مُتَساوِيًا وهو أصْلُ مَعْناهُ، والمُرادُ فَجَعَلَ خَلْقَهُ كَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وفي مَعْناهُ ما قِيلَ؛ أيْ: فَجَعَلَ الأشْياءَ سَواءً في بابِ الأحْكامِ والإتْقانِ لا أنَّهُ سُبْحانَهُ أتْقَنَ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، ورُدَّ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِنَ العُمُومِ عَلى المُعْتَزِلَةِ في زَعْمِهِمْ أنَّ العَبْدَ خالِقٌ لِأفْعالِهِ، والزَّمَخْشَرِيُّ مَعَ أنَّ مَذْهَبَهُ مَذْهَبُهم قالَ هُنا بِالعُمُومِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يُرِدِ العُمُومَ الحَقِيقِيَّ أوْ أرادَهُ لَكِنْ عَلى مَعْنى: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ إمّا بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ، وجَعَلَ ذَلِكَ في أفْعالِ العِبادِ بِأقْدارِهِ سُبْحانَهُ وتَمْكِينِهِمْ عَلى خَلْقِها بِاخْتِيارِهِمْ وقُدَرِهِمُ المَوْهُوبَةِ لَهُمْ، وعَنِ الكَلْبِيِّ: خَلَقَ كُلَّ ذِي رُوحٍ ﴿فَسَوّى﴾ بَيْنَ يَدَيْهِ وعَيْنَيْهِ ورِجْلَيْهِ. وعَنِ الزَّجّاجِ خَلَقَ الإنْسانَ فَعَدَلَ قامَتَهُ ولَمْ يَجْعَلْهُ مَنكُوسًا كالبَهائِمِ، وفي كُلٍّ تَخْصِيصٌ لا يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الحَذْفِ.

87:3Page 591

وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ٣

And who destined and [then] guided

﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ أيْ: جَعَلَ الأشْياءَ عَلى مَقادِيرَ مَخْصُوصَةٍ في أجْناسِها وأنْواعِها وأفْرادِها وصِفاتِها وأفْعالِها وآجالِها.

﴿فَهَدى﴾ فَوَجَّهَ كُلَّ واحِدٍ مِنها إلى ما يَصْدُرُ عَنْهُ ويَنْبَغِي لَهُ طَبْعًا أوِ اخْتِيارًا، ويَسَّرَهُ لِما خُلِقَ لَهُ بِخَلْقِ المُيُولِ والإلْهاماتِ ونَصْبِ الدَّلائِلِ وإنْزالِ الآياتِ، فَلَوْ تَتَبَّعْتَ أحْوالَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ لَرَأيْتَ في كُلٍّ مِنها ما تَحارُ فِيهِ العُقُولُ وتَضِيقُ عَنْهُ دَفاتِرُ النُّقُولِ. وأمّا فُنُونُ هِداياتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْإنْسانِ عَلى الخُصُوصِ فَفَوْقَ ذَلِكَ بِمَراحِلَ وأبْعَدُ مِنهُ ثُمَّ أبْعَدُ وأبْعَدُ بِأُلُوفٍ مِنَ المَنازِلِ وهَيْهاتَ أنْ يُحِيطَ بِها فَلَكُ العِبارَةِ والتَّحْرِيرِ، ولا يَكادُ يَعْلَمُها إلّا اللَّطِيفُ الخَبِيرُ:

أتَزْعُمُ أنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ وفِيكَ انْطَوى العالِمُ الأكْبَرُ

وقِيلَ: أيْ والَّذِي قَدَّرَ الخَلْقَ عَلى ما خَلَقَهم فِيهِ مِنَ الصُّوَرِ والهَيْئاتِ، وأجْرى لَهم أسْبابَ مَعاشِهِمْ مِنَ الأرْزاقِ والأقْواتِ، ثُمَّ هَداهم إلى دِينِهِ ومَعْرِفَةِ تَوْحِيدِهِ بِإظْهارِ الدَّلالاتِ والبَيِّناتِ. وقِيلَ: قَدَّرَ أقْواتَهم وهَداهم لِطَلَبِها. وعَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ: قَدَّرَهم ذُكْرانًا وإناثًا وهَدى الذَّكَرَ كَيْفَ يَأْتِي الأُنْثى، وعَنْ مُجاهِدٍ: قَدَّرَ الإنْسانَ والبَهائِمَ وهَدى الإنْسانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ والبَهائِمَ لِلْمَراتِعِ، وعَنِ السُّدِّيِّ: قَدَّرَ الوَلَدَ في البَطْنِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ، وهَداهُ لِلْخُرُوجِ مِنهُ لِلتَّمامِ. وقِيلَ: قَدَّرَ المَنافِعَ في الأشْياءِ وهَدى الإنْسانَ لِاسْتِخْراجِها، والأوْلى ما ذُكِرَ أوَّلًا، ولَعَلَّ ما في سائِرِ الأقْوالِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لا التَّخْصِيصِ. وزَعَمَ (الفَرّاءُ) أنَّ في الآيَةِ اكْتِفاءً والأصْلُ: فَهَدى وأضَلَّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ: «قَدَرَ» بِالتَّخْفِيفِ مِنَ القُدْرَةِ أوِ التَّقْدِيرِ.

87:4–5Page 591

وَٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلۡمَرۡعَىٰ ٤

And who brings out the pasture

فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحۡوَىٰ ٥

And [then] makes it black stubble.

﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ أيْ: أنْبَتَ ما تَرْعاهُ الدَّوابُّ غَضًّا رَطْبًا يَرِفُّ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً﴾ هو ما ما يَقْذِفُ بِهِ السَّيْلُ عَلى جانِبِ الوادِي مِنَ الحَشِيشِ والنَّباتِ، وأصْلُهُ عَلى ما في المَجْمَعِ: الأخْلاطُ مِن أجْناسٍ شَتّى، والعَرَبُ تُسَمِّي القَوْمَ إذا اجْتَمَعُوا مِن قَبائِلَ شَتّى أخِلاطًا وغُثاءً، ويُقالُ: غُثّاءٌ بِالتَّشْدِيدِ وجاءَ جَمْعُهُ عَلى أغْثاءَ، وهو غَرِيبٌ مِن حَيْثُ جَمْعُ فُعالٍ عَلى أفْعالٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا اليابِسُ مِنَ النَّباتِ؛ أيْ: فَجَعَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ يابِسًا ﴿أحْوى﴾ مِنَ الحُوَّةِ وهي كَما قِيلَ: السَّوادُ. وقالَ الأعْلَمُ: لَوْنٌ يَضْرِبُ إلى السَّوادِ، وفي الصِّحاحِ: «الحُوَّةُ» السُّمْرَةُ، فالمُرادُ بِأحْوى أسْوَدُ أوْ أسْمَرُ والنَّباتُ إذا يَبِسَ اسْوَدَّ أوِ اسْمَرَّ فَهو صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْغُثاءِ وتُفَسَّرُ الحُوَّةُ بِشِدَّةِ الخُضْرَةِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ وفي اللِّثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ

ولا يُنافِي ذَلِكَ تَفْسِيرُها بِالسَّوادِ؛ لِأنَّ شِدَّةَ الخُضْرَةِ تُرى في بادِئِ النَّظَرِ كالسَّوادِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ المَرْعى؛ أيْ: أخْرَجَ المَرْعى حالَ كَوْنِهِ طَرِيًّا غَضًّا شَدِيدَ الخُضْرَةِ فَجَعَلَهُ غُثاءً، والفَصْلُ بِالمَعْطُوفِ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها لَيْسَ فَصْلًا بِأجْنَبِيٍّ لا سِيَّما وهو حالٌ يُعاقِبُ الأوَّلَ مِن غَيْرِ تَراخٍ. وسِرُّ التَّقْدِيمِ المُبالَغَةُ في اسْتِعْقابِ حالَةِ الجَفافِ حالَةَ الرَّفِيفِ

صفحة 105

والغَضارَةِ كَأنَّهُ قَبْلَ أنْ يَتِمَّ رَفِيقُهُ وغَضارَتُهُ يَصِيرُ غُثاءً ومَعَ هَذا هو خِلافُ الظّاهِرِ، وهَذِهِ الأوْصافُ عَلى ما قِيلَ: يَتَضَمَّنُ كُلٌّ مِنها التَّدْرِيجَ؛ فَفي الوَصْفِ بِها تَحْقِيقٌ لِمَعْنى التَّرْبِيَةِ وهي تَبْلِيغُ الشَّيْءِ كَمالَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا.

87:6Page 591

سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ ٦

We will make you recite, [O Muḥammad], and you will not forget,

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ بَيانٌ لِهِدايَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ الخاصَّةِ بِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إثْرَ بَيانِ هِدايَتِهِ عَزَّ وجَلَّ العامَّةِ لِكافَّةِ مَخْلُوقاتِهِ سُبْحانَهُ وهي هِدايَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَلَقِّي الوَحْيِ وحِفْظِ القُرْآنِ الَّذِي هو هُدًى لِلْعالَمِينَ وتَوْفِيقِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِهِدايَةِ النّاسِ أجْمَعِينَ. والسِّينُ إمّا لِلتَّأْكِيدِ وإمّا لِأنَّ المُرادَ إقْراءُ ما أُوحِيَ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَئِذٍ وما سَيُوحى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدُ؛ فَهو وعْدٌ كَرِيمٌ بِاسْتِمْرارِ الوَحْيِ في ضِمْنِ الوَعْدِ بِالإقْراءِ وإسْنادُ الإقْراءِ إلَيْهِ تَعالى مَجازِيٌّ؛ أيْ: سَنُقْرِئُكَ ما نُوحِي إلَيْكَ الآنَ وفِيما بَعْدُ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ الواسِطَةُ في الوَحْيِ عَلى سائِرِ كَيْفِيّاتِهِ فَلا تَنْسى أصْلًا مِن قُوَّةِ الحِفْظِ والإتْقانِ مَعَ أنَّكَ أُمِّيٌّ لَمْ تَكُنْ تَدْرِي ما الكِتابُ وما القِراءَةُ لِيَكُونَ ذَلِكَ لَكَ آيَةً مَعَ ما في تَضاعِيفِ ما تَقْرَؤُهُ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ مِن حَيْثُ الإعْجازُ ومِن حَيْثُ الإخْبارُ بِالمُغَيَّباتِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَنَجْعَلُكَ قارِئًا بِإلْهامِ القِراءَةِ؛ أيْ في الكِتابِ مِن دُونِ تَعْلِيمِ أحَدٍ كَما هو العادَةُ.

فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقْرَأُ الكِتابَةَ ولا يَكْتُبُ.

ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَنْسى﴾ نَفْيَ النِّسْيانِ مُطْلَقًا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وامْتِنانًا عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّهُ أُوتِيَ قُوَّةَ الحِفْظِ، وفِيهِ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ المَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ في الآيَةِ تَأْباهُ فاءُ التَّفْرِيعِ.

وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيَ نِسْيانِ المَضْمُونِ أيْ: سَنُقْرِئُكَ القُرْآنَ فَلا تَغْفُلْ عَنْهُ فَتُخالِفُهُ في أعْمالِكَ، فَفِيهِ وعْدٌ بِتَوْفِيقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِالتِزامِ ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ وهو كَما تَرى. وقِيلَ: فَلا تَنْسى نَهْيٌ، والألِفُ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ؛ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ وفِيهِ أنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ بِالِاخْتِيارِ فَلا يُنْهى عَنْهُ إلّا أنْ يُرادَ مَجازًا تَرْكُ أسْبابِهِ الِاخْتِيارِيَّةِ أوْ تَرْكُ العَمَلِ بِما تَضَمَّنَهُ المَقْرُوءُ، وفِيهِ ارْتِكابُ تَكَلُّفٍ مِن غَيْرِ داعٍ، وأيْضًا رَسْمُهُ بِالياءِ يَقْتَضِي أنَّها مِنَ البِنْيَةِ لا لِلْإطْلاقِ، وكَوْنُ رَسْمِ المُصْحَفِ مُخالِفًا تَكَلُّفٌ أيْضًا. نَعَمْ قِيلَ: رُسِمَتْ ألِفُ الإطْلاقِ ياءً لِمُوافَقَةِ غَيْرِها مِنَ الفَواصِلِ ومُوافَقَةِ أصْلِها مَعَ أنَّ الإمامَ المَرْزُوقِيَّ صَرَّحَ بِأنَّهُ عِنْدَ الإطْلاقِ تُرَدُّ المَحْذُوفَةُ، وقِيلَ: هو نَهْيٌ لَكِنْ لَمْ تُحْذَفِ الألِفُ فِيهِ إذْ قَدْ لا يَحْذِفُ الجازِمُ حَرْفَ العِلَّةِ وحَسَّنَ ذَلِكَ هُنا مُراعاةُ الفاصِلَةِ، وفِيهِ أيْضًا ما فِيهِ، والأهْوَنُ لِلطّالِبِ مَعْنى النَّهْيِ أنْ يَقُولَ: هو خَبَرٌ أُرِيدَ بِهِ النَّهْيُ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ السّابِقَيْنِ آنِفًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском