Al-AlusiAl‑Fajr · 89:24–30

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Fajr 89:24–30

89:24Page 594

يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي ٢٤

He will say, "Oh, I wish I had sent ahead [some good] for my life."1

﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ ويُعْلَمُ ما فِيهِ مِمّا تَقَدَّمَ مِن تَوْجِيهِ الِاسْتِدْلالِ فَلا تَغْفُلْ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن «يَتَذَكَّرُ» أوِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَقُولُ عِنْدَ تَذَكُّرِهِ؟ فَقِيلَ: يَقُولُ: يا لَيْتَنِي إلَخْ. واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، والمُرادُ بِحَياتِهِ حَياتُهُ في الآخِرَةِ، ومَفْعُولُ «قَدَّمْتُ» مَحْذُوفٌ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِأجْلِ حَياتِي هَذِهِ أعْمالًا صالِحَةً أنْتَفِعُ بِها فِيها. وقِيلَ: اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ إلّا أنَّ المَعْنى: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ أعْمالًا صالِحَةً لِأجْلِ أنْ أحْيا حَياةً نافِعَةً، وقالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَمُوتُ ولا يَحْيا حِينَئِذٍ وهو كَما تَرى.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ تَوْقِيتِيَّةً مِثْلَها في نَحْوِ: كَتَبْتُهُ لِخَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَيْنَ مِنَ المُحَرَّمِ، وجِئْتُ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ، ويَكُونُ المُرادُ بِحَياتِهِ حَياتَهُ في الدُّنْيا؛ أيْ: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ وعَمِلْتُ أعْمالًا صالِحَةً وقْتَ حَياتِي في الدُّنْيا لِأنْتَفِعَ بِها اليَوْمَ، ولَيْسَ في هَذا التَّمَنِّي شائِبَةُ دَلالَةٍ عَلى اسْتِقْلالِ العَبْدِ بِفِعْلِهِ، وإنَّما يَدُلُّ عَلى اعْتِقادِ كَوْنِهِ مُتَمَكِّنًا مِن تَقْدِيمِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وإمّا أنَّ ذَلِكَ بِمَحْضِ قُدْرَتِهِ تَعالى أوْ بِخَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ صَرْفِ قُدْرَتِهِ الكاسِبَةِ إلَيْهِ فَكَلّا، وزَعَمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ دَلِيلًا عَلى الِاسْتِقْلالِ ورَدَّ بِهِ عَلى المُجْبِرَةِ وهم عِنْدَهُ غَيْرُ المُعْتَزِلَةِ زَعْمًا مِنهُ المُنافاةَ بَيْنَ التَّمَنِّي والحَجْرِ. وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لا دَلالَةَ عَلى ذَلِكَ. وفي الكَشْفِ أنَّ التَّمَنِّيَ قَدْ يَقَعُ عَلى المُسْتَحِيلِ عَلى أنَّهُ حالَتَئِذٍ كالغَرِيقِ، هَذا وأهْلُ الحَقِّ لا يَقُولُونَ بِسَلْبِ الِاخْتِيارِ بِالكُلِّيَّةِ.

89:25–26Page 594

فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٥

So on that Day, none will punish [as severely] as His punishment,

وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٦

And none will bind [as severely] as His binding [of the evildoers].

﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يَكُونُ ما ذُكِرَ مِنَ الأحْوالِ والأقْوالِ ﴿لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ ﴿ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ الهاءُ إمّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ أيْ: لا يَتَوَلّى عَذابَ اللَّهِ تَعالى ووَثاقَهُ سُبْحانَهُ أحَدٌ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ وكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَفْعَلُ عَذابَ اللَّهِ تَعالى ووَثاقَهُ ولا يُباشِرُهُما أحَدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ في ضِمْنِ كُلِّ فِعْلٍ خاصٍّ واسْتُعْمِلَ ذَلِكَ اسْتِعْمالًا شائِعًا في مِثْلِ:

وقَدْ حِيلَ بَيْنَ العِيرِ والنَّزَوانِ. وإنْ نَظُنْ إلّا ظَنًّا فالعَذابُ مَفْعُولٌ بِهِ وكَذا الوَثاقُ، وفِيهِ تَعْظِيمُ عَذابِ اللَّهِ تَعالى ووَثاقِهِ سُبْحانَهُ لِهَذا الإنْسانِ الَّذِي شَرَحَ مِن أحْوالِهِ ما شَرَحَ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ. فَما ادَّعاهُ ابْنُ الحاجِبِ مِن عَدَمِ قُوَّةِ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ تَعالى بِناءً عَلى فَواتِ التَّعْظِيمِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ لِلْغُفُولِ عَنْ نُكْتَةِ الكِنايَةِ، وإمّا لِلْإنْسانِ المَوْصُوفِ والإضافَةُ إلى المَفْعُولِ؛ أيْ: لا يُعَذِّبُ ولا يُوثِقُ أحَدٌ مِنَ الزَّبانِيَةِ أحَدًا مِن أهْلِ النّارِ مِثْلَ ما يُعَذِّبُونَهُ ويُوثِقُونَهُ كَأنَّهُ أشَدُّهم عَذابًا ووَثاقًا لِأنَّهُ أشَدُّهم سَيِّئاتِ أفْعالٍ وقَبائِحِ أحْوالٍ، وهو وجْهٌ

صفحة 130

حَسَنٌ بَلْ هو أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ عَلى ما سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وقَرَأ ابْنَ سِيرِينَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو بَحْرِيَّةَ وسَلّامٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ وخارِجَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «لا يُعَذَّبُ» «ولا يُوثَقُ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، فالهاءُ في عَذابِهِ ووَثاقِهِ لِلْإنْسانِ المَوْصُوفِ؛ أيْ: لا يُعَذَّبُ أحَدٌ مِثْلَ عَذابِهِ ولا يُوثَقُ بِالسَّلاسِلِ والأغْلالِ مِثْلَ وثاقِهِ لِتَناهِيهِ في كُفْرِهِ وشِقاقِهِ ونُصِبَ العَذابُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْذِيبِ؛ إمّا لِأنَّهُ بِمَعْناهُ في الأصْلِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى ما يُعَذَّبُ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ وُضِعَ مَوْضِعَهُ كَما يُوضَعُ العَطاءُ مَوْضِعَ الإعْطاءِ وكَذَلِكَ الوَثاقُ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَحْمِلُ عَذابَ الإنْسانِ أحَدٌ، ولا يُوَثَقُ وثاقُهُ أحَدٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ والعَذابُ عَلَيْهِ جارٍ عَلى المُتَعارَفِ، والنَّصْبُ عَلى تَضْمِينِ التَّعْذِيبِ مَعْنى التَّحْمِيلِ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِمَقامِ التَّغْلِيظِ عَلى هَذا الإنْسانِ المُفَرِّطِ أوانَ التَّمَكُّنَ، والوَجْهُ الثّانِي لِلْقِراءَةِ الأُولى مُطابِقٌ لِهَذا كَما لا يَخْفى، والمُرادُ مِن أنَّهُ لا يُعَذَّبُ أحَدٌ مِثْلَ عَذابِهِ أنَّهُ لا يُعَذَّبُ أحَدٌ مِن جِنْسِهِ كالعُصاةِ كَذَلِكَ فَلا يَلْزَمُ كَوْنُهُ أشَدَّ عَذابًا مِن إبْلِيسَ ومَن في طَبَقَتِهِ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ جِنْسُ المُتَّصِفِ بِما ذُكِرَ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وقِيلَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وإنْ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن ذُكِرَ وأمّا القَوْلُ بِأنَّ هَذا العَذابَ المُوثَقَ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ لا يُقالُ لَهُ إنْسانٌ، وكَوْنُ الضَّمِيرِ لَهُ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ لا لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾ إلَخْ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: «وِثاقَهُ» بِكَسْرِ الواوِ.

89:27Page 594

يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ ٢٧

[To the righteous it will be said], "O reassured soul,

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ إلَخْ حِكايَةٌ لِأحْوالِ مَنِ اطْمَأنَّ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ إثْرَ حِكايَةِ مَنِ اطْمَأنَّ بِالدُّنْيا وسَكَنَ إلَيْها. وذُكِرَ أنَّهُ عَلى إرادَةِ القَوْلِ؛ أيْ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ﴾ إلَخْ. إمّا بِالذّاتِ كَما كَلَّمَ سُبْحانَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ عَلى لِسانِ المَلَكِ، واسْتُظْهِرَ أنَّ ذُلَّ القَوْلِ عِنْدَ تَمامِ الحِسابِ.

ولْيَنْظُرِ التَّفاوُتُ ما بَيْنَ ذَلِكَ الإنْسانِ وهَذِهِ النَّفْسِ ذاكَ يَقُولُ: ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ وهَذِهِ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى لَها: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ إلَخْ، وكَأنَّهُ لِلْإيذانِ بِغايَةِ التَّبايُنِ لَمْ يَذْكُرِ القَوْلَ، وتُعْطَفُ الجُمْلَةُ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ. والنَّفْسُ قِيلَ: بِمَعْنى الذّاتِ ووُصِفَتْ بِالِاطْمِئْنانِ بِذَلِكَ لِأنَّها لِتَرْقى بِقُوَّتِها العاقِلَةِ في مَعارِجِ الأسْبابِ والمُسَبَّباتِ إلى المَبْدَأِ المُؤَثِّرِ بِالذّاتِ جَلَّتْ صِفاتُهُ وأسْماؤُهُ فَتَضْطَرِبُ وتَقْلَقُ قَبْلَ الوُصُولِ إلى مَعْرِفَتِهِ تَعالى، فَإذا وصَلَتْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ اطْمَأنَّتْ واسْتَغْنَتْ بِهِ سُبْحانَهُ عَنْ وُجُودِها وسائِرِ شُؤُونِها ولَمْ تَلْتَفِتْ إلى ما سِواهُ جَلَّ وعَلا بِالكُلِّيَّةِ وقِيلَ: هي النَّفْسُ المُؤْمِنَةُ المُطْمَئِنَّةُ إلى الحَقِّ الواصِلَةُ إلى ثَلْجِ اليَقِينِ وبُرُودَتِهِ بِحَيْثُ لا يُخالِطُها شَكٌّ ما ولا يُمازِجُها سُخُونَةُ اضْطِرابِ القَلْبِ في الحَقِّ أصْلًا وهو وجْهٌ حَسَنٌ، والِارْتِباطُ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ النَّفْسَ هي المُتَّعِظَةُ الذّاكِرَةُ عَلى خِلافِ الإنْسانِ المَوْصُوفِ فِيما قَبْلُ، فَإنَّ التَّذَكُّرَ عَلى قَدْرِ قُوَّةِ اليَقِينِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ وقِيلَ: هي الآمِنَةُ الَّتِي لا يَسْتَفِزُّها خَوْفٌ ولا حُزْنٌ يَوْمَ القِيامَةِ، أعْنِي النَّفْسَ المُؤْمِنَةَ اليَوْمَ المُتَوَفّاةَ عَلى الإيمانِ. وأُيِّدَ بِقِراءَةِ أُبَيٍّ: «يا أيَّتُها النَّفْسُ الآمِنَةُ المُطْمَئِنَّةُ» وكَأنَّهُ لِأنَّ الوَصْفَيْنِ يُعْتَبَرُ تَناسُبُهُما في الأكْثَرِ وهي عَلى هَذا تُقابِلُ السّابِقَ وهو المُتَحَسِّرُ والمُتَحَزِّنُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: «يا أيُّها» بِغَيْرِ تاءٍ، وذَكَرَ صاحِبُ البَدِيعِ أنَّ أيًّا قَدْ تُذْكَرُ مَعَ المُنادى المُؤَنَّثِ قِيلَ: ولِذَلِكَ وجْهٌ مِنَ القِياسِ؛ وذَلِكَ أنَّها كَما لَمْ تُثَنَّ ولَمْ تُجْمَعْ في نِداءِ المُثَنّى والمَجْمُوعِ، فَكَذَلِكَ لَمْ تُؤَنَّثُ في نِداءِ المُؤَنَّثِ، واعْتِبارُ النَّفْسِ هاهُنا مُذَكَّرَةً ثُمَّ مُؤَنَّثَةً مِمّا لا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ.

89:28Page 594

ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ ٢٨

Return to your Lord, well-pleased and pleasing [to Him],

﴿ارْجِعِي﴾ أيْ: مِن حَيْثُ حُوسِبْتِ.

﴿إلى رَبِّكِ﴾ أيْ: إلى مَحَلِّ عِنايَتِهِ تَعالى ومَوْقِفِ كَرامَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لَكِ أوَّلًا، وهَذا لِأنَّ لِلسُّعَداءِ قَبْلَ الحِسابِ كَما يُفْهَمُ مِنَ الأخْبارِ مَوْقِفًا في المَحْشَرِ مَخْصُوصًا يُكْرِمُهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ لا يَجِدُونَ فِيهِ ما يَجِدُهُ غَيْرُهم في مَواقِفِهِمْ مِنَ النَّصَبِ، ومِنهُ يُنادى الواحِدُ بَعْدَ الواحِدِ لِلْحِسابِ، فَمَتى كانَ هَذا القَوْلُ عِنْدَ تَمامِ الحِسابِ

صفحة 131

اقْتَضى أنْ يَكُونَ المَعْنى ما ذُكِرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ارْجِعِي بِتَخْلِيَةِ القَلْبِ عَنِ الأعْمالِ والِالتِفاتِ إلَيْها والِاهْتِمامِ بِأمْرِها أتُقْبَلُ أمْ لا، أيْ: إلى مُلاحَظَةِ ( رَبِّكِ ) والِانْقِطاعِ إلَيْهِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلى ما سِواهُ عَزَّ وجَلَّ كَما كُنْتِ أوَّلًا، كَأنَّ النَّفْسَ المُطْمَئِنَّةَ لَمّا دُعِيَتْ لِلْحِسابِ شُغِلَ فِكْرُها، وإنْ كانَتْ مُطَمْئِنَةً بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ وحالِ اليَوْمِ بِأمْرِ الحِسابِ وما يَنْتَهِي إلَيْهِ وأنَّهُ ماذا يَكُونُ حالُ أعْمالِها أتُقْبَلُ أمْ لا، فَلَمّا تَمَّ حِسابُها وقُبِلَتْ أعْمالُها قِيلَ لَها ذَلِكَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِها بِأنَّ الأمْرَ قَدِ انْتَهى وفُرِغَ مِنهُ، ولَيْسَ بَعْدُ إلّا كُلُّ خَيْرٍ. ونِداؤُها بِعُنْوانِ الِاطْمِئْنانِ لِتَذْكِيرِها بِما يَقْتَضِي الرُّجُوعَ نَظِيرَ قَوْلِكَ لِشُجاعٍ مَشْهُورٍ بِالشَّجاعَةِ أحْجَمَ في بَعْضِ المَواقِفِ: يا أيُّها الشُّجاعُ، أقْدِمْ ولا تُحْجِمْ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَلى الأوَّلِ لا يُناسِبُها ولا يَخْفى ما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلى رَبِّكِ﴾ عَلى الوَجْهَيْنِ مِن مَزِيدِ اللُّطْفِ بِها، ولِذا لَمْ يَقُلْ نَحْوَ: ارْجِعِي إلى اللَّهِ تَعالى أوْ «إلَيَّ راضِيَةً»؛ أيْ: بِما تُؤْتَيْنَهُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لا تَتَناهى، وقَدْ يُقالُ: راضِيَةً بِما نِلْتِيهِ مِن خِفَّةِ الحِسابِ وقَبُولِ الأعْمالِ ولَيْسَ بِذاكَ.

﴿مَرْضِيَّةً﴾ أيْ: عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قِيلَ: المُرادُ راضِيَةً عَنْ رَبِّكَ مَرْضِيَّةً عِنْدَهُ، وزُعِمَ أنَّهُ الأظْهَرُ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلسِّياقِ وفِيهِ نَظَرٌ. والوَصْفانِ مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، والظّاهِرُ أنَّ الحالَ الأُولى مُقَدَّرَةٌ، وقِيلَ: مُقارِنَةٌ، وذِكْرُ الحالِ الثّانِيَةِ مِن بابِ التَّرَقِّي فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ .

89:29–30Page 594

فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي ٢٩

And enter among My [righteous] servants

وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي ٣٠

And enter My Paradise."

﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ في زُمْرَةِ عِبادِي الصّالِحِينَ المُخْلِصِينَ لِي وانْتَظِمِي في سِلْكِهِمْ وكُونِي في جُمْلَتِهِمْ.

﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها داخِلَةٌ مَعَها في حَيِّزِ الفاءِ المُفِيدَةِ لِكَوْنِ ما بَعْدَها عَقِيبَ ما قَبْلَها مِن غَيْرِ تَراخٍ، وكَأنَّ الأمْرَ بِالدُّخُولِ في جُمْلَةِ عِبادِ اللَّهِ تَعالى الصّالِحِينَ إشارَةٌ إلى السَّعادَةِ الرُّوحانِيَّةِ لِكَمالِ اسْتِئْناسِ النَّفْسِ بِالجَلِيسِ الصّالِحِ، والأمْرُ بِدُخُولِ الجَنَّةِ إشارَةٌ إلى السَّعادَةِ الجُسْمانِيَّةِ ولِفَضْلِ الأُولى عَلى الثّانِيَةِ قَدَّمَ الأمْرَ الأوَّلَ وجِيءَ بِالثّانِي عَلى وجْهِ التَّتْمِيمِ. ونُكْتَةُ الِالتِفاتِ فِيهِما ظاهِرَةٌ بِأدْنى التِفاتٍ.

وتَعَدّى الدُّخُولُ أوَّلًا بِفي وثانِيًا بِدُونِها قالَ أبُو حَيّانَ: لِأنَّ المَدْخُولَ فِيهِ إنْ كانَ غَيْرَ ظَرْفٍ حَقِيقِيٍّ تَعَدّى إلَيْهِ في الِاسْتِعْمالِ بِفِي، تَقُولُ: دَخَلْتُ في الأمْرِ ودَخَلْتُ في غِمارِ النّاسِ، وإذا كانَ ظَرْفًا حَقِيقِيًّا تَعَدّى إلَيْهِ في الغالِبِ بِغَيْرِ وساطَتِها فَلا تَغْفُلْ. وقِيلَ: المُرادُ: ارْجِعِي إلى مَوْعِدِ رَبِّكِ، واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ بِمَوْعِدِهِ تَعالى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ القَوْلِ المَذْكُورِ بَعْدَ تَمامِ الحِسابِ ما وعَدَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الجَنَّةِ والكَوْنِ مَعَ عِبادِهِ تَعالى الصّالِحِينَ، والفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ، واسْتُشْكِلَ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالرُّجُوعِ؛ إذْ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الجَنَّةُ مَقَرًّا لِلنَّفْسِ قَبْلَ ذَلِكَ، وأُجِيبَ بِتَحَقُّقِ هَذا المُقْتَضى بِناءً عَلى وُجُودِها بِالقُوَّةِ في ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ كانَ في الجَنَّةِ وقَدْ قِيلَ نَحْوَ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ المُرادَ بِالمَعادِ الجَنَّةُ دُونَ مَكَّةَ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ لا يَتِمُّ إلّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ جَنَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هي الجَنَّةُ الَّتِي يَدْخُلُها المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيامَةِ لا جَنَّةً أُخْرى كانَتْ في الأرْضِ، والخِلافُ في ذَلِكَ قَوِيٌّ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كِتابَ مِفْتاحِ السَّعادَةِ لِلْعَلّامَةِ ابْنِ القَيِّمِ واطَّلَعَ عَلى أدِلَّةِ الطَّرَفَيْنِ. وقِيلَ: المُرادُ: ارْجِعِي إلى أمْرِ رَبِّكَ، واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ بِالأمْرِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ واحِدُ الأُمُورِ ويُفَسَّرُ بِمُعامَلَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاها بِما لَيْسَ فِيهِ ما يَشْغَلُ بالَها أوْ بِتَمْيِيزِها بِمَوْقِفٍ كَرِيمٍ أوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَتَحَقَّقُ مَعَهُ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الرُّجُوعِ، وقِيلَ: المُرادُ: ارْجِعِي إلى كَرامَةِ رَبِّكَ ويُرادُ جِنْسُ كَرامَتِهِ سُبْحانَهُ والرُّجُوعُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّها كانَتْ بَعْدَ المَوْتِ في البَرْزَخِ أوْ بَعْدَ البَعْثِ وقَبْلَ الحِسابِ في نَوْعٍ مِنهُ والفاءُ عَلَيْهِ قِيلَ: تَفْسِيرِيَّةٌ أيْضًا. وعَنْ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ عِنْدَ البَعْثِ، فَقِيلَ: النَّفْسُ بِمَعْنى الذّاتِ أيْضًا، والمُرادُ بِالرَّبِّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ ولا يُقَدَّرُ مَحَلَّ كَرامَتِهِ تَعالى مُرادًا بِهِ المَوْقِفُ الخاصُّ عَلى ما سَمِعْتَ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ لَها بَعْدُ. وقِيلَ: النَّفْسُ بِمَعْنى الرَّوْحِ، والمُرادُ بِالرَّبِّ الصّاحِبُ،

صفحة 132

وفُسِّرَ بِالجَسَدِ وباقِي الآيَةِ عَلى حالِهِ؛ أيِ ارْجِعِي إلى جَسَدِكِ كَما كُنْتِ في الدُّنْيا فادْخُلِي بَعْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ في جُمْلَةِ عِبادِي وادْخُلِي دارَ ثَوابِي، وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّفْسِ والرَّبِّ ما ذُكِرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي عِبادِي﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: فادْخُلِي في أجْسادِ عِبادِي، وجاءَ هَذا في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ، ولا يَضُرُّ الإفْرادُ أوَّلًا والجَمْعُ ثانِيًا؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى الجِنْسِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ عِنْدَ المَوْتِ وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «قُرِئَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ الآيَةَ. فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّ هَذا لَحَسَنٌ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أما إنَّ المَلَكَ سَيَقُولُها لَكَ عِنْدَ المَوْتِ»». وجاءَ نَحْوُ هَذا مِن رِوايَةِ الحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ في نَوادِرِ الأُصُولِ مِن طَرِيقِ ثابِتِ بْنِ عَجْلانَ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عامِرٍ عَنِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

والنَّفْسُ عَلَيْهِ بِمَعْنى الرُّوحِ، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ: ارْجِعِي بِالمَوْتِ إلى عالِمِ قُدْسِ رَبِّكِ راضِيَةً بِما تُؤْتَيْنَ مِنَ النَّعِيمِ أوْ راضِيَةً عَنْ رَبِّكَ مَرْضِيَّةً عِنْدَهُ تَعالى، فادْخُلِي في زُمْرَةِ عِبادِي المُقَرَّبِينَ سَكَنَةِ حَظائِرِ القُدْسِ، وادْخُلِي جَنَّتَيِ الَّتِي أعْدَدْتُها لِذَوِي النُّفُوسِ المُطْمَئِنَّةِ، وهَذانِ الدُّخُولانِ يَعْقُبانِ الرُّجُوعَ إلّا أنَّ الدُّخُولَ الأوَّلَ يَعْقُبُهُ بِلا تَراخٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، والثّانِي يَعْقُبُهُ بِتَراخٍ؛ لِأنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ إنْ أُرِيدَ بِدُخُولِ الجَنَّةِ دُخُولَها عَلى وجْهِ الخُلُودِ إلّا أنَّ الأمْرَ لِتَحَقُّقِهِ يَجُوزُ تَعْقِيبُهُ بِالفاءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعْقِيبُ الأمْرَيْنِ عَلى هَذا النَّمَطِ إنْ أُرِيدَ بِالدُّخُولِ في عِبادَهِ تَعالى انْتِظامُها في سِلْكِ العِبادِ الصّالِحِينَ المُخْلِصِينَ مِن جِنْسِها، ويَجُوزُ عَلى إرادَةِ هَذا التَّعْقِيبِ أنْ يُرادَ فادْخُلِي في أجْسادِ عِبادِي. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعْقِيبُ الأمْرَيْنِ بِلا تَراخٍ إنْ أُرِيدَ بِالدُّخُولِ في العِبادِ الدُّخُولُ في زُمْرَةِ المُقَرَّبِينَ مِن سَكَنَةِ حَظائِرِ القُدْسِ وبِالدُّخُولِ في الجَنَّةِ الدُّخُولُ لا عَلى وجْهِ الخُلُودِ بَلْ لِنَوْعٍ مِنَ التَّنَعُّمِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، فَفي الحَدِيثِ «أنَّ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ في حَواصِلِ طُيُورٍ في الجَنَّةِ».

وفِي بَعْضِ الآثارِ: «إذا ماتَ المُؤْمِنُ أُعْطِي نِصْفَ الجَنَّةِ؛» أيْ: نِصْفَ جَنَّتِهِ الَّتِي وُعِدَ دُخُولَها يَوْمَ القِيامَةِ، وذُكِرَ في وجْهِ إدْخالِها مَعَ الأرْواحِ القُدْسِيَّةِ كالمَرايا المَصْقُولَةِ فَإذا انْضَمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ تَعاكَسَتْ أشِعَّةُ أنْوارِ المَعارِفِ فَيَظْهَرُ لِكُلٍّ مِنها ما يُكَمِّلُها فَيَكُونُ سَبَبًا أنَّها لِتَكامُلِ السِّعاداتِ وتَعاظُمِ الدَّرَجاتِ وهو عِنْدِي كَلامٌ خَطابِيٌّ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ما يُؤَيِّدُ بَعْضَ هَذِهِ الأوْجُهِ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ هَذا عُنْوانُ المَوْتِ، ورُجُوعُها إلى رَبِّها خُرُوجُها مِنَ الدُّنْيا، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قِيلَ: لَها ادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي. وقِيلَ: إنَّ هَذا القَوْلَ بَعْدَ المَوْتِ وقَبْلَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِرُجُوعِها إلى رَبِّها رُجُوعُها إلى جَسَدِها لِسُؤالِ المَلَكَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ أُرِي مَنزِلَهُ مِنَ الجَنَّةِ فَيَقُولُ تَبارَكَ وتَعالى: يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ عِنْدِي ارْجِعِي إلى جَسَدِكِ الَّذِي خَرَجْتِ مِنهُ راضِيَةً بِما رَأيْتِ مِن ثَوابِي مَرْضِيًّا عَنْكِ حَتّى يَسْألَكِ مُنْكَرٌ ونَكِيرٌ، وقِيلَ: إنَّهُ في مُواطِنَ ثَلاثَةٍ.

أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: بُشِّرَتْ بِالجَنَّةِ عِنْدَ المَوْتِ وعِنْدَ البَعْثِ ويَوْمَ الجَمْعِ، وتُفَسَّرُ عَلَيْهِ بِما يَنْطَبِقُ عَلى الجَمِيعِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في سائِرِ أوْقاتِ النَّفْسِ في حَياتِها الدُّنْيا، والمُرادُ بِالأمْرِ بِالرُّجُوعِ إلى الرَّبِّ الأمْرُ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ تَعالى في كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، والمُرادُ بِالأمْرِ بِالدُّخُولِ في العِبادِ الأمْرُ بِالدُّخُولِ في زُمْرَةِ العِبادِ الخُلَّصِ الَّذِينَ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ بِالإكْثارِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، وبِالأمْرِ بِالدُّخُولِ في الجَنَّةِ الأمْرُ بِالدُّخُولِ فِيها بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ بالَغَ جَلَّ وعَلا في سُوءِ حالِ الأمّارَةِ ووَعِيدِها خاطَبَ المُطْمَئِنَّةَ بِذاكَ وأرْشَدَها سُبْحانَهُ إلى ما فِيهِ صَلاحُها ونَجاتُها. ولا يَخْفى ما فِيهِ؛ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ وجْهًا، وأيًّا ما كانَ مِنَ الأوْجُهِ فالظّاهِرُ العُمُومُ فِيها، وإنْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن

صفحة 133

طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ اشْتَرى بِئْرَ رُومَةَ وجَعَلَها سِقايَةً لِلنّاسِ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ الَّذِي صَلَبَهُ أهْلُ مَكَّةَ وجَعَلُوا وجْهَهُ إلى المَدِينَةِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ لِي عِنْدَكَ خَيْرٌ فَحَوِّلْ وجْهِي نَحْوَ قِبْلَتِكَ، فَحَوَّلَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ نَحْوَها، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ أنْ يُحَوِّلَهُ بَعْدُ. فَتَفْسِيرُ النَّفْسِ المَذْكُورَةِ بِأحَدِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ كَما نُقِلَ عَنْ بَعْضٍ مِن بابِ التَّمْثِيلِ وأنَّ صُورَةَ السَّبَبِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ ويَنْبَغِي أنْ يَتَحَمَّلَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في تِلْكَ النَّفْسِ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ هو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، وأشْعَرَتِ الآيَةُ عَلى بَعْضِ أوْجُهِها بِأنَّ الأرْواحَ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ الأبْدانِ ومَقَرُّها إذْ ذاكَ في عالَمِ المَلَكُوتِ، والخِلافُ في المَسْألَةِ شَهِيرٌ، وجُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ عِنْدَ اسْتِعْدادِ الأبْدانِ لَها وكَذا أفْلاطُونُ وأصْحابُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو صالِحٍ وأبُو شَيْخٍ واليَمانِيُّ في «عَبْدِي» عَلى الإفْرادِ واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ الجِنْسُ كَما في النَّفْسِ. ولِلسّادَةِ الصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ نُفُوسُهم كَلامٌ طَوِيلٌ في تَقْسِيمِ مَراتِبِ النَّفْسِ وقالُوا: إنَّ الآيَةَ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَراتِبَ ثَلاثٍ مِنها المُطَمْئِنَةُ والرّاضِيَةُ والمَرَضِيَّةُ وفَسَّرُوا كُلًّا بِما فَسَّرُوهُ، فَمَن أرادَهُ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ في كُتُبِهِمْ، وأنا أقُولُ كَما عَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْضَ الصَّحابَةِ عَلى ما أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ نَفْسًا مُطْمَئِنَّةً تُؤْمِنُ بِلِقائِكَ وتَرْضى بِقَضائِكَ وتَقْنَعُ بِعَطائِكَ».

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском