Al-AlusiAl‑Ghashiyah · 88:18–26

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Ghashiyah 88:18–26

88:18–20Page 592

وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ ١٨

And at the sky - how it is raised?

وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ ١٩

And at the mountains - how they are erected?

وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ ٢٠

And at the earth - how it is spread out?

صفحة 117

﴿وإلى السَّماءِ﴾ الَّتِي يُشاهِدُونَها لَيْلًا ونَهارًا ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ رَفْعًا سَحِيقَ المَدى بِلا عِمادٍ ولا مِساكٍ بِحَيْثُ لا يَنالُهُ الفَهْمُ والإدْراكُ ﴿وإلى الجِبالِ﴾ الَّتِي يَنْزِلُونَ في أقْطارِها ويَنْتَفِعُونَ بِمائِها وأشْجارِها ﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ وُضِعَتْ وضْعًا ثابِتًا يَتَأتّى مَعَهُ ارْتِقاؤُها فَلا تَمِيلُ ولا تَمِيدُ ويُمْكِنُ الرُّقِيُّ إلى دارِها ﴿وإلى الأرْضِ﴾ الَّتِي يَضْرِبُونَ فِيها ويَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ سَفْحًا بِتَوْطِئَةٍ وتَمْهِيدٍ وتَسْوِيَةٍ وتَوْطِيدٍ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ صَلاحُ أُمُورِ أهْلِها ولا يُنافِي ذَلِكَ القَوْلَ بِأنَّها قَرِيبَةٌ مِنَ الكُرَةِ الحَقِيقِيَّةِ لِمَكانِ عِظَمِها. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «خَلَقْتُ» «رَفَعْتُ» «نَصَبْتُ» «سَطَحْتُ» بِتاءِ المُتَكَلِّمِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والمَفْعُولُ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ، وهو العائِدُ إلى المُبْدَلِ مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ؛ أيْ: خَلَقْتُها رَفَعْتُها نَصَبْتُها سَطَحْتُها. وقَرَأ الحَسَنُ وهارُونُ الرَّشِيدُ: «سُطِّحَتْ» بِتَشْدِيدِ الطّاءِ، والمَعْنى: أفَلا يَنْظُرُونَ نَظَرَ التَّدَبُّرِ والِاعْتِبارِ إلى كَيْفِيَّةِ خَلْقِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ الشّاهِدَةِ بِحَقِّيَّةِ البَعْثِ والنُّشُورِ لِيَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ والنُّفُورِ ويَسْمَعُوا إنْذارَكَ ويَسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ. وجُوِّزَ أنْ يُحْمَلَ النَّظَرُ عَلى الإبْصارِ ويَكُونَ فِيهِ دَعْوى ظُهُورِ المَطْلُوبِ بِحَيْثُ يَظْهَرُ بِمُجَرَّدِ إبْصارِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

88:21–24Page 592

فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ ٢١

So remind, [O Muḥammad]; you are only a reminder.

لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ ٢٢

You are not over them a controller.

إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ ٢٣

However, he who turns away and disbelieves –

فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَكۡبَرَ ٢٤

Then Allāh will punish him with the greatest punishment.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالتَّذْكِيرِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ الإنْكارُ السّابِقُ مِن عَدَمِ النَّظَرِ؛ أيْ: فاقْتَصِرْ عَلى التَّذْكِيرِ ولا تَلِحَّ عَلَيْهِمْ ولا يَهُمَّنَّكَ أنَّهم لا يَنْظُرُونَ ولا يَتَذَكَّرُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ تَقْرِيرٌ لَهُ وتَحْقِيقٌ لِمَعْنى الإنْذارِ؛ أيْ: لَسْتَ بِمُتَسَلِّطٍ عَلَيْهِمْ تَجْبُرُهم عَلى ما تُرِيدُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ وقَرَأ الجُمْهُورُ: «بِمُصَيْطِرٍ» بِالصّادِ وكَسْرِ الطّاءِ، والأصْلُ السِّينُ، والصّادُ بَدَلٌ مِنهُ؛ فَإنَّهُ مِنَ السَّطْرِ بِمَعْنى التَّسَلُّطِ يُقالُ: سَطَرَ عَلَيْهِ إذا تَسَلَّطَ، وقَرَأ حَمْزَةُ في رِوايَةٍ بِإشْمامِ الصّادِ زايًا، وهارُونُ بِفَتْحِ الطّاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وسَيْطَرَ مُتَعَدٍّ عِنْدَهُمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: تَسَيْطَرَ لِمَكانِ المُطاوَعَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ قِيلَ: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. و«إلّا» فِيهِ بِمَعْنى لَكِنْ. و«مَن» مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَها صِلَةٌ، والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ فِيهِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ نَحْوَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وجَعْلُ مَن شَرْطِيَّةً يُبْعِدُهُ وُجُودُ الفاءِ فِيما يَصْلُحُ لِجَوابِيَّتِها بِدُونِها، وتَقْدِيرُ: فَهو يُعَذِّبُهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ. وأيًّا ما كانَ فَمِنَ المُنْقَطِعِ ما يَقَعُ بَعْدَ إلّا فِيهِ جُمْلَةٌ. أيْ: لَكِنْ مَن أعْرَضَ وأقامَ عَلى الكُفْرِ مِنهم يُعَذِّبُهُ اللَّهُ تَعالى العَذابَ الأكْبَرَ، وهَذا عَذابُ الآخِرَةِ في النّارِ؛ فَإنَّهُ الأكْبَرُ، وعَذابُ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أصْغَرُ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الِانْقِطاعَ عَلى مَعْنى: لَسْتَ بِمُسْتَوْلٍ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ مَن تَوَلّى وكَفَرَ مِنهم فَإنَّ لِلَّهِ تَعالى الوِلايَةَ عَلَيْهِ والقَهْرَ فَيُعَذِّبُهُ في نارِ جَهَنَّمَ. ولَمْ يَجْعَلْ عَلى ما قِيلَ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُسْتَوْلِيًا عَلى مَن تَوَلّى وقَدْ حُصِرَتِ الوِلايَةُ بِهِ تَعالى، وجُوِّزَ اتِّصالُهُ بِأنْ يَكُونَ مِن ضَمِيرِ ( عَلَيْهِمْ ) فَيَكُونَ «مَن» في مَحَلِّ جَرٍّ تابِعًا لَهُ، وتَسَلُّطُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى المُتَوَلِّي بِاعْتِبارِ جِهادِهِ وقَتْلِهِ الَّذِي وُعِدَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يُنافِي حَصْرَ الوِلايَةِ بِهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ إلّا عَلى مَن تَوَلّى وأقامَ عَلى الكُفْرِ فَإنَّكَ مُتَسَلِّطٌ عَلَيْهِ بِما يُؤْذَنُ لَكَ مِن جِهادِهِ وقَتْلِهِ وسَبْيِهِ وأسْرِهِ، وبَعْدَ ذَلِكَ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ تَعالى في جَهَنَّمَ، فَيَكُونُ في الآيَةِ إيعادٌ لَهم بِالجِهادِ في الدُّنْيا وعَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إيعادًا بِالجِهادِ فَقَطْ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ الأكْبَرِ القَتْلُ وسَبْيُ النِّساءِ والأوْلادِ وسائِرِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الجِهادِ مِنَ البَلايا فَيَكُونُ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ أكْبَرُ عَذابِهِمْ في الدُّنْيا؛ ذَلِكَ لا ما كانَ في الأُمَمِ السّابِقَةِ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ ونَحْوِهِما، وأُقِيمَ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾ إلَخْ مَقامَ: فَتَكُونُ عَلَيْهِ

صفحة 118

مُتَسَلِّطًا إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ حَتّى كَأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا دَخْلَ لَهُ فِيهِ. وقالَ عِصامُ الدِّينِ: في كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا إشْكالٌ؛ لِأنَّ المُسْتَثْنى المُنْقَطِعَ هو المَذْكُورُ بَعْدًا لا غَيْرَ مُخْرَجٍ عَنْ مُتَعَدِّدٍ قَبْلَهُ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِيهِ مُخالِفٌ لَهُ في الحُكْمِ ولَيْسَ مَن تَوَلّى وكَفَرَ خارِجًا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ولَيْسَ حُكْمُهم مُخالِفًا لَهُ. ثُمَّ أجابَ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ قَدْ يَكُونُ لِدَفْعِ تَوَهُّمٍ ناشِئٍ مِمّا سَبَقَ مِن غَيْرِ أنْ يُخالِفَ المُسْتَثْنى مِنهُ في الحُكْمِ فالواجِبُ ذِكْرُ حُكْمٍ لَهُ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ حُكْمُهُ مُخالِفًا لِحُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ فَكَأنَّهُ هاهُنا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّعْذِيبِ فَتَأمَّلْ. وجُوِّزَ كَوْنُ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ و«مَن» مَوْصُولَةٌ لا غَيْرَ. والمُرادُ بِالعَذابِ اسْتِحْقاقُ العَذابِ؛ أيْ: فَذَكِّرْ إلّا مَنِ انْقَطَعَ طَمَعُكَ مِن إيمانِهِ وتَوَلّى فاسْتَحَقَّ العَذابَ الأكْبَرَ.

وقَوْلُهُ ﴿إنَّما أنْتَ﴾ إلَخْ. عَلى هَذا اعْتِراضٌ ورُجِّحَ الِانْقِطاعُ بِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وزَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ وقَتادَةَ وزَيْدَ بْنَ أسْلَمَ قَرَءُوا: «ألا» حَرْفَ تَنْبِيهٍ واسْتِفْتاحٍ.

88:25Page 592

إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ ٢٥

Indeed, to Us is their return.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَعْذِيبِهِ تَعالى إيّاهم بِالعَذابِ الأكْبَرِ وإيابٌ مَصْدَرُ آبَ؛ أيْ: رَجَعَ؛ أيْ: إنَّ إلَيْنا رُجُوعَهم بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى أحَدٍ سِوانا لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا، وجُمِعَ الضَّمِيرُ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ بِاعْتِبارِ مَعْنى «مَن» كَما أنَّ إفْرادَهُ فِيما سَبَقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: «إيّابَهُمْ» بِتَشْدِيدِ الياءِ قالَ البَطْلَيُوسِيُّ في كِتابِ المُثَلَّثاتِ: هَذِهِ القِراءَةُ تَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ «إيّابَ» بِالتَّشْدِيدِ فِعّالًا مِن أوِبَ عَلى زِنَةِ فَعِلَ كَكَذِبَ كِذّابًا، وأصْلُهُ أوّابٌ فَلَمْ يُعْتَدَّ بِالواوِ الأُولى حاجِزًا لِضَعْفِها بِالسُّكُونِ فَأبْدَلَ مِنَ الواوِ الثّانِيَةِ ياءً لِانْكِسارِ الهَمْزَةِ فَصارَ في التَّقْدِيرِ أُويابًا ثُمَّ قُلِبَتِ الأُولى ياءً أيْضًا لِاجْتِماعِ ياءٍ وواوٍ وسُكُونِ إحْداهُما، ولِأنَّ الواوَ الأُولى إذا لَمْ تَمْنَعْ مِنَ انْقِلابِ الثّانِيَةِ فَهي أجْدَرُ بِالِانْقِلابِ، والثّانِي أنْ يَكُونَ فَيْعالًا وأصْلُهُ أيْوابًا فَأُعِلَّ إعْلالَ سَيِّدٍ، وفِعْلُهُ عَلى هَذا أيَّبَ عَلى وزْنِ فَيْعَلَ كَحَوْقَلَ حَيْقالًا مِنَ الإيابِ، وأصْلُهُ أيُّوبَ فَأُعِلَّ كَما ذَكَرْنا، والوَجْهُ الأوَّلُ أقْيَسُ؛ لِأنَّهم قالُوا في مَصْدَرِهِ: التَّأْوِيبُ والتَّفْعِيلُ مَصْدَرُ فَعَلَ لا فَيْعَلٍ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قالُوا: هو سَرِيعُ الأوْبَةِ والأيْبَةِ؛ فَكَأنَّهم آثَرُوا الياءَ لِخِفَّتِها. انْتَهى.

وقَدْ ذَكَرَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ إلّا أنَّهُ في الأوَّلِ مِنهُما يُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ أوّابًا فَعّالًا مِن أوَبَ ثُمَّ قِيلَ: إيوابًا كَدِيوانٍ في دَوّانٍ. ثُمَّ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِأصْلِ سَيِّدٍ، وظاهِرُهُ أنَّ الواوَ الأُولى هي الَّتِي قُلِبَتْ أوَّلًا ياءً، واعْتُرِضَ بِأنَّ المُقَرَّرَ أنَّ الواوَ الأُولى إذا كانَتْ مَوْضُوعَةً عَلى الإدْغامِ وجاءَ ما قَبْلَها مَكْسُورًا لا تُقْلَبُ ياءً لِأجْلِ الكَسْرِ كَما في اخْرِوّاطٍ مَصْدَرِ اخْرَوَّطَ وإنَّ دِيوانًا إذا كانَ مَذْكُورًا لِلْقِياسِ عَلَيْهِ لا لِلتَّنْظِيرِ لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ لِنَصِّهِمْ عَلى شُذُوذِهِ وكَأنَّ البَطْلِيُوسِيَّ عَدَلَ إلى ما عَدَلَ لِذَلِكَ. وفي الكَشْفِ: لَوْ جُعِلَ مَصْدَرُ فاعَلَ مِنَ الأوْبِ فَقَدْ جاءَ فِيهِ فَيْعالٌ حَتّى قالَ بَعْضُهم إنَّ فَعّالًا مُخَفَّفٌ عَنْهُ لَكانَ أظْهَرَ لِأنَّ فَيْعَلَ لا يَثْبُتُ إلّا بِثَبْتٍ، والأوَّلُ كالمُنْقاسِ، ومَعْنى الفاعِلَةِ حِينَئِذٍ إمّا المُبالَغَةَ وإمّا مُسابَقَةَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا في الأوْبِ، وأمّا جَعْلُهُ فَعّالًا عَلى ما قَرَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَأبْعَدَ إلى آخِرِ كَلامِهِ، وكَوْنُهُ مِن فاعِلٍ جَوَّزَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا لَكِنَّهُ قالَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن آوِبٍ فَيَجِيءُ إيوابًا سُهِّلَتْ هَمْزَتُهُ وكانَ اللّازِمُ في الإدْغامِ يَرُدُّها أوّابًا لَكِنِ اسْتُحْسِنَتْ فِيهِ الياءُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ فاعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ قَوْلَهُ: «وكانَ اللّازِمُ إلَخْ» لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلِ اللّازِمُ إذا اعْتُبِرَ الإدْغامُ أنْ يَكُونَ إيّابًا؛ لِأنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَتْ ياءٌ وهي المُبْدَلَةُ مِنَ الهَمْزَةِ بِالتَّسْهِيلِ وواوٌ وهي عَيْنُ الكَلِمَةِ وإحْداهُما ساكِنَةٌ فَتُقْلَبُ الواوُ ياءً وتُدْغَمُ فِيها الياءُ فَيَصِيرُ إيّابًا فَلا تَغْفُلْ.

88:26Page 592

ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم ٢٦

Then indeed, upon Us is their account.

﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ في المَحْشَرِ لا عَلى غَيْرِنا و«ثُمَّ» لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ لا الزَّمانِيِّ؛ فَإنَّ التَّرْتِيبَ الزَّمانِيَّ بَيْنَ إيابِهِمْ وحِسابِهِمْ لا بَيْنَ كَوْنِ إيابِهِمْ إلَيْهِ تَعالى وحِسابِهِمْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَإنَّهُما أمْرانِ مُسْتَمِرّانِ. وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَتَيْنِ بِأنَّ وتَقْدِيمِ خَبَرِها والإتْيانِ بِضَمِيرِ العَظَمَةِ وعِطْفِ الثّانِيَةِ عَلى الأُولى بِثُمَّ المُفِيدَةِ لِبُعْدِ مَنزِلَةِ الحِسابِ في الشِّدَّةِ مِنَ الإنْباءِ عَنْ غايَةِ السُّخْطِ المُوجِبِ لِشَدِيدِ العَذابِ ما لا يَخْفى. وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الشِّيعَةِ حَيْثُ زَعَمُوا أنَّ حِسابَ الخَلائِقِ عَلى الأمِيرِ

صفحة 119

كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِما افْتَرَوْهُ عَلَيْهِ وعَلى أهْلِ بَيْتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ مِنَ الأخْبارِ، ومَعْنى قَوْلِهِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: «أنا قَسِيمُ الجَنَّةِ والنّارِ -إنْ صَحَّ- أنَّ النّاسَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ فَرِيقانِ: فَرِيقٌ مَعِي فَهم عَلى هُدًى وفَرِيقٌ عَلَيَّ فَهم عَلى ضَلالٍ، فَقِسْمٌ مَعِي في الجَنَّةِ وقِسْمٌ في النّارِ» ولَعَلَّهم عَنَوْا أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يُحاسِبُ الخَلائِقَ بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يَقُولُ غَيْرُهم بِأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُحاسِبُونَهم بِأمْرِهِ جَلَّ وعَلا وهو مَعْنًى لا يُنافِي الحَصْرَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الآيَةُ لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ، وأيُّ خُصُوصِيَّةٍ في الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مِن بَيْنِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ والمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أجْمَعِينَ تَقْتَضِيهِ، ولا نَقْصَ لَهُ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ في نَفْيِ ذَلِكَ عَنْهُ ويَكْفِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن ظُهُورِ شَرَفِهِ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ يُزَفُّ إلى الجَنَّةِ بَيْنَ النَّبِيِّ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما جاءَ في الحَدِيثِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَظْهَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском